Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوفاء النبوي للأنصار: المحيا محياكم والممات مماتكم

الكاتب

هيئة التحرير

الوفاء النبوي للأنصار: المحيا محياكم والممات مماتكم

حين لاحت تباشير النصر في مكة، توجست قلوب السادة الأنصار - رضي الله عنهم - خيفة من أن يستقر سيدنا النبي - ﷺ - في بلده ومسقط رأسه؛ فجاء الرد النبوي الشريف حاسمًا ومطمئنًا، ليؤكد أن عهد الوفاء الذي قطع في بيعة العقبة لا تحله الفتوحات، وأن رباط العقيدة أقوى من رباط الأرض.

ميثاق الوفا على جبل الصفا

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: "وَبَلَغَنِي عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ افْتَتَحَ مَكَّةَ وَدَخَلَهَا، قَامَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو (اللَّهَ)، وَقَدْ أَحْدَقَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، فَقَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: "أَتُرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، إذْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ يُقِيمُ بِهَا؟ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ: مَاذَا قُلْتُمْ؟ قَالُوا: لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ‌«مَعَاذَ ‌اللَّهِ! ‌الْمَحْيَا ‌مَحْيَاكُمْ، ‌وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»[ابن هشام، السيرة النبوية ، ٢/٤١٦].

"أتى سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفا فعلاه حيث ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله بما شاء أن يذكره ويدعوه، والأنصار تحته؛ قال بعضهم لبعض: "أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، فنزل الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم - بما ذكر القوم، فلما قضي الوحي رفع صلى الله عليه وسلم رأسه وقال: يا معشر الأنصار قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته، قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: فما اسمي إذن، أي إن فعلت ذلك كيف اسمي؟ وأوصف بأني عبد الله ورسوله، كلا لا أفعل ذلك إني عبد الله ورسوله، أي ومن كان هذا وصفه لا يفعل ذلك، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم، والممات مماتكم، فأقبلوا إليه صلى الله عليه وسلم يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضنّ: أي البخل بالله وبرسوله: أي لا نسمح أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير بلدتنا، يعنون المدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم" [السيرة الحلبية، ٣/‏١٢٩].

وفي رواية: "أن الأنصار رضي الله تعالى عنهم قالوا فيما بينهم: أترون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتح الله أرضه وبلده يقيم بهما، فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من دعائه قال: ماذا قلتم؟

قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَعَاذَ اللَّهِ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ» [المصدر نفسه].

أي وتقدم له صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة نظير ذلك، وهو أن الأنصار قالوا: يا رسول الله هل عسيت إن نحن نصرناك وأظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: بل الدم الدم، والهدم والهدم. [المصدر نفسه].

قال مالك: "وزعم يحيى بن سعيد قال: لما فتح الله عزوجل على رسوله- صلى الله عليه وسلم مكة وقام على الصفا كأنه يدعو، قالت الأنصار وهم قد أحدقوا به أو غيرهم من أصحابه، أنا الشاك، قالوا أتراه إذ فتح الله عليه وأقر عينه مقيما بأرضه. فلما فرغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال: ما قلتم؟ قالوا قلنا كذا وكذا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «مَعَاذ اللهُ المَحْيَا مَحْيَاكُم وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُم»" [البيان والتحصيل ١٨/‏٢٩١]

قال محمد بن رشد: "إنما لم يقم رسول الله- صلى الله عليه وسلم بمكة؛ لأنها الأرض التي هاجر منها لله عز وجل، فلم يكن ليرجع فيما قد تركه لله تعالى. وقد قال- صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرًَا مِنَ الْأَنْصَارِ» [صحيح البخاري:٧٢٤٥] وقال- صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «لَا يُقِيمَنَّ مُهَاجِرٌ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ فَوْقَ ثَلَاثٍ» [صحيح مسلم:١٣٥٢]." [المصدر السابق].

فضرب بذلك للناس مثلًا في البرّ بعهده في بيعة العقبة، وفي الوفاء لأنصاره الذين وقفوا ساعة الشدة إلى جانبه برًّا ووفاءً لا ينسيهما وطن ولا أهل ولا تنسيهما مكة البلد الحرام [محمد حسين هيكل، حياة محمد صلى الله عليه وسلم، ص٢٦٦].

القسمة النبوية وربح القلوب

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «‌لَوْلَا ‌الْهِجْرَةُ ‌لَكُنْتُ ‌امْرًَا ‌مِنَ ‌الْأَنْصَارِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَهُمْ» [حديث علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر،(١/٢٦٥)].

وَقَالَ سيدنا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا ‌الْهِجْرَةُ ‌لَكُنْتُ ‌امْرًَا ‌مِنَ ‌الْأَنْصَارِ، وَلَوْ يَنْدَفِعُ النَّاسُ فِي شُعْبَةٍ، أَوْ فِي وَادٍ، وَالْأَنْصَارُ فِي شُعْبَةٍ، لَانْدَفَعْتُ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي شِعْبِهِمْ» [مسند الإمام أحمد: (٨١٦٩)].

وذكر الإمام الواقدي في مغازيه:" لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِي قُرَيْشٍ وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتّى كَثُرَتْ الْقَالَةُ حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قومه، وأمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ، وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِمّنْ كَانَ هذا! إن كان هذا من اللَّه صَبَرْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْتَبْنَاهُ، فَبَلَغَ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا يَقُولُ فِيّ قَوْمُك؟» قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَقُولُونَ: أَمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ، وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هَذَا! إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللهِ صَبَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْتَبْنَاهُ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟» فَقَالَ سَعْدٌ:

يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إلّا كَأَحَدِهِمْ، وَإِنّا لَنُحِبّ أَنْ نَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَاجْمَعْ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ»، فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ جَاءَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ، «فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِاَلّذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا فَهَدَاكُمْ اللهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟» قَالُوا:

بَلَى، اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ! قَالَ: «أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟»

قَالُوا: وَمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِرَسُولِ اللهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ؟ قَالَ: «أَمَا وَاَللهِ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ: أَتَيْتنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاك، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك! وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهِ قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟ وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرًَا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْت شِعْبَ الْأَنْصَارِ، أَكْتُبُ لَكُمْ بِالْبَحْرَيْنِ كِتَابًا مِنْ بَعْدِي تَكُونُ لَكُمْ خَاصّةً دُونَ النّاسِ! فَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنْصَارِ»

قَالُوا: وَمَا حَاجَتُنَا بِالدّنْيَا بَعْدَك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إمّا لَا فَسَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ، وَهُوَ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَعُمَانَ، وَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النّجُومِ. اللهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ» قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللهِ حَظّا وَقَسْمًا، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفَرّقُوا" [الواقدي: المغازي، ٣/٩٥٨].

وفي صحيح الإمام البخاري -رحمه الله-، عن سيدنا عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ  - رضي الله عنهم -  قَالَ: "لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي»، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: «مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم»، قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: «لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى رِحَالِكُمْ، ‌لَوْلَا ‌الْهِجْرَةُ ‌لَكُنْتُ ‌امْرًَا ‌مِنَ ‌الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَُثَْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ». [صحيح البخاري: (٤٣٣٠)].

وذكر أبو يعلى في مسنده هذا الحديث بسنده، عن أبي سعيدٍ: "قال رجلٌ من الأنصار لأصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت له الأمور قد آثر عليكم غيركم! قال: فردوا عليه ردًا عنيفًا، قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجاءهم، فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "فَكُنْتُمْ لا تَرْكَبُونَ الْخيْلَ"، قال: كلما قال لهم شيئًا، قالوا: بلى يا رسول الله! فلما رآهم لا يردون عليه شيئًا، قال: «أَفَلا تَقُولُونَ: قَاتَلَكَ قَوْمُكَ فَنَصَرْنَاكَ، وَأَخْرَجَكَ قَوْمُكَ فَآوَيْنَاكَ» قالوا: نحن لا نقول ذلك يا رسول الله، أنت تقوله، قال: فقال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَأَنْتُمْ تَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟! قال: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلا تَرْضَوْنَ أَنَّ النَّاسَ لَوْ سَلَكُوا وَادِيًا وَسَلَكْتُمْ وَادِيًا لَسَلَكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ؟!» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «لَوْلا ‌الْهِجْرَةُ ‌لَكُنْتُ ‌امْرًَا ‌مِنَ ‌الأَنْصَارِ، الأَنْصَارُ كرِشِى، وَأَهْلُ بَيْتِى عَيْبَتِى الَّتِى آوِى إِلَيْهَا، اعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ»، قال أبو سعيدٍ: فما علم ذلك ابن مرجانة عدو الله! قال أبو سعيدٍ: قلت لمعاوية: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان حدّثنا أنا سنرى بعده أثرةً! قال معاوية: فما أمركم؟ قال: قلت: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا إذًا.[مسند أبي يعلى الموصلي، (١٣٥٨)، مسند الإمام أحمد: (١١٨٤٢)].


الخلاصة

تجلت أسمى معاني الوفاء النبوي للأنصار عند فتح مكة، حين طمأنهم النبي ﷺ على جبل الصفا بأن عهده معهم باقٍ بقوله: «الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ»، مُعليًا قيمة النصرة والإيواء، ولم تكن حكمة القسمة يوم حنين إلا ترسيخًا لهذا الوفاء، إذ استمال المؤلفة قلوبهم بحطام الدنيا، وخصَّ الأنصار بالفوز برفقته ﷺ والعودة به إلى رحالهم، واصفًا إياهم بـ "الشعار" والناس بـ "الدثار"، وانتهى الموقف ببكاء القوم رِضًا بقسمتهم من رسول الله، ليضرب ﷺ بذلك أروع الأمثلة في البر بالعهود وربح القلوب وتقديم الرابطة الإيمانية على المكاسب المادية.

موضوعات ذات صلة

كلما ازداد القلب قربًا من سنّته وهديه، زاد تعلقه به صلى الله عليه وآله وسلم حبًا وشوقًا.

 خُلق نبيل يجمع بين صدق القول وإخلاص العمل، ويُعد من أعمدة الأخلاق التي تبني بها المجتمعات وتُصان بها القيم.

قامت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة على أساس التآخي بين المهاجرين والأنصار، فكانوا جناحي الدعوة وحملة الرسالة.

موضوعات مختارة