خطب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الجموع الكبيرة بعد الإحرام ووعظهم، وعلَّمهم مناسك
حجهم، وقال لهم: «خُذُوا عني مَنَاسِكَكُم» [رواه
النسائي].
سار موكب الحج النبوي إلى مكة المكرمة فوصلها يوم الرابع من ذي الحجة،
فطاف طواف القدوم وسعى بين الصفا والمروة، ويوم الثامن من ذي الحجة - وهو يوم
التروية - توجه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصبح يوم عرفة،
وبعد الصلاة توجه إلى عرفات ليقف هناك، وهو الركن الأهم من أركان الحج، فصلى الظهر
والعصر جمعًا وقصرًا.
وعلى جبل الرحمة في يوم التاسع من ذى الحجة خطب خطبته الأشهر، التي رغم
طولها نوردها كاملة، لأهميتها، وقد وردت بصيغ مختلفة ولكنها متحدة المعنى في كتب
السنة والسيرة.
والنص الذي نذكره هنا لابن إسحاق [المصدر السابق ج٤ ص
٢٧٥ - ٢٧٦]، قال - صلى الله عليه وسلم - بعد أن حمد الله - تعالى - وأثنى عليه: «أَيُّهَا
النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ
بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ،
كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَكَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَإِنَّكُمْ
سَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، وَقَدْ بَلَّغْتُ،
فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ
عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ، لَا
تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لَا رِبًا، وَإِنَّ رِبَا
عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ
فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دِمَائِكُمْ أَضَعُ دَمَ ابْنِ
رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي
بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ
دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ.
أَمَّا
بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ
فِي أَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ إِنْ يُطَعْ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ
فَقَدْ رَضِيَ بِهِ مِمَّا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى
دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّسِيءَ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ، يُضَلُّ
بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا،
لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ،
وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ
كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِنَّ عِدَّةَ
الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ،
ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ
مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ.
أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا، لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلَّا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْن فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبْرِحٍ – أَيْ ضَرْبًا هَيِّنًا غَيْرَ شَدِيدٍ – فَإِنِ انْتَهَيْنَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ، فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا قَوْلِي وَاعْقِلُوهُ، تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخٌ لِلْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِخْوَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، فَلَا تَظْلِمُنَّ أَنْفُسَكُمْ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟».
يقولُ
ابنُ إسحاقَ: فذُكِرَ لي أنّ النّاسَ قالوا: "اللّهم نعم"، فقال - صلى
اللهُ عليه وسلم: «اللّهمَّ فاشْهَد».