عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرًَا مِنَ الْأَنْصَارِ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَادِيًا، أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ، أَوْ شِعْبَهُمْ» [حديث علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر،(١/٢٦٥)].
وَقَالَ سيدنا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرًَا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ يَنْدَفِعُ النَّاسُ فِي شُعْبَةٍ، أَوْ فِي وَادٍ، وَالْأَنْصَارُ فِي شُعْبَةٍ، لَانْدَفَعْتُ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي شِعْبِهِمْ» [مسند الإمام أحمد: (٨١٦٩)].
وذكر الإمام الواقدي في مغازيه:" لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِي قُرَيْشٍ وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ، حَتّى كَثُرَتْ الْقَالَةُ حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم قومه، وأمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ، وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِمّنْ كَانَ هذا! إن كان هذا من اللَّه صَبَرْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْتَبْنَاهُ، فَبَلَغَ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
«مَا يَقُولُ فِيّ قَوْمُك؟»
قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «يَقُولُونَ:
أَمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ، وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ، وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هَذَا! إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللهِ صَبَرْنَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْتَبْنَاهُ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ؟»
فَقَالَ سَعْدٌ:
يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَنَا إلّا كَأَحَدِهِمْ، وَإِنّا لَنُحِبّ أَنْ نَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
«فَاجْمَعْ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ»،
فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ، فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ جَاءَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ. فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ،
«فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِاَلّذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ، وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا فَهَدَاكُمْ اللهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ؟»
قَالُوا:
بَلَى، اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ! قَالَ:
«أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟»
قَالُوا: وَمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللهِ، وَلِرَسُولِ اللهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ؟ قَالَ:
«أَمَا وَاَللهِ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ: أَتَيْتنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاك، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك! وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهِ قَوْمًا لِيُسْلِمُوا، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ، أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رِحَالِكُمْ؟ وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرًَا مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْت شِعْبَ الْأَنْصَارِ، أَكْتُبُ لَكُمْ بِالْبَحْرَيْنِ كِتَابًا مِنْ بَعْدِي تَكُونُ لَكُمْ خَاصّةً دُونَ النّاسِ! فَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنْصَارِ»
قَالُوا: وَمَا حَاجَتُنَا بِالدّنْيَا بَعْدَك يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
«إمّا لَا فَسَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ، وَهُوَ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَعُمَانَ، وَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النّجُومِ. اللهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ»
قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا يَا رَسُولَ اللهِ حَظّا وَقَسْمًا، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفَرّقُوا" [الواقدي: المغازي، ٣/٩٥٨].
وفي صحيح الإمام البخاري -رحمه الله-، عن سيدنا عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - رضي الله عنهم - قَالَ: "لَمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ:
«يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي»، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا
قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ:
«مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم»، قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ:
«لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى رِحَالِكُمْ، لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرًَا مِنَ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَُثَْرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ». [صحيح البخاري: (٤٣٣٠)].
وذكر أبو يعلى في مسنده هذا الحديث بسنده، عن أبي سعيدٍ: "قال رجلٌ من الأنصار لأصحابه: أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت له الأمور قد آثر عليكم غيركم! قال: فردوا عليه ردًا عنيفًا، قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فجاءهم، فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "فَكُنْتُمْ لا تَرْكَبُونَ الْخيْلَ"، قال: كلما قال لهم شيئًا، قالوا: بلى يا رسول الله! فلما رآهم لا يردون عليه شيئًا، قال: «أَفَلا تَقُولُونَ: قَاتَلَكَ قَوْمُكَ فَنَصَرْنَاكَ، وَأَخْرَجَكَ قَوْمُكَ فَآوَيْنَاكَ» قالوا: نحن لا نقول ذلك يا رسول الله، أنت تقوله، قال: فقال:
«يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَأَنْتُمْ تَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟! قال: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلا تَرْضَوْنَ أَنَّ النَّاسَ لَوْ سَلَكُوا وَادِيًا وَسَلَكْتُمْ وَادِيًا لَسَلَكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ؟!» قالوا: بلى يا رسول الله، قال:
«لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرًَا مِنَ الأَنْصَارِ، الأَنْصَارُ كرِشِى، وَأَهْلُ بَيْتِى عَيْبَتِى الَّتِى آوِى إِلَيْهَا، اعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ»، قال أبو سعيدٍ: فما علم ذلك ابن مرجانة عدو الله! قال أبو سعيدٍ: قلت لمعاوية: أما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان حدّثنا أنا سنرى بعده أثرةً! قال معاوية: فما أمركم؟ قال: قلت: أمرنا أن نصبر، قال: فاصبروا إذًا.[مسند أبي يعلى الموصلي، (١٣٥٨)، مسند الإمام أحمد: (١١٨٤٢)].