وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
في فجر يوم الجمعة ١٢ رجب ٤٧٩ هـ = (٢٣ أكتوبر ١٠٨٦م) [روض القرطاس، (ص ٩٦)، الحلل الموشية، (ص ٤٠ و ٤١)]، شهدت سهول "الزلاقة" قرب بطليوس واحدة من أعظم المعارك الحاسمة في تاريخ الأندلس، كانت هذه المعركة أشبه بجراحة ضرورية؛ لوقف النزيف؛ إذ التقت فيها جيوش الإسلام المتحدة تحت قيادة يوسف بن تاشفين أمير المرابطين بجيوش القشتاليين الجارفة بقيادة ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون.
لم تكن الزلاقة مجرد انتصار عسكري، بل كانت نقطة تحول مصيرية أوقفت زحف الممالك الشمالية، وأعادت الثقة للأندلسيين بعد يأس وتفتت دام عقودًا.
الخلفية التاريخية التي سبقت المعركة كانت في غاية السوء مما جعل الموقف يتطلب تدخلًا خارجيًا عاجلًا:
في هذه المواجهة كانت القوة البشرية تميل لصالح القشتاليين حيث قُدر جيشهم بثمانين ألف مقاتل، ويقدرها البعض الآخر بخمسين ألفًا أو أربعين ألفًا، وأما الجيش الإسلامي، فيقدره البعض بثمانية وأربعين ألفًا، والبعض الآخر بعشرين ألفًا على أنه يبدو من الروايات المختلفة أن جيش قشتالة كان يفوق المسلمين في العدد [الحلل الموشية، (ص ٣٨)، الكامل في التاريخ، (٨ / ٣٠٨- ٣٠٩)، ونفح الطيب، ج ٢ ص ٥٢٨، والمعجب للمراكشي ص ٧١].
اعتمد يوسف بن تاشفين على خطة دفاعية هجومية عبقرية، مكَّنته من تحويل التفوق العددي للقشتاليين إلى نقمة عليهم.
في السَّحر من يوم الجمعة ١٢ رجب ٤٧٩ هـ، هاجم ألفونسو بقوته الرهيبة، ظانًا أن القوات الأمامية هي الجيش الإسلامي بأكمله، وذلك لأن ابن تاشفين قَدَّم المعتمد بن عباد وبعض قوات المرابطين، وأما بقية الجيش فقد كان خلف رَبْوَة لم يعرف بهم القشتاليون، وقد تصدى فرسان المرابطين الأوائل بصلابة، ورغم أنهم لم يتمكنوا من الصمود أمام سيل الجيش القشتالي، فقد نجحوا في تحطيم حِدَّة وعُنف الهجمة الأولى، وتكسير موجتها الرئيسية.
تراجعت القوات الأمامية، ودارت الدائرة على قوات الأندلس، لكن ابن عباد أبلى بلاءً حسنًا، وثبت صامدًا رغم إصابته الخطيرة في رأسه ويده.
لم يكن يوسف بن تاشفين غافلًا، فقد كان يرقب المعركة من على ربوته، دفع أولًا بقوات إغاثة؛ لمساعدة ابن عباد على الثبات، وعندما تأكد أن ألفونسو اقتحم معسكر الأندلسيين بجميع قواته، قاد بنفسه قواته الاحتياطية، وحمل إلى مؤخرة الجيش القشتالي، فاقتحم محلتهم، وأشعل فيها النيران.
وأمر أمير المسلمين بضرب الطُّبول، وزعق البوقات، وهزت الأرض بنداء "الله أكبر"، فطار لب ألفونسو، واضطربت قلوب القشتاليين، وعادوا بغضب إلى محلهم المحترق.
أدار يوسف بن تاشفين المعركة بخطة الكرِّ والفرِّ المتوالية، وهو أسلوب لم يعهده العدو الإسباني، مستنزفًا فرسانهم ورجالتهم، وقد ساعد في ذلك استخدام الجِمَال في ساحة القتال حيث كانت خيول القشتاليين تهرب من رغائها. (الرُّغَاءُ): صَوْتُ ذَوَاتِ الْخُفِّ، وَقَدْ رَغَا الْبَعِيرُ أَيْ: ضَجَّ. [مختار الصحاح للرلزي، ص١٢٥].
وبينما كان يوسف يحمل ويصبر، ويدعو جنده للشهادة والغنيمة، تمكن جيش ابن عباد من جمع شتاته، والانضمام للهجوم المضاد، وبذلك وقع الجيش القشتالي بين مطرقة المرابطين (من الخلف)، وسندان بن عباد (من الأمام).
وأخيرًا، أدرك الأمير تضعضع الجيش القشتالي، فأمر حشمه السودان بالترجل (حوالي أربعة آلاف)، ودخول المعترك، فكانت هذه الضربة التي قضت على المقاومة، وتمت هزيمة ألفونسو، ونجا بجروح خطيرة.
سميت موقعة الزَّلاَّقَة بهذا الاسم؛ لكثرة الدماء فيها حتى كانت أرجل الخيول والرجال تنزلق فيها.
كانت نتائج الزلاقة مدمرة للقشتاليين، ومباركة للمسلمين، وغيَّرت وجه التاريخ في شبه الجزيرة الأيبيرية، وهذه أهم نتائجها:
لم تكن الزَّلاَّقَة معركة أرض فحسب، بل كانت معركة مصير وحضارة، وتقدم لنا دروسًا خالدة:
معركة الزَّلاَّقَة ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي نموذج حي لما يمكن تحقيقه عند توحيد الصفوف، ونبذ الخلافات، فلقد أنقذت الزَّلاَّقَة هوية الأندلس الإسلامية لقرن إضافي، وتركت لنا إرثًا يعلم أن التعلق بالله، والاتحاد قوة، والتفرق ضعف وهوان.