بين رجبٍ ورمضان، شعبانُ يزهو بنورِ العبادةِ والتاريخ في تقويمِ الأمةِ الإسلامية، يطلُّ شهرُ شعبان كأنهُ جسرٌ من نورٍ يربطُ بينَ قدسيةِ رجبٍ، ورحمةِ رمضان.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
بين رجبٍ ورمضان، شعبانُ يزهو بنورِ العبادةِ والتاريخ في تقويمِ الأمةِ الإسلامية، يطلُّ شهرُ شعبان كأنهُ جسرٌ من نورٍ يربطُ بينَ قدسيةِ رجبٍ، ورحمةِ رمضان.
شعبان فليسَ مجردَ شهرٍ يمرُّ في سِجلِّ الزمان، بل هو مشكاةُ خيرٍ متعدّدِة الشعب، وموطنُ أحداثٍ عظيمةٍ غيّرتْ مجرى التاريخِ الإسلامي.
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك شهرٌ يغفلُ الناسُ عنه، بينَ رجبٍ ورمضانَ» [رواه النسائي].
ويكفيه شرفًا أن نسبه الحبيب لنفسه، وأمر بتعظيمه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خِيرَةُ اللهِ مِنَ الشُّهُورِ شَهْرُ رَجَبٍ وَهُوَ شَهْرُ اللهِ، مَنْ عَظَّمَ شَهْرَ اللهِ رَجَبٍ فَقَدْ عَظَّمَ أَمْرَ اللهِ، وَمَنْ عَظَّمَ أَمْرَ اللهِ أَدْخَلَهُ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَوْجَبَ لَهُ رِضْوَانَهُ الْأَكْبَرَ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي فَمَنْ عَظَّمَ شَهْرَ شَعْبَانَ فَقَدْ عَظَّمَ أَمْرِي، وَمَنْ عَظَّمَ أَمْرِي كُنْتُ لَهُ فَرَطًا وَذُخْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ...» الحديث [رواه البيهقي في: شعب الإيمان].
فما هذه الشعبُ المتعددةُ من الخير؟ وما الأحداثُ العظيمةُ التي شهدها هذا الشهرُ الكريم؟
وسمي شعبان لأنه يتشعب منه خير كثير، وقيل: معناه: (شاع)، و(بان).
وقيل: مشتق من الشِعب، وهو: طريق في الجبل، فهو طريق الخير.
وقيل: من (الشَّعب)، وهو: الجبر، فيجبر الله فيه كسر القلوب. وقيل غير ذلك.
كان ﷺ يصومُ شعبانَ أكثرَ من غيرِه، حتى قالت عائشةُ رضي الله عنها: "ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ استكملَ صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضانَ، وما رأيتُهُ في شهرٍ أكثرَ صيامًا منه في شعبانَ" [رواه أبو داود].
ففي هذا الصيامِ سرُّ الاستعدادِ الروحي، وتطهيرُ النفسِ قبلَ دخولِ شهرِ القرآن رمضان المعظم.
والتي تدل على عظيم قدرها عند الله عز وجل، ومنها:
- ليلةُ المغفرةِ والعتق:
وردَ في الحديثِ الحسن: «يغفرُ اللهُ لجميعِ خلقِه ليلةَ النصفِ من شعبانَ، إلا لمشركٍ أو مشاحنٍ» [رواه ابنُ ماجه].
وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: «ينزلُ اللهُ ليلةَ النصفِ من شعبانَ إلى السماءِ الدنيا، فيقولُ: ألا مِن مستغفرٍ فأغفرَ له؟ ألا مِن مسترزقٍ فأرزقَه؟» الحديث.. [رواه ابنُ ماجه].
- وهي ليلةُ الاستغفارِ.
- وليلة الدعاءِ.
- وليلة الإنابةِ.
- والليلة المباركة.
- وليلة القسمة، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: "إِذَا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ , نُسِخَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ كُلُّ مَنْ يَمُوتُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى شَعْبَانَ، قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَظْلِمُ، وَيَفْجُرُ، وَيَنْكِحُ النِّسْوَانَ، وَيُعَرِّسُ الْأَعْرَاسَ، وَمَا اسْمُهُ فِي الْأَحْيَاءِ، قَدْ نُسِخَ اسْمُهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْأَمْوَاتِ، وَمَا مِنْ لَيْلَةٍ بَعْدَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْهَا يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ، أَوْ مُشَاحِنٍ، أَوْ قَاطِعِ رَحِمٍ".
- ليلة التكفير: لأنها تكفر ذنوب السنة [ذكره التقي السبكي في تفسيره].
- ليلة الإجابة: لما روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «خَمْسُ لَيَالٍ لَا يُرَدُّ فِيهِنَّ الدُّعَاءُ؛ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَيْلَتَا الْعِيدِ» [رواه البيهقي في: فضائل الأوقات].
- ليلة الشفاعة: سماها بذلك أبو منصور محمد بن عبد الحكيم النيسابوري، وغيره.
- ليلة البراءة، وليلة الصك: لأنه يكتب فيها للمؤمنين براءة وصك بالمغفرة.
- ليلة الجائزة، وليلة الرجحان، وليلة التعظيم [ذكر ذلك التقي السبكي في تفسيره].
- ليلة الغفران: سماها بذلك شهاب الدين أحمد بن حجازي الفشني في: [تحفة الإخوان في قراءة الميعاد في رجب وشعبان ورمضان] صـ(٨٦ – ٨٧).
ذكر ابن رجب الحنبلي، في: (لطائف المعارف): أنه كان السلفُ يُكثرونَ من قراءةِ القرآنِ في شعبان، تمهيدًا لرمضان. فقال: قال سلمة بن كهيل: "إنّ شعبانَ شهرُ القرّاء". فلم يكونوا يتركونَهُ للغفلة، بل يجعلونَهُ مزرعةً للقلوبِ قبلَ موسمِ الحصادِ.
لما كانت ليلةُ النصفِ تستثني: "المشاحن"، من المغفرة والرحمة، كان السلفُ يسارعونَ في إصلاحِ ذاتِ البين، ودفعِ الصدقاتِ، وصلةِ الرحم.
ففي ذلك سرُّ القبولِ الإلهي، إذ لا يقبلُ اللهُ عملاً مع الشحناءِ في القلب.
١ – شهر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم:
ففيه أنزل الله تعالى قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب: ٥٦).
٢ – تحويل القبلة:
كان في شهر شعبان، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر ذلك برغبة قوية، ويقوم كل ليلة مقلبًا وجهه في السماء، يترقب الوحي الرباني، حتى أقر الله عينه، وأعطاه مُناه، وحقق مطلوبه بما أرضاه، ونزل قوله تعالي: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة:١٤٤]. وهو مصداق قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى:٥].
٣ – تقدير الأعمال:
قد جاء في الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ الشُّهُورِ إِلَيْكَ أَنْ تَصُومَهُ شَعْبَانُ. قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مَيِّتَةٍ تِلْكَ السَّنَةَ، فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَنِي أَجَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [رواه أبو يعلى في مسنده].
حري بكل مؤمن صادق متبع للجناب الأكرم صلى الله عليه وسلم، أن يغتنم نفحات الله عز وجل في أيام دهره، ومن أعظمها تلك الليلة المباركة، التي عظُم شأنها، وكرُم قدرها عند الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقديما قالوا: "كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى".
فهي ليلة المغفرة والرحمة...إلخ ما ذُكر سابقا من شريف أسمائها، ودلالة هذه الأسماء على شرفها.
فجديرة تلك الليلة المباركة أن يغتنمها العبد لعله يفوز برضا الله تعالى ورحمته.
شهر شعبان محطة إيمانية فارقة وجسرًا روحيًا يربط بين عظمة رجب وبركات رمضان.
شعبان المبارك شهر الأسرار والأنوار، حيث تُرفع فيه الأعمال إلى رب العزة وتتسع فيه دائرة المغفرة.
تُعد حدث تحويل القبلة في السنة الثانية للهجرة انعطافة تاريخية كبرى جسدت استقلال الشخصية الإسلامية.