Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

غزوة أُحُد (١٥ شوال ٣هـ)

الكاتب

هيئة التحرير

غزوة أُحُد (15 شوال 3هـ)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

إن دراسة السيرة النبوية المطهرة ليست مجرد سرد لقصص الأولين أو تدوينًا لمعارك انقضت، بل هي غوص في مدرسة النبوة لاستنباط السنن الربانية التي تحكم حركة التاريخ، وتُربي نفوس المؤمنين، وبين صفحات هذه السيرة العطرة، تقف "غزوة أُحُد" مَعْلَمًا بارزًا ومحطةً فارقةً مليئةً بالدروس والعبر؛ فهي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيش المسلمين وجيش المشركين، بل كانت محنةً شرّعها الله بحكمته البالغة لتمحيص الصفوف، وكشف أقنعة النفاق، واصطفاء ثلة من الشهداء الأبرار الذين خُلِّدَ ذكرهم في القرآن الكريم.

إننا أمام دراسة تحكي كيف يصنع الإيمان رجالًا يبيعون أنفسهم لله ورسوله ﷺ، وكيف تُغسل القلوب بالدماء لتخرج الأمة أصلب عودًا وأشد ثباتًا.

الفصل الأول: نُذُر الحرب والمسير إلى أُحد

نتناول أحداث غزوة أُحُد بناءً على ما وثقته كتب السيرة كسيرة ابن هشام وابن إسحاق، ونتتبع مسار الأحداث منذ الإعداد والدعوة للحرب وخروج قريش لطلب الثأر بعد هزيمتهم في بدر، مرورًا بالشورى النبوية تجهيز جيش المسلمين، وصولًا إلى ذروة القتال والمواقف الفريدة الخالدة للصحابة رضوان الله عليهم.

  • تحريض قريش واستنفار القبائل

يقول الإمام ابن إسحاق رحمه الله: " كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلَاءٍ وَمُصِيبَةٍ وَتَمْحِيصٍ، اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَحَنَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ، مِمَّنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ بِلِسَانِهِ، وَهُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْكُفْرِ فِي قَلْبِهِ، وَيَوْمًا أَكْرَمَ اللَّهُ فِيهِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِالشَّهَادَةِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ"

فلما أُصيب كفار قريش يوم بدر ورجع فَلُّهم إلى مكة، وعاد أبو سفيان بن حرب بعيره، سعى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال ممن أُصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر؛ فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير تجارة، وقالوا: "يا معشر قريش، إن محمّدًا قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعَلَّنَا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا"، ففعلوا، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِیَصُدُّوا۟ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ فَسَیُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَیۡهِمۡ حَسۡرَةࣰ ثُمَّ یُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ یُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].

اجتمعت قريش لحرب رسول الله بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة، وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد مَنَّ عليه رسول الله يوم بدر لفقره وكثرة عياله، فجاءه صفوان بن أمية يطلب منه أن يعينهم بلسانه ويخرج معهم، فاعتذر في البداية قائلًا: "إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَنَّ عَلَيَّ فَلَا أُرِيدُ أَنْ أُظَاهِرَ عَلَيْهِ".

لكن صفوان ألحَّ عليه ووعده قائلًا: "فَأَعِنَّا بِنَفْسِكَ، فَلَكَ اللَّهُ عَلَيَّ إنْ رَجَعْتُ أَنْ أُغْنِيَكَ، وَإِنْ أُصِبْتَ أَنْ أَجَعَلَ بَنَاتِكَ مَعَ بَنَاتِي، يُصِيبُهُنَّ مَا أَصَابَهُنَّ مِنْ عُسْرٍ وَيُسْرٍ".

فخرج أبو عزة في تهامة يدعو بني كنانة ويقول:

إيهًا بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ الرُّزَّامِ * * * أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ

لَا تَعْدُونِي نَصَّرَكُمْ بَعْدَ الْعَامِ * * * لَا تُسْلِمُونِي لَا يَحِلُّ إسْلَامْ

كما خرج مسافع بن عبد مناف الجمحي إلى بني مالك بن كنانة يحرّضهم ويدعوهم للحرب قائلًا:

يَا مَالُ، مَالُ الْحَسَبَ الْمُقَدَّمِ * * * أَنْشُدُ ذَا الْقُرْبَى وَذَا التَّذَمُّمْ

مَنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ * * * الْحِلْفَ وَسْطَ الْبَلَدِ الْمُحَرَّمْ

عِنْدَ حَطِيمِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظَّمْ

وفي خضم هذه التجهيزات، دعا جبير بن مطعم غلامًا له حبشيًّا يُدعى "وَحْشِيٌّ"، وكان يقذف بحربته قذف الحبشة قلَّمَا يخطئ بها، وقال له: "اخْرُجْ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتُ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيٍّ، فَأَنْتَ عَتِيقٌ".

  • خروج قريش بنسائها

خرجت قريش بحدّها وجِدّها وحديدها ومعهم الظَّعَائِن التماسًا للحفيظة وحتى لا يفروا، فخرج أبو سفيان وهو قائد الناس بهند بنت عتبة، وخرج عكرمة بأم حكيم بنت الحارث بن هشام، والحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وصفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود الثقفية (وقيل رقية)، وعمرو بن العاص بريطة بنت منبه، وطلحة وأبو طلحة ابنا عبد العزى بسلافة بنت سعد الأنصارية (وهي أم بني طلحة: مسافع، والجلاس، وكلاب، الذين قُتلوا يومئذٍ هم وأبوهم)، وخرجت خناس بنت مالك مع ابنها أبي عزيز بن عمير، وعمرة بنت علقمة الحارثية، وكانت هند بنت عتبة كلما مرت بوحشي أو مرَّ بها تقول له تحريضًا: "وَيْهَا أَبَا دَسْمَةَ اشْفِ وَاسْتَشْفِ"، حتى أقبل جيش مكة ونزلوا "بعينين" وهو جبل ببطن السَّبْخَة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة.

  • رؤيا النبي ﷺ والشورى في المدينة

ولما سمع بهم رسول الله ، قال لأصحابه: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ وَاَللَّهِ خَيْرًا، رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلْمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ»، وأوَّل البقر بأنهم ناس من أصحابه يقتلون، والثَّلْم في ذباب سيفه برجل من أهل بيته يُقتل.

كان رأي رسول الله البقاء في المدينة وعدم الخروج، فإن أقام المشركون أقاموا بشرِّ مُقَام، وإن دخلوا المدينة قاتلهم المسلمون فيها، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول، لكن رجالًا من المسلمين ممن أكرمهم الله بالشهادة يوم أُحد وممن كان فاته بدر، ألحوا للخروج قائلين: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، ‌اُخْرُجْ ‌بِنَا ‌إلَى ‌أَعْدَائِنَا، لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا".

ورغم تحذير ابن أُبي وتأكيده أنهم لم يخرجوا لعدو قط إلا أصاب منهم، لم يزل الناس برسول الله حتى دخل بيته ولبس لَأْمَتَهُ للقتال، وكان ذلك يوم الجمعة بعد الصلاة، وكان قد صَلَّى يومها على رجل من الأنصار يُدعى مالك بن عمرو، ولما خرج لهم في عُدَّته، ندم الناس وقالوا: "‌اسْتَكْرَهْنَاكَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَنَا، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ"، فردَّ قائلًا: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيِّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ».

  • مسير جيش المسلمين وانخزال المنافقين

خرج رسول الله في ألف مقاتل، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس في المدينة، ولما بلغوا منطقة "الشَّوْط" وهو موضع بين المدينة وأُحد، انخزل عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس قائلًا: "‌أَطَاعَهُمْ ‌وَعَصَانِي، مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيُّهَا النَّاسُ".

فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يذكرهم الله ويقول: "‌يَا ‌قَوْمِ، ‌أذكِّركم ‌اللَّهَ أَلَّا تَخْذُلُوا قومكم ونبيّكم عِنْد مَا حَضَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ"، فردوا عليه: "‌لَوْ ‌نَعْلَمُ ‌أَنَّكُمْ ‌تُقَاتِلُونَ ‌لَمَا ‌أَسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنَّا لَا نَرَى أَنَّهُ يَكُونُ قِتَالٌ"، فلما يئس واستعصوا عليه قال: "أَبْعَدَكُمْ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ نَبِيَّهُ"، وفي هذا الموقف عرض الأنصار على رسول الله أن يستعينوا بحلفائهم من يهود، فرفض قائلًا: «لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ».

ومضى الجيش، وفي حرّة بني حارثة ذَبَّ فرس بذنبه -أي حرك ذيله- فأصاب كَلَّابَ سيفٍ -مِسْمَار يكون فِي قَائِم السَّيْف- فاستلَّه، وكان يحب الفأل، فقال لصاحب السيف: «شِمْ سَيْفَكَ، -أَي أغمده- فَإِنِّي أَرَى السُّيُوفَ سَتُسَلُّ الْيَوْمَ».

ثم طلب مَنْ يخرج بهم على القوم من كَثَبٍ (طريق قريب) لا يمر بهم عليهم، فدَلَّه أبو خيثمة ونفذ به في حرة بني حارثة حتى سلك في مَالٍ لِمِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيٍّ، وكان رَجُلًا منافقًا ضرير البصر، فلما سمع حِسَّ رسول الله والمسلمين، قام يحثي في وجوههم التراب قائلًا: " ‌إنْ ‌كُنْتَ ‌رَسُولَ ‌اللَّهِ ‌فَإِنِّي ‌لَا ‌أُحِلُّ ‌لَكَ ‌أَنْ ‌تَدْخُلَ ‌حَائِطِي"، وأخذ حفنة تراب وقال: "وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَا غَيْرَكَ يَا مُحَمَّدُ لَضَرَبْتُ بِهَا وَجْهَكَ"، فابتدره القوم ليقتلوه (وقد بَدَرَ إليه سعد بن زيد فشجَّه بقوسه في رأسه)، لكن رسول الله نهاهم قائلًا: «لَا تَقْتُلُوهُ، فَهَذَا الْأَعْمَى أَعْمَى الْقَلْبِ، أَعْمَى الْبَصَرِ».

  • تجهيز الجيش وإجازة الغلمان

نزل رسول الله الشِّعْب من أُحد، فجعل ظهره وعسكره إلى الجبل، ونهى عن القتال حتى يأمرهم.

وتعبَّأ جيش المسلمين وهم سبعمائة رجل، وأمَّر النبي على الرماة عبد الله بن جبير (وكانوا خمسين رَجُلًا مُعْلَمِينَ بثياب بيض) وأوصاه أمرًا حاسمًا: «انْضَحْ الْخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ، لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا، فَاثْبُتْ مَكَانَكَ لَا نُؤْتَيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ».

ظَاهَرَ رسول الله بين درعين، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، وأجاز يومئذٍ سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة؛ حيث أجاز رافعًا لمهارته في الرماية، ثم أجاز سمرة لأنه يصرع رافعًا، ورَدَّ صغارًا آخرين كأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب، وعمرو بن حزم، وأُسيد بن ظهير (وقد أجازهم لاحقًا يوم الخندق)، في المقابل تعبَّأت قريش بثلاثة آلاف مقاتل، ومائتي فرس جعلوا على ميمنتها خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل.

الفصل الثاني: ذروة القتال وانكشاف الصفوف

شرارة القتال وبسالة أبي دجانة وعلي

نادى رسول الله رافعًا سيفه: «مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟» فأحجم عنه رجال، حتى قام إليه أَبُو دُجَانَةَ ‌سِمَاكُ ‌بْنُ ‌خَرَشَةَ فَقَالَ: "وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟"، فقال : «أَنْ تَضْرِبَ بِهِ الْعَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِيَ»، فأخذه أبو دجانة، وأخرج عصابة حمراء عَصَبَ بها رأسه (وكانت الأنصار تسميها عصابة الموت)، وجعل يتبختر بين الصفين منشدًا:

أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي * * * ونَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ

أَلَّا أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الْكَيُّولِ * * * أَضْرِبُ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ

ولما رآه يتبختر قال: «إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ، إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ».

وكان أول من بدأ القتال أبو عامر الفاسق في الأحابيش وعبدان مكة، فنادى قومه الأوس لعلهم يتبعونه، فردوا عليه: "‌فَلَا ‌أَنْعَمَ ‌اللَّهُ ‌بِكَ ‌عَيْنًا ‌يَا ‌فَاسِقُ"، فقاتلهم قِتَالًا شديدًا ورَاضَخَهُمْ بالحجارة، وفي صفوف المشركين، كان أبو سفيان يحرّض بني عبد الدار حاملي اللواء ليثبتوا أو يُخَلُّوا بينهم وبينه، فتوعدوه بالثبات، وقامت هند بنت عتبة والنسوة يضربن الدفوف خلف الرجال وينشدن:

وَيْهَا بَنِي عَبْدِ الدَّارْ * * * ويْهَا حُمَاةَ الْأَدْبَارْ

ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّارْ

وتقول أيضا:

إنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ * * * ونَفْرِشُ النَّمَارِقْ

أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ * * * فرَاقَ غَيْرَ وَامِقْ

انطلقت المعركة وكان شعار المسلمين: "أَمِتْ، أَمِتْ".

قاتل أبو دجانة بضراوة لا يلقى أحدًا إلا قتله، وتتبعه الزبير بن العوام لينظر ما يصنع، فرآه يلتقي بمشرك كان يُذَفِّف على الجرحى -يسرع في قتلهم-، فاختلفا ضربتين، فاتقى أبو دجانة ضربة المشرك بدرقته فقتله.

ثم رفع أبو دجانة السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ولكنه عدله عنها مكرمًا لسيف رسول الله أن يضرب به امرأة كانت تُوَلْوِل أمامه، قَالَ الزَّبِيرُ فَقُلْتُ: "اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ".

وقاتل مصعب بن عمير دون اللواء حتى قتله ابن قميئة الليثي، فأُعطي اللواء لعلي بن أبي طالب، وبرز أبو سعد بن أبي طلحة (صاحب لواء المشركين) يتحدى، فخرج إليه علي بن أبي طالب، فاختلفا ضربتين فصرعه علي ولم يُجهز عليه، ولما سأله أصحابه قال: "‌إنَّهُ ‌اسْتَقْبَلَنِي ‌بِعَوْرَتِهِ، فَعَطَفَتْنِي عَنْهُ الرَّحِمُ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ قَتَلَهُ"، وقتل عاصم بن ثابت الأخوين مسافع والجلاس ابني طلحة، وكانا يرجعان لأمهما سلافة فيضعان رؤوسهما في حجرها ويخبرانها أن عاصمًا هو من رماهما، فنذرت لئن أمكنها الله من رأسه لتشربن فيه الخمر، وقتل حمزة عثمان بن أبي طلحة وهو يرتجز دفاعًا عن لواء المشركين.

استشهاد أسد الله حمزة

قاتل حمزة بن عبد المطلب بقوة يَهُدُّ الناس بسيفه هَدًّا كالجمل الأوْرَق لا يقوم له شيء، فقتل أرطاة بن عبد شرحبيل، ثم نادى سباع بن عبد العزى وقتله.

وهنا كان وحشي يتربص به ليسترد حريته، وقد روى وحشي لاحقًا تفاصيل تلك اللحظة (حين سأله عبيد الله بن عدي وجعفر بن عمرو في حمص بعد أن غلب عليه الكبر والخمر) قال وحشي: خَرَجْتُ ‌انْظُر ‌حَمْزَة وأ تبصّره، حَتَّى رَأَيْتُهُ فِي عُرْضِ النَّاسِ مِثْلَ الْجَمْلِ الْأَوْرَقِ، يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا، مَا يَقُومُ لَهُ شَيْء، فو الله إنِّي لَأَتَهَيَّأُ لَهُ، أُرِيدُهُ وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِشَجَرَةِ أَوْ حَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنِّي إذْ تَقَدَّمَنِي إلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً كَأَنَّ مَا أَخَطَأَ رَأْسَهُ، وَهَزَّزَتْ حَرْبَتِي، حَتَّى إذَا رَضِيتُ مِنْهَا، دَفَعْتُهَا عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ، حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وَذَهَبَ لِيَنُوءَ -أي ينْهض متثاقلا- نَحْوِي، فَغُلِبَ، وَتَرَكْتُهُ وَإِيَّاهَا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى الْعَسْكَرِ، فَقَعَدْتُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حَاجَةٌ، وَإِنَّمَا قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ.

وقد ذكر وحشي في روايته أنه هرب للطائف بعد فتح مكة، ثم ضاقت عليه المذاهب حتى قيل له إن رسول الله لا يقتل مَنْ دخل دينه، فقدم عليه المدينة وتشهد بشهادة الحق، فلما رآه رسول الله عرفه وطلب منه أن يحدثه كيف قتل حمزة، ثم قال له: «وَيْحَكَ! غَيِّبْ عَنِّي وَجْهَكَ»، فكان يتنكب طريق رسول الله حتى قُبض، ولما خرج المسلمون لقتال مسيلمة الكذاب، خرج وحشي بحربته تلك فقتل بها مسيلمة، قائلًا: " فَإِنْ كُنْتُ قَتَلْتَهُ، ‌فَقَدْ ‌قَتَلْتُ ‌خَيْرَ ‌النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ قَتَلْتُ شَرَّ النَّاسِ".

استبسال حملة اللواء والمبارزات الفردية

قاتل مصعب بن عمير دون رسول الله حاملًا اللواء حتى استشهد، قتله ابن قميئة الليثي وهو يظن أنه قتل النبي ، فرجع صارخًا في قريش: "قتلت محمّدًا"، فأعطى اللواء لعلي بن أبي طالب، فتقدم به للقتال، واشتدت المعركة، فبرز صاحب لواء المشركين أبو سعد بن أبي طلحة يدعو للبراز، فخرج إليه علي بن أبي طالب، فاختلفا ضربتين فصرعه عليّ ولم يجهز عليه، ولما سأله أصحابه عن ذلك قال: "‌إنَّهُ ‌اسْتَقْبَلَنِي ‌بِعَوْرَتِهِ، فَعَطَفَتْنِي عَنْهُ الرَّحِمُ، وَعَرَفْتُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ قَتَلَهُ"، وكان عثمان بن أبي طلحة قد حمل لواء المشركين وهو يرتجز:

إنَّ عَلَى أَهْلِ اللِّوَاءِ حَقَّا * * * أَنْ يَخْضِبُوا الصَّعْدَةَ أَوْ تَنْدَقَّا

فبرز له حمزة بن عبد المطلب فقتله.

والتقى حنظلة بن أبي عامر بأبي سفيان، فلما استعلاه حنظلة وكاد يجهز عليه، رآه شداد بن الأسود (ابن شعوب) فتدخل لإنقاذ أبي سفيان، فضرب حنظلة فقتله، فقال رسول الله : «إِنَّ صَاحِبَكُمْ يَعْنِي حَنْظَلَةَ لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ»، ولما سُئلت زوجته عن شأنه، أخبرت أنه خرج وهو جنب حين سمع الهَيْعَة (صيحة الفزع)، وقد تفاخر المشركون بهذا الموقف؛ فأنشد شداد يفتخر، وأنشد أبو سفيان أبياتًا يذكر فيها صبره ومساعدة ابن شعوب له قائلًا:

وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي كُمَيْتٌ طِمَرَّةٌ * * * ولَمْ أَحْمِلْ النَّعْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ

وَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ مِنْهُمْ * * * لَدُنْ غُدْوَةٍ حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ

(إلى آخر قصيدته التي ذكر فيها قتله للنجباء)، فأجابه حسان بن ثابت مفندًا فخره ومذكرًا إياه بقتلى قريش:

ذَكَرْتَ الْقُرُومَ الصَّيْدَ مِنْ آلِ هَاشِمٍ * * * ولَسْتَ لِزُورٍ قُلْتَهُ بِمُصِيبِ

أَتَعْجَبُ أَنْ أَقَصَدْتُ حَمْزَةَ مِنْهُمْ * * * نَجِيبًا وَقَدْ سَمَّيْتَهُ بِنَجِيبِ

انكشاف المسلمين وتغير الموازين

في بداية الأمر، أنزل الله نصره وصدقهم وعده، وكشف المسلمون المشركين عن العسكر حتى رُئيت هند بنت عتبة وصواحبها مُشَمِّرَات هَوَارِب، لكن الرماة خالفوا الأمر ومالوا إلى العسكر لجمع الغنائم، فَأُتِيَ المسلمون من خلفهم، وصرخ صارخ (وهو أزب العقبة، أي الشيطان): "ألا إن محمّدًا قد قُتل!"، فانكفأ المسلمون واختلطت الصفوف.

وكان لواء المشركين قد سقط، فرفعه غلامهم الحبشي صُؤاب وقاتل به حتى قُطعت يداه فاحتضنه بصدره وعنقه حتى قُتل عليه، وفيه أنشد حسان بن ثابت يهجوهم:

فَخَرْتُمْ بِاللِّوَاءِ وَشَرُّ فَخْرٍ * * * لِوَاءٌ حِينَ رُدَّ إلَى صُؤَابِ

جَعَلْتُمْ فَخَرَكُمْ فِيهِ بِعَبْدٍ * * * وأَلْأَمُ مَنْ يَطَا عَفَرَ التُّرَابِ

ثم رفعت اللواء عمرة بنت علقمة الحارثية فثاب المشركون حوله، وقال حسان فيها:

إذَا عَضَلٌ سِيقَتْ إلَيْنَا كَأَنَّهَا * * * جِدَايَةُ شِرْكٍ مُعْلِمَاتِ الْحَوَاجِبِ

أَقَمْنَا لَهُمْ طَعْنًا مُبِيرًا مُنَكِّلًا * * * وحُزْنَاهُمْ بِالضَّرْبِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ

المحنة: الدفاع المستميت عن رسول الله ﷺ

اشتدت المحنة وخلص العدو إلى رسول الله ، فدُثَّ بالحجارة حتى وقع لشقه في حفرة أعدها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، كُسرت رباعيته، وشُجَّ في وجهه، وكُلِمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، وشجه عبد الله بن شهاب الزهري، وجرح وجنته ابن قميئة فدخلت حلقتا المِغْفَر في وجنته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ!»، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَیۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَیۡءٌ أَوۡ یَتُوبَ عَلَیۡهِمۡ أَوۡ یُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨].

وسارع الصحابة لإنقاذه ؛ فأخذ علي بن أبي طالب بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائمًا، وقال في طلحة: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ»، ومصَّ مالك بن سنان (والد أبي سعيد الخدري) الدم من وجهه وازدرده، فبشره النبي بأن النار لا تصيبه، وتقدم أبو عبيدة بن الجراح فنزع إحدى الحلقتين من وجهه فسقطت ثنيته، ثم نزع الأخرى فسقطت ثنيته الأخرى، وقد أنشد حسان بن ثابت غاضبًا في عتبة بن أبي وقاص:

فَأَخْزَاكَ رَبِّي يَا عُتَيْبُ بْنَ مَالِكٍ * * * ولَقَّاكَ قَبْلَ الْمَوْتِ إحْدَى الصَّوَاعِقِ

بَسَطْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا * * * فأَدْمَيْتَ فَاهُ، قُطِّعَتْ بِالْبَوَارِقِ

ودعا النبي أصحابه قائلًا: «مَنْ رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ؟» فقام زياد بن السكن (وقيل عمارة بن يزيد) في خمسة من الأنصار فقاتلوا دونه حتى أثبتتهم الجراح واستشهدوا رَجُلًا تلو الآخر، وكان آخرهم زياد فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «أَدْنُوهُ مِنِّي»، فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدِمَهُ، فَمَاتَ وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ.

وقاتلت أم عمارة (نسيبة بنت كعب) تباشر القتال وتَذُبُّ عن النبي بالسيف وترمي بالقوس، واعترضت لابن قميئة الذي كان يصرخ: "‌دُلُّونِي ‌عَلَى ‌مُحَمَّدٍ، ‌فَلَا ‌نَجَوْتُ ‌إنْ ‌نَجَا"، فضربها ابن قميئة جرحًا أجوف له غور في عاتقها، وضربته هي ضربات لكنه كان محميًّا بدرعين، وتترَّس أبو دجانة بنفسه يحمي النبي ، فكان النبل يقع في ظهره وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتَّى كَثُرَ فِيهِ النَّبْلُ، ورمى سعد بن أبي وقاص والرسول يناوله النبل قائلًا: «ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي»، وأُصيبت عين قتادة حتى وقعت على وجنته، فردها بيده فصارت أحسن عينيه وأحَدَّهُمَا، وأُصيب عبد الرحمن بن عوف يومها بعشرين جراحة أو أكثر وهُتِم فوه وعرجت رجله.

وسط هذه الأحداث، ألقى بعض الصحابة أسلحتهم لما أشيع مقتل النبي، فمرَّ بهم أنس بن النضر (عم أنس بن مالك) فوجد عمر وطلحة ورجالًا قد ألقوا بأيديهم، فقال: "‌مَا ‌يُجْلِسُكُمْ؟" قالوا: قُتل رسول الله ، فقال: "فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ".

ثم استقبل القوم فقاتل حتى استشهد، حتى قالوا: "لَقَدْ وَجَدْنَا بِأَنَسِ بْنِ النَّضْرِ يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ ضَرْبَةً، فَمَا عَرَفَهُ إلَّا أُخْتُهُ، عَرَفَتْهُ بِبَنَانهِ".

التراجع إلى الشِّعْب ومقتل أُبَيّ بن خلف

كان كعب بن مالك أول من عرف رسول الله بعد الهزيمة؛ إذ ميز عينيه تَزْهَرَانِ من تحت المغفر، فنادى بأعلى صوته مبشرًا المسلمين، فأشار إليه أن أنصت، فنهض المسلمون بالنبي نحو الشِّعب (ومعه أبو بكر وعمر وعليّ وطلحة والزبير والحارث بن الصمة ورهط).

وفي الطريق، أدركهم أُبي بن خلف وهو يقول: "أي محمّد، لا نجوت إن نجوت"، وطلب القوم أن يعطف عليه أحدهم، فقال : «دَعُوهُ»، ولما دنا، تناول الحربة من الحارث بن الصمة وانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعراء (الذباب) عن ظهر البعير، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تَدَأْدَأَ منها عن فرسه مرارًا، وكان أبيّ يقول بمكة للنبي: "إن عندي فرسًا أعلفه كل يوم فَرَقًا من ذرة أقتلك عليه"، فيرد النبي: «بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، ولما رجع أبيّ لقريش مخدوشًا، احتقن الدم وقال: "قتلني والله محمّد، لو بصق علي لقتلني"، فمات عَدُوُّ الله بالطريق وهم راجعون به إلى مكة، وفي ذلك أنشد حسان:

لَقَدْ وَرِثَ الضَّلَالَةَ عَنْ أَبِيهِ * * * أُبَيٌّ يَوْمَ بَارَزَهُ الرَّسُولُ

أَتَيْتَ إلَيْهِ تَحْمِلُ رِمَّ عَظْمٍ * * * وتُوعِدُهُ وَأَنْتَ بِهِ جَهُولُ

في فم الشِّعْب

لما انتهى رسول الله إلى فم الشِّعب، خرج علي بن أبي طالب فملأ درقته ماءً من المِهْرَاس (مَاء بِأحد، وقيل: هو حجر ينقر وَيجْعَل إِلَى جَانب الْبِئْر، وَيصب فِيهِ المَاء لينْتَفع بِهِ النَّاس)، لكن النبي وجد له ريحًا فعافه ولم يشرب منه، واكتفى بغسل الدم عن وجهه ورأسه وهو يقول: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ نَبِيِّهِ»، وكان سعد بن أبي وقاص حريصًا أشد الحرص على قتل أخيه عتبة لفعله هذا.

وبينما هم كذلك، علت طائفة من قريش بقيادة خالد بن الوليد الجبل، فقال : «اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا!»، فقاتلهم عمر بن الخطاب ورهط معه حتى أهبطوهم من الجبل، ثم صلى النبي صلاة الظهر قاعدًا من الجراح، وصلى المسلمون خلفه قُعُودًا.

الفصل الثالث: تجليات الإيمان وسقوط الأقنعة

مواقف استثنائية وبطولات شيوخ الأنصار

بينما كان الناس منهزمين عن رسول الله حتى انتهى بعضهم إلى منطقة المُنَقَّى دون الأَعْوَص (مَوضِع قرب الْمَدِينَة)، كانت هناك بطولات استثنائية تُسطّر، وفي مشهد من مشاهد الصدق، برز الأُصَيْرِم (عمرو بن ثابت بن وقش) من بني عبد الأشهل، وكان يأبى الإسلام على قومه، فلما كان يوم أُحد، بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فعدا حتى دخل في عُرْضِ الناس فقاتل حتى أثبتته الجراح، وبينما كان رجال من قومه يلتمسون قتلاهم في المعركة، وجدوه، فقالوا متعجبين: " ‌وَاَللَّهِ ‌إنَّ ‌هَذَا ‌لَلْأُصَيْرِمُ، مَا جَاءَ بِهِ؟ لَقَدْ تَرَكْنَاهُ وَإِنَّهُ لِمُنْكِرٍ لِهَذَا الْحَدِيثَ"، فلما سألوه: "أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام؟" أجاب وهو يجود بأنفاسه: " بَلْ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ، آمَنْتُ باللَّه وَبِرَسُولِهِ وَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ أَخَذْتُ سَيْفِي، فَغَدَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَاتَلْتُ حَتَّى أَصَابَنِي مَا أَصَابَنِي"، ومات من فوره، فلما ذُكر لرسول الله قال: «إِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّهِ»، فدخل الجنة ولم يُصَلِّ قَطُّ.

ولم يكن عَمْرُو بن الجموح أقل حماسًا، وكان رَجُلًا أعرج شديد العرج، وله بنون أربعة مثل الأُسْدِ يشهدون مع رسول الله المشاهد، فلما كان يوم أُحد، أرادوا حبسه قائلين: "إن الله قد عذرك"، فأتى رسول الله يشكوهم: "إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة"، فقال له النبي : «أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ فَلَا جِهَادَ عَلَيْكَ»، ثم التفت لبنيه قائلًا: «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَمْنَعُوهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ»، فخرج معهم واستُشهد.

وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُخَيْرِيق اليهودي من بني ثعلبة بن الفِطْيُون، فلما كان يوم أُحد قال لقومه: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، ‌وَاَللَّهِ ‌لَقَدْ ‌عَلِمْتُمْ ‌أَنَّ ‌نَصْرَ ‌مُحَمَّدٍ ‌عَلَيْكُمْ ‌لَحَقٌّ"، فتحججوا بأن اليوم يوم السبت، فقال: " لَا سَبْتَ لَكُمْ"، وأخذ سيفه وعُدَّته وأوصى: " إنْ أُصِبْتُ فَمَالِي لِمُحَمَّدٍ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ".

ثم غدا إلى رسول الله فقاتل معه حتى قُتل، فقال : «مُخَيْرِيقُ خَيْرُ يَهُودٍ».

نفاق ينكشف في ساحة الوغى

على النقيض من هذه البطولات، تجلى النفاق في أقبح صوره، فكان في صفوف المسلمين رجل لا يُدرى ممن هو يُدعى "قُزْمَان"، وكان رسول الله يقول إذا ذُكر له: «إِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فلما كان يوم أُحد، قاتل قُزمان قِتَالًا شديدًا، فقتل وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، ولما أثبتته الجراح واحتُمل إلى دار بني ظفر، قال له المسلمون: "‌وَاَللَّهِ ‌لَقَدْ ‌أَبْلَيْتَ ‌الْيَوْمَ يَا قُزْمَانُ، فأبشر"، فرد بغلظة: "بِمَاذَا أبشر؟ فو الله إنْ قَاتَلْتُ إلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَاتَلْتُ"، ولما اشتدت عليه جراحته، أخذ سهمًا من كنانته فقتل به نفسه، مصداقًا لقول النبي .

وفي مشهد آخر، كان حاطب بن أمية بن رَافِعٍ شَيْخًا قد عَسَا في الجاهلية، فلما أُصيب ابنه يزيد بن حاطب بجراح يوم أُحد وأُتي به إلى دار قومه وهو بالموت، جعل المسلمون يقولون له: "‌أَبْشِرْ ‌يَا ‌بن ‌حَاطِبٍ بِالْجَنَّةِ"، فنجم يومئذٍ نفاق حاطب وقال مستنكرًا: " بِأَيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَهُ؟ ‌بِجَنَّةٍ ‌مِنْ ‌حَرْمَلٍ! غَرَرْتُمْ وَاَللَّهِ هَذَا الْغُلَامَ مِنْ نَفْسِهِ".

أما الحارث بن سُوَيد بن الصامت، فقد استغل الفوضى لينتقم لثأر جاهلي؛ إذ عدا على المُجَذَّر بن ذِيَاد البَلَوِي، وقيس بن زيد، فقتلهما (وقد حقق ابن هشام ذلك مبيّنًا أن الحارث قتل المجذر فقط لأن المجذر كان قد قتل أباه سويدًا يوم بُعاث قبل الإسلام، ولم يقتل قيسًا).

ثم هرب الحارث إلى مكة لاحقًا بقريش، وبعث إلى أخيه الجُلَاس يطلب التوبة، فأنزل الله فيه: ﴿كَیۡفَ یَهۡدِی ٱللَّهُ قَوۡمࣰا كَفَرُوا۟ بَعۡدَ إِیمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوۤا۟ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقࣱّ وَجَاۤءَهُمُ ٱلۡبَیِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِینَ﴾ [آل عمران: ٨٦]، ولما عاد الحارث إلى المدينة وخرج من بعض حوائطها وعليه ثوبان مُضَرَّجَانِ، أمر رسول الله بقتله، فضرب عثمان بن عفان (وقيل بعض الأنصار) عنقه.

المُثْلَة والشماتة، ووعيد قريش

في ساحة المعركة، طافت هند بنت عتبة والنسوة يُمَثِّلْنَ بالقتلى من أصحاب رسول الله ، يجدعن الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند منها خَدَمًا وقلائد أعطتها لوحشي غلام جبير مكافأة له، ثم بَقَرَتْ عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تُسِيغَهَا فلفظتها، وعلت على صخرة مشرفة وصرخت بأعلى صوتها:

نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرٍ * * * والْحَرْبُ بَعْدَ الْحَرْبِ ذَاتِ سُعْرِ

مَا كَانَ عَنْ عُتْبَةَ لِي مِنْ صَبْرِ * * * ولَا أَخِي وَعَمِّهِ وَبَكْرِي

شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَضَيْتُ نَذْرِي * * * شَفَيْتَ وَحْشِيُّ غَلِيلَ صَدْرِي

فَشُكْرُ وَحْشِيٍّ عَلَيَّ عُمْرِي * * * حَتَّى تَرُمَّ أَعْظُمِي فِي قَبْرِي

فأجابتها هند بنت أُثَاثَة بن عباد بن المطلب المسلمة تفند فخرها وتتوعدها:

خَزِيتِ فِي بَدْرٍ وَبَعْدَ بَدْرِ * * * يَا بِنْتَ وَقَّاعٍ عَظِيمِ الْكُفْرِ

صَبَّحَكَ اللَّهُ غَدَاةَ الْفَجْرِ * * * مَلْهَاشِمَيَّيْنِ الطِّوَالِ الزُّهْرِ

بِكُلِّ قَطَّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِي * * * حَمْزَةُ لَيْثِي وَعَلِيٌّ صَقْرِي

إذْ رَامَ شَيْبٌ وَأَبُوكَ غَدْرِي * * * فخَضَّبَا مِنْهُ ضَوَاحِيَ النَّحْرِ

وَنَذْرُكَ السُّوءَ فَشَرُّ نَذْرِ

وعادت هند بنت عتبة تفتخر مجددًا بما فعلته بحمزة:

شَفَيْتُ مِنْ حَمْزَةَ نَفْسِي بِأُحُدْ * * * حَتَّى بَقَرْتُ بَطْنَهُ عَنِ الْكَبِدْ

أَذْهَبَ عَنِّي ذَاكَ مَا كُنْتُ أَجِدْ * * * مِنْ لَذْعَةِ الْحُزْنِ الشَّدِيدِ الْمُعْتَمِدْ

وَالْحَرْبُ تَعْلُوكُمْ بِشَؤْبُوبِ بَرِدْ * * * تُقْدِمُ إقْدَامًا عَلَيْكُمْ كَالْأَسَدْ

فحرض عمر بن الخطاب حسان بن ثابت (ابن الفريعة) على هجائها قائلًا: "لو سمعت ما تقول هند ورأيت أَشَرَهَا قائمة على صخرة ترتجز بنا"، فأنشده عمر بعض ما قالت، فرد حسان قائلًا:

أَشِرَتْ لَكَاعُ وَكَانَ عَادَتُهَا * * * لُؤْمًا إذَا أَشِرَتْ مَعَ الْكُفْرِ

(وترك ابن هشام بقية القصائد لقذعها).

وفي تلك الأثناء، مرَّ الحُلَيْس بن زَبَّان (سيد الأحابيش) بأبي سفيان وهو يضرب بِزُجِّ رمحه في شِدْق حمزة ويقول: "ذُقْ عُقَقُ"، فاستنكر الحليس قائلًا: " ‌يَا ‌بَنِي ‌كِنَانَةَ، ‌هَذَا ‌سَيِّدُ ‌قُرَيْشٍ يَصْنَعُ بِابْنِ عَمِّهِ مَا تَرَوْنَ لَحْمًا؟" فاستحيا أبو سفيان وقال: "وَيْحَكَ! اُكْتُمْهَا عَنِّي، فَإِنَّهَا كَانَتْ زَلَّةً".

وحين أراد أبو سفيان الانصراف، أشرف على الجبل وصرخ: "أُنْعِمْتَ فَعَالِ، وَإِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ، يَوْمٌ بِيَوْمِ، أُعْلُ هُبَلُ!" (أي أظهر دينك)، فقال رسول الله : «قُمْ يَا عُمَرُ فَأَجِبْهُ، فَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ، لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ»، فدعاه أبو سفيان، فأمره أن يأتيه لينظر ما شأنه، فقال أبو سفيان: " ‌أَنْشُدُكَ ‌اللَّهَ ‌يَا ‌عُمَرُ، أَقَتَلْنَا مُحَمَّدًا؟" فقال عمر: "اللَّهمّ لَا، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَكَ الْآنَ"، فصدّقه أبو سفيان قائلًا: "أَنْتَ أَصْدَقُ عِنْدِي مِنْ ابْنِ قَمِئَةَ وَأَبَرُّ".

ثم نادى أبو سفيان متبرئًا من المثلة: "إنَّهُ قَدْ كَانَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثُلٌ، وَاَللَّهِ مَا رَضِيتُ، وَمَا سَخِطْتُ، وَمَا نَهَيْتُ، وَمَا أَمَرْتُ"، وقبل أن ينصرف نادى: "إنَّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ"، فأمر النبي رَجُلًا ليقول: «نَعَمْ، هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ».

البحث عن المفقودين وحزن النبي ﷺ

أرسل رسول الله علي بن أبي طالب في أثر القوم قائلًا: «انْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فإِنْ كَانُوا قَدْ جَنَّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ»، وأقسم لئن أرادوها ليناجِزَنَّهُم، فخرج عليّ ووجدهم متجهين لمكة.

فرغ الناس لقتلاهم، وسأل النبي : «مَنْ رَجُلٌ يَنْظُرُ لِي مَا فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ؟»، فذهب رجل من الأنصار فوجده جريحًا به رمق، فأخبره بأمر النبي، فقال سعد: "أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عني السلام وقل له: جزاك الله عنا خير ما جزى نَبِيًّا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خَلَصَ إلى نبيكم ومنكم عين تَطْرِفُ"، ومات من فوره (وقد حُفظ لسعد قدره، حتى إن أبا بكر الصديق لاحقًا كان يُكرم ابنته الجارية ويُقَبِّلها ويقول: "هذه بنت رجل خير مني، سعد بن الربيع، كان من النقباء يوم العقبة، وشهد بدرًا، واستُشهد يوم أُحد").

وخرج رسول الله يلتمس عمه حمزة، فوجده ببطن الوادي قد بُقر بطنه عن كبده، وجُدع أنفه وأذناه، فحزن حزنًا عميقًا وقال: «لَوْلَا أَنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ، وَيَكُونُ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ، حَتَّى يَكُونَ فِي بِطُونِ السِّبَاعِ، وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ، وَلَئِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنٍ مِنْ الْمَوَاطِنِ لَأُمَثِّلَنَّ بِثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ»، ولما رأى المسلمون غيظه أقسموا ليُمَثِّلُنَّ بالمشركين مُثْلَةً لم يُمثِّلها أحد من العرب، ووقف على حمزة يرثيه قائلا: «لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا! مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطُّ أَغْيَظَ إلَيَّ مِنْ هَذَا!».

ثم بشَّر قائلًا: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَكْتُوبٌ فِي أَهْلِ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اللَّهِ، وَأَسَدُ رَسُولِهِ» (وكان حمزة وأبو سلمة أخوين للنبي من الرضاعة، أرضعتهم مولاة لأبي لهب).

وفي شأن وعيدهم بالمُثلة، أنزل الله عز وجل: ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَیۡرࣱ لِّلصَّٰبِرِینَ * وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَیۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِی ضَیۡقࣲ مِّمَّا یَمۡكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٦-١٢٧]، فعفا رسول الله وصبر، ونهى بعد ذلك عن المُثْلَة (كما روى سمرة بن جندب أنه ما قام مقامًا إلا أمرهم بالصدقة ونهاهم عن المُثلة).

صلاة الوداع ومواساة الأحزان

أمر رسول الله بحمزة فَسُجِّيَ ببردة، فصلى عليه وكبَّر سبع تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى فيُوضعون إلى حمزة، فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة، وأقبلت أخته صفية بنت عبد المطلب لِتراه، فأمر النبي ابنها الزبير أن يرجعها لئلا ترى ما بأخيها، لكنها أبت بقوة يقين وقالت: " وَلِمَ؟ ‌وَقَدْ ‌بَلَغَنِي ‌أَنْ ‌قَدْ ‌مُثِّلَ ‌بِأَخِي، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ، فَمَا أَرْضَانَا بِمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ! لَأَحْتَسِبَنَّ وَلَأَصْبِرَنَّ إنْ شَاءَ اللَّهُ"، فأذِن لها، فنظرت إليه وصَلَّت عليه واسترجعت واستغفرت له.

ونهى رسول الله المسلمين عن نقل موتاهم إلى المدينة، وأمر بدفنهم حيث صُرعوا، وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في القبر الواحد، ووقف يشهد لهم قائلًا: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ، إِنَّهُ مَا مِنْ جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللَّهِ، إلَّا وَاَللَّهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدْمَى جُرْحُهُ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ»، وأمر بتقديم أكثرهم جَمْعًا للقرآن، وأمر بدفن المتصافِيَيْنِ عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام في قبر واحد، كما دُفن عبد الله بن جحش (الذي مُثِّل به أيضًا) مع خاله حمزة في قبره.

وعند انصرافه راجعًا للمدينة، لقيتهم حَمْنَة بنت جحش، فنُعي إليها أخوها عبد الله بن جحش، ثم خالها حمزة، فاسترجعت فيهما واستغفرت. ثم نُعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت! فقال : «إِنَّ زَوْجَ الْمَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانٍ!».

ولما مَرَّ بدور الأنصار (بني عبد الأشهل وظفر) سمع النواح على قتلاهم، فذرفت عيناه وبكى قائلًا: «لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ!»، فلما سمع سعد بن معاذ وأُسيد بن حضير بذلك، أمرا النساء أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله ، فلما رآهن يدعونه ويبكين، دعا لهن بالرحمة وقال: «ارْجِعْنَ يَرْحَمْكُنَّ اللَّهُ، فَقَدْ آسَيْتُنَّ بِأَنْفُسِكُنَّ»، ثم نُهي يومئذٍ عن النَّوْحِ.

الفصل الرابع: ما بعد المعركة.. الصبر والمطاردة

جلل المصاب ويقين المؤمنين

في طريق العودة إلى المدينة، تَجَلَّى عمق الإيمان في قلوب المؤمنين والمؤمنات، حين مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ بامرأة من بني دينار وقد أُصيب زوجها وأخوها وأبوها معه في المعركة، فلما نُعوا إليها، لم تلتفت لِمُصابها، بل سألت بلهفة: "فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟". قالوا لها: "خَيْرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ، هُوَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ"، فقالت: "أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إلَيْهِ"، فأُشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت كلمتها الخالدة: "كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ!" (وجلل هنا تعني صغيرة، والمعنى: كل مصيبة بعدك صغيرة وهيِّنة).

ولما انتهى رسول الله إلى أهله، نَاوَل سيفه ابنته فاطمة قائلًا: «اغْسِلِي عَنْ هَذَا دَمَهُ يَا بُنَيَّةُ، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ»، ونَاوَلَهَا علي بن أبي طالب سيفه أيضًا وقال: "وَهَذَا أَيْضًا، فَاغْسِلِي عَنهُ دَمه، فو الله لَقَدْ صَدَقَنِي الْيَوْمَ"، فالتفت إليه رسول الله قائلًا: «لَئِنْ كُنْتُ صَدَقْتَ الْقِتَالَ لَقَدْ صَدَقَ مَعَكَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو دُجَانَةَ».

(وكان يُقال لسيف رسول الله : "ذُو الْفَقَارِ"، ويُروى أن مناديًا نادى يوم أُحد: "لَا سَيْفَ إلَّا ذُو الْفَقَارِ، وَلَا فَتًى إلَّا عَلِيٌّ"، وقد بشَّر رسول الله عليًّا بقوله: «لَا يُصِيبُ الْمُشْرِكُونَ مِنَّا مِثْلَهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا»)، وكان يوم أُحد يوم السبت للنصف من شوال.

غزوة حمراء الأسد.. إرهاب العدو

لم يكد يمضي يوم أُحد، حتى بادر رسول الله في الغد (يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال) بأمر مؤذنه أن يؤذن في الناس بالخروج لطلب العدو، مشترطًا ألّا يخرج معهم أحد إلا مَنْ حضر المعركة بالأمس.

فجاءه جابر بن عبد الله يعتذر قائلًا: " إنَّ أَبِي كَانَ خَلَّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ، وَلَسْتُ بِاَلَّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ، فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ"، فأذِن له رسول الله ، فخرج معه.

وقد خرج رسول الله مُرْهِبًا للعدو، ليعلموا أنه في طلبهم، ولِيَظُنُّوا به قوة، وأن ما أصابهم لم يُوهِنهم عن عدوهم.

وقد سُجِّلت في هذا الخروج أروع الأمثلة في الاستماتة، فقد حدَّث رجل من بني عبد الأشهل أنه شهد أُحدًا مع أخ له، فرجعا جريحين، فلما أَذَّن المؤذن بالخروج في طلب العدو، قال أحدهما للآخر: "‌أَتَفُوتُنَا ‌غَزْوَةٌ ‌مَعَ ‌رَسُولِ ‌اللَّهِ ﷺ؟ وَاَللَّهِ مَا لَنَا مِنْ دَابَّةٍ نَرْكَبُهَا، وَمَا مِنَّا إلَّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ "، فخرجا مع رسول الله ، وكان أحدهما أيسر جرحًا، فكان إذا غُلب أخوه حَمَلَهُ عُقْبَةً، ومشى عُقْبَةً، حتى انتهيا إلى ما انتهى إليه المسلمون.

وسار رسول الله حتى انتهى إلى "حمراء الأسد" (على بُعْد ثمانية أميال من المدينة)، وكان قد استعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بحمراء الأسد الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع.

تخذيل قريش ورسالة أبي سفيان

مرَّ برسول الله وهو في حمراء الأسد مَعْبَدُ بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة (مسلمهم ومشركهم) عَيْبَةَ نصح لرسول الله (أَي مَوضِع سره) بتهامة، صَفْقَتُهُمْ معه (اتِّفَاقهم مَعَه) لا يُخفون عنه شيئًا، وكان معبد يومئذٍ مشركًا، فواسى النبي قائلًا: "يَا مُحَمَّدُ، أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ عَزَّ عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ فِيهِمْ".

مضى معبد حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالرَّوْحَاءِ، وقد أجمعوا الرَّجْعَةَ لرسول الله قائلين: "‌أَصَبْنَا ‌حَدَّ ‌أَصْحَابِهِ ‌وَأَشْرَافَهُمْ وَقَادَتَهُمْ، ثُمَّ نَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ! لَنَكُرَنَّ عَلَى بَقِيَّتِهِمْ، فَلَنَفْرُغَنَّ مِنْهُمْ"، فلما رأى أبو سفيان معبدًا سأله: " مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟" فأجابه مُهَوِّلًا: "مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ (يلتهبون من الغيظ) عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا، فِيهِمْ مِنْ الْحَنَقِ (شدَّة الغيظ) عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ".

قال أبو سفيان: " وَيْحكَ! مَا تَقُولُ؟ فوالله لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ"، فقال معبد: " فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ، وَاَللَّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ عَلَى أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ"، فقال: "وما قلت؟" فأنشده معبد:

كَادَتْ تُهَدُّ مِنْ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي * * * إذْ سَالَتْ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ

تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لَا تَنَابِلَةٍ * * * عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَعَازِيلِ

فَظَلْتُ عَدْوًا أَظُنُّ الْأَرْضَ مَائِلَةً * * * لَمَّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ

فَقُلْتُ: وَيْلَ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمْ * * * إذَا تَغَطْمَطَتْ الْبَطْحَاءُ بِالْجِيلِ

إنِّي نَذِيرٌ لِأَهْلِ الْبَسْلِ ضَاحِيَةً * * * لِكُلِّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ

مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لَا وَخْشٍ تَنَابِلَةٍ * * * ولَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْتُ بِالْقِيلِ

فأثنى ذلك أبا سفيان ومن معه عن الرجوع، خاصة بعد أن شجعهم صفوان بن أمية على العودة محذرًا: " لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ حَرِبُوا (غضبوا)، وَقَدْ ‌خَشِينَا ‌أَنْ ‌يَكُونَ ‌لَهُمْ ‌قِتَالٌ غَيْرُ الَّذِي كَانَ، فَارْجِعُوا، فَرَجَعُوا".

ومرَّ ركب من عبد القيس بأبي سفيان يريدون المدينة للمِيرَةِ، فطلب منهم أن يُبَلِّغوا محمّدًا رسالة يُرْهِبه فيها بأنهم قد أجمعوا السير إليه لاستئصاله، ووعدهم بِحِمْلِ زبيبٍ بعكاظ مكافأةً لهم، فلما مَرَّ الركب برسول الله بحمراء الأسد وأخبروه، قال بقين راسخ: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»، ولما بَلَغه هَمُّهُمْ بالرجوع قال: «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ سُوِّمَتْ لَهُمْ حِجَارَةٌ، لَوْ صُبِّحُوا بِهَا لَكَانُوا كَأَمْسِ الذَّاهِبِ».

القصاص من الغادرين وموقف المنافقين

في طريق العودة من حمراء الأسد، أُخِذ معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبو عزة الجمحي، وكان رسول الله قد أسر أبا عزة ببدر ومَنَّ عليه بشرط ألا يُظاهر عليه، فطلب أبو عزة الإقالة مجددًا، فردَّ عليه رسول الله بحزم: «وَاَللَّهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْكَ بِمَكَّةَ بَعْدَهَا وَتَقُولُ: خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ»، ثم أمر الزبير بن العوام (وقيل عاصم بن ثابت) فضرب عنقه، وقال : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ».

أما معاوية بن المغيرة (جد عبد الملك بن مروان لأمه)، فقد قُتل بعد حمراء الأسد؛ حيث لَجَأَ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله فأمّنه، على أنه إن وُجد بعد ثلاث قُتل، فأقام بعد ثلاث وتوارى، فبعث النبي زيد بن حارثة وعمار بن ياسر فقتلاه.

ولما قَدِمَ رسول الله المدينة، ظهر نفاق عبد الله بن أبي بن سلول مجددًا. كان له مقام يقومه كل جمعة لا يُنكر لشرفه في قومه، يحث فيه الناس على نصرة الرسول وسماع أمره، فلما فعل ما فعل يوم أُحد، قام يوم الجمعة ليفعل كعادته، فأخذ المسلمون بثيابه وجذبوه قائلين: "‌اجْلِسْ، ‌أَيْ ‌عَدُوَّ ‌اللَّهِ، لَسْتُ لِذَلِكَ بِأَهْلِ، وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ"، فخرج يتخطى رقاب الناس غاضبًا ويقول: " وَاَللَّهِ لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا (أمرا عظيما) أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ"، فلقيه رجل من الأنصار بباب المسجد فعاتبه وأمره بالرجوع ليستغفر له رسول الله ، فرفض مستكبرًا وقال: " وَاَللَّهِ مَا أَبْتَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي".

الفصل الخامس: التعقيب القرآني على يوم أحد

كان يوم أُحد يوم بَلَاء وتمحيص، امتحن الله فيه قلوب المؤمنين وكشف به خبء المنافقين، ولعظم أحداث هذه الغزوة، أنزل الله تبارك وتعالى ستين آية من سورة آل عمران، تصف حالهم، وتعاتب مَنْ زَلَّ منهم، وتضع أُسسًا عقدية وعسكرية راسخة للأمة.

تخطيط المعركة وحفظ الله للمؤمنين

ابتدأ التعقيب القرآني بتذكير النبي والمؤمنين بلحظات خروجهم وتخطيطهم للمعركة، يقول تعالى: ﴿وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١]، وتبوئ أي تتخذ لهم مقاعد ومنازل للقتال، كما تبين لغة العرب، وكما قال الكميت بن زيد:

لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَهُ * * * قَدْ تَبَوَّأْتُ مَضْجَعًا

ثم ذَكَّرهم بلحظة الضعف البشري التي كادت أن تعصف بفرقتين من جيش المسلمين (وهما: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس)، حين هَمَّتَا بالتراجع، فثبتهما الله برحمته وعائدته: ﴿إِذۡ هَمَّت طَّاۤئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِیُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وقد كان أفراد هاتين الطائفتين يفخرون لاحقًا بهذه الآية قائلين: "ما نُحِبُّ أَنَّا لم نَهِمَّ بما هممنا به، لِتَوَلِّي الله إيانا في ذلك".

إمداد السماء وقواعد النصر

ربط القرآن بين نصر بدر وانكسار أُحد ليرسخ عقيدة التوكل، فذكَّرهم بالنصر وهم قلة: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرࣲ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةࣱۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].

ثم بَيَّن شروط الإمداد الملائكي: ﴿إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِینَ أَلَن یَكۡفِیَكُمۡ أَن یُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ مُنزَلِینَ * بَلَىٰۤۚ إِن تَصۡبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَیَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا یُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ مُسَوِّمِینَ﴾ [آل عمران: ١٢٤-١٢٥].

وقد توقف أهل التفسير واللغة عند قوله: "مُسَوِّمِينَ"؛ فأوضحوا أنها تعني مُعْلَمِينَ، فقيل: أَعْلَمُوا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض، وقيل: كانت سيماهم عمائم بيضًا، والسيما هي العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿سِیمَاهُمۡ فِی وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ﴾ [الفتح: ٢٩].

وقد أكدت الآيات أن هذا الإمداد ليس إلا بشرى لتطمئن القلوب، وأن النصر بيد الله وحده، وأنه تعالى قادر على أن يُنزل بعدوه شر الهزيمة والغم: ﴿لِیَقۡطَعَ طَرَفࣰا مِّنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ أَوۡ یَكۡبِتَهُمۡ فَیَنقَلِبُوا۟ خَاۤئِبِینَ﴾ [آل عمران: ١٢٧]، ويكبتهم أي يغمهم ويمنعهم ما أرادوا، كما قال ذو الرمة:

مَا أَنْسَ مِنْ شَجَنٍ لَا أَنْسَ مَوْقِفَنَا * * * في حَيْرَةٍ بَيْنَ مَسْرُورٍ وَمَكْبُوتِ

سُنن الله والتمحيص بالشدائد

في مَعْرِض التعزية والمواساة، وسّعت الآيات نظرة المسلمين لِتُريَهم حركة التاريخ وسنن الله في الأمم: ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنࣱ فَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]، ونادتهم نداء العزة والثبات: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].

ثم أوضحت الغاية الكبرى من هذه الهزيمة العسكرية العابرة، وهي "التمحيص" واصطفاء الشهداء: ﴿إِن یَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحࣱ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحࣱ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِینَ * وَلِیُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِینَ﴾ [آل عمران: ١٤٠-١٤١]، فكان هذا القَرْح (أي الجراح) اختبارًا لمَنْ تمنى الشهادة قبل المعركة: ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَیۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٤٣].

صدمة مقتل النبي ﷺ وثبات المخلصين

عالجت الآيات أخطر لحظة نفسية مرت على الجيش حين أُشيع مقتل رسول الله ففرَّ الكثيرون، فنزلت القاعدة العقدية الخالدة: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن یَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ فَلَن یَضُرَّ ٱللَّهَ شَیۡءࣰاۗ وَسَیَجۡزِی ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِینَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فالموت كائن لا محالة: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبࣰا مُّؤَجَّلࣰاۗ﴾ [آل عمران: ١٤٥].

وضرب لهم القرآن مثلًا بالأنبياء السابقين وأتباعهم المخلصين "الرِّبِّيِّينَ"، ليقتدوا بهم: ﴿وَكَأَیِّن مِّن نَّبِیࣲّ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّیُّونَ كَثِیرࣱ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَاۤ أَصَابَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِینَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]

ولم يكن قول هؤلاء الجموع المؤمنة عند الشدائد إلا الاستغفار وسؤال التثبيت: ﴿وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّاۤ أَن قَالُوا۟ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِیۤ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِینَ﴾ [آل عمران: ١٤٧].

عتاب الانكسار، النعاس، وفضح المنافقين

انتقلت الآيات لتُشرِّح الخلل العسكري الذي حدث حين خالف الرماة الأمر، وتنازعوا من أجل الغنائم، قائلة: ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۤ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰۤ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَیۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَاۤ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن یُرِیدُ ٱلدُّنۡیَا وَمِنكُم مَّن یُرِیدُ ٱلۡءَاخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِیَبۡتَلِیَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، ومعنى (تحسونهم) أي تستأصلونهم بالقتل، كما قال جرير:

تَحُسُّهُمْ السُّيُوفُ كَمَا تَسَامَى * * * حَرِيقُ النَّارِ فِي الْأَجَمِ الْحَصِيدِ

وقال رُؤْبَة بن العجاج:

إذَا شَكَوْنَا سَنَةً حَسُوسَا * * * تَأْكُلُ بَعْدَ الْأَخْضَرِ الْيَبِيسَا

ثم ذَكَّرهم الله بمشهد الفزع حين صعدوا الجبل تاركين رسول الله يدعوهم في أخراهم، فجاءت العقبة غمًّا على غم: ﴿إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰۤ أَحَدࣲ وَٱلرَّسُولُ یَدۡعُوكُمۡ فِیۤ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمࣲّ لِّكَیۡلَا تَحۡزَنُوا۟ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَاۤ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].

وفي ذروة هذا الكرب، تتنزل السكينة على المخلصين، ويُفضح المنافقون الذين ظنوا بالله ظن الجاهلية: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَیۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةࣰ نُّعَاسࣰا یَغۡشَىٰ طَاۤئِفَةࣰ مِّنكُمۡۖ وَطَاۤئِفَةࣱ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ یَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَیۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِیَّةِۖ یَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَیۡءࣲۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وردَّ القرآن على المنافقين وعبد الله بن أبي بن سلول الذين تخاذلوا وقالوا ﴿لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا۟﴾ [آل عمران: ١٦٨]، بحقيقة أن الأجل محتوم: ﴿قُلۡ فَٱدۡرَءُوا۟ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ﴾ [آل عمران: ١٦٨].

الرحمة المحمدية والتحذير من الغلول

وسط هذه الابتلاءات والاختبارات والتمحيص، بيَّن القرآن عظمة القيادة المحمدية التي جمعت القلوب بالرفق: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

كما نزلت الآيات تُنزه الأنبياء عن الخيانة (الغلول) في الغنائم والوحي: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِیٍّ أَن یَغُلَّۚ وَمَن یَغۡلُلۡ یَأۡتِ بِمَا غَلَّ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۚ﴾ [آل عمران: ١٦١]، مؤكدة أن المتبع لرضوان الله لا يستوي بمن باء بسخطه: ﴿هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٣].

بشارة الشهداء الخالدة ووسام المستجيبين

خُتم هذا التعقيب المهيب بأعظم بشارة نالتها أرواح شهداء أُحد الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لتُهوّن على الأحياء فَقْدَهُم، ولِتُشعل في النفوس رغبة اللحاق بهم: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡیَاۤءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ * فَرِحِینَ بِمَاۤ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَیَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِینَ لَمۡ یَلۡحَقُوا۟ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ * یَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلࣲ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا یُضِیعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٦٩-١٧١].

وأثنى الله في ختام المشهد على أولئك الأبطال الذين استجابوا لنداء الخروج إلى "حمراء الأسد" على ما بهم من الجراح والألم: ﴿ٱلَّذِینَ ٱسۡتَجَابُوا۟ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَاۤ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِینَ أَحۡسَنُوا۟ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡا۟ أَجۡرٌ عَظِیمٌ * ٱلَّذِینَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُوا۟ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِیمَٰنࣰا وَقَالُوا۟ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِیلُ * فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلࣲ لَّمۡ یَمۡسَسۡهُمۡ سُوۤءࣱ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِیمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٢-١٧٤].

الفصل السادس: ثمار الاصطفاء.. أسماء الشهداء والقتلى

البشارة الخالدة بمصير الشهداء

قبل سرد الأسماء، روى ابن إسحاق بأسانيده عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن عبد الله بن مسعود، وعن جابر بن عبد الله، وغيرهم، أحاديث رسول الله التي تُجلي مصير هؤلاء الأبطال، والتي نزلت فيها الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡیَاۤءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].

قال رسول الله : «لَمَّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ بِنَا، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ (لَا يرجِعوا هائبين لعدوهم، خَائِفين مِنْهُ)، فقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ»، فأنزل الله الآيات.

وفي رواية أخرى أنه قال: «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا»، ويطلِّع الله عز وجل عليهم فيقول: «يَا عِبَادِي، مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدَكُمْ؟»، فيردون مرات: "‌رَبَّنَا ‌لَا ‌فَوْقَ ‌مَا ‌أَعْطَيْتنَا، الْجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا!"، حتى إذا سألهم مرة أخرى قالوا: "إلَّا أَنَّا نُحِبُّ أَنْ تَرُدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، ثُمَّ نُرَدُّ إلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلُ فِيكَ، حَتَّى نُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".

وقد بَشَّر رسول الله جابر بن عبد الله فقال له: «أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا جَابِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: إنَّ أَبَاكَ حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ أَحْيَاهُ اللَّهُ عز وجل، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تُحِبُّ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ أَفْعَلَ بِكَ؟ قَالَ: أَيْ رَبِّ، أُحِبُّ أَنْ تَرُدَّنِي إلَى الدُّنْيَا فَأُقَاتِلَ فِيكَ، فَأُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى».

قائمة الشهداء من المسلمين (خمسة وستون رَجُلًا)

ذكر ابن إسحاق وابن هشام مَنْ استُشهد من المسلمين يوم أُحد، فبلغوا خمسة وستين رَجُلًا، وهُمْ:

أولًا: من المهاجرين (أربعة نفر من قريش)

  • من بني هاشم: حمزة بن عبد المطلب بن هاشم (أسد الله وأسد رسوله، قتله وحشي).
  • من بني أمية بن عبد شمس: عبد الله بن جحش (حليف لهم من بني أسد بن خزيمة).
  • من بني عبد الدار: مصعب بن عمير (قتله ابن قميئة الليثي).
  • من بني مخزوم: شَمَّاس بن عثمان.

ثانيًا: من الأنصار (واحد وستون رَجُلًا)

من الأوس:

  • من بني عبد الأشهل (اثنا عشر رَجُلًا): عمرو بن معاذ، الحارث بن أنس، عمارة بن زياد بن السكن (وقيل زياد بن السكن)، سلمة بن ثابت بن وقش، عمرو بن ثابت بن وقش (وهو الأُصَيْرِم)، رفاعة بن وقش، حُسَيْل بن جابر (اليمان أبو حذيفة)، صيفي بن قيظي، حُبَاب بن قيظي، عَبَّاد بن سهل، الحارث بن أوس بن معاذ، (وزعم بعضهم مقتل ثابت بن وقش والد سلمة وعمرو).
  • من أهل رَاتِج (ثلاثة نفر): إياس بن أوس، عبيد بن التَّيْهَان (وقيل عتيك بن التيهان)، حبيب بن يزيد.
  • من بني ظفر (رجل واحد): يزيد بن حاطب.
  • من بني ضُبَيْعَة (رجلان): أبو سفيان بن الحارث بن قيس، حنظلة بن أبي عامر (غسيل الملائكة، قتله شداد بن الأسود).
  • من بني عبيد بن زيد (رجل واحد): أُنَيْس بن قتادة.
  • من بني ثعلبة بن عمرو بن عوف (رجلان): أبو حَيَّة (أخو سعد بن خيثمة لأمه)، عبد الله بن جبير بن النعمان (أمير الرماة).
  • من بني السَّلْم (رجل واحد): خيثمة أبو سعد.
  • من حلفائهم بني العجلان (رجل واحد): عبد الله بن سلمة.
  • من بني معاوية بن مالك (رجلان): سُبَيْع بن حاطب (وقيل سُوَيْبِق بن الحارث بن حاطب)، مالك بن نُمَيْلَة (حليف لهم من مزينة).
  • من بني خَطْمَة (رجل واحد): الحارث بن عدي بن خَرَشَة.

من الخزرج:

  • من بني النجار (ستة عشر رَجُلًا):
  • من بني سواد بن مالك: عمرو بن قيس، قيس بن عمرو، ثابت بن عمرو، عامر بن مخلد.
  • من بني مبذول: أبو هبيرة بن الحارث، عمرو بن مطرف.
  • من بني عمرو بن مالك: أوس بن ثابت (أخو حسان بن ثابت)، إياس بن عدي.
  • من بني عدي: أنس بن النَّضْر.
  • من بني مازن: قيس بن مخلد، كيسان (عبد لهم).
  • من بني دينار: سليم بن الحارث، نعمان بن عبد عمرو.
  • من بني سواد بن مالك (بطن آخر): مالك بن إياس.
  • من بني الحارث (ثلاثة نفر): خارجة بن زيد، سعد بن الربيع (دُفنا في قبر واحد)، أوس بن الأرقم.
  • من بني الأبْجَر وهم بنو خُدْرَة (ثلاثة نفر): مالك بن سِنَان (أبو أبي سعيد الخدري)، سعيد بن سويد، عتبة بن ربيع.
  • من بني ساعدة (رجلان): ثعلبة بن سعد، ثَقْف بن فَرْوَة.
  • من بني طَرِيف (رجلان): عبد الله بن عمرو بن وهب، ضمرة (حليف لهم من جُهينة).
  • من بني عوف بن الخزرج ثم بني سالم (ستة نفر): نوفل بن عبد الله، عباس بن عبادة، نعمان بن مالك، المُجَذَّر بن ذِيَاد (حليف من بَلِيّ)، عبادة بن الحَسْحَاس (دُفن النعمان والمجذر وعبادة في قبر واحد)، عمرو بن إياس.
  • من بني الحُبْلَى (رجل واحد): رفاعة بن عمرو.
  • من بني سلمة ثم بني حرام (أربعة نفر): عبد الله بن عمرو بن حرام، عمرو بن الجموح (دُفنا في قبر واحد)، خَلَّاد بن عمرو، أبو أيمن (مولى عمرو بن الجموح).
  • من بني سواد بن غنم (ثلاثة نفر): سليم بن عمرو بن حديدة، عَنْتَرَة (مولاه)، سهل بن قيس.
  • من بني زُرَيْق (رجلان): ذَكْوَان بن عبد قيس، عُبَيْد بن المُعَلَّى (وقيل هو من بني حبيب).

قائمة القتلى من المشركين (اثنان وعشرون رَجُلًا)

وجميع مَنْ قَتَلَ الله تبارك وتعالى يوم أُحد من المشركين من قريش وحلفائهم، اثنان وعشرون رَجُلًا، وهم:

  • من بني عبد الدار (أحد عشر رَجُلًا): طَلْحَة بن أبي طلحة (قتله علي بن أبي طالب)، أبو سعيد بن أبي طلحة (قتله سعد بن أبي وقاص وقيل علي)، عثمان بن أبي طلحة (قتله حمزة بن عبد المطلب)، مُسَافِع بن طلحة والجُلَاس بن طلحة (قتلهما عاصم بن ثابت)، كِلَاب بن طلحة (قتله قزمان وقيل عبد الرحمن بن عوف)، الحارث بن طلحة (قتله قزمان)، أَرْطَاة بن عبد شرحبيل (قتله حمزة)، أبو يزيد بن عمير (قتله قزمان)، صُؤَاب (غلام لهم حبشي قتله قزمان وقيل علي وقيل سعد وقيل أبو دجانة)، القَاسِط بن شريح (قتله قزمان).
  • من بني أسد بن عبد العزى (رجل واحد): عبد الله بن حميد (قتله علي بن أبي طالب).
  • من بني زُهْرَة (رجلان): أبو الحَكَم بن الأخنس الثقفي (حليف لهم، قتله علي)، سِبَاع بن عبد العزى الغُبْشَانِي (حليف من خزاعة، قتله حمزة).
  • من بني مخزوم (أربعة نفر): هشام بن أبي أمية (قتله قزمان)، الوليد بن العاص (قتله قزمان)، أبو أمية بن أبي حذيفة (قتله علي)، خالد بن الأعلم (حليف لهم، قتله قزمان).
  • من بني جُمَح (رجلان): عمرو بن عبد الله (وهو أبو عزة الجُمَحي، قتله رسول الله صَبْرًا)، أُبَيّ بن خلف (قتله رسول الله بيده).
  • من بني عامر بن لؤي (رجلان): عُبَيْدَة بن جابر (قتله قزمان وقيل عبد الله بن مسعود)، شَيْبَة بن مالك (قتله قزمان).

الدروس المستفادة

في ختام هذا التطواف العميق بين أحداث غزوة أُحُد، تتجلى لنا حقيقة أن العبرة في ميزان الإسلام لا تُقاس بكسب جولة عسكرية فحسب، بل بمدى تحقق الغايات الربانية في تمحيص القلوب وتربيتها. لقد طوت أُحُد صفحاتها، تاركةً للأمة الإسلامية إرثًا غنيًّا من الدروس المستفادة، نُجمل أبرزها في النقاط التالية:

  • خطورة مخالفة الأمر النبوي: لقد أثبتت مجريات المعركة أن طاعة رسول الله هي صمام الأمان والدرع الحصينة، وأن لحظة واحدة من التنازع والميل لِحُطَام الدنيا كفيلة بأن تقلب موازين النصر إلى تراجع، وهو درس دائم للأمة في كل زمان ومكان.
  • التمحيص وكشف المنافقين: لم يكن الصف الإسلامي لِيَصْفُوَ ويشتد إلا بابتلاءٍ يُميز الخبيث من الطيب، وقد كشفت أُحُد عوار المنافقين وأسقطت شعاراتهم، ليظل الرَّكْبُ نقيًّا خالصًا لله.
  • مكانة الشهادة وحياة الشهداء: رسمت الغزوة أروع الصور لمعنى التضحية، وأكدت نصوص القرآن والسنة أن الشهداء ليسوا أمواتًا، بل هم أحياء عند ربهم يرزقون، تفيض أرواحهم بشرًا وفرحًا، كما نصت الآيات المحكمات في سورة آل عمران [آل عمران: ١٦٩-١٧١].
  • عظمة القيادة المحمدية ورحمتها: تجسدت في شخص النبي أسمى معاني القيادة؛ فلم يُعَنِّف مَنْ زَلَّ، بل شملهم برحمته واستغفر لهم وشاورهم، فكانت رحمته جابرًا لانكسارهم، وبلسمًا لجراحهم.
  • سُنَّة الله في المداولة: إن الأيام دُوَل، والنصر والهزيمة سُنَّة ربانية لاختبار الثبات واليقين، ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، لِيُدرك المؤمنون أن طريق الحق محفوف بالابتلاءات، وأن العاقبة للمتقين.

الخلاصة

غزوة أحد التي وقعت في ١٥ شوال ٣ هـ (مارس٦٢٥م)، كانت معركة بين المسلمين، وقريش للثأر، وعلى الرغم من تحقيق المسلمين نصرًا مبدئيًا، أدت مخالفة الرماة لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبقاء في مواقعهم إلى تحول حاسم في مجريات المعركة، مما تسبب في خسائر فادحة للمسلمين؛ وعلى الرغم من التضحيات، لم يُهزَم المسلمون بل صمدوا حتى توقف العدو عن القتال، وهو ما يؤكد على أهمية الالتزام، والانضباط في المعارك.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا التأسي بصحابة نبيه الكرام، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجمعنا بهم وبسيد الخلق ﷺ في مستقر رحمته

إنه ولي ذلك والقادر عليه

موضوعات ذات صلة

تشكل غزوة أحد، التي وقعت في السابع من شوال للعام الثالث من الهجرة، محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة

خطبة منزلة الشهيد

غزوة أحد كانت معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، حيث واجه المسلمون تحديات كبيرة تحت قيادة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم-

غزوة الأحزاب مدرسةٌ ربانية، تجلت فيها أنوارُ الحكمة النبوية

استشرِفْ أنوارَ اليقين في يوم الفرقان