Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كيف تحافظ على طاعتك بعد رمضان؟

الكاتب

أ.د/ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

كيف تحافظ على طاعتك بعد رمضان؟

رمضان مدرسةٌ لصناعة النفس التي لا تكسرها الشهوات ولا تنهزم أمام الدنيا؛ إن الهدف الأسمى هو أن نخرج من هذا الشهر بقلبٍ يرى في السجود عزةً، وفي الزهد قوةً، وفي دوام الوصلِ حياةً.

ضبط النفس وقهر الشهوات

مضى رمضان، لكنه لم يمضِ بلا أثر؛ مضى وقد أكرمنا الله فيه بدروس لا ينبغي أن تُنسى، وربّى فينا معاني لا يجوز أن تنطفئ بانقضاء أيامه؛ ففيه تعلمنا كيف نسير إلى الله، وكيف نرجع إليه، وكيف نبني في أنفسنا تلك النفسية المؤمنة المجاهدة التي لا تضعف أمام الشهوة، ولا تنهزم أمام الدنيا، ولا تنقطع عن ربها بانتهاء موسم من مواسم الطاعة.

في رمضان تعلمنا ضبط النفس، وهذه أول خصال المجاهدين، وتعلمنا التقليل من الشهوات، والتخفف من الدنيا، وعدم الاسترسال مع رغبات الجسد؛ لأن النفس التي لا تُحسن السيطرة على رغباتها لا تستطيع أن تحمل أعباء السير إلى الله، ولا أن تثبت عند الشدائد.

التربية على الزهد والخشونة

ولذلك جاء بناء النبي ﷺ للمؤمن بناءً عجيبًا دقيقًا، فقال: «بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًا، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».

إنها ليست مجرد وصية في الطعام، بل منهج في التربية، وصناعة لنفسية المؤمن القوي، الذي لا يستعبده الأكل، ولا تسترقه الشهوة، ولا تتملكه الدنيا، نفسية تكتفي بالقليل، وتترفع عن الحرام، وتمتنع عما يورث النار، وتقدر على الصبر إذا اقتضى الأمر الحرمان أو المجاهدة.

ولهذا فهم الصحابة هذا المعنى حق الفهم، فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: «اخْشَوْشِنُوا، فَإِنَّ النِّعْمَةَ لَا تَدُومُ»، فالخشونة هنا ليست دعوة إلى الفوضى، وإنما هي تربية على عدم الترف، وعدم الاستسلام للدعة والرخاوة؛ لأن الترف إذا تمكن من النفس أفسدها، وأورثها التعلق بالدنيا، وأضعف فيها معاني العزة والاحتمال والبذل.

والمسلم الحق لا يحمل هذه النفسية من أجل دنيا، ولا من أجل عدوان، ولا من أجل سفك دماء أو اغتصاب حقوق، بل يحملها لتكون كلمة الله هي العليا، ولتبقى نفسه حرة من أسر الشهوة والخوف، إنه إنسان لا تستعبده الدنيا؛ لأنه عرف أن قيمته ليست فيما يملك، بل فيما يعبد، وأن رفعة رأسه بين الخلق إنما جاءت من كثرة سجوده لله.

رمضان مدرسة كبرى، لكنه ليس غاية في ذاته، بل هو بداية طريق.

شهر كريم يحتاج منا أن نقرأه جيدًا، وأن نتعلم من نفحاته ومنحه، وأن نقف عند كل ما ربانا عليه من الذكر، والاستغفار، والتلاوة، والقيام، والصيام، حتى نخرج منه وقد تشكلت في داخلنا شخصية جديدة: شخصية نبيلة، قوية، زاهدة، عابدة، ثابتة.

المداومة على الطاعة بعد رمضان

لقد علّمنا رمضان أن الخطر ليس في قلة العدد، وإنما في الوهن الذي يفسد القلوب، وقد بيّن النبي ﷺ ذلك حين قال: «أَنْتُمْ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ...»، فلما سئل عن الوهن قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ»؛ وهنا مكمن الداء: أن تدخل الدنيا القلب، فتملأه خوفًا، وتضعف فيه معاني اليقين، وتجعله متعلقًا بسراب زائل لا حقيقة له.

من هنا كان الواجب بعد رمضان ألا نترك ما ألفناه فيه من طاعة، وألا نقطع ما بدأناه فيه من صلة بالله.

فمن ذاق حلاوة الذكر، فليثبت عليه، ومن أنِس بالقرآن، فليداوم على ورده، ومن عرف القيام، فلا يهجره.

ومن ألف الصيام، فليواصل الخير، وقد فتح الله له بابًا عظيمًا في صيام الست من شوال؛ تحقيقًا لمعنى الدوام الذي يحبه الله، إذ قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ».

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تبقى بعد رمضان:

- أن نجعل من معانيه برنامج حياة، لا ذكرى عابرة.

- أن تبقى الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا.

- أن نكتفي من الدنيا بما يقيم ظهورنا، لا بما يفسد أرواحنا.

- أن نحيا لله، ونسير إلى الله، ونجاهد أنفسنا في سبيل الله، حتى يكون رمضان بداية تحول صادق، لا موسمًا ينقضي ثم نعود بعده كما كنا.

الخلاصة

علمنا رمضان أن القوة الحقيقية تكمن في امتلاك الدنيا باليد لا بالقلب، وأن المسلم الحق هو من يكتفي بما يقيم صلبه ليحلق بروحه في آفاق العبودية، إن النجاة من الوهن تبدأ من الاستمرار على نهج الصيام والقيام، ليبقى الأثر الإيماني برنامجًا يوميًّا يربي فينا النبل والصلابة؛ فمن ذاق حلاوة الوصل لم يعد لمرارة الهجر، ومن استقام على عهدِ ربهِ فقد نال ثمرةَ التقوى التي لا تنقضي بانقضاءِ الشهور.

موضوعات ذات صلة

يُعد شهر رمضان محطة إيمانية استثنائية وفرصة ذهبية للتغيير الجذري نحو الأفضل.

إذا تحققت مقاصد الصيام في نفس الصائم أحدثت فيه تحولًا جذريًّا يغير حياته بعد رمضان.

رمضان مدرسة إيمانية متكاملة، يخرج منها المسلم وقد تهذبت نفسه بصبر الصيام.

أقصى درجات التذلل والخضوع لله تعالى وحده.