على مر العصور، لم تكن مصر مجرد معبر جغرافي، بل محطة روحية شكلت وجدان القارة الإفريقية، وصاغت ملامح الشخصية المصرية، يستكشف هذا المقال كيف أسهمت قوافل الحج والأزهر الشريف في بناء إنسان متدين، واسع الأفق، وشغوف بالعمران.
على مر العصور، لم تكن مصر مجرد معبر جغرافي، بل محطة روحية شكلت وجدان القارة الإفريقية، وصاغت ملامح الشخصية المصرية، يستكشف هذا المقال كيف أسهمت قوافل الحج والأزهر الشريف في بناء إنسان متدين، واسع الأفق، وشغوف بالعمران.
قال الله جل جلاله: ﴿وَأَذِّن فِی ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ یَأۡتُوكَ رِجَالࣰا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرࣲ یَأۡتِینَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِیقࣲ * لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨]، فبين الله تعالى لنا في هذه الآية الكريمة المجيدة أن الحج يشتمل على المنافع الدينية والدنيوية، والتعبدية والأخلاقية، والمنافع الاجتماعية والاقتصادية، والمنافع العرفانية والعمرانية.
ولقد كانت الديار المصرية لها مع موسم الحج تاريخ عريق، أسهم في صناعة شخصية الإنسان المصري على نحو رحيب واسع الأفق؛ وذلك أن الحجاج في القارة الإفريقية كلها، لا تكاد تقترب أيام الحج وتلوح في الأفق، إلا وسائر حجاج بيت الله الحرام من العمق الإفريقي الكريم تمر عليهم الليالي والأيام والأسابيع والشهور، وآمالهم وأحلامهم ومواجيدهم متعلقة ببيت الله الحرام. لكن كيف السبيل إلى الوصول إلى الحرم الشريف؟
إنها مصر، إنها القاهرة. فإذا بقلوب الحجيج قد تعلقت ببلوغ قاهرة المعز، وبِحَطِّ الرِّحَالِ في رحاب الكنانة الطاهرة، حتى يقوموا بصحبة محمل الحج الذي يخرج من القاهرة إلى البلد الحرام، وقد اندمج واندرج فيه الحجيج من المغاربة والأفارقة جميعًا، صفحات مجيدة من تاريخ مصر، كانت تفيض فيها الدروب والطرق والمسالك من أعماق القارة، لينصب الحجيج جميعًا في أرض القاهرة، في كنانة الله تعالى في أرضه.
حيث كان يأتي وفد الحجيج المغربي ليخرج من مدينة "فاس" أو من مدينة "مراكش"، وربما كان وفد الحجيج المغربي يشتمل على ٥٠ أَلْفًا من الحجاج أو زيادة، فلا يزالون يسيرون حتى يحطوا رحالهم في القاهرة، ليقيموا فيها أَيَّامًا وأَسَابِيعَ وشُهُورًا آمِنِينَ، ينتظرون انطلاق وفد الحجيج المصري إلى الحرم لِيَصْحَبُوهُ.
وأما بلاد السنغال والنيجر وتشاد ومالي والسودان ونيجيريا وغير ذلك من بلاد القارة الإفريقية السمراء الكريمة، فلقد كانوا يسلكون طَرِيقًا عَرِيقًا يخترق قلب القاهرة، ويعرف بـ "طريق الحج الإفريقي". وربما وضعوا رحالهم في مدينة "قُوص" من صعيد مصر، حيث كانت عاصمة الصعيد على مدى قرون، ليتأهب الحجاج المغاربة وينتظروا أن يخرج حجيج مصر، وقد حملوا معهم المحمل الشريف وكسوة الكعبة المباركة.
وكان الإنسان المصري يرقب هذا المشهد أمام عينيه ليعرف قدر وطنه، وليعرف قيمة بلده، وأنها مطمح الآمال، وملتقى الشعوب، ومجمع الحضارات، ينزل فيها ضيوف مصر الكرام، فإذا بالإنسان المصري قد ازداد ثقة في نفسه، وإدراكًا لقيمة وطنه، ونهض لعمارة وطنه وتهيئته لإكرام ضيوفه. وصار الإنسان المصري بذلك واسع الأفق، رحيب الصدر، لا ينغلق على نفسه، ولا يُكَفِّر البشر، ولا يتخذ مَنْحًى من الدين يفيض بِالتَّشَدُّدِ، بل هو سعة ورحابة وأفق واسع.
وأما من لم يكن يأتي إلى مصر لإدراك وفد الحجيج المصري، فلقد كان يقصدها إلى مقصد آخر شريف، ألا وهو الأزهر الشريف صانه الله؛ حيث كانت الأمم والشعوب والحضارات والثقافات تلقي إلى مصر بِفِلْذَاتِ أَكْبَادِهَا، من بلاد الملايو، ومن بلاد الهند، ومن الصين، ومن حضرموت اليمن، ومن العراق والشام، ومن الحرمين الشريفين. فمن لم ينزل إلى أرض مصر لإدراك وفد الحج، فإنه كان ينزل إليها ليتعلم في الأزهر الشريف، فصارت أرض مصر الطاهرة جاذبة للأخيار.
ثم إن أرض مصر لم تكن مَقْصَدًا لأهل الإسلام فقط، إذ قصدتها السيدة البتول العذراء الصِّدِّيقَة مريم عليها صلوات الله وتسليماته، وبين يديها نبي الله وكلمته سيدنا عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فصارت مصر مجمعًا للمسلمين والمسيحيين، يجتمع الجميع فيها على كامل التقدير والتوقير لهذا الوطن.
وليس هذا بتاريخ نتغنى به؛ فإن من تغنى بالتاريخ وعجز عن صناعة الحاضر كان عجزه مضاعفًا، إنما هو مفتاح لإعادة إحياء طريق الحج القديم كما نهضت الصين لإحياء "طريق الحرير" بالتعاون مع منظمة اليونسكو، حيث كان الطريق يمر بِـ ١٨٦ مَدِينَةً تعمر فيها التجارات ويروج فيها الاقتصاد، والنظر البعيد يفضي إلى إحياء شذرات من ذلك التاريخ تصنع الحاضر والمستقبل، كانت طرق الحج التي تفضي إلى القاهرة تعمر بها التجارات، ويستفيض بها العمران، ويمتزج بها الناس.
والذي يعنيني من هذا، أن هذا كان له أعمق الأثر في صناعة شخصية الإنسان المصري، حيث كان الإنسان المصري يتميز بعدد من الخصائص، رصدها العلماء والباحثون كالعبقري جمال حمدان، والدكتور ميلاد حنا في كتابه "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية" وعدد من الدارسين:
إنسان متدين، إنسان واسع الأفق، إنسان معمر، إنسان قوي. فتبلورت من ذلك صفته الكبرى وهي: أنه إنسان رَائِدٌ وَقَائِدٌ، يعرف قيمة نفسه، ويمتلك الوعي بقدر ذاته، ولديه إدراك يقيني بمكانة وطنه ومنزلته بين الأوطان والأمم.
ثم السمة التي بعدها أنه إنسان محب للعلم والإبداع، دائم العكوف على المعرفة، يصنع العلم، يمهد مدارسه، يصنع العقول العبقرية، يخرج منه العباقرة إلى كل أنحاء الدنيا؛ لينير الكون بالعلم والمعرفة والبصيرة، ثم هو إنسان يقدم الخير للإنسانية، وهو إنسان وطني عميق الانتماء لهذه الأرض الطيبة.
فنتج من ذلك بأكمله أن صار إِنْسَانًا مُتَوَازِنًا مُتَوَسِّطًا. ولربما طرأ على بعض هذه المعالم العريقة في شخصيته ما ينزل بها أو يعرضها للتصحر والتجريف، إلا أن الإنسان المصري من أجلِّ خصائصه أن شخصيته متجددة وهمته متجددة.
أيها السادة الكرام، ونحن في أيام عيد الأضحى المبارك، وقد لهج الحجيج بالتكبير والتسبيح والتمجيد، وأفاض الله تعالى الأمان عليهم بسر قوله سبحانه في بيته الحرام: ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنࣰاۗ﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ اعلموا أيها السادة الكرام أن الله تعالى وصف بِقَاعًا ثلاثة بالأمان في القرآن الكريم:
وأختم بكلمة جليلة طالما هزت وجداني لمؤرخ مصر الكبير الدكتور/ حسين مؤنس رحمه الله قال: "كان المصريون يقولون: مصر أم الدنيا، حقيقة كبرى يقولونها ولا يدركون مغزاها، نعم هي أم الدنيا، بل هي الدنيا، ولو عرف كل مصري قدر مصر، لما كفاه أن يشتغل لها بيديه وأسنانه وعقله ٢٠ ساعة في اليوم، وبهذا فقط يكون المصري جَدِيرًا بمصر".
س: ما هو طريق الحج الإفريقي؟
ج: هو المسار الذي سلكه الحجاج من إفريقيا مرورًا بمصر إلى مكة.
س: كيف أثر الحج في الشخصية المصرية؟
ج: عزز التدين والانفتاح الثقافي والتواصل الحضاري.
س: ما دور الأزهر في هذه الرحلة؟
ج: نشر العلم والوسطية بين الحجاج.
س: ما علاقة الحج بالعمران؟
ج: أسهم في بناء طرق ومراكز حضارية وخدمات للحجيج.
س: لماذا يعد هذا الطريق مهمًا تاريخيًا؟
ج: لأنه ربط بين الشعوب وأسهم في نشر الثقافة الإسلامية.
س: ما علاقة الحج بعبقرية الشخصية المصرية؟
ج: أسهم في تشكيل وعيها الديني والاجتماعي والحضاري.
تتجلى عظمة مصر التاريخية في كونها بؤرة انصهار حضاري، ومركزا للإشعاع الروحي والعلمي عبر محمل الحج والأزهر الشريف، هذا التفاعل المستمر لم يرسخ مكانة مصر الإقليمية فحسب، بل صاغ عبقرية الشخصية المصرية المتوازنة والمحبة للعمران والقوية في مواجهة المحن، ويبقى إدراك هذه القيمة التاريخية، والعمل على استلهامها في الحاضر هو السبيل الأمثل ليكون الإنسان المصري جديرًا بوطنه، الذي حباه الله بضمان الأمان الأبدي.
الشخصية المصرية تميزت بـالتوسط والاعتدال والتوازن
كان الحجاج يتنقلون عبر الصحاري الشاسعة دون طائرات أو سيارات
الحديث عن مِصر حديث عن حضارةٍ امتدّت جذورها في أعماق التاري
تبدأ رحلتك إلى الحج أو العمرة بخطوات صحيحة تضمن القبول
الحجُّ معراجٌ لا يُقطع بحدوِ الركائب، بل بصدقِ الرغائب