تتميز
الأضحية بطريقة توزيعها الذكية، التي تجعل منها أداة حقيقية لتقليص الفوارق
الطبقية وبث روح المودة.
- قانون
التوزيع الثلاثي (تأصيل التكافل):
أرشد الإسلام
المضحّي إلى تقسيم أضحيته بطريقة تضمن وصول النفع لجميع فئات المجتمع، قال تعالى
في سورة الحج:
﴿فَكُلُوا۟
مِنۡهَا وَأَطۡعِمُوا۟ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ﴾
[الحج:
٣٦]، قال ابن
عباسٍ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، يقولُ:
يَأكُلُ منها ويُطعِمُ.
واختلف أهلُ
التأويل في المعنىِّ بالقانع والمُعتَرِّ؛ فقال بعضُهم: القانِعُ الذي يَمْنَعُ
بما أُعطِى أو بما عنده ولا يسألُ، والمُعترُّ الذي يَتَعَرَّضُ لك أن تُطعِمَه
مِن اللَّحم ولا يسألُ [الطبري، جامع البيان (١٦/٥٦٣)].
فالمضحي يأكل
الثلث إن شاء ويتصدق بالثلث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتكم
عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلث، فكلوا وأطعموا وادخروا»؛ فصارت الضحية منقسمة
بين هذه الأوجه الثلاثة لكل وجه ثلث [الحليمي، المنهاج في شعب الإيمان (٣/ ١٤٦)].
قال ابن قدامة في
الكافي في فقه الامام أحمد: ويستحب أن يأكل الثلث من الأضحية، ويهدي الثلث، ويتصدق
بالثلث، لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأضحية قال: «ويطعم
أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السّؤال بالثلث» [الكافي
في فقه الإمام أحمد (١/ ٥٤٥)].
وقال ابن عمر:
الضحايا والهدايا ثلث لك، وثلث لأهلك، وثلث للمساكين (وإن أكل أكثر جاز) لأنها سنة
غير واجب [المقدسي، العدة شرح العمدة (ص٢٣٥)].
- الآثار
الاجتماعية للتوزيع:
سلامة
الصدور ونبذ الشحناء: تقديم الهدايا للجيران والأقارب
(وإن كانوا أغنياء) يسل السخيمة من القلوب، مصداقًا لقوله ﷺ: «تَهَادَوْا
تَحَابُّوا» [رواه البخاري في الأدب المفرد (٥٩٤)].
قال أبو عُمر: كان رسولُ اللَّه صلى
الله عليه وسلم يَقبَلُ الهديّةَ، وندَب أُمَّتَه إليها، ومن فَضْل الهديّةِ
مع اتباعِ السنةِ أنها تُورِثُ المودةَ، وتُذهِبُ العداوةَ [التمهيد - ابن عبد
البر (١٣/ ١٤٢)].
سد
حاجة المعوزين وإغناؤهم: التصدق بالثلث على الفقراء يضمن ألا
يبقى جائع في يوم العيد، وفي هذا تطبيق لروح الحديث النبوي: «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا
الْيَوْمِ» [السنن الكبرى للبيهقي (٧٧٣٩)]، وإن
كان في زكاة الفطر، إلا أن العلة الفقهية واحدة، وهي إدخال السرور وسد الحاجة في
العيد.
وعن ابْنَ عَبَّاسٍ يُخْبِرُ ابْنَ
الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ
الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ» [البخاري، الأدب المفرد – (١١٢)].
المُرَاد نفي الايمان الْكَامِل؛
وَذَلِكَ لأنه يدل على قسوة قلبه، وَكَثْرَة شحه، وَسُقُوط مروءته، ودناءة طبعه [التيسير
بشرح الجامع الصغير، (٢/ ٣٣٧)].