ما الذي يُطلب من المضحي مع ثبوت دخول عشر ذي الحجة؟
يُستحب أو يجب عليه -حسب اختلاف الفقهاء- الإمساك عن أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يذبح أضحيته، كنوع من التهيؤ الروحي والتشبه بالمحرمين.
ما الذي يُطلب من المضحي مع ثبوت دخول عشر ذي الحجة؟
يُستحب أو يجب عليه -حسب اختلاف الفقهاء- الإمساك عن أخذ شيء من شعره وأظفاره حتى يذبح أضحيته، كنوع من التهيؤ الروحي والتشبه بالمحرمين.
حين يهل هلال ذي الحجة، وتُزين السماء بنور أول ليلة من العشر، يشعر المؤمن أن قلبه على موعد مع أيام هي أعظم الأيام عند الله، وفي هذه الليلة الروحانية، يبدأ -لمن نوى التضحية- عملٌ خاص، ليس مجرد امتناع جسدي، بل تهيؤ روحي يشبه المحرم الذي لبى نداء ربه.
فمن هو هذا المضحي؟ وما الذي يمتنع عنه؟ وماذا قال العلماء في حكمه من خلال فهمهم لحديث السيدة أم سلمة رضي الله عنها؟
يشترط في المضحى عدة شروط، وهي:
فمن توفرت فيه هذه الشروط، فقد أهلته نفسه ليكون ضيفًا على الله في هذه الأيام، وبدأت رحلته الروحية من أول ليلة في العشر.
حين تغرب شمس آخر يوم من ذي القعدة، ويثبت دخول ذي الحجة، يُطلب من المضحي أن يمسك عن أشياء، كأنه يودع زينته مؤقتًا ليدخل في أجواء القربة، وهذه الأشياء هي:
واستند السادة الفقهاء إلى حديث أم المؤمنين السيدة أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأُوَلُ، فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ بَشَرِهِ شَيْئًا» [رواه الطحاوي في مشكل الآثار، وصححه، وأخرجه مسلم (١٩٧٧) باختلاف يسير].
وفي روية الإمام مسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ، فَإِذا أُهِلَّ هِلالُ ذِي الحِجَّة، فَلا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْره وَلا منْ أَظْفَارهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» [رواه مسلم (١٩٧٧)]، فهذا الامتناع كما هو ظاهر من الحديث الشريف يمتد حتى ذبح الأضحية؛ ليبقى المضحي كامل الأجزاء، متشبهًا بالمحرم، متذكرًا فداء سيدنا إسماعيل - عليه السلام - فإذا أتم الله عليه نعمته وقدم قربانه؛ تحلل.
اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يباح للمضحي الأخذ من شعره أو أظفاره، وليس عليه الامتناع عن شئ من هذا، و قال به الإمام أبو حنيفة، ورواية عن الإمام مالك، قال العلامة ابن نجيم: "وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ»، فالجواب عنه عندنا: أنه محمول على الندب، لا على الوجوب"، [البحر الرائق شرح كنز الدقائق] واستدلوا بحديث السيدة عائشة - رضي الله عنها: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله" [متفق عليه]، فقالوا: البعث بالهدي أعظم من إرادة التضحية، فدل على عدم التحريم، وحملوا حديث السيدة أم سلمة على الندب.
القول الثاني: أنه يكره للمضحي أن يأخذ شيئًا من شعره أو أظفاره، وهو مذهب الإمام الشافعي، ورُواية عن الإمام مالك، قال النووي في المجموع: "مذهبنا أن إزالة الشعر والظفر في العشر لمن أراد التضحية مكروه كراهة تنزيه" [المجموع شرح المهذب]، فحملوا حديث السيدة أم سلمة أن النهي للكراهة وليس للتحريم.
القول الثالث: يحرم على المضحي أن يأخذ شيئًا من شعره أو أظفاره، إذا هل هلال ذو الحجة، حى يذبح أضحيته، وهو مذهب الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وسعيد بن المسيب -رضي الله عنهم جميعًا، قال ابن قدامة في (المغني): "ظاهر هذا تحريم قص الشعر (يقصد حديث السيدة أم سلمة)، وهو قول بعض أصحابنا، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق"، [المغني لابن قدامة]، واستدلوا بحديث السيدة أم سلمة، وقالوا: مقتضى النهي التحريم، وهذا الحديث خاص يجب تقديمه على العام الذي أجاز به المجيزون (أي حديث السيدة عائشة)، ويبطل القياس [ينظر المغني لابن قدامة].
روح المسألة: بعيدًا عن الخلاف الفقهي، هناك روح عظيمة في هذا الامتناع، فإنه تدريب للنفس على ترك المباح طاعة لله، واستشعار لعظمة الأيام التي يضحي فيها الإنسان بأحب ماله تقربًا إلى ربه، فمنذ أول ليلة من العشر، يبدأ المضحي في التخلي عن بعض زينته، كأنه يقول: "يا رب، إني أمسكت عن شعري وظفري امتثالًا لأمر نبيك، فتقبل مني أضحيتي"، هذه الروح هي لب العبادة، وهي التي تجعل العمل اليسير ذا ثقل كبير عند الله.
أول ليلة من العشر ليست مجرد بداية زمنية، بل هي ميقات روحي لمن نوى التضحية، فالأحوط والأتقى أن يمتنع عن شعره وأظفاره؛ عملًا بالحديث، وخروجاً من خلاف الأئمة، وطمعاً في روحانية هذه الأيام، فاجعل ليلتك ذكراً وتكبيراً، ونيّة صادقة، وانتظاراً ليوم النحر الذي تجتمع فيه الدماء المهراقة، والقلوب الخاشعة.
العشر من ذي الحجة أيام مباركة أجورها مضاعفة بالطاعات.
ما هي ليلة النحر؟ ولماذا تُعد من أعظم ليالي الحج وأهمها؟ ماذا يفعل الحاج في مزدلفة؟ وما أفضل الأعمال لغير الحجاج في ليلة عيد الأضحى؟
أيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر، وهو العاشر من ذي الحجة الذي يعقب الإفاضة من عرفات.