وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَوَجَّهَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى بَيْتِ أَبِي
بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ظُهْرًا، فَلَمَحَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَادِمًا، فَقَالَتْ: يَا أَبَتِ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
آتٍ إِلَيْكَ مُتَقَنِّعًا، فَقَالَ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ
بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، فَجَاءَ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ [وتأمل هذا الأدب العالي] وَتَنَحَّى أَبُو بَكْرٍ عَنْ مَكَانِهِ وَأَجْلَسَ فِيهِ النَّبِيَّ
ﷺ، وَجَلَسَ مَعَهُمَا أَسْمَاءُ وَعَائِشَةُ، فَقَالَ لَهُ: «أَخْرِجْ مَنْ
عِنْدَكَ»، قَالَ: لَا عَيْنَ عَلَيْكَ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ وَهُمَا أَهْلُكَ
-أَيْ: لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا
إِذْ ذَاكَ- قَالَ: «قَدْ أَذِنَ اللَّهُ لِي بِالْهِجْرَةِ»، قَالَ: فَالصُّحْبَةَ
بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «نَعَمْ»، فَفَرِحَ حَتَّى فَاضَتْ عَيْنَاهُ
سُرُورًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُ
أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ، رواه
ابن إسحاق [سيرة ابن هشام ٢ / ٩٣].
وروى البخاري، في كتاب مناقب الأنصار،
حديث رقم ٣٩٠٥: عندما أذن الله تعالى لرسوله ﷺ بالهجرة
إلى المدينة، توجه إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه وأخبره بالأمر، فقال أبو بكر:
الصُّحْبَةَ يَا رسولَ اللهِ؟ فقالَ النبيُّ ﷺ: «الصُّحْبَةَ»،
فَبَكَى أبو بَكْرٍ فَرَحًا [مختصر دمشق لابن عساكر ج١٣ص ٥١].
وقد أعد أبو بكر راحلتين للهجرة قبل
ذلك انتظارًا لهذا اليوم، وأنفق من ماله في سبيل إنجاح الرحلة.
ثم خرج مع النبي ﷺ إلى
غار ثور، ومكثا فيه ثلاثة أيام هربًا من طلب قريش [المصدر السابق ج١٣ ص٥٣].
وكان أبو بكر شديد الحرص على سلامة
النبي ﷺ،
حتى إنه كان يسير أمامه تارةً وخلفه تارةً خوفًا عليه.
وعندما وصل المشركون إلى باب الغار، نزل
الهمُّ والغم والوجل بالصديق خوفًا على رسول الله ﷺ رَوَى الشيخانِ فِي صحِيحيْهِمَا عن أَبِي
بَكْرٍ رضي
الله عنه قَالَ: قُلْتُ
لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ
النَّبِيُّ ﷺ: «يَا أَبا بَكْرٍ! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ:
اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [أخرجه البخاري
في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ باب مناقب
المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر رضي الله عنه، رقم الحديث (٣٦٥٣) - وأخرجه في كتاب
مناقب الأنصار - باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى
المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب
من فضائل أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، رقم الحديث (٢٣٨١)].
وقد خلد الله هذا الموقف في القرآن
الكريم بقوله تعالى: {إِلَّا
تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:
٤٠]، واستمرت الرحلة حتى وصل النبي ﷺ
وصاحبه إلى المدينة المنورة، حيث بدأت مرحلة جديدة من تاريخ الدعوة الإسلامية،
وكان لأبي بكر رضي الله عنه فيها دور بارز منذ اللحظات الأولى.