وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لَمّا رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يصيب المسلمين من أذى المشركين وبلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين، وعظم ابتلاء أصحاب الكرام في أموالهم وأنفسهم وسمعوا من هجر أعدائهم ما لا تستسيغه الطباع، ولا تحتمله الأسماع، أذن لهم في الهجرة من مكة المكرمة.
روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أنه قال لهم: «تَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْمَعُكُمْ» [نور اليقين في سيرة سيد المرسلين١/٥٠]
ثم اختار لهم أرض الحبشة فقد روى ابن إسحاق أنه قال لهم: «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ؛ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ» [سيرة ابن هشام ١/٣٢١]
وكان ملكها في ذلك الوقت (النجاشي أصحمة) معروفًا عند العرب بإقراء الضيف والذود عن الغرباء في بلاده.
وكلمة (النجاشي) ليست اسمًا له فإن اسمه أصحمة بوزن أربعة، وإنما هي كانت عنوانا للجالس على عرش الحبشة كما كان يقول الترك لملكهم (خاقان)، والروم (القيصر)، واليمن تُبّع ومصر فرعون.
فخرج فريق من الصحابة إلى الحبشة خفية مشاة فساروا حتى وصلوا إلى البحر وانتظروا حتى مرت بهم سفينة تجارية فحملتهم بنصف دينار. قاله في فتح الباري. [ج ٧ ص١٨٨]
وكان منهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله وقد جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله، رأيت عثمان في طريق هجرته وقد حمل امرأته على حمار، فقال: «صَحِبَهُمَا اللَّهُ، إِنَّ عُثْمَانَ لَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ بَعْدَ لُوطٍ» [المصدر السابق]، أخرجه يعقوب بن سفيان عن أنس.
ومنهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة وزوجته أم سلمة، وجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون، وقد اختاروه في سفرهم هذا أميرًا عليهم - رضي الله عنهم أجمعين -وكان خروجهم في رجب سنة (٥) من النبوة. [مختصر سيرة الرسول ج١ ص٨٧] قاله الواقدي.
واستأذن أبو بكر في اللحاق بهم، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، روى ابن إسحاق عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن أبا بكر استأذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في الهجرة إلى الحبشة فأذن له، فخرج مهاجرًا حتى إذا سار يوما أو يومين رأى الحارث بن يزيد بن الدغنة وهو سيد قبيلة القارة معروف بالشجاع بين العرب وكان جليلًا محترمًا في القبائل، فسأله: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال: إن مثلك لا ينبغي أن يخرج أو يُخرج من أرضه، ثم قال له: أنت إلى قريش وأخبرهم بحمايته لأبي لابي بـ فقالوا: بشرط أن يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته في جواري، فرجع ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره وصار يصلي ويقرأ بالقرآن، وكان رقيق القلب، كثير البكاء، عظيم الخشوع من خشية الله عند قراءة القرآن، فكان نساؤهم وشبانهم يجمعون حول مسجده عند ذلك ويستمعون منه كلام الله، وأنت خبير بما له من حلاوة، وما عليه من طلاوة، ومن أجل ذلك صاروا يزدحمون عليه ازدحاما شديد حتى كاد أن يسقط بعضهم على بعض من شدة التزاحم لاستماعه.
عند ذلك فزع المشركون وخافوا أن يدخل في الإسلام نساؤهم وأبناؤهم؛ لرقة قلوبهم، وسرعة تأثر وجدانهم، وصفاء سريرتهم، فرفعوا الأمر إلى حليفه المذكور، فحضر إليه وهدده وقال: إما أن لا تستعلن بعبادتك، وإما أن تعيد إلي ذمتي، فقال الصديق: إني أرد لك جوارك وأرضى بجوار الله، رواه البخاري مطولًا.
وقد لقي المسلمون في الحبشة من إكرام الله لهم، واجتماع القلوب على محبتهم، وتودّد الأحباش لجماعتهم، ما ألهج ألسنتهم بشكر الله، وصاروا يعبدون الله على أكمل حال، بعيدين عن أذية أهل الغواية والضلال.
ولما شعر المشركون بهجرتهم ضاقت صدورهم، فاقتفوا أثرهم إلى البحر فلم يدركوهم، فرأوا أن ينغصوا عيشهم بالإيقاع بينهم والنجاشي؛ ليحملوه على طردهم من بلاده.
وأوفدوا لهذا الغرض نفرًا من دهاتهم منهم عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد، وأرسلوا معهم هدية عظيمة من تحف البلاد العربية.
روى الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الله بن مسعود قال: بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية فقدما على النجاشي فدخلا عليه وسجدا له على عادة أهل الحبشة، وابتدراه فقعد أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقالا: إن نفرًا من بني عمس نزلوا أرضك ورغبوا عنا وعن ملتِنا، فأحضرهم النجاشي بين يديه، واتفق المسلمون أن يجعلوا جعفرًا خطيبهم والمتكلم بلسانهم، فلما دخل سلم، فقالوا: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله عز وجل - قالوا: ولم ذلك؟ قال: إنَّ الله أرسل فينا رسولًا وأمرنا أن لا نسجد إلا لله وأمرنا بالصلاة والزكاة، فقال عمرو: فإنهم يخالفونك في ابن مريم وأمه، قال : لجعفر فما تقول فيهما؟ قال: نقول كما قال الله - تعالى -: عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسها بشر، فقال النجاشي (بعد أن أوضحوا له طريق الهدى): يا معشر الحبشة، والقسيسين، والرهبان، ما يزيد على ما يقولون: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل، ثم قال: مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده وأمر برد هديّة عمرو وعمارة وردهما خائبين. [رواه أحمد عن ابن مسعود برقم ٤٤٠٠]
تجلى في هجرة الحبشة نصر الله وتأييده لعباده المؤمنين؛ إذ تحولت محاولة قريش لإيذائهم ونفيهم إلى سبب في دخول النجاشي نفسه إلى الإسلام ورد كيد المشركين في نحورهم؛ لتظل هذه الحادثة برهانًا راسخًا على أن الحق يملك قوة ذاتية تأسر القلوب المنصفة، وأن ثبات الصحابة ويقينهم كان الصخرة التي تحطمت عليها كل مؤامرات الضلال.
شكَّلت الهجرة النبوية الشريفة نقطةَ تحولٍ فارقةً في تاريخ الدعوة الإسلامية
شكلت الهجرتان إلى الحبشة والمدينة المنورة تحولًا مصيريًا في مسار الإسلام،
في دروس الهجرة النبوية تتجلى قيم قادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل
كانت الهجرة النبوية نقطة تحول جوهري في تاريخ التشريع الإسلامي
تاريخ الحبشة (إثيوبيا) يمتد من ممالك "أكسوم" ودخول المسيحية، مروراً بالهجرة النبوية الأولى