Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

قراءة نفسية لدور السيدة أسماء بنت أبي بكر في الهجرة النبوية

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

قراءة نفسية لدور السيدة أسماء بنت أبي بكر في الهجرة النبوية

في خضم أخطر لحظات الدعوة المحمدية، حيث كانت تُرسَم ملامح دولة وتُكتب سطور مجد، برزت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها لتصنع التاريخ لا بسيفها بل بنفسها وروحها. إنها السيدة أسماء بنت سيدنا أبي بكر الصديق، التي تمثل نموذجًا فريدًا في سيكولوجية التضحية والصمود، حيث تحول الإيمان الراسخ إلى طاقة نفسية هائلة قادتها لأعظم البطولات الصامتة، وفي هذه القراءة، نقف على الأبعاد النفسية لشخصيتها في حدث الهجرة النبوية.

الأمن النفسي والثبات أمام الضغوط... موقفها من أبي جهل

تعد حادثة مواجهة السيدة أسماء لأبي جهل نموذجًا فريدًا للثبات النفسي وتحمل الضغوط. فبعد خروج سيدنا رسول الله ﷺ وسيدنا أبي بكر إلى غار ثور، جاء أبو جهل في نفر من قريش يسألونها عن أبيها، فوقفت هذه الفتاة الصغيرة أمام ألد أعداء الإسلام ولم تتردد.

قالت السيدة أسماء رضي الله عنها: "وَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي، فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طَرَحَ مِنْهَا قُرْطِي ثُمَّ انْصَرَفُوا" [ينظر:سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) والروض (٢/ ٢٢٤)].

يكشف هذا الموقف عن شخصية استثنائية تمتلك قدرة نادرة على كبت الانفعالات وتوجيه الطاقة نحو الهدف الأسمى، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ تحمل الضغط والمرونة النفسية، أو الصلابة النفسية[ ينظر الصلابة النفسية وعلاقتها بأساليب مواجهة الضغوط لدى عينة من الأخصائيين النفسيين ، للباحث سعيد محم عطيوي، رسالة ماجستير في علم النفس جامعة المنصورة]، فتاة صغيرة تتعرض للطم من أشد أعداء الإسلام فتسقط حليها من شدة الضربة، ومع ذلك لا تبكي ولا تصرخ ولا تفشي السر.

واللافت أن السيدة أسماء كانت حاملاً في تلك الفترة بسيدنا عبد الله بن الزبير [ينظر التاريخ الإسلامي - ج ٤: العهد الأموي، للشيخ محمود شاكر، الطبعة السابعة، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م، صـ ١٣٧: ١٣٩]، مما يضيف بعدًا نفسيًا أعمق؛ إذ كانت تحمي نفسها وجنينها في وقت واحد مع تعرضها لاعتداء جسدي ونفسي عنيف. لقد أخفت السيدة أسماء ألمها وخوفها خلف جدار من الصبر والثبات، وهذا يتفق مع أعلى درجات الذكاء الانفعالي التي يمكن الإنسان من إدارة مشاعره في أشد اللحظات حرجًا.

الإيثار كآلية نفسية عليا .. حادثة النطاق

تمثل حادثة شق النطاق ما يعرف في علم النفس العميق بـ آلية التسامي ، حيث حولت السيدة أسماء طاقتها الانفعالية المرتبطة بالخوف والحاجة إلى سلوك إبداعي تضحي نادر، وهو ما يصنفه علماء النفس أنه أكثر الآليات الدفاعية نضجنًا [يراجع هذا المقال https://reachlink.com/advice/defense-mechanisms/sublimation-defense-mechanism/ آلية الدفاع بالتسامي: المعنى وأمثلة من الحياة الواقعية].

فحين لم تجد ما تربط به سفرة سيدنا رسول الله ﷺ وسقاءه، لم تستسلم للعجز، بل أقدمت على فعل غير مسبوق في وقت يشتد الخوف فيه بين ظلام ليل أو تربص عدو ورصد قاتل.

روى ابن هشام في سيرته عن السيدة أسماء بنت سيدنا أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "صَنَعْتُ سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي، قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ، فَارْبِطِي بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالْآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ" [ينظر:سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) والروض (٢/ ٢٢٤)]، وقد روى مثل ذلك الإمام البخاري مع اختلاف في الألفاظ.

وقال سيدنا رسول الله ﷺ لها: "أَبْدَلَكِ اللَّهُ بِنِطَاقِكِ هَذَا نِطَاقَيْنِ فِي الْجَنَّةِ" [ينظر المرجع السابق].

إن النطاق -وهو الإزار الذي تتزين به المرأة وتستتر به- يمثل رمزًا للأنوثة والخصوصية والأمان الشخصي. بشقها إياه وتقديم نصفه لسيدنا رسول الله ﷺ وسيدنا أبي بكر، تكون السيدة أسماء قد تجاوزت حاجتها النفسية الفردية نحو حاجة جمعية أسمى، وهو ما يعبر عن أرقى مستويات التسامي حيث تتحول المصلحة الذاتية إلى خدمة للقيم العليا، وقد أسهم التعويض النبوي الفوري في تعزيز شعورها بالقيمة الذاتية، فتحول فعل التضحية المؤلم إلى مصدر فخر نفسي دائم، ولقبت بـ"ذات النطاقين" تكريمًا لها على فطنتها وشجاعتها وخدمتها للإسلام في موقف خطير.

ويؤكد العلماء هذه المكانة، حيث يقول موقع دار الإفتاء الأردني: "بيَّنتِ الهجرة النبوية ذكاء وبراعة المرأة المسلمة، فعندما لم تجد السيدة أسماء بنت أبي بكر ما تحمل فيه الزاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، شقَّت نطاقها نصفين لتحمله فيه، فلقبت بذات النطاقين تكريمًا لها إلى يوم الدين" [انظر: دور المرأة في الهجرة: دروس وعبر، دار الإفتاء الأردني].

إعادة التأطير المعرفي وإدارة الأزمات الأسرية .. موقفها مع أبي قحافة

تمثل حادثة طمأنة السيدة أسماء لجدها سيدنا أبي قحافة -وهو شيخ كبير ضرير لم يسلم بعد- نموذجًا رائعًا لـ إعادة التأطير المعرفي، وهي قدرة الفرد على تغيير المعنى السلبي لموقف ما إلى معنى إيجابي يقلل الضغط النفسي.

فبعد أن هاجر سيدنا أبو بكر بماله كله -وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم- في سبيل الله، ترك بيته خاليًا، فجاء سيدنا أبو قحافة يسأل السيدة أسماء قائلًا: "إن هذا -يقصد سيدنا أبا بكر- قد فجعكم بماله ونفسه" [ينظر البداية والنهاية لابن كثير ج٣ص ٤٤٢].

فماذا فعلت السيدة أسماء؟ لقد مارست أذكى عملية نفسية: "عَمَدْتُ إِلَى أَحْجَارٍ فَجَعَلْتُهَا فِي كُوَّةِ الْبَيْتِ وَغَطَّيْتُهَا بِثَوْبٍ، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِ جَدِّي أَبِي قُحَافَةَ وَوَضَعْتُهَا عَلَى الثَّوْبِ، ثُمَّ قُلْتُ: هَذَا مَا تَرَكَ لَنَا أَبُونَا أَبُو بَكْرٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِذَا كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدْ أَحْسَنَ" [ينظر المرجع السابق].

فتكشف هذه الحيلة النبيلة عن ذكاء انفعالي عالٍ، حيث أدركت السيدة أسماء أن جدها الأعمى لا يحتاج إلى الحقيقة المجردة التي ستحطمه نفسيًا، بل يحتاج إلى الطمأنينة. لقد استغلت حالة العمى الجسدي لديه لتمرير حقيقة نفسية مؤقتة تمتص غضبه وتريح قلبه. هذا النوع من التصرف يُظهر قدرة استثنائية على تبني منظور الآخر، وهو من أرقى مهارات الذكاء الاجتماعي.

والأكثر عمقًا أن السيدة أسماء لم تكتفِ بحل الأزمة الحالية، بل منعت الضرر النفسي طويل المدى؛ إذ لو تُرِك الشيخ حزينًا غاضبًا، لكان ذلك قد يؤثر على علاقته بابنه وقد يمنعه من الإسلام مستقبلًان وقد كان، إذ أسلم سيدنا أبو قحافة بعد فتح مكة [انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، لابن حجر، ج٤، ص١٢٠]، وكانت السيدة أسماء بهذا التصرف قد حافظت على الجسر العائلي وفتحت له طريق الهداية.

الخلاصة

تكشف القراءة النفسية لدور السيدة أسماء بنت سيدنا أبي بكر في الهجرة عن شخصية متكاملة الأبعاد، تمتعت بالثبات النفسي، والمرونة الانفعالية، والذكاء الاجتماعي الفريد. لم تكن السيدة أسماء مجرد تابع في حدث الهجرة، بل كانت فاعلاً أساسيًا صنع التاريخ بقراراته النفسية الجسورة. إن نموذجها يقدم درسًا خالدًا في كيف يمكن للإنسان أن يحول الألم والخوف إلى طاقة خلاقة تصنع المجد للأمة، رضي الله عنها وأرضاها.

موضوعات ذات صلة

هجرة النبي ﷺ التي لم تكن لتنجح لولا طاقة شبابية لا تعرف المستحيل، وقلوبًا مؤمنة هانت عليها الدنيا كلها في سبيل الله

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع

الهجرة النبوية لها أبعاد شاملة تمس كل جوانب الحياة، ومنها البعد الاقتصادي

الهجرة النبوية كانت نقطة انطلاق لـتجربة اجتماعية فريدة في التعايش السلميّ بين مختلف الجماعات الدينيّة والعرقيّة