تمثل حادثة
شق النطاق ما يعرف في علم النفس العميق بـ آلية التسامي ، حيث حولت السيدة أسماء
طاقتها الانفعالية المرتبطة بالخوف والحاجة إلى سلوك إبداعي تضحي نادر، وهو ما
يصنفه علماء النفس أنه أكثر الآليات الدفاعية نضجنًا [يراجع هذا المقال https://reachlink.com/advice/defense-mechanisms/sublimation-defense-mechanism/
آلية الدفاع بالتسامي: المعنى وأمثلة من الحياة الواقعية].
فحين لم تجد
ما تربط به سفرة سيدنا رسول الله ﷺ وسقاءه، لم تستسلم للعجز، بل أقدمت على فعل غير
مسبوق في وقت يشتد الخوف فيه بين ظلام ليل أو تربص عدو ورصد قاتل.
روى ابن
هشام في سيرته عن السيدة أسماء بنت سيدنا أبي بكر رضي الله عنهما قالت: "صَنَعْتُ
سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ
إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَتْ: فَلَمْ نَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا
نَرْبِطُهُمَا بِهِ، فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا
أَرْبِطُ بِهِ إِلَّا نِطَاقِي، قَالَ: فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ، فَارْبِطِي
بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ وَبِالْآخَرِ السُّفْرَةَ، فَفَعَلْتُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ
ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ" [ينظر:سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) والروض (٢/ ٢٢٤)]،
وقد روى مثل ذلك الإمام البخاري مع اختلاف في الألفاظ.
وقال سيدنا
رسول الله ﷺ لها: "أَبْدَلَكِ اللَّهُ بِنِطَاقِكِ هَذَا نِطَاقَيْنِ فِي
الْجَنَّةِ" [ينظر المرجع السابق].
إن النطاق
-وهو الإزار الذي تتزين به المرأة وتستتر به- يمثل رمزًا للأنوثة والخصوصية
والأمان الشخصي. بشقها إياه وتقديم نصفه لسيدنا رسول الله ﷺ وسيدنا أبي بكر، تكون
السيدة أسماء قد تجاوزت حاجتها النفسية الفردية نحو حاجة جمعية أسمى، وهو ما يعبر
عن أرقى مستويات التسامي حيث تتحول المصلحة الذاتية إلى خدمة للقيم العليا، وقد
أسهم التعويض النبوي الفوري في تعزيز شعورها بالقيمة الذاتية، فتحول فعل التضحية
المؤلم إلى مصدر فخر نفسي دائم، ولقبت بـ"ذات النطاقين" تكريمًا لها على
فطنتها وشجاعتها وخدمتها للإسلام في موقف خطير.
ويؤكد
العلماء هذه المكانة، حيث يقول موقع دار الإفتاء الأردني: "بيَّنتِ الهجرة
النبوية ذكاء وبراعة المرأة المسلمة، فعندما لم تجد السيدة أسماء بنت أبي بكر ما
تحمل فيه الزاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، شقَّت نطاقها نصفين لتحمله فيه،
فلقبت بذات النطاقين تكريمًا لها إلى يوم الدين" [انظر: دور المرأة في
الهجرة: دروس وعبر، دار الإفتاء الأردني].