Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

كيف نستفيد في العصر الحديث من الهجرة النبوية

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

كيف نستفيد في العصر الحديث من الهجرة النبوية

من خلال التأمل في دروس الهجرة النبوية تتجلى قيم خالدة قادرة على الإسهام في مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا؛ حيث كانت الهجرة النبوية كانت مشروعًا حضاريًا متكاملًا جسّد معاني الصبر والأخذ بالأسباب والتعايش والتعاون وبناء المجتمع على أسس تعزيز القيم الإنسانية من العدل والمسؤولية.

من وحي الهجرة التخطيط المحكم مع تمام التوكل على الله

كانت الهجرة النبوية أروع نموذج للموازنة بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله، فقد اختار سيدنا النبي ﷺ الطريق غير المألوف (جنوب مكة)، والرفيق الأمثل (سيدنا أبو بكر)، والتوقيت المناسب (الليل)، وأعد لكل ثغرةٍ حلاً محكمًا، ويروي ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أَنْتَ أَحَدُهُمْ، وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس [السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ٤٨٣ تحقيق مصطفى السقا]، كما نام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة ليحول دون اكتشاف المشركين لهجرته [ينظر سيرة ابن هشام].

إن هذا التوازن المحكم بين العمل الجاد وتمام التوكل الصادق هو ما نحتاجه اليوم في مؤسساتنا ومشاريعنا الوطنية؛ فالتخطيط وحده لا يكفي، والتوكل وحده لا يبني دولة، بل الاثنان معًا هما مفتاح النجاح.

من وحي الهجرة التضحية والصبر صنوان النصر

لم تكن الهجرة نزهةً خفيفة، بل كانت ثمرة صبرٍ عظيمٍ على الأذى والاضطهاد في مكة ثلاث عشرة سنة، وهذا الصبر لم يكن سلبيا، بل كان صبر الفاعلين الذين يخططون ويعملون ويتحملون نتائج عملهم، ولقد تجلَّى أروع صور التضحية في مبيت سيدنا علي رضي الله عنه على فراش سيدنا رسول الله ﷺ وهو يعلم أن السيوف تحرس الباب، وفي حمل السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها الزاد والماء إلى الغار في جوف الليل، وهي حامل في شهرها الأخير، كما تجلَّى اليقين الجماعي في الغار: يقول سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا» [رواه الشيخان].

إن الصبر والتضحية هما وقود النهضة الحقيقية، فكل بناءٍ عظيم يحتاج إلى رجالٍ يضحون بوقتهم وراحتهم وأموالهم، ونساءٍ يدعمن من الخلفاء، وإن استلهام روح الهجرة يعلّمنا أن الطريق إلى النصر معبّدٌ بالصبر والثبات والعمل المتواصل، مهما بدت البدايات صعبة.

دروس من الهجرة في التعايش وبناء المواطنة

كان من أعظم ثمار الهجرة وضع أول دستورٍ للتعايش في المدينة المنورة، نظَّم العلاقة بين المسلمين واليهود على أسس المواطنة والمسؤولية المشتركة، يقول ابن هشام في سيرته: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ »[السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق السقا وآخرين، ج١، ص٥٠١]، وقد نصت هذه الوثيقة على مبادئ إنسانية خالدة منها: «وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ ... وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ، وَالْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ ... ولِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ» [السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق السقا، ج١، ص٥٠٣].

وفي عصر يعج بالصراعات على أساس الدين والعرق، نحن بأمس الحاجة إلى استلهام نموذج وثيقة المدينة في بناء مجتمعاتنا على قيم الوحدة والتعاون والمواطنة الحقيقية التي تعلو على كل الانتماءات الضيقة، فالوثيقة لم تلغِ الاختلافات، بل نظَّمتها بما يحفظ الحقوق ويوجب الواجبات.

الهجرة النبوية واليقين والأمل في مواجهة الأزمات

لعل أعمق بعدٍ نفسي في الهجرة هو ذلك اليقين الذي لا يتزعزع، والأمل الذي لا ينقطع مهما اشتدت الظروف، فعندما غادر النبي ﷺ مكة قال: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»[رواه الترمذي]، وهذا اليقين هو جوهر الصحة النفسية في الإسلام، يقول فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: "إن الهجرة النبوية الشريفة كانت ولا تزال من أهم الأحداث الملهمة والفارقة في سيرة رسولنا الكريم ﷺ، التي جسَّدت أسمى معاني التضحية والثقة في الله وتحمُّل المشاقّ في سبيل الدعوة إليه، وستظل درسًا ملهمًا يجدد في نفوس المسلمين طاقاتٍ خلاقة" [من مقال في موقع صدى البلد بعنوان: الهجرة النبوية جسدت أسمى معاني التضحية والثقة في الله].

وفي ظل الأزمات المتسارعة والاضطرابات النفسية المتفاقمة، نحن بحاجة إلى هذا اليقين الذي يملأ القلوب طمأنينة، وهذا الأمل الذي ينير الطريق مهما طال الظلام، والثقة بأن الله معنا هي أعظم وأرخص دواءٍ للنفس.

الخلاصة

الهجرة النبوية ليست مجرد صفحةٍ في كتب التاريخ، بل هي منهاج حياة متكامل يمد الأمة بطاقاتٍ لا تنضب من الصبر واليقين والتخطيط والتعايش، وإن استلهام دروسها في التخطيط المتوازن، والتضحية الصابرة، والمواطنة العادلة، والأمل المشرق، يمكنه أن يحوِّل واقعنا المأزوم إلى مستقبل أكثر إشراقاً، ولنظل كما علمنا نبينا نخطط بعقلية الواثق، ونتوكل بقلب المؤمن، ونبني مجتمعاً كما بنى في المدينة.

موضوعات ذات صلة

يتجلى الإيثار، السر الأعظم من أسرار الهجرة النبوية

الهجرة النبوية كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع؛

يُعتبر دور المرأة في الهجرة النبوية مثالاً يُحتذى به في التاريخ الإسلامي

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل، سلوك المحب للطاعة

تولى سيدنا عبد الله بن أبي بكر مهمة جمع الأخبار ورصد تحركات قريش.