اتسمت هندسة الهجرة النبوية بعبقرية استراتيجية واضحة في اختبار وصقل
القدرات القيادية لجميع عناصر المجتمع بمختلف مستوياتهم العمرية والنوعية، مما
يؤكد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يهيئ جيلًا مسؤولًا قادرًا على
حمل تبعات الرسالة وبناء مؤسسات الدولة:
أ. سيدنا
أبو بكر الصديق - رضي الله عنه: برزت قيادته في
اتخاذ المبادرة وبذل ماله كله البالغ زهاء ستة آلاف درهم لتأمين الرحلة والمتاع [أحمد في المسند: ٢٦٩٥٧].
ب. سيدنا
علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: جسد الفداء
والبطولة العسكرية المتقدمة بنومه في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم -
وتأدية الأمانات إلى أهل مكة رغم المخاطر [راجع
السيرة النبوية لابن هشام: ١ / ٤٨٣].
ت. السيدة
أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها: تجلى
عقلها في الدعم اللوجستي وحفظ السر والصمود الأمني أمام بطش أبي جهل، والذكاء
الاجتماعي الفذ في تطمين جدها الأعمى أبي قحافة بوضع الأحجار في كوة المال لتسكين
روعه [راجع المسند للإمام أحمد: ٢٦٩٥٧- وابن هشام في السيرة النبوية:
١/٤٨٧]،
ث. عبد
الله بن أبي بكر - رضي الله عنه: أدار بذكائه
وفطنته جهاز الاستطلاع الاستخباري لجمع المعلومات؛ حيث لَحِقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ،
فَمَكُثَ فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي
بَكْرٍ، وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ، فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا
سَحَرًا، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا
يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ [البخاري:
٥٨٠٧].
إن
هذا المشهد التاريخي النادر لا يقف عند حدود الرواية، بل يؤصل لقيمة المسؤولية
المجتمعية، ويؤكد أن حماية الأوطان والمقدسات تستوجب عقولًا يقظة تجمع بين صدق
الاعتماد على الله ودقة الاستشراف المعرفي.