Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الهجرة النبوية وبناء الإنسان: رؤية شاملة

الكاتب

هيئة التحرير

الهجرة النبوية وبناء الإنسان: رؤية شاملة

الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال مكاني من مكة إلى المدينة، بل كانت في جوهرها مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لبناء الإنسان: عقله، وقلبه، وسلوكه، ومكانته في المجتمع؛ حيث انتقل المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القدرة، ولكن هذه القدرة لم تكن مجرد نصر سياسي أو عسكري، بل كانت تمكينًا للإنسان المؤمن في داخله، الذي أصبح أكثر وعيًا، وعمقًا، ومسؤولية.

بناء الإنسان عقائديًّا وإيمانيًّا من دروس الهجرة

تجلى البناء العقائدي للإنسان المسلم في ذروة الأزمة وداخل مساحات الخطر الضيقة؛ ففي لحظة المطاردة الحرجة داخل غار ثور، حين وقف المشركون على شفير الغار، قال حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لصاحبه أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - كلمته الخالدة التي سجلها القرآن الكريم: ﴿لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ﴾ [التوبة: ٤٠].

إن ثقة حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - المطلقة بيقين: "لأن الله معنا والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا، ولن يصلوا إلينا.. فقد نصره الله على عدوه وهو بهذه الحال من الخوف وقلة العدد، فكيف يخذله ويحوجه إليكم وقد كثر الله أنصاره وعدد جنوده؟ " [الطبَري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، دار هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط١، ١٤٢٢هـ - ٢٠٠١م، ١١ /٤٦٤].

إن هذه الكلمة النبوية الواثقة تختزل المنهج الأسمى في تربية الإنسان المؤمن، الذي يشهد إرادة الله - تعالى - وقدرته المطلقة ويستشعر معيّته قبل التفات قلبه للأسباب المادية المباشرة.

بناء الإنسان نفسيًّا وروحيًّا من دروس الهجرة

مثلت الهجرة قرارًا نفسيًّا واجتماعيًّا بالغ الصعوبة؛ إذ انطوت على فراق الأوطان المألوفة، وترك الممتلكات والبيوت إيثارًا للعقيدة وتلبية للأمر الإلهي، فكانت بمثابة أول مدرسة عملية لصناعة الصبر والتضحية والانتماء الصادق، ويتجلى عمق هذا الارتباط الوجداني بالوطن في ذروة موادعة حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لمكة المكرمة؛ حيث ثبت في الآثار الشريفة أنه - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - قال وَهوَ واقفٌ بالحَزوَرةِ في سوقِ مَكَّةَ: «واللَّهِ إنَّكِ لخيرُ أرضِ اللَّهِ وأحبُّ أرضِ اللَّهِ إليَّ ولولا أن أَهْلَكِ أخرَجوني منكِ ما خَرجتُ» [ابن ماجه: السنن،٣١٠٨٨]، ومن رحم هذه المعاناة، تحرر الإنسان المسلم من ربقة الخوف؛ فرغم الحصار المستمر، والمكافآت المالية الضخمة التي رصدتها قريش (مائة ناقة) لمن يأتي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أو يدل عليهما، لم يتسرب الخوف الحقيقي لقلب حضرة سيدنا الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه، بل سادت طمأنينة داخلية قوامها الاعتصام بالله واللجوء إليه في الملمات، ويتجلى هذا اليقين الأسمى والسكينة المطلقة في مشهد مطاردة سراقة بن مالك للركب النبوي الشريف؛ حيث يروي سيدنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في سياق الحديث وفيه: قال: "يا رَسولَ اللهِ، هذا فارِسٌ قد لَحِقَ بنا، فالتَفَتَ نَبيُّ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - فقال: «اللهُمَّ اصرَعْه»، فصَرَعَه الفَرَسُ، ثُمَّ قامَت تُحَمحِمُ، فقال أي سراقة: يا نَبيَّ اللهِ، مُرْني بما شِئتَ، قال: «فقِفْ مَكانَك، لا تَترُكَنَّ أحَدًا يَلحَقُ بنا»، قال: فكان أوَّلَ النَّهارِ جاهِدًا على نَبيِّ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وكان آخِرَ النَّهارِ مَسلَحةً له"، أي حارسًا وحاميًا له [البخاري: ٣٩١١].

وقد عانت السيدة أم سلمة - رضي الله عنها - وطليعة المهاجرين من هذا العسف الاجتماعي؛ وجسد ذلك المشهد المأساوي قصة أم سلمة وابنها سلمة، حين عزمت على الهجرة فخرج إليها رجال بني المغيرة وانتزعوا خطام البعير من يد زوجها، ثم غضب بنو عبد الأسد (عشيرة زوجها) وقالوا: لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا الطفل سلمة بينهم حتى خُلعت يده، وأخذه بنو عبد الأسد، بينما احتجز بنو المغيرة أم سلمة، ففُرق بين الأسرة عامًا كاملًا كانت تخرج فيه كل غداة تبكي بالأبطح، حتى رقّ لها أحد بني عمومتها فخُلي سبيلها واسترجعت ابنها، لتهاجر ببطولة وثبات وحيدة رفقة طفلها عبر البيداء، معلنةً ترويض النفس على الصمود وتحمل الألم في سبيل الحق [السيرة النبوية لابن هشام، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط٢، ١٣٧٥هـ - ١٩٥٥م، ١ /٤٦٩].

من وحي الهجرة بناء الإنسان فكريًّا وثقافيًّا

أحدثت الهجرة النبوية نقلة نوعية في عقل الإنسان المسلم، نقلته من عقلية الفردية والعصبية القبلية الضيقة إلى أفق الأمة العالمية المنفتحة؛ فالهجرة من مكة المكرمة بقدسيتها ومكانتها الروحية المستقرة إلى مجتمع المدينة المختلف بتركيبته البشرية والاقتصادية، علّمت المسلمين آليات التفاعل الواعي مع التنوع البشري، ويتجلى هذا الخطاب الإنساني الجامع في أول خطبة ألقاها حضرة سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فور ملامسة ركابه الشريف أرض المدينة، مرسيًا الدعامة الأولى للأمن المجتمعي والسلام العالمي بقوله: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [ابن ماجه، السنن، ٣٢٥١]، وهذا التأصيل النبوي يمثل امتثالًا حيًّا للتوجيه القرآني الصريح الذي نزع فتيل التفاخر بالأنساب والعرقية الضيقة ليحل محله عالمية المشترك الإنساني في قوله - جل وعلا: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣].

إذ يقرر المفسرون في دلالتها أن الله - تعالى - جعل هذه الشعوب والقبائل غاية أمرها ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لا لتفاخروا، فقطع بهذا التشريع أصول الجاهلية الباغية [راجع تفسير البغوي: معالم التنزيل في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي - بيروت،١٤٢٠ هـ، ٤ /٢٦٥].

من وحي الهجرة بناء الإنسان قياديًّا ومسؤولًا

اتسمت هندسة الهجرة النبوية بعبقرية استراتيجية واضحة في اختبار وصقل القدرات القيادية لجميع عناصر المجتمع بمختلف مستوياتهم العمرية والنوعية، مما يؤكد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يهيئ جيلًا مسؤولًا قادرًا على حمل تبعات الرسالة وبناء مؤسسات الدولة:

أ‌. سيدنا أبو بكر الصديق - رضي الله عنه: برزت قيادته في اتخاذ المبادرة وبذل ماله كله البالغ زهاء ستة آلاف درهم لتأمين الرحلة والمتاع [أحمد في المسند: ٢٦٩٥٧].

ب‌. سيدنا علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: جسد الفداء والبطولة العسكرية المتقدمة بنومه في فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - وتأدية الأمانات إلى أهل مكة رغم المخاطر [راجع السيرة النبوية لابن هشام: ١ / ٤٨٣].

ت‌. السيدة أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها: تجلى عقلها في الدعم اللوجستي وحفظ السر والصمود الأمني أمام بطش أبي جهل، والذكاء الاجتماعي الفذ في تطمين جدها الأعمى أبي قحافة بوضع الأحجار في كوة المال لتسكين روعه [راجع المسند للإمام أحمد: ٢٦٩٥٧- وابن هشام في السيرة النبوية: ١/٤٨٧]،

ث‌. عبد الله بن أبي بكر - رضي الله عنه: أدار بذكائه وفطنته جهاز الاستطلاع الاستخباري لجمع المعلومات؛ حيث لَحِقَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ، فَمَكُثَ فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ، فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا سَحَرًا، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ، حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ [البخاري: ٥٨٠٧].

إن هذا المشهد التاريخي النادر لا يقف عند حدود الرواية، بل يؤصل لقيمة المسؤولية المجتمعية، ويؤكد أن حماية الأوطان والمقدسات تستوجب عقولًا يقظة تجمع بين صدق الاعتماد على الله ودقة الاستشراف المعرفي.

الهجرة وبناء الإنسان في عصرنا

قد أسست الهجرة لنموذج فريد في العدالة الاجتماعية والتكافل المجتمعي عبر تدبيرين استراتيجيين:

أ‌- عقد المؤاخاة

حين عُقدت المؤاخاة في مجتمع المدينة، لم يكن الأمر مجرد تدبير اجتماعي مؤقت، بل كان نموذجًا فريدًا لإعادة بناء الإنسان وتأهيله؛ فقد ألغت المؤاخاة اعتبارات القبيلة والنسب، وأعادت بناء الإنسان على أساس القيم الإنسانية والعقيدة، وقد انعكس هذا الاستقرار النفسي والاجتماعي على سلوك المهاجرين، ففجّر طاقاتهم الإبداعية ولم يرضوا بأن يكونوا عالة، بل تحولوا سريعًا إلى العمل بالزراعة والتجارة؛ ويبرز هنا النموذج السردي العظيم لعبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - حين عرض عليه أخوه  سعد بن الربيع - رضي الله عنه - مناصفة ماله وداره، فأبى بعزة نفس وإعلاء لكرامة العمل قائلًا: "بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فَخَرَجَ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَ وَاشْتَرَى" [البخاري: ٥١٦٧].

 هذا التوجه العملي أنتج حركة إنتاجية واسعة، خصوصًا بعدما اتفق الأنصار والمهاجرون على شراكة زراعية تقوم على أن يكفي المهاجرون المؤهليـن العمل في الأرض مقابل مقاسمة الثمرة، مما حقق نموًا اقتصاديًّا ذاتيًّا حمى الدولة الناشئة من الحصار المالي والعسكري الذي حاولت قريش وقوى اليهود فرضه عليها.

ب‌- وثيقة المدينة المنورة

مثلت هذه المعاهدة، التي شملت اليهود وسائر قطاعات المجتمع، أول دستور مدني مدون في التاريخ الإنساني، وصيغت بنودها بدقة متناهية لتقرر مبادئ الحرية، والمساواة، والمواطنة، والتعايش السلمي، وتنظيم واجبات الدولة تجاه مواطنيها والدفاع المشترك عن الوطن، بما لا يدع مجالًا للنزاعات القبلية القديمة كصراع الأوس والخزرج الذين انصهروا تحت المسمى الشريف الأنصار، وفي عمق هذا التحول الدستوري، برز بناء الإنسان بنقله من إنسان القبيلة المتعصب إلى إنسان الدولة المسؤول؛ حيث نصّت الوثيقة في بندها الصارم: "وأنَّ سِلْمَ المؤمنينَ واحدةٌ... وأنَّ اللهَ معَ أتقى أهلِ هذهِ الصحيفةِ وأبرِّهِمْ" [السيرة النبوية لابن هشام - كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين المهاجرين والأنصار وموادعة يهود: ١/٥٠٣]، هذا الأمان الحقوقي جعل الفرد صانعًا للأمن وشريكًا في الوطن عبر إقرار مبدئي حرية الاعتقاد والدفاع المشترك.

الخلاصة

الهجرة النبوية لم تكن مجرد هروب من الظلم، بل كانت ولادة جديدة للإنسان المسلم، عقيدةً، وفكرًا، وسلوكًا، كانت نقطة تحوّل من الضعف إلى القوة، ومن التبعية إلى القيادة، ومن الفردية إلى الأمة، وكل من أراد أن يبني نفسه أو مجتمعه فعليه أن يستلهم دروس الهجرة في تنمية الإيمان، وتربية النفس، وإصلاح المجتمع، وبناء الحضارة.

موضوعات ذات صلة

الهجرة انتقال من الاضطهاد للأمان، وبناء أمة قوامها نصرة وإيمان.

هل يمكن لتمرة أو شربة ماء أن تبني حضارة؟

تولى سيدنا عبد الله بن أبي بكر مهمة جمع الأخبار ورصد تحركات قريش.

نودع عامًا، ونستقبل آخرَ، وبين الوداع والاستقبال يبقى التأمل.

موضوعات مختارة