Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فيوضات يوم المباهاة الإلهية .. رسائل صوفية

فيوضات يوم المباهاة الإلهية .. رسائل صوفية

يوم عرفة هو يوم المباهاة الإلهية والنفحات الربانية، حيث تتجلى معاني القرب والافتقار والانكسار في قلوب السالكين إلى الله، وفي هذا المقال نتعرف على أسرار عرفة في ضوء إشارات كبار أئمة التصوف، بين التجريد والفناء وشهود المنة والعبودية الخالصة.

التجريد والانضباط في يوم المباهاة الإلهية

إن الزمان عند أهل الله ظرف للتجلي وميدان تشرق فيه الأنوار الإلهية على قلوب العباد، وفي يوم عرفة -يوم التجلي الأعظم والمشهد الروحي الأسمى- تتلاشى الرسوم وتبقى الحقائق، وتزدلف الأرواح إلى بارئها في موقفٍ تتسع فيه دائرة الرحمة لتشمل العوالم، فالعيش الحقيقي في هذا اليوم عند علماء التصوف هو موقف الروح قبل الجسد، حيث تمثل "فكرة المباهاة الإلهية" بأهل الموقف سرًا لطيفًا يكشف عن مقام القرب، والتحول من غسق الغفلة إلى شروق المعرفة، ونحن إذ نقتفي أثر ساداتنا العارفين، نستلهم من إشاراتهم كيف نتحقق بروحانية هذا اليوم العظيم.

يأخذنا شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي في حلته القشيبة (منازل السائرين) إلى ذروة الترقي الروحي، حيث يجعل من التجريد ركيزة أساسية لاستنهاض الهمة في هذا اليوم العظيم، ويعرف التجريد إشارةً بقوله: إشارة ترتكض في القلب، تقطع العبد عن الالتفات إلى ما وراءه، والعيش في عرفة عند الهروي يقتضي تطبيق هذا التجريد بقطع علائق الدنيا وحسم حال التردد في الإقبال على الله، وفكرة المباهاة هنا تتجلى عندما يرى الحق سبحانه عباده وقد تجردوا له طواعية، وساقوا أنفسهم بعزم صادق يستفرغون فيه الوسع، فيقبل عليهم بتجلي الرحمانية، ويشهد ملائكته أن هؤلاء السائرين قد قطعوا العلائق ووصلوا إلى نهاية التجرد، فصفت مشاهدتهم واستحقوا القرب والوصل.

وعلى أعتاب الضبط الروحي والمزاوجة بين الظاهر والباطن، يضع لنا محتسب العلماء الإمام أحمد زروق الفاسي دستورًا جامعًا يؤصل فيه ميزانًا دقيقًا لقبول هذا الموقف بناءً على قاعدته: (كل حقيقة لا شريعة معها فباطلة)، ويحدد معالم السير بقوله: الطريق مبنيٌّ على ثلاثة أصول: لزومُ الأدب، وصحّةُ القصد، وصدقُ العمل، والعيش في عرفة وفق هذا القواعد الزروقية يقتضي مراعاة أدب الوقت بمتابعة السنة، وصحة القصد بأن يكون التوجه لله وحده، وصدق العمل باستفراغ المجهود، ومن هنا يرى أن "المباهاة الإلهية" مشروطة بلزوم الشريعة وتحقيق كمال الاتباع، فالله تعالى يباهي بالعبد الذي حقق مقام العبودية المحضة فصان جوارحه عن المخالفات وحفظ قلبه من الخواطر، ومن جمع هذه الأصول في عرفة أقام عبادته على أركان متينة تضمن صيانة عمله من الرياء، وتزكية حاله بالأنوار التي تجعله أهلًا للمباهاة والقبول.

الفناء والانكسار في مدرسة أهل العرفان

وبناء على هذا الانضباط الشريعي يثمر مقام الفناء والجمع الذي يتحدث عنه سيد الطائفة الإمام الجنيد البغدادي، إذ يقوم منهجه في قراءة مشهد عرفة على فكرة سقوط التمايز والرجوع إلى البداية الأولى، فالعيش في عرفة عند الجنيد يقتضي فناء العبد عن حظوظه واستغراق القلب في مطالعة الجناب الأقدس، ومن وحي طريقته تتجلى "فكرة المباهاة" كأثر لخروج العبد من تدبيره ونفسه، فالله تعالى يباهي بعباده ملائكته لأنهم أتوا "شعثًا غبرًا"، وهو حال يعكس كمال الاضطرار وسقوط الدعاوى، فالمباهاة الإلهية عنده هي إعلان لتطهير هذه القلوب وصيرورتها محلًا للنظر الإلهي، حيث يضع الضابط لصدق الأحوال بحال الزهد الذي يعني خلو اليد من الملك، والقلب من التخليط، ويوم عرفة هو ذروة هذا الخلو، إذ يتجرد العبد من كل نسبة ليبقى بالحق وللحق، وتتحقق المباهاة حين يرى الحق عبده بلا دعوى ولا حظ.

وفي مدرسة الحكم العطائية، يتوج تاج الدين ابن عطاء الله السكندري هذه المعاني بنقلنا إلى عمق الفهم عن الله، ليعلمنا أن العطاء في عرفة ليس لعلة العمل بل لمحض الفضل والتوفيق الإلهي، ويضع الحكمة اللطيفة التي تشرح سر المباهاة والطلب بقوله: متى أطلق لسانك بالطلب، فاعلم أنه يريد أن يعطيك، والعيش في عرفة مع ابن عطاء الله يتجاوز حركات الجوارح إلى شهود المنة، وسكون الصخب النفسي، فالمباهاة الإلهية في نظره هي شهادة حق من المُنْعم على صدق افتقار المنعَم عليه؛ فالله لا يباهي الملائكة بكثرة أعمال العباد، وإنما يباهي بفقرهم وانكسارهم على عتبات جوده، لذلك فإن أدب الوقوف عنده هو الخرس عن الدعوى وملازمة العجز، وثمرة القبول تكون بالانكسار الذي يجعل الاجتهاد رحيلاً عن عيوب النفس، وتجديدًا للعبودية المحضة التي يتباهى بها الجناب الأقدس.

المباهاة الإلهية وتجديد العبودية

تؤكد رحلتنا مع هؤلاء الأعلام أن يوم عرفة وفكرة المباهاة فيه هما مدرسة لبناء الإنسان من الداخل وتجديد العهد مع الله، فبين تجريد الهروي، وأصول زروق، وفناء الجنيد، وحكمة ابن عطاء الله، نجد منهجًا متكاملًا يوضح أن المباهاة الإلهية هي ثمرة الافتقار والانكسار، ليعود العبد من عرفات وقد تطهر من حظوظ نفسه، لابسًا خلع المغفرة والقبول، ومحققًا لمعنى العبودية في أسمى معانيها.

موضوعات ذات صلة

تغيبُ عن أذهانِ الكثيرين عبادةٌ جليلةٌ وسنّةٌ، داوم عليها بعضُ الصحابةِ في يومِ عرفة

تُمثل عشر ذي الحجة محطة إيمانية وتشريعية فذة في مسيرة المكلف نحو ربه

ما سر عظمة يوم عرفة ولماذا يُعد أفضل أيام السنة  

ما فضل صيام عشر ذي الحجة في السنة النبوية؟

موضوعات مختارة