يوم عرفة يوم المباهاة الإلهية
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة
والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإننا على موعدٍ مع يومٍ عظيم تهفو إليه قلوب المؤمنين، وتفيض فيه الأرواح رجاءً، إنه يوم عرفة؛ يومٌ يباهي الله فيه بأهل الموقف ملائكته، وتُرفع فيه الدعوات، وتُغفر فيه الذنوب، وتتنزل الرحمات والبركات؛ فطوبى لمن عرف قدره، فأحياه بالتوبة والذكر والدعاء، ورجا أن يكون من عتقاء الله من النار، وبيانه فيما يلي:
احتفاء القرآن الكريم بيوم عرفة:
لقد احتفى القرآن الكريم بيوم عرفة احتفاءً عظيمًا، فقد ارتبط هذا اليوم بأداء ركن لعبادة من أجلِّ العبادات وأعظم الشعائر، شعيرةِ الحج التي تتجلى فيها معاني التوحيد والخضوع والتجرد لله رب العالمين، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]؛ فصار الوقوف بعرفة ركنَ الحج الأعظم وهو بناء الشريعة، وفاضت فيه على الأمة أعظمُ نعم الله ورضوانه، وذكره كتابه العزيز في قول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣]، يعني: يوم عرفة، قال الطبري: "وأولى الأقوال في وقت نزول الآية، القولُ الذي روي عن عمر بن الخطاب: أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة" [جامع البيان]، وفيه تلهج ألسنة الحجيج بالتلبية والدعاء، وقد عظَّم الله هذا اليوم فقال تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبرِ} [التوبة: ٣]، قال الإمام الزجاج: "يَومُ الحج الأكبر هو يوم عرفة، والحج الأكبر الوُقوف بعرفة، وقيل: الحج الأصغر العمرة" [معاني القرآن وإعرابه]، وقال تعالى: {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [البروج: ٣]، قَال سيدنا علي وأبو هريرة وعكرمة وقتادة وغيرهم: "الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ"[رواه أحمد]، وقال تعالى: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: ٣] فقال جمع من السلف بأن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، لأن عرفة يوم التاسع وهو وتر، والنحر يوم العاشر وهو شفع، وقيل: لأنّ يوم النحر يشفع بيوم نحر بعده، وينفرد يوم عرفة بالموقف [جامع البيان].
يومُ عرفة أعظمُ الأيام قدرًا عند الله تعالى:
فقد روى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ»، وروي من وجهٍ آخر بزيادةٍ، وهي: «ولا لياليَ أفضَلُ من لياليهِنَّ»، قيل: يا رسولَ الله، هُنَّ أفضلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله؟ قال: «هنَّ أفضَلُ من عدتِهِنَّ جِهادًا في سبيل الله، إِلَّا من عُفِّرَ وجهُه تعفِيرًا، وما من يومٍ أفضَلُ مِن يوم عَرَفَةَ»، وعن سيدنا أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: " كَانَ يُقَالُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ بِكُلِّ يَوْمٍ أَلْفٌ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ عَشْرَةُ آلَافِ يَوْمٍ"، يَعْنِي: "فِي الْفَضْلِ" [شعب الإيمان]، وهو أحد أيام الأشهر الحرم المعظمة، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [سورة التوبة: ٣٩]، وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ، الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ» [متفق عليه].
يوم عرفة يوم المباهاة الربانية:
عن أم المؤمنين عَائِشَة رضي الله عنها قالت قال رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِم الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟» [رواه مسلم]، قال النووي: "هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة"، ثم أشار إلى مفهوم دنوه سبحانه في هذا اليوم فقال ناقلا عن القاضي عياض، قال المازري: معنى يدنو في هذا الحديث، أي: تدنو رحمته وكرامته لا دنوَّ مسافة ومماسة، ثم قال: قال القاضي: وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة ومباهاة الملائكة بهم عن أمره سبحانه وتعالى [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ مَلَائِكَةَ أَهْلِ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا» [رواه ابن حبان]، وفي "مصنف عبد الرزاق" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، في حديث الرجلين اللَّذين جاءا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسألانه عن أمر دينهم، وكان من جوابه لهما: «أَمَّا وُقُوفُكَ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ عِبَادِي جَاءُوا شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَيَخَافُونَ عَذَابِي، وَلَمْ يَرَوْنِي، فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي، فَلَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ رَمْلِ عَالِجٍ، أَوْ مِثْلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، أَوْ مِثْلُ قَطْرِ السَّمَاءِ ذُنُوبًا، غَسَلَهَا اللهُ».
يوم التجلي الأعظم:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يَبْقَى أَحَدٌ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلا غُفِرَ لَهُ»، فَقَالَ رجل: لأهل عرفة خاصة يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: «لا بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً» [رواه الطبراني]، وعن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "كَانَ فُلانٌ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ الْفَتَى يُلاحِظُ النِّسَاءَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ مِرَارًا، قَالَ: وَجَعَلَ الْفَتَى يُلاحِظُ إِلَيْهِنَّ"، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ» [ مسند أحمد].
الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم للحج:
إنَّ الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأعظم، فبدونه يبطل الحج ولا يصح؛ «فَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ قال: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ الْحَجُّ؟ فَقَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ...» [مسند أحمد].
يوم عرفة خير يوم يُدحَرُ فيه الشيطان ويَصغُر:
وذلك من كثرة ما يرى من الرحمة والمغفرة النازلة من الله تعالى على عباده، فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ»، قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» [رواه مالك].
أعظم الناس ذنبًا من ظن أن الله لا يغفر لأهل عرفة:
"إن أعظم الناس ذنبًا من وقف بعرفة فظنّ أنّ الله عزّ وجلّ لم يغفر له، ويقال إنّ من الذنوب ذنوبًا لا يكفّرها إلاّ الوقوف بعرفة" [قوت القلوب]، وفي الأثر: «أعظمُ النَّاس ذَنبًا مَن وَقَفَ بِعَرَفَة فَظن أَن الله لم يَغْفِر لَهُ» [أخرجه الْخَطِيب فِي الْمُتَّفق والمفترق، والديلمي فِي مُسْند الفردوس].
خير الدعاء دعاء يوم عرفة:
يستحب في يوم عرفة الإكثار من ذكر الله، والإلحاح في الدعاء للحاج وغيره؛ فإنه يرجى فيه الإجابة، فأظهِروا فيه الندامةَ والانكِسار، والحاجةَ والاضطرار؛ والله حييٌّ كريم، يستحيي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفرًا، فعن سيدنا أُسَامَة بْن زَيْدٍ رضي الله عنهما قال: "كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا فَتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى" [رواه النسائي وأحمد]، وأجمع الدعاء وأعظمه ما جاء عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [رواه الترمذي]، ومن الدعاء المأثور عن النبي ﷺ يوم عرفة ما رواه البيهقي عن موسى بن عبيدة عن أخيه عبدِ اللَّهِ بنِ عُبَيدَةَ، عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: «أكثَرُ دُعائي ودُعاءِ الأنبياءِ قَبلِي بعَرَفَةَ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وحدَه لا شَريكَ له، لَه المُلكُ ولَه الحَمدُ وهو على كُلِّ شَيء قَديرٌ، اللَّهُمَّ اجعَلْ في قَلبِي نورًا، وفي سَمعِي نورًا، وفِي بَصَرِى نورًا، اللَّهُمَّ اشرَحْ لِي صَدرِي، ويَسِّرْ لِي أمرِي، وأَعوذُ بكَ مِن وَسْواسِ الصَّدرِ، وشَتاتِ الأمرِ، وفِتنَةِ القَبرِ، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن شَرِّ ما يَلِجُ في اللَّيلِ، وشَرِّ ما يَلِجُ في النَّهارِ، وشَرِّ ما تَهُبُّ به الرّياحُ، ومِن شَرِّ بَوائقِ الدَّهرِ» [السنن الكبرى للبيهقي]، وعَنْ طاوس قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: "إِذَا كَانَ صَبِيحَةُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَتَوَجَّهَ أَهْلُ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ، نَادَى جِبْرِيلُ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَا بَيْن الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ، أَنْ تَوَجَّهُوا فَقَدْ غُفِرَتْ ذُنُوبُكُمْ، وَأُوجِبَتْ أُجُورُكُمْ عَطِيَّةً مِنَ اللهِ" [حلية الأولياء]، وعن عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، بِالْمَغْفِرَةِ» فَأُجِيبَ: «إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، مَا خَلَا الظَّالِمَ، فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ» قَالَ: «أَيْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ» فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ تَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ، فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ» [رواه ابن ماجه].
حال السلف الصالح على عرفات:
كان للسف الصالح أحوال عجيبة على عرفات، فأظهروا فقرهم ومسكنتهم إلى مولاهم، واستمطروا رحمات الله تعالى النازلة، فيُروى عن محمد بن المُنكدِر أنه حج ثلاثًا وثلاثين حجة، فلما كان آخر حجة حجها، قال وهو بعرفات: "اللهم إنك تعلم أنني قد وقفت في موقفي هذا ثلاثًا وثلاثين وقفة، فواحدة عن فرضي، والثانية عن أبي، والثالثة عن أمي، وأشهدك يا رب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا، ولم تتقبل منه"، فلما دفع من عرفات ونزل بالمزدلفة، نودي في المنام: "يا ابن المنكدر، أتتكرم على من خلق الكرم؟ أتجود على من خلق الجود؟ إن الله تعالى يقول لك: وعزتي وجلالي، لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألفي عام" [إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين]، وقال بعض الصالحين: رأيتُ رجلًا بمكة يقول: "اللهمَّ بحق صائمي عرفة لا تحرمني ثواب يوم عرفة"، فسُئل عن ذلك، فقال: كان والدي يدعو بهذا الدعاء، فلما ماتَ رأيتُه في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهذا الدعاء، ولما وضعت في قبري جاءني نورٌ فقيل لي: هذا ثواب عرفة قد أكرمناك به" [نزهة المجالس ومنتخب النفائس].
أسباب المغفرة في يوم عرفة:
لقد لخصَّ الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى ذلك فقال: "فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة؛ فليحافظ على الأسباب التي يُرجى بها العتق والمغفرة فمنها: صيام ذلك، ومنها: حفظ جوارحه عن المحرمات في ذاك، ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه، ومنها: كثرة الدعاء بالمغفرة والعتق فإنه يرجى إجابة الدعاء فيه" [لطائف المعارف].
ما يُحذَر يوم عرفة:
لخصَّ الإمام ابن رجب الحنبلي أهم ما ينبغي أن يُحذر في يوم عرفة، فقال: "وليحذر من الذنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق، فمنها: الاختيال: رُوِّينا من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا يُرَى يَوْمٌ أَكْثَرَ عَتِيقًا وَلَا عَتِيقَةً مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِ لِمُخْتَالٍ»، وخرجه البزار والطبراني وغيرهما، ومنها: الإصرار على الكبائر: روى ابن أبي الدنيا وغيره "أن رجلًا رأى في منامه أن الله قد غفر لأهل الموقف كلِّهم إلا رجلًا من أهل بلخ، فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله، فذكر أنه كان مدمنًا لشرب الخمر ليلة وهو سكران، فعاتبته أمه وهي تَسْجُرُ تَنُّورًا، فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت"، وفي هذا الموسم قد رخص السعر من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له مد إليه يد الاعتذار، وقُم على بابه بالذل والانكسار وارفع قصة ندمك مرقومة على صحيفة خدك بمداد الدموع والغزار وقل: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: ٢٣] [لطائف المعارف لابن رجب الحنبلي].
صيام يوم عرفة وتكفيره للسيئات:
يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج باتفاق الفقهاء؛ قال الإمام الترمذي: "وَقْدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَّا بِعَرَفَةَ" [سنن الترمذي]، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [رواه مسلم]، وروي عن عطاء قال: "من صام يومَ عرفة كان له كأجر ألفيْ يوم" [لطائف المعارف]، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْطَرَ بِعَرَفَةَ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الفَضْلِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ" [رواه الترمذي]، ومِن أعظم ما تقرَّبَ به العبد إلى ربه يوم في عرفة: أداء الفرائض على الوجه الأكمل؛ ففي الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» [رواه البخاري].
* * * * * *
الخطبة الثانية
التحذير من إلقاء القمامة في الشوارع (مخلفات ذبح الأضاحي)
من دلائل رقيِّ الإنسان وحسن التزامه بدينه المحافظةُ على النظافة في مظهره ومحيطه، فيحرص على نظافة بيته وطرقه وصيانتها من الأذى، خاصةً في أيام ذبح الأضاحي؛ إذ إن إلقاء المخلفات في الشوارع يؤذي الناس ويشوّه المظهر العام، ويخالف ما دعا إليه الإسلام من النظافة والإحسان وحفظ حقوق الآخرين، وإليك بيان ذلك:
تنحية الأذى عن الطريق إحدى شُعب الإيمان:
جعل النبي صلى الله عليه وسلم إماطةَ الأذى عن الطريق شعبةً من شعب الإيمان؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]، فدلَّ ذلك على أن كمال الإيمان لا يظهر في العبادات وحدها، بل يمتد أثره إلى سلوك المسلم في حياته العامة، فيُزيل ما يؤذي الناس، ويحفظ نظافة الطرقات، ويصون المرافق من القاذورات.
رفع الأذى عن الطريق سببٌ للمغفرة:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، وَغَفَرَ لَهُ» [صحيح البخاري].
حرمة إيذاء الناس في طرقاتهم بأي صور الإيذاء:
فعَنْ أَبِيْ مُوسى رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ فَلْيَاخُذْ عَلَى نِصَالِهَا لا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا» [متفق عليه]، وفي رواية قَالَ: «إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا، أَوْ فِي سُوقِنَا، وَمَعَهُ نَبْلٌ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا - أَوْ قَالَ: فَلْيَقْبِضْ بِكَفِّهِ - أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ» [متفق عليه].
من محاسن الأعمال.. إماطة الأذى:
لقد كانت إماطةُ الأذى عن الطريق من الأعمال التي يُعظِّم شأنَها الإسلام، حتى رُوي أن ثوابها يُعرَض على النبي صلى الله عليه وسلم، لما فيها من حفظٍ لحقوق الناس، وإزالةٍ لما يؤذيهم ويعترض سبيلهم، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي بِأَعْمَالِهَا: حَسَنِهِ وَسَيِّئِهِ، فَرَأَيْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ ...» [سنن ابن ماجه].
السلف الصالح والوصية بتنحية الأذى عن طريق الناس:
عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: «اعزل الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ» [صحيح مسلم]، وفي لفظ قال: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَا أَدْرِي، لَعَسَى أَنْ تَمْضِيَ وَأَبْقَى بَعْدَكَ، فَزَوِّدْنِي شَيْئًا يَنْفَعُنِي اللهُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «افْعَلْ كَذَا، افْعَلْ كَذَا - أَبُو بَكْرٍ نَسِيَهُ - وَأَمِرَّ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» [صحيح مسلم].
وإني لأدعو الله أطلبُ عفوَهُ * * * وأَعلمُ أنَّ الله يعفو ويغفر
لئن أَعظمَ الناسُ الذنوبَ فإنها * * * وإن عَظُمَتْ في رحمةِ الله تصغُر
حفِظَ اللهُ مصرَ وأهلَهَا منْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ، وأدامَ عليها بِساطَ الأمنِ والسلامِ
اللهم اجعلنا من أهل يوم المباهَاة الربانية، اللهم باهِ بنا ملائكتك، اللهم أعتق رقابنا من النار، اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وارزقنا حج بيتك الحرام، وزيارة سيد الأنام، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين