Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مختصر زاد الأئمة والخطباء (٥٦): واذكروا الله في أيام معدودات

مختصر زاد الأئمة والخطباء (56): واذكروا الله في أيام معدودات

الخطبة الأولى

واذكروا الله في أيام معدودات

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

ففي أيامٍ تتنزّل فيها الرحمات، وتفوح من أجوائها معاني الطاعة والرضا والتسليم، تأتي أيام التشريق لتكون محطاتٍ إيمانيةً يفيض فيها القلب بذكر الله تعالى، وتلهج فيها الألسن بالتكبير والتحميد والتهليل، وما أجمل أن يعيش المؤمن هذه الأيام وهو يردد مع الجموع: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله”، قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾؛ فالقلوب لا تحيا إلا بالقرب من الله، وتعظيم شعائر الله في أيامٍ طيبة مباركة، هي من أعظم أيام الدنيا.

  • الذكر من أعظم العبادات

قال الله تعالى : ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [الأحزاب: ٤١]، قال الطبري: "عن ابن عباس في قوله ﴿ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا﴾ يقول: لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلوما، ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله، قال: ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡ﴾ بالليل والنهار في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا﴾ فإذا فعلتم ذلك؛ صلى عليكم هو وملائكته" [جامع البيان]، وعن أبي الدَّرْدَاءِ، قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ألا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أعْمالِكُمْ، وأزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأرْفَعِها في دَرَجاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لكُمْ من إنْفاقِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، وَخَيْرٍ لكُمْ من أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فتَضْرِبوا أعْناقَهُمْ، وَيَضْرِبوا أعْناقَكُمْ؟ " قالوا: بلى، قال: "ذِكْرُ اللهِ تعالى"، فقال مُعاذُ بن جَبلٍ: ما شَيْءٌ أنْجى من عَذابِ اللهِ من ذِكْرِ اللهِ» [رواه الترمذي]، وروى البيهقي قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي أُمَامَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ! إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْكَ كُلَّمَا دَخَلْتَ وَكُلَّمَا خَرَجْتَ وَكُلَّمَا قُمْتَ وَكُلَّمَا جَلَسْتَ، قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: اللهُمَّ غَفْرًا، دَعُونَا عَنْكُمْ، وَأَنْتُمْ لَوْ شِئْتُمْ صَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا» [دلائل النبوة].

  • فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شبراً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [رواه البخاري]، قال ابن بطال: " فإن قيل: فما معنى قوله: «إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسى» قيل: معنى ذلك: وإذا ذكرني بقلبه مخفيًا ذلك عن خلقي ذكرته برحمتي وثوابي مخفيًا ذلك عن خلقي، حتى لا يطلع عليه أحد منهم، وإذا ذكرني في ملأ من عبادي، ذكرته في ملأ من خلقي أكثر منهم وأطيب" [شرح صحيح البخاري]، وعن أبي عثمان النّهْدىّ قال: «إني لأعلم حين يذكرني الله، فقيل له: من أين تعلم؟ فقال: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ ﴾ [البقرة: ١٥٢]، فإذا ذكرتُ الله ذكرني» [الطبقات الكبرى].

  • عبادة الذكر وتجليها في فريضة الحج

قال تبارك وتعالى: ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ * فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾ [البقرة: ١٩٨: ٢٠٠]، وقال عز وجل: ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨]، وقال تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الحج: ٣٧]، وعَن سيدنا أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسير فِي طَرِيق مَكَّة، فَمر على جبل يُقَال لَهُ حمدَان، فَقَالَ: "سِيرُوا هَذَا جُمْدَان سبق المفرِّدون" قَالُوا: وَمَا المفرِّدون يَا رَسُول الله؟ قَالَ: "الذاكرون الله كثيرًا وَالذَّاكِرَات" [رواه مُسلم]، وأما أعظم الأذكار في الحج فهو التلبية؛ فهي عنوان الحج وشعار الحاج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الحجُّ: العجُّ والثجُّ" [رواه الترمذي وابن ماجه]، والعج: التكبير والتلبية، والثجُّ: ذبح الأضحية، وهكذا يتجلى شأن الذكر في الحج، ويستبين عظم منزلته ورفيع مكانته.

  • الذكر المراد في الأيام المعدودات

إن الذكر المراد في الأيام المعدودات في الآية الكريمة، يأتي على أربع صور مشهورة:

* الأولى: ذكر الحجاج عند رمي الجمار ونحوها من مناسك الحج.

* الثانية: تكبيرات المسلمين خلف الصلوات في مساجدهم خلال هذه الأيام: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرًا والحمد لله كثيرًا وسبحان الله العظيم وتعالى بكرة وأصيلًا "، ويُبدأ بالتكبير مع الصبح من يوم عرفة، ويختم مع العصر يوم الثالث عشر، وهو قول أكابر الصحابة، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس، ومن الفقهاء قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني وابن شريح، وعليه عمل الناس بالبلدان.

* الثالثة: ذكره بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك، فإن وقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتد إلى آخر أيام التشريق عند جماعة من العلماء وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد، ويستحب أن يذكر الله تعالى عند ذبحه للنسك خلال هذه الأيام.

* الرابعة: ذكر الله تعالى المطلق، فإنه يستحب الإكثار منه في أيام التشريق، وقد كان سيدنا عمر يكبر بمنى في قبته فيسمعه الناس فيكبرون فترتج منى تكبيرًا، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلى آخر الآية وقد استحب كثير من السلف كثرة الدعاء بهذا في أيام التشريق.

قال عكرمة: "كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، والدعاء من أفضل أنواع ذكر الله عز وجل، وقد روى زياد الجصاص عن أبي كنانة القرشي أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول في خطبته يوم النحر: بعد يوم النحر ثلاثة أيام التي ذكر الله، الأيام المعدودات، لا يرد فيهن الدعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله عز وجل، [مفاتيح الغيب].

  • العبادات كلها تختم بالذكر والحج أعلاها

دائمًا يأتي الأمر بالذكر عند بدء العبادة وبعد الفراغ منها، قال الإمام النووي في "الأذكار": "اعلم أن أشرفَ أوقات الذكر في النهار الذكرُ بعد صلاة الصبح، رُوِّينا عن أنس رضي الله عنه في كتاب الترمذي وغيره، قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى الفَجْرِ في جماعةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يذكرُ اللَّهَ تَعالى حتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، ثُمَّ صَلَّى ركعتين، كانت له كأجْرِ حَجَّةٍ وعمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامةٍ"، وكذا عند الوضوء، وعند الأذان، وبعد الصلوات، وتكبيرات عيد الفطر بعد رمضان، وبعد الفراغ من الطعام، وعند لُبس الثوب الجديد، وعلى كل حال، قال أحد المشايخ يوصي بعض مريديه: عليك بالذكر عند البسط، وبالفكر عند القبض، وبالحمد على كل حال، ووردك لا تغفل عنه، إن فاتك بالليل أخلفه بالنهار، وإن سافرت فاجعل وردك في الذكر" [عدة المريد الصادق].

وعن الذكر في فريضة الحج قال العلماء إنه مأمور به لأن سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها وذكر الله باقٍ لا ينقضي ولا يُفرغ منه، بل هو مستمر للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وقد أمر الله تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡ﴾ [النساء: ١٠٣] وقال في صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ  * وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: ٧, ٨] روي عن ابن مسعود قال: فإذا فرغت من الفرائض فانصب وعنه قوله: ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾ [الشرح: ٨]، وروى أبو داود بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ عز وجل».

  • سر النهي عن صيام هذه الأيام المباركة

قال الإمام ابن رجب الحنبلي: "وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سر حسن، وهو أن الله تعالى لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الاستراحة عقب ذلك، بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم لأنهم في ضيافة الله عز وجل فيها لطفًا من الله بهم ورأفة ورحمة، وشاركهم أيضًا أهل الأمصار في ذلك لأن أهل الأمصار شاركوهم في حصول المغفرة والنصب لله والاجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم والذكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشرب، كما اشتركوا جميعا في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنصب وصار المسلمون كلهم في ضيافة الله عز وجل في هذه الأيام يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله، ونهوا عن صيامهم لأن الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه فكأنه قيل للمؤمنين في هذه الأيام قد فرغ عملكم الذي عملتموه فما بقي لكم إلا الراحة" [لطائف المعارف].

فاللهم ألهمنا حمدك، ولا تُنسنا ذكرك وشكرك، ولا تكشف عنا سترك، ولا تجعلنا من الغافلين، اللهم أيقظنا في أحب الساعات إليك حتى نذكرك فتذكرَنا، ونسألك وندعوك فتستجيبَ لنا، ونستغفرك فتغفرَ لنا، آمين آمين.

  * * * * * * 

الخطبة الثانية

الترابط الأسري

إن الاعياد في الإسلام والمناسبات الدينية فرصة كبيرة لعلاج ما قد يطرأ من خلل على صعيد الأسرة والمجتمع ، خصوصاً في هذا العصر الذي انتشرت فيه وسائل التواصل الاجتماعي فغدت بابا كبيراً من أبواب التفكك والبعد والاختلاف بين أفراد الأسرة الواحدة، وهناك عدة أمور مهمة نوصي بها في بيوتنا ليحسن تعاملنا مع الخلافات الأسرية، أهمها:

  • وجود الخلاف في البيوت أمر طبيعي ولكن كيف نتعامل معه؟

لقد أكد القرآن على وصية جليلة حين قال تعالى: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]، ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بالنصح والتوجيه والتَّعليم مرة واثنتين وعشرة، ولا تملوا من ذلك، ﴿وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ بأن توليها ظهرك على الفراش بحيث لا يعلم الخلاف بينكما، حتى الأولاد في البيت، ﴿وَٱضۡرِبُوهُنَّ﴾ لا على الحقيقة المؤذية، بل على معنى الزجر والتعبير عن عدم الرضا، وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يَفْرَكْ (لا يُبغض) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَة؛ إِنْ كَرِهَ مِنْها خُلُقًا رَضِيَ مِنْها آخَرَ" أو قال: "غَيْرَهُ".

  • صلاح البيوت يكون بالصبر وتحمل المسئولية

فعلى كل من الزوجين أن يحسن صحبة الآخر، حتى في حالة كُرهِه، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء: ١٩].

  • مقابلة ضغوط الحياة بشيء من المزاح والترويح والمداعبة

لقد قال حجة الإسلام الغزالي في بيان الحقوق التي يكلف بها الزوج: "أن يزيد على احتمال الأذى بالمداعبة والمزح والملاعبة فهي التي تطيب قلوب النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح معهن وينزل إلى درجات عقولهن في الأعمال والأخلاق حتى روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوما وسبقها في بعض الأيام فقال صلى الله عليه وسلم هذه بتلك" [أبو داود والنسائي]، وفي الخبر أنه كان صلى الله عليه وسلم من أفكه الناس مع نسائه [رواه البزار والطبراني]، وقالت عائشة رضي الله عنها سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عاشوراء فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أتحبين أن تري لعبهم؟، قالت: قلت نعم، فأرسل إليهم فجاؤا وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بين البابين فوضع كفه على الباب ومد يده ووضعتُ ذقني على يده وجعلوا يلعبون وأنظر وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حسبك" وأقول اسكت مرتين أو ثلاثا، ثم قال يا عائشة حسبك فقلت نعم فأشار إليهم فانصرفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وألطفهم بأهله" ... وقال عمر رضي الله عنه: ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلًا.

  • خيركم خيركم لأهله وما أكرمهن إلا كريم

الخيرية على كل حال في وقت الرضا والغضب، وقد روى ابن حبان في "صحيحه" عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني في "الكبير" عن معاوية رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنَّهُ قال: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأَنَا خَيْرُكُمْ لأهْليْ"، وفي رواية: "مَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ إِلا كَرِيْمٌ، ولا أَهَانَهُنَّ إِلا لئِيْمٌ"، وفي رواية أخرى: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لنِسَائِهِ ولبَنَاتِهِ".

  • صونوا بيوتكم عن الضياع

ابنوا بيوتكم على السر، وصونوها عن العين، وتحلوا بالستر، والتمسوا العذر، فقد روى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيْسُ بَثَّ جُنُوْدهُ وَقَالَ: مَنْ أَخَذَ الْيَوْمَ مُسْلِمَا ألبَسْتُهُ التَّاجَ، قَالَ: فَيَجِيْءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأتهُ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يتَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَجِيْءُ هَذا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى عَقَّ وَالِدَيهِ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا، وَيجِيءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَشَرَكَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أَنْتَ، وَيجِيْءُ هَذَا فَيَقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قتَلَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أنتَ، وَيُلْبِسهُ التَّاجَ".

  • خدمة الأهل والقيام بحقهم خير من الجهاد في سبيل الله

إن الحفاظ على البيوت من المشكلات، وحفظ أمنها، وحسن تعاهدها بالرعاية والعناية، والصبر على مشكلاتها، درجة عظيمة تعلو درجة الجهاد في سبيل الله تعالى، قال لنبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَفْضَلُ الدَّنَانِيْرِ دِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى عِيَالِهِ، ودِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى دَابَّتِهِ، ودِيْنَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيْلِ الله".

  • التأكيد على أن كل حقٍّ يقابله واجب

فمن الأخطاء التي تؤثر على علاقاتنا الأسرية: أن كل واحد يبحث عن حقه فقط دون النظر إلى الواجب الذي عليه، فالزوجة تبحث عن حقها فقط، والزوج يبحث عن حقه فقط، والأولاد يبحثون عن حقوقهم فقط، وهذا يعد من أكبر أسباب وجود المشكلات الأسرية في البيت المسلم، فعلى كل فرد من أفراد الأسرة أن يعلم أن له حق وعليه واجب؛ فيجب على الزوج - أصالة- أن يكون ناصحًا لزوجه آمرًا لها بالمعروف والحسنى، قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَا﴾ [طه: ١٣٢]، وعلى المرأة أن تحافظ على حق زوجها كذلك ولا تهمل شيئًا من حاجياته، فقد روى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خَيْرُ النَسَاءِ مَنْ تَسُرُّكَ إِذَا أَبْصَرْتَ، وَتُطِيْعُكَ إِذَا أَمَرْتَ، وَتَحْفَظُ غَيْبَكَ فِيْ نَفْسِهَا وَمَالِكَ".

حفِظَ اللهُ مصرَ وأهلَهَا منْ كلِّ مكروهٍ وسوءٍ، وأدامَ عليها بِساطَ الأمنِ والسلامِ

موضوعات ذات صلة

خطبة عيد الأضحى المبارك

منذ عهد الخليل إبراهيم عليه السلام، مرورًا بقريش، ووصولًا إلى العهد العثماني؛ شهدت الكعبة أحداثًا تاريخية متعاقبة

 التكافل العائلي في الإسلام درعًا يحمي الفرد والمجتمع

درجات الصلة تتفاوت بالنسبة للأقارب، فهي في الوالدين أشد من المحارم

الدعاء عبادة عظيمة تدخل في سائر العبادات؛ لأنه روح العبادة

موضوعات مختارة