المهن في الإسلام ليست مجرد وسيلة للرزق، بل هي عبادة وعمران، ومقصد شرعي عظيم لتحقيق نفع الناس، واليوم مع ثورة الذكاء الاصطناعي، تتأكد الحاجة إلى الجمع بين القيم والأخلاق والتقنية والابتكار لصناعة مستقبل متوازن.
المهن في الإسلام ليست مجرد وسيلة للرزق، بل هي عبادة وعمران، ومقصد شرعي عظيم لتحقيق نفع الناس، واليوم مع ثورة الذكاء الاصطناعي، تتأكد الحاجة إلى الجمع بين القيم والأخلاق والتقنية والابتكار لصناعة مستقبل متوازن.
فكم وكم من المهن التي وجدت في الزمان النبوي الشريف فصارت تلك المهن وأخلاقها وآدابها جزءًا لا يتجزأ من دينه وهديه وشرعه صلى الله عليه وسلم، حتى وجد في زمنه الشريف: المعلم كأبي سعيد الخدري، والمترجم كزيد بن ثابت، والطبيبة كالصدِّيقة عائشة، ومُوَثِّق الشهر العقاري كالعلاء بن عقبة والحصين بن نُمير ومغيرة بن شعبة، والوزير كسيدنا جَزْء بن سُهيل السُّلَمي، والسفير كسيدنا دِحية بن خليفة الكلبي، والبواب كسيدنا رباح الأسود وأبي موسى الأشعري وأنس بن مالك، والبنَّاء كعمار بن ياسر وطَلْق بن علي التميمي، ورجل الأعمال أو الاقتصادي كسيدنا عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- والنقيبُ، وأول نقيبة في الإسلام: أسماء بنت يزيد بن السَّكَن، وأوسٌ الأنصاري، ووُجد الحدَّادُ كأبي سيف القيْنِي، والخوَّاصُ كسلمان الفارسي، والطباخُ كأبي عُبيدة القاضي، وشُرطة الإنقاذ النهري كسيدنا سَفينة -رضي الله عنهم أجمعين- إلى غير ذلك من عجائب المهن والحرف والصنائع، التي تكشف لنا عن جانب مهجور من هدي النبوة، فكم زكى صلى الله عليه وسلم هؤلاء، وأرشدهم إلى آداب مهنهم وأخلاقها وممارستها بمنتهى الصدق والأمانة والإتقان؛ تحقيقًا لنفع الناس.
نفعُ الناس الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِی تَجۡرِی فِی ٱلۡبَحۡرِ بِمَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فأشار سبحانه في هذا القول المعجزِ إلى عشرات المهن التي تدور في فلك ذلك؛ إذ الفلكُ والسفنُ تجري بما ينفع الناس، فتنشأُ المواني، وفيها عشرات الأعمال والمهن، وتنشأُ خطوط التجارة والملاحة العالمية، وفيها عشرات المهن، وتنشأ خطوط التعبئة والتفريغ، وفيها عشرات المهن، وتنشأ المحاصيل والزراعات والصناعات والسلع التي تجري بها الفلك، وفيها عشرات المهن وتنشأ المآكل والمشارب التي تخدم أرباب تلك المهن، فتُولَد أيضًا عشرات المهن؛ فأي عمران هذا؟! وأي رواج للأرزاق هذا؟! وأي فتح للبيوت ونفع للناس هذا؟! تُرى أَيَقِلُّ هذا أهميَّةً عن أداء فرائض الصلوات والزكاة والحج؟ أليس الكل من مشكاةٍ واحدة، وأوامر ربٍّ واحد؟
وأقولُ هنا: لو لم ينزل من القرآن العظيم للناس سوى هذه الآية لكفتهم ووسعتهم، فكيف ببقية ما ورد في القرآن من التعقل والتدبر، والهمة، والسير في الأرض، وتدبر آيات الفُلْك والفَلَك والبحار، نظير ما قال الإمام الشافعي يومًا: "لو لم ينزل للناس حجةً على الخلق إلا هذه السورة لكفتهم" يريد سورة العصر، وقال: "لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"، واسمعوا الآية الكريمة بتمامها: ﴿إِنَّ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّیۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِی تَجۡرِی فِی ٱلۡبَحۡرِ بِمَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مِن مَّاۤءࣲ فَأَحۡیَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِیهَا مِن كُلِّ دَاۤبَّةࣲ وَتَصۡرِیفِ ٱلرِّیَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَیۡنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، كأنه يقول سبحانه: تعقلوا ذلك، وفكروا فيه، وعيشوا به، وتدبروه، واصنعوا به نجاح حياتكم، وعمران بلادكم واستنبطوا العلوم التي تحقق ذلك؛ حتى يتحقق نفع الناس، فيصلي المصلي على بصيرة، ويزكي المزكي على بصيرة، نفعُ الناس الذي عظمه الله تعالى في كتابه فقال: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَیَذۡهَبُ جُفَاۤءࣰۖ وَأَمَّا مَا یَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَیَمۡكُثُ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ [الرعد: ١٧]، وعظمه نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» [الطبراني في الأوسط (٥٧٨٧)]، وعظمه فقال: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ» [الطبراني في الكبير (١٣٦٤٦)]، فتولدت من أنوار الشريعة بين أيدينا كلماتٌ مباركةٌ كسلاسل الذهب، وهي: العمران وهو ثلث الدين، المهن والحرف والصناعات، أخلاق تلك المهن حتى تنتج المؤسسات التي تنظم تلك المهن، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب، نفع الناس، وأنه أحب وأرجى ما يتخلق به العبد عند الله.
أليست هذه الكلمات من جواهر الشريعة؟ حتى تتلألأ بجوارها كلمات الإتقان والإحسان والأمانة والإبداع والابتكار والعلوم والمعاهد البحثية والجامعات والعلوم والمخترعات؛ أليس هذا من جوهر الدين؟ أليست هذه الكلمات من عين الشريعة، كالصلاة والزكاة والصدق والبر والعفاف والصلة؟ وإني لأتعجب، كيف غاب هذا عنا وغرقنا في ظلمات الإرهاب والعنف والقتل والتكفير والخراب والدمار، وتقديم الشرع الشريف للعالمين في أقبح صورة؛ مما تغيب معه أنواره الباهرة التي ذكرناها من العمران ونفع الناس، مع العبادة والذكر والسير إلى الله؟! وبهذا يتحقق ما نؤمن به جميعًا أنه مضمون الشرع الشريف من مُحاربة الفقر ومُعاداته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ»، فَقَالَ رَجُلٌ: وَيُعْدَلَانِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» [أخرجه النسائي (٥٤٨٥)]. فالفقر أعدَى أعدائنا، ولا علاج له سوى العمران والحرف والمِهن، وبهذا يتحقَّق ما نُؤمنُ جميعًا أنه مقصود الشرع الشريف من تحقيق الغِنى، وأن الخطاب الديني الحق يُنادي بصناعة الغِنى والكفاية والرخاء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» [البخاري (٥٣٥٤)].
ولقد نهض السادة الأعلام لجمع المُؤلفات في رصد جانب العمران في الهدي النبوي، فألّف الإمام أبو الحسن علي بن ذي الوزارتين محمد بن مسعود الخزاعي التلمساني كتابه العظيم الفريد (تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية)، فتتبع المهن في الزمان النبوي ليكشف لنا عن حجم عنايته صلى الله عليه وسلم بالحرف والمهن في زمانه، وطبعناه لدينا هنا في وزارة الأوقاف في المجلس الأعلى للشئون الإسلامية إيمانًا منا بعظم أهميته وجزيل فائدته.
ثم جاء شيخنا العالم الأزهري الأصيل المظلوم الشيخ رفاعة الطهطاوي، فألّف كتابه: (نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز صلى الله عليه وسلم)، فأفرد فصلًا عظيمًا يبلغ نحو ربع كتابه للحِرف والمهن في الزمان النبوي، ثم جاء شيخ مشايخنا العلامة السيد محمد عبد الحي الكتاني، فتتبع ذلك، واستوعب وأضاف لكتاب الخزاعي نحو ضعفي مادته العلمية فأخرج جمهرته، وموسوعته العظيمة: (التراتيب الإدارية في نظام الحكومة النبوية) فأحصى هؤلاء الأعلام ما يزيد على مائتي مهنة وحرفة وصنعة في الزمان النبوي الشريف، كلها جرت على عينه -صلى الله عليه وسلم- وفي رعايته وبتوجيهه؛ تحقيقًا لذلك المقصود الأعظم من مقاصد الشرع وغايات الوحي والذي هو مقصد العمران.
ثم جاء فخر علماء مصر وقاضي القضاة وشيخ الإسلام الإمام المجدد المجتهد تاج الدين السبكي قبل نحو سبعة قرون ليؤلف كتابه العظيم: (معيد النعم ومبيد النقم) الذي أحصى فيه مائةً وثلاث عشرة مهنة ووظيفة وحرفة وصنعة، تبنى بها الدول والمجتمعات مع آدابها وأخلاقها، حتى إن المستشرق الذي طبعه لأول مرة يقول: "إن هذا الكتاب أول كتاب مدوّن في علم نفس المهنة أو سيكيولوجية المهن".
إن العمران عريق في هذا الدين، بل هو ثلث الدين وأحد أجل مقاصده، لا يقل أهمية عن الصلوات وغيرها من الفرائض؛ فإن الله تعالى كما أمر بالصلاة أمر بالعمران، ولن تستقيم لنا العبادات والشعائر في حال الفقر والمرض والتخلّف، إذ إن العمل والمهن والحرف هي الوعاء الذي تُترجم فيه مقاصد الشرع إلى واقعٍ حيٍّ، وهي الجسر الذي يُقيم التوازن بين العبادة والعمران، وبين الروح والمادة، وبين الذكر والسعي في الأرض، ومن هنا كانت المهنة في الإسلام ليست مجرد وظيفة أو حرفة، بل هي المؤسسة للعمران الإنساني، وبوصفها ركيزةً أساسيةً في مشروع تجديد الخطاب الديني ضمن المحور الرابع لاستراتيجية وزارة الأوقاف، والذي هو صناعة الحضارة؛ فالمؤتمر لا ينطلق من مبحث تراثي أو اقتصادي بحت، بل من رؤية حضارية شاملة ترى في المهنة جسرًا بين الإيمان والعمل، والعلم والأخلاق، والهوية والتنمية.
واليوم إذ يقف العالم على أعتاب ثورة رقمية فائقة السرعة والأهمية والخطورة، يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح العمل وتبدل مفاهيم الإنتاج والمهارة، وتتأكَّدُ الحاجة إلى قراءة الماضي بعُمق، وفهم الحاضر ببصيرة، واستشراف المستقبل برؤية تستلهم قيم الشرع الشريف، ومن أدوات العصر قوتها؛ لنُقيم توازنًا بين الإنسان والآلة، والأخلاق والتقنية، والروح والمادة.
ومن هذا المُنطلق ينعقد هذا المؤتمر ليقدم رؤيةً فكريةً وميدانيةً متكاملة تُعيد وصل ما انقطع بين القيمة والعمل، وإننا لنَطمح في بلورة كل هذه المعاني في نقاط مُحدَّدة ودقيقة في وثيقة سمَّيناها: (وثيقة القاهرة للمهن والعمران)، وسوف نُطلقها ونقرؤها في الجلسة الختامية ونَتَطلَّعُ إلى توافق العلماء الحضور على مضمونها وتوقيعهم عليها، ثم نرسلها إلى بقية العالم الإسلامي لمزيد من التوافق على مضمونها الذي شرحناه فيما سبق، ثم ننطلق بها بالتنسيق مع بقية مؤسسات الدولة المصرية إلى الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو؛ لنقدم للعالم من مصر، من وزارة الأوقاف المصرية خطابًا نرجو أن يكون ملهمًا ومفيدًا للإنسانية، يعظم قيمة العمران والمهن، ويدفع إلى محاربة الفقر وتعظيم الرخاء، ويدفع إلى الله جل جلاله على بصيرة، إن مصر كانت وستظل مؤتمنة على علوم الشرع الشريف تنير الدنيا بأنواره، وتلهم العالم بعلومه، وتواجه به التحديات، وتنير به الطريق وشكرًا جزيلًا لحضراتكم.
المهن في الإسلام هي من جوهر الدين، إذ تتكامل مع العبادة لتصنع العمران وتحقق نفع الناس، وفي عصر الذكاء الاصطناعي يبقى التحدي الأكبر هو الموازنة بين القيم والأخلاق من جهة، وبين التقنية والابتكار من جهة أخرى.
الإسلامَ دينُ الجدِّ والاجتهادِ، لا دينُ الكسلِ والركودِ، هو دينُ السعيِ المبرورِ، لا التّواكّلِ المذمومِ والمردودِ.
هو أحدُ أكثر المجالات التقنية تطورًا وتأثيرًا في العصر الحديث، حيث يمثلُ الثورةَ الرابعةَ في عالم التكنولوجيا.
شهدت الحضارة العربية الإسلامية ازدهارًا ملحوظًا في المجال الصناعي، إذ اهتم الخلفاء والقادة بشكل كبير بتنمية هذا القطاع وتعزيزه.