وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
شهر رمضان ليس مجرد امتناع عن المفطرات بل هو ميدان الانتصارات العظيمة، وموسم الفتوحات الكبرى؛ فهو يشهد انتصارات الأمة الخالدة في ميادين الحق وتجلياتها، كما يشهد في الوقت ذاته انتصار المؤمن الأكبر على أهواء نفسه وشهواتها، في ميدان المجاهدة الروحية العميقة، ولم يكن أبدًا من قبيل الصدفة الربانية أن يتزامن يوم الفرقان، في غزوة بدر، في السابع عشر من رمضان، مع يوم النصر الأعظم في فتح مكة، في العشرين منه، فبين الحدثين الجليلين مسافة زمنية طويلة، تتخللها أحداث جسام، لكنهما في ميزان السير إلى الله، وتزكية النفس البشرية يشكلان مسارًا روحيًّا واحدًا، متصل الحلقات، حيث يبدأ هذا المسار المبارك بالمجاهدة القاسية، ومكابدة الجوع والعطش، وكسر حظوظ النفس الدنيوية، ثم يترقى العبد في مدارج السالكين صابرًا، محتسبًا، حتى ينتهي به المطاف إلى ذروة التزكية بفتوحات القلوب، والسلام الداخلي، والرحمة الواسعة، والعفو الشامل الذي يتوج به مسيرته في ليالي العتق من النيران.
في يوم بدر، واجه المسلمون الأوائل ظروفًا قاسية، تتجلى في قلة العدد والعتاد، وخروجًا لم يكن مرتبًا لقتال شامل، لكن انتصارهم الحقيقي بدأ من داخل أرواحهم، بالصبر العميق، واليقين الراسخ، والتسليم المطلق لأمر الله تعالى؛ مصداقًا لقوله عز وجل: ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرࣲ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةࣱۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وكذلك يخوض المؤمن في نهار رمضان وليله معركته الخاصة، التي يسميها أهل التزكية "الجهاد الأكبر"؛ فالصيام ليس مجرد امتناع عن المفطرات، بل هو مقام تخلية، وكسر لسطوة العادات والمألوف، حيث تمثل قلة الطعام نهارًا، وقلة المنام ليلًا بالقيام وتلاوة القرآن, الأسلحة الفاعلة في هذه المعركة الروحية، وهنا تأتي المرتبة الأولى وهي أن تصبر على مشقة الصيام صبرًا جميلًا، غير أن الترقي الحقيقي يكمن في تحول هذا الصبر ليصبح تسليمًا ورضًا تامًّا بأمر الله، فكما سلم الصحابة، رضوان الله عليهم، أمرهم لله في بدر، فرأوا المدد الإلهي يتنزل عليهم، فإنك عندما تسلم روحك لخالقها، متلذذًا بطاعته، يتبدد تعب جسدك؛ ليحيا قلبك، وتتحول مشقة الجوع إلى خفة في الروح، تسمو بك إلى مدارج السالكين، وتفتح لك أبواب المشاهدة.
ولعل هذا المعنى العميق للمكابدة هو ما أشار إليه يَحْيَي بْن معاذ؛ حيث قال: الجوع للمريدين رياضة، وللتائبين تجربة، وللزهاد سياسة، وللعارفين مكرمة. [الرسالة القشيرية (١/ ٢٧١)]
يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: وهذا كله يدخل في صميم جهاد العدو الباطن، وهو جهاد النفس والهوى، الذي يعد من أعظم الجهاد، كما قال النبي ﷺ: «المجاهد من جاهد نفسه في الله» ولذلك قال عبد الله بن عمر- لرجل سأله عن الجهاد-: "ابدأ بنفسك فجاهدها، وابدأ بنفسك فاغزها" [البيهقي في الزهد]، وهو ذات المعنى الذي يُروى من حديث جابر أن رسول الله ﷺ قال- لقوم رجعوا من الغزو-: «قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ»، فلما قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: «مُجَاهَدَةِ الْعَبْدِ هَوَاهُ». وقد تواصى الصالحون بهذا المعنى، حتى قال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، في وصيته لعمر، رضي الله عنه، حين استخلفه: "إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك". ويروى من حديث سعد بن سنان عن أنس -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن حديث أبي مالك الأشجعي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قال:«لَيْسَ عَدُوُّكَ الَّذِي إِذَا قَتَلَكَ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ، وَإِذَا قَتَلْتَهُ كَانَ لَكَ نُورًا، أَعْدَى عَدُوّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ».
وأخذ هذا المعنى العباس بن الأحنف الشاعر، فَقَالَ:
قلبي إِلَى ما ضرني داعي … يكثر أحزاني وأوجاعي
لقلما أبقى عَلَى ما أرى … يوشك أن ينعاني الناعي
كيف احتراسي من عدوي إذا … كان عدوي بين أضلاعي
فهذا الجهاد أيضاً يحتاج إِلَى صبر، فمن صبر عَلَى مجاهدة نفسه، وهواه، وشيطانه، غلب وحصل له النصر، ومن جزع، ولم يصبر عَلَى مجاهدة ذلك غلب، وقهر، وأسر، وصار ذليلًا، أسيرًا في يدي شيطانه، وهواه، كما قيل.
قال غيره:
رب مستور سبته صبوة … فتعرى صبره فانهتكا
صاحب الشهوة عبد فإذا … غلب الشهوة صار الملكا
قال ابن المبارك -رحمه الله-: من صبر فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يجزع.
وفي الصحيحين، عن النبي ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
ووصف بعضهم الأحنف بن قيس فَقَالَ: "كان أشد الناس سلطانًا عَلَى نفسه عند الغضب".
قيل لبعضهم: إن فلانًا يمشي عَلَى الماء! فَقَالَ: "من مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أقوى ممن يمشي عَلَى الماء".
واعلم أن نفسك بمنزلة دابتك، إن عرفت منك الجدّ جدت، وإن عرفت منك الكسل طمعت فيك، وطلبت منك حظوظها وشهواتها.
وقد فقه العارفون هذه السياسة لترويض النفس، فكان أبو سليمان الداراني يقول: "كنت بالعراق أمر على تلك القصور والمراكب والملابس والمطاعم التي للملوك، فلا تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك، وأمر على التمر فتكاد نفسي تقع عليه"، فلما ذكر ذلك لبعض العارفين، قال له: "تلك الشهوات آيس نفسه منها فآيست، والتمرة أطعمها فيه فطعمت"، كما قيل:
صبرت على اللذات حتى تولت ... وألزمت نفسي هجرها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طعمت تاقت وإلا تسلت
وكانت على الأيام نفسي عزيزةً ... فلما رأت عزمي على الذل ذلت
وبهذا ندرك أن قوله ﷺ: «وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ» يشمل الصبر على جهاد العبد لعدوه الظاهر، وجهاده لعدوه الباطن، وهو نفسه وهواه، وكان السلف يفضلون هذا الصبر على الصبر على البلاء، فقال ميمون بن مهران: "الصبر صبران؛ الصبر على المصيبة حسن، وأفضل من ذلك الصبر عن المعاصي"، وقال سعيد بن جبير: "الصبر على نحوين؛ أحدهما: الصبر عما حرم الله، والصبر لما افترض الله من عبادته، فذلك أفضل الصبر، والصبر الآخر في المصائب" [نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس (٣/ ١٥٦- ١٥٨)].
بعد أيام طوال من المجاهدة والتعب، يأتي الفتح الأكبر، ليُتوِّج هذه المسيرة الطاهرة؛ حيث دخل النبي ﷺ مكة مطأطئًا رأسه؛ تواضعًا لله، وشكرًا لفضله، ورغم أنه كان قادرًا تمامًا على الانتقام ممن آذوه وطردوه، وسفكوا دماء أصحابه، إلا أنه أطلق كلمته الخالدة، التي أضاءت جبين التاريخ: «اذهَبوا، فأَنتُمُ الطُّلَقاءُ» [أخرجه البيهقي في سنن الكبرى]، وهذا الموقف العظيم يمثل الفتح الحقيقي للقلوب في العشر الأواخر من رمضان؛ فبعد أن جاهد العبد نفسه بالصيام نهارًا، ينتقل إلى خلوة الاعتكاف، ومكابدة القيام ليلًا؛ سعيًا لإدراك ليلة القدر، التي هي ذروة الفتوحات الربانية، وهذا الفتح الروحي لا يكتمل إلا بتطهير القلب من كل حقد وغل؛ فمهما صام الإنسان وقام، يظل قلبه مقيدًا بأغلال الأرض، ومحجوبًا عن أنوار السماء، إذا كان مثقلًا بالضغائن والخصومات، ومن هنا ندرك السر في إلحاحنا الشديد في خلوات العشر الأواخر، بدعاء السيدة عائشة، رضي الله عنها، حين سألت النبي ﷺ عما تقوله، إن وافقت ليلة القدر، فأجابها: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [أخرجه الترمذي في سننه]، فالجزاء دائمًا من جنس العمل؛ إذ كيف نطلب من الله عفوًا شاملًا، ومغفرةً واسعةً، ونحن نبخل بالعفو عن عباده الضعفاء؛ استجابةً لنداء القرآن الكريم: ﴿وَلۡیَعۡفُوا۟ وَلۡیَصۡفَحُوۤا۟ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن یَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمٌ﴾ [النور: ٢٢]؟!، فالتسامح، وإسقاط حظوظ النفس هو الفتح الأكبر الذي تتأهل به الروح؛ لتلقي نفحات ليلة القدر والعتق من النيران، والترقي من مقام الإسلام إلى مقام الإحسان.
لتحويل هذه المعاني العميقة إلى واقع ملموس يعيشه السالك في أيام الشهر الفضيل ولياليه، يمكن التركيز على المسارات التالية:
تعتبر غزوة بدر المحطة المركزية الفارقة التي شُكلت فيها ملامح الأمة.
في هذه المعركة الفاصلة، حقق المسلمون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم انتصارًا ساحقًا على قريش، رغم تفوق المشركين عدديًّا.
في قلب الصحراء بين مكة والمدينة، نطق التاريخ باسم بدر، فكان شاهدًا على تحوّل مصيري في مسار الدعوة الإسلامية.