Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التضحيات ودورها في بناء الأوطان ... رؤية من خلال نظريات علم الاجتماع

التضحيات ودورها في بناء الأوطان ... رؤية من خلال نظريات علم الاجتماع

إن التضحية من أجل الأوطان ليست مجرد خاطرة وجدانية أو اندفاعة عاطفية، ولكنها هي في جوهرها اجتماعي سيادي، والمحرك الجوهري الذي ينقل المجتمعات من حالة الشتات إلى حالة الأمة، ومن خلال استقراء هذا المفهوم عبر النظريات الاجتماعية، فهي الحالة التي يخرج فيها الإنسان من ضيق الأنانية إلى سعة الوطن، وهذا ماتوضحه نظريات علم الاجتماع.

نظرية التضامن الاجتماعي

يضع العالم إميل دوركايم في كتابه المرجعي تقسيم العمل الاجتماعي يده على حقيقةٍ جليلة؛ وهي أن التضحية هي المحرك لما يسميه التضامن العضوي، فالجندي الذي يرابط ويستشهد، والعامل الذي يكد، والمعلم الذي يفني عمره، هؤلاء جميعاً ينسجون العقد الاجتماعي بدمائهم وعرقهم، التضحية هنا هي التي تمنع المجتمع من التحلل القيمي، وتجعل الفرد يشعر بأنه جزء من كُلٍّ مقدّس، فإذا ما استُشهد فردٌ في سبيل وطنه، نبتت مكانه ألف روحٍ تتغذى على كرامة هذا الفداء، استجابة لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سائرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [ رواه مسلم ] 

نظرية النسق الاجتماعي

يُعلمنا "تالكوت بارسونز" في كتابه "النسق الاجتماعي" أن أي مجتمع لكي يبقى فلابد من التضحية، تلك الغاية التي تحفظ البنيان الاجتماعي من الانهيار أمام التحديات، وذلك لأنها بمثابة الفعل الذي يضبط توازن المجتمع؛ فحين يضحي جيلٌ من أجل جيل، فإنه يضمن استمرار الحياة في عروق الوطن، فالتضحية هنا ليست فعلاً انتحارياً، بل هي فعل وظيفي يحقق البقاء الأسمى للمجموع، ويجعل الدولة كياناً حياً قادراً على النهوض من بين الركام، تحقيقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [ متفق عليه]

نظرية رأس المال الرمزي

من خلال منهج بيير بورديو في كتابه "التمييز "، ندرك أن دماء المضحين في سبيل أوطانهم لا تذهب سدى، بل تتحول إلى رأس مال رمزي، يمنح الشعب هويته وعزته، فالوطن الذي لا تضحية فيه هو وطنٌ بلا رصيدٍ معنوي، فالتضحية تصنع الهيبة الوطنية التي تجعل المواطن يمشي في مناكب الأرض مرفوع الرأس، إلى أرضٍ سُقيت بدم الصالحين والأوفياء، مما يحول الذكرى إلى طاقة دافعة للبناء معتزاً بانتمائه تصديقاً لقوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [ سورة آل عمران: ١٦٩] 

نظرية الفعل الاجتماعي

يركز بيتر بلاو في كتابه التبادل والقوة في الحياة الاجتماعية على المصالح المتبادلة، إلا أن التضحية الوطنية تأتي لتكسر نمط التبادل المادي الضيق، فهي فعل إيثاري يعيد صياغة مفهوم القوة؛ فعندما يرى الناس نموذجاً يضحي بنفسه، تتغير بوصلة المجتمع من الأثرة إلى الإيثار، هذا التحول هو جوهر الفعل الاجتماعي الراشد الذي يبني الحضارات، ويحول المجتمع من مجرد سوقٍ للمنافع إلى محرابٍ للبناء والعمل الصالح مصداقاً لقوله تعالى:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [ سورة التوبة: ١٠٥] 

الخلاصة

إن التضحية من أجل الوطن هي الجامعة التي يتخرج منها الأحرار، وهي البرهان الصادق على حقيقة الإيمان والوطنية. هي التي تحول التراب إلى أرضٍ مباركة، والناس إلى شعبٍ معلّم، إننا بالأوطان نكون، وبالتضحية من أجلها نبقى، وفي سبيل عزتها نتقرب إلى الله بجميل العمل وعظيم العطاء.

موضوعات ذات صلة

إنَّ صيانة الأنفس والأوطان هي جوهر مقاصد شريعة رب العالمين.

إنّ حراسة الوعي من لوثة الضلال، وتحصين القلوب من غوائل الغلو، هي فريضة الوقت وسبيل النجاة.

 إن صون الأوطان من أسمى مقاصد الأديان.

إن حراسة ثُغور المجتمع من عبث المتطرفين هي ذروة سنام الأمانة التي حملها الإنسان.

موضوعات مختارة