كيف يتحقق أمان الأوطان في مواجهة الفكر المنحرف؟
عبر تلاحم فقهي وأمني يجمع بين يقظة المؤسسات الأمنية ووعي المواطن، مع استخدام المداواة الفكرية لاستصلاح العقول، ليكون المجتمع سدًا منيعًا يحمي الوطن والدين.
كيف يتحقق أمان الأوطان في مواجهة الفكر المنحرف؟
عبر تلاحم فقهي وأمني يجمع بين يقظة المؤسسات الأمنية ووعي المواطن، مع استخدام المداواة الفكرية لاستصلاح العقول، ليكون المجتمع سدًا منيعًا يحمي الوطن والدين.
إن الناظر في جوهر العمل الأمني يدرك أنه ليس مجرد وظيفة إجرائية، بل هو (مرابطة إيمانية) تتسق مع قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِیۤ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعࣲ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ﴾ [سورة قريش: ٤]، فالأمن هو الركيزة التي تقوم عليها العبادات والمعاملات، وبدونه تضطرب عمارة الأرض، وتتحمل المؤسسات الأمنية، لاسيما أجهزة الشرطة الباسلة، العبء الأوفى في ملاحقة فلول التطرف، فهي الدرع الأشم ضد الجرائم العابرة للحدود، والساهرة على حفظ السكينة العامة [نصت المادة (۱۱) من قانون الشرطة العماني رقم ۱۹۹۰/۲٥م على: تختص شرطة عمان السلطانية بالمحافظة على النظام والأمن العام والآداب وحماية الأرواح والأموال والأعراض، وكفالة الطمأنينة والسكينة في كافة المجالات، والعمل على منع ارتكاب الجرائم، وضبط ما يقع منها، واتخاذ إجراءات التحري وجمع الاستدلالات].
لذا وجب أن يكون التطوير التقني للأمن مصحوبًا بمدد من التأهيل العلمي الرفيع؛ ليكون رجل الأمن على دراية بمستجدات العصر ومكائد الإرهاب الرقمي، مع إيجاد نظام حوافز يليق بمن يقدم روحه فداءً للوطن، تجسيدًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ» [رواه الترمذي:٢٧٧]، إن تحديث الكوادر وتزويدها بالتقنية ليس ترفًا، بل هو (إعداد للقوة) المأمور به شرعًا لدحر البغي والعدوان.
إن المواجهة الأمنية الناجحة للإرهاب تنبثق من (فقه التلاحم)؛ حيث يصبح كل مواطن خفيرًا على أمن بلده، إن إشراك الجمهور ليس خيارًا إداريًّا بل ضرورة وجودية لإجهاض المخططات الظلامية قبل ميلادها، فالأمن مسؤولية تضامنية، ورجل الأمن هو ابن هذا الشعب، والمواطن هو الرديف الأول للمؤسسة الأمنية، ولقد ترسخت هذه العقيدة في وجدان هيئة الشرطة المصرية؛ حيث اتخذت من شعار: (الشرطة في خدمة الشعب) منهجًا حياتيًّا وعهدًا وطنيًّا، وهو ما تبلور في المبادرة الحضارية: (كلنا واحد) التي أطلقتها وزارة الداخلية تحت رعاية: فخامة رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي؛ لتأكيد التلاحم الإنساني والمجتمعي، وقد تجلت هذه العلاقة الوثيقة في مؤتمرات وندوات وزارة الداخلية المتعددة، والتي تؤكد دومًا أن أمن المواطن هو الغاية الأسمى، وأن رجل الأمن والمواطن هما جناحي طائر واحد يُحَلِّق في سماء الاستقرار، صونًا لمقدرات الكنانة وحمايةً لوادي النيل من كل فكرٍ دخيل.
وهذا يتطلب رصدًا دقيقًا ينقسم إلى محورين:
تتجسد المواجهة الأمنية في أرقى صورها حين يمتزج الانضباط الميداني بالوعي الإعلامي، إن الإحكام الميداني يتطلب رقابة صارمة على المنافذ الجوية والبرية، واستخدام تكنولوجيا (التشويش الرقمي)؛ لتعطيل أدوات الإرهابيين التي يستغلونها في بث الرعب [سامي علي حامد عياد: استخدام تكنولوجيا المعلومات في مكافحة الإرهاب، ص ۳۱۷]، ولكن، يبقى (الإعلام الأمني) هو القوة الناعمة التي تفكك أيديولوجيا الموت.
إن الإرهاب يبدأ بـ (كلمة) مسمومة؛ لذا وجب أن يسبق البيانُ السِّنَانَ في معركة الوعي من خلال:
إن الدولة القوية لا تكتفي بكسر شوكة المجرم، بل تسعى لاستنقاذ إنسانيته عبر (المداواة الفكرية)، إن السجون في فقهنا الوطني هي (دور استصلاح)؛ حيث تبدأ معركة العقول بعد انقضاء مواجهة السلاح.
إن حماية الأوطان من لوثة الإرهاب هي ملحمة تضامنية، تتوحد فيها بندقية الجندي مع حكمة العالم ووعي المواطن، إن أجهزتنا الأمنية هي سياج الفضيلة، والالتفاف حولها فريضة وطنية؛ لنقطع دابر الفتنة، ونحفظ لبلادنا أمنها واستقرارها، ولتبقى راية الحق خفاقة في سماء العز والوئام.
إنَّ صيانة الأنفس، وحماية الأوطان تبدأ بتأمين سبل السعي في الأرض.
إن الدولة في ميزان الوحي ليست مجرد بناء مادي، بل هي الروح الجامعة التي تمنح الوجود الإنساني استقراره.
إنَّ صيانة الإنسان، وحياطة الأوطان تبدأ بامتلاك ميزانٍ قسط لا يميل.