Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

١٩ مارس.. ذكرى النصر القانوني الذي أعاد طابا درة سيناء

الكاتب

هيئة التحرير

19  مارس.. ذكرى النصر القانوني الذي أعاد طابا درة سيناء

في التاسع عشر من مارس عام ١٩٨٩م، اكتملت فرحة مصر بعودة طابا إلى أحضان الوطن، لتكون آخر شبر تحرر من رمال سيناء الغالية، بعد ملحمة قانونية ودبلوماسية استمرت سبع سنوات (١٩٨٢-١٩٨٩)، جسدت فيها مصر أروع صور الانتصار بالقانون والحجة، لا بالقوة وحدها، هذه القضية التي مثلت علامة فارقة في تاريخ التحكيم الدولي، واستردت بها مصر ٥٠٨ كم² من أراضيها المحتلة.

تفاصيل المحتوى

قضية طابا في الوعي المصري

"إنها ليست مجرد بقعة جغرافية على خريطة سيناء، ولا مجرد شاطئ تتهادى عليه أمواج البحر الأحمر، بل هي قطعة من الوجدان المصري، وندبة في الذاكرة ظلت سبع سنوات ثم تحولت إلى وردة."

في التاسع عشر من مارس من كل عام تقف مصر وقفة إجلال وإكبار لتلك الأيام الخوالد التي استردت فيها آخر قطرة من تراب سيناء، إنه يوم الوفاء، يوم أن عاد العَلَم المصري ليرفرف على طابا، معلنًا للعالم أن إرادة الشعوب إذا تعلقت بحقها، فلن يوقفها جدار ولا قوة ولا احتلال.

لقد شكلت قضية طابا نقطة تحول كبرى في تاريخ النزاعات الحدودية في الشرق الأوسط، حيث إن تقلت المواجهة من ساحة المعركة إلى قاعة المحكمة، ومن لغة الرصاص إلى لغة القانون، وقد أثبتت مصر للعالم أجمع أن الحق عندما يكون واضحًا، والدليل عندما يكون قاطعًا، فإن العدالة الدولية قادرة على إنصاف المظلومين.

أرض طابا الخلفية الجغرافية والتاريخية

تقع طابا في أقصى الشمال الشرقي لخليج العقبة، عند دائرة عرض (٢٩° ٢٩' ٢٤) شمالًا، وخط طول (٣٤° ٥٣' ٤٨) شرقًا، وتبلغ مساحة المنطقة المتنازع عليها حوالي (٥٠٨) كيلومترات مربعة، تمتد من ساحل خليج العقبة غربًا حتى خط الحدود الدولي شرقًا.

وتتميز طابا بطبيعتها الفريدة، حيث يلتقي البحر الأحمر بالجرانيت السيناوي وأحجار الفيروز، وتتشكل الأخاديد الجبلية لتخلق لوحة طبيعية ساحرة، ولكن القيمة الحقيقية لطابا لم تكن جمالية أو سياحية فقط، بل كانت قيمة استراتيجية وسياسية بالغة الأهمية.

أما تاريخيًا، كانت ولازالت وستظل -إن شاء الله- طابا جزءًا لا يتجزأ من سيناء المصرية، وخضعت للحكم المصري عبر العصور المختلفة، ففي العصر المملوكي، كانت سيناء بكاملها ولاية مصرية خالصة، وفي العصر العثماني، ظلت سيناء تابعة إداريًا لمصر رغم التبعية الاسمية للدولة العثمانية.

يقول الدكتور مفيد شهاب: "إن المنطقة المتنازع عليها كانت دائمًا خاضعة للإدارة المصرية، سواء في فترة الدولة العثمانية حيث كانت مصر ولاية عثمانية متمتعة بحكم ذاتي، أو في فترة الاحتلال البريطاني حيث كانت مصر تحت الحماية البريطانية، والأهم أن جميع الخرائط الرسمية الصادرة عن كافة الأطراف المعنية على مدى ثمانين عامًا كانت تضع طابا داخل الحدود المصرية" [شهاب، مفيد: قضية طابا: دراسة قانونية وثائقية، القاهرة، دار الشروق، ١٩٨٩، ص ٤٥].

التبعية التاريخية للدولة المصرية

الوثيقة الأساسية التي استندت إليها مصر في قضيتها هي خط الحدود الذي تم ترسيمه في الأول من أكتوبر ١٩٠٦م بموجب الاتفاقية المبرمة بين الحكومة المصرية (الخاضعة آنذاك للسيادة العثمانية اسميًا والإدارة البريطانية فعليًا) والدولة العثمانية.

هذه الاتفاقية التاريخية، التي عُرفت باسم "اتفاقية تعيين خط الحدود الإداري بين ولاية الحجاز العثمانية ومتصرفية القدس من جهة، وبين شبه جزيرة سيناء المصرية من جهة أخرى"، شكلت الأساس القانوني الوحيد المعترف به للحدود الدولية في هذه المنطقة.

فقد نصت الاتفاقية في مادتها الأولى على أن: "خط الحدود يبدأ من نقطة على ساحل خليج العقبة تبعد نحو ميلين ونصف جنوبي مدينة العقبة، ويتجه في خط مستقيم نحو الغرب والجنوب حتى قمة جبل أم شوّم، ثم يتجه جنوبًا بخط متعرج يتبع سلسلة الجبال حتى رأس خليج العقبة" [نص اتفاقية ١٩٠٦، الوثائق الرسمية المصرية، وزارة الخارجية المصرية، ملف قضية طابا، وثيقة رقم ١].

ولتحديد هذا الخط بدقة، قامت لجنة مشتركة من المساحين المصريين والأتراك بزرع ٩١ علامة حدودية (علامات خرسانية) على طول الخط، وكانت العلامة الأخيرة (العلامة ٩١) هي الأكثر إثارة للجدل، حيث وضعت على بعد أمتار قليلة من ساحل خليج العقبة.

يؤكد اللواء صلاح الدين الحديدي، رئيس هيئة المساحة العسكرية المصرية الأسبق، في مذكراته: "لقد درست موقع العلامة ٩١ دراسة دقيقة، وقارنت بين موقعها الحالي والأوصاف الواردة في محاضر اللجنة المشتركة لعام ١٩٠٦م، واكتشفت أن الإسرائيليين حاولوا تغيير موقع العلامة في الخرائط التي نشروها بعد احتلال سيناء، ولكن الوثائق الأصلية ومحاضر اللجنة التي عثرنا عليها في الأرشيف التاريخي كانت كفيلة بإثبات الموقع الحقيقي للعلامة" [الحديدي، صلاح الدين: مذكراتي في قضية طابا، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٢، ص ٧٨].

الاحتلال الإسرائيلي لطابا (١٩٦٧- ١٩٨٢)

في ٥ يونيو ١٩٦٧، اندلعت حرب الأيام الستة، واحتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء بالكامل، بما في ذلك طابا، واستمر الاحتلال الإسرائيلي لسيناء (١٥)عامًا، كانت خلالها طابا مجرد ثكنة عسكرية إسرائيلية، أقامت عليها إسرائيل فندقًا سياحيًا (فندق سونستا – طابا) كوسيلة لخلق أمر واقع جديد على الأرض.

خلال فترة الاحتلال، قامت إسرائيل بإجراء تغييرات في الميدان، وبناء منشآت سياحية، ومحاولة طمس المعالم المصرية للمنطقة، ولكن الأرض كانت تأبى إلا أن تبقى مصرية، والحجارة كانت تشهد أن هويتها عربية.

تشير الوثائق الإسرائيلية التي رفعت عنها السرية لاحقًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية كانت تدرك منذ البداية أن وضعها في طابا غير قانوني، ففي مذكرة داخلية صادرة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية في ١٥ مارس ١٩٦٨، يحذر المستشار القانوني للوزارة من أن: "استمرار الاحتلال في منطقة طابا قد يشكل مشكلة قانونية في المستقبل، خاصة إذا تمسكت مصر بحقها التاريخي استنادًا إلى اتفاقية ١٩٠٦" [وثائق وزارة الخارجية الإسرائيلية، ملف ٤٥٦٧/٢٣، ١٩٦٨، ص ١٢].

من معاهدة السلام ١٩٧٩ إلى بداية الأزمة

في ٢٦ مارس ١٩٧٩، وقّعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام في واشنطن، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، ونصت المعاهدة في مادتها الثانية على أن: “الحدود الدائمة بين مصر وإسرائيل هي الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب كما هو مبين في الخريطة الملحق رقم ٢" [نص معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ٢٦ مارس ١٩٧٩، المادة الثانية]

ووفقًا لجدول الانسحاب المرحلي الملحق بالمعاهدة، كان من المقرر أن تكمل إسرائيل انسحابها من سيناء بالكامل بحلول ٢٥ أبريل ١٩٨٢، وقد تم الانسحاب بالفعل من معظم الأراضي في ذلك التاريخ، إلا أن مفاجأة غير متوقعة حدثت في اللحظات الأخيرة.

يروي السفير نبيل العربي، في مذكراته: "في الأيام الأخيرة قبل الموعد المحدد للانسحاب الكامل، فوجئنا بأن الجيش الإسرائيلي لا يزال متمركزًا في منطقة طابا، وعندما طالبنا بالانسحاب الفوري وفقًا للمعاهدة، رد الإسرائيليون بأن طابا ليست جزءًا من الأراضي التي يغطيها الانسحاب؛ لأنها في نظرهم تقع خارج الحدود المصرية؛ كان هذا أول إنذار حقيقي بوجود أزمة كبرى" [العربي، نبيل: شهادتي للتاريخ، القاهرة، دار الشروق، ٢٠١٠، ص ٢١٣].

وهكذا، بدأت قضية طابا، وتحولت من نزاع حدودي عابر إلى أزمة دبلوماسية وقانونية استمرت سبع سنوات كاملة.

نشأة الخلاف – العلامة ٩١ وإشكالية التفسير

جوهر الخلاف كان بسيطًا في ظاهره، معقدًا في جوهره: أين تقع العلامة الحدودية رقم ٩١ التي وضعتها اللجنة المشتركة عام ١٩٠٦؟

المصريون قالوا: طابا مصرية وفق خط الحدود الدولي لعام ١٩٠٦، والعلامة ٩١ تقع عند الساحل مباشرة، مما يعني أن كل الأراضي الواقعة غرب هذا الخط هي أراضٍ مصرية.

والإسرائيليون قالوا: لا، العلامة ٩١ تقع على بعد عدة كيلومترات من الساحل، مما يعني أن طابا (بما فيها فندق سونستا) تقع في الجانب الإسرائيلي من الحدود.

ويوضح الدكتور مفيد شهاب هذه الإشكالية بدقة: ”لم يكن الخلاف حول مسار خط الحدود ككل، بل حول جزء صغير جدًا منه لا يتجاوز طوله ١٤ كيلومترًا، وتحديدًا في المنطقة المحيطة بالعلامة ٩١، ولكن هذا الجزء الصغير كان يشمل منطقة طابا الاستراتيجية، الإسرائيليون حاولوا تحريك خط الحدود شرقًا ليشمل طابا، بينما تمسكت مصر بالخط التاريخي الذي يضع طابا في الجانب المصري" [شهاب، مفيد: قضية طابا أمام محكمة العدل الدولية، القاهرة، جامعة القاهرة، ١٩٩٠، ص ٢٣].

المفاوضات المباشرة (١٩٨٢-١٩٨٦) – حوار بلا نتائج

استمرت المفاوضات المباشرة بين مصر وإسرائيل من ٢٥ أبريل ١٩٨٢ إلى يناير ١٩٨٦، في محاولة للوصول إلى حل توافقي للخلاف حول طابا. وعُقدت هذه المفاوضات في عدة جولات، في القاهرة وتل أبيب وواشنطن، برعاية أمريكية.

قاد الجانب المصري في هذه المفاوضات نخبة من ألمع الدبلوماسيين والقانونيين، بينما قاد الجانب الإسرائيلي دبلوماسيون وقانونيون من الطراز الأول أيضًا، ولكن المفاوضات اصطدمت بجدار التعنت الإسرائيلي المسنود بوجود عسكري على الأرض.

يقدم السفير أحمد أبو الغيط، الذي شارك في هذه المفاوضات، وصفًا دقيقًا لتلك المرحلة: “كان الإسرائيليون يماطلون ويقدمون مقترحات غير مقبولة، ويحاولون ربط قضية طابا بمسائل أخرى، كنا نعقد جولة تلو الأخرى، وهم يكررون نفس الحجج دون تقديم أي جديد، وفي إحدى الجولات، قال رئيس الوفد الإسرائيلي صراحة: لماذا نتنازل عن شيء نحن موجودون عليه فعلًا؟ عندها أدركنا أن المفاوضات المباشرة لن تصل إلى نتيجة، وأنه لا بد من مسار آخر "[أبو الغيط، أحمد: شهادتي، القاهرة، نهضة مصر، ٢٠١٣، ص ١٦٧].

وبعد أربع سنوات من المفاوضات العقيمة، أدركت مصر أن الطريق الوحيد لاسترداد الحق هو التحكيم الدولي الملزم.

الفريق الدبلوماسي المصري في مرحلة المفاوضات

شكلت مصر فريقًا دبلوماسيًا وقانونيًا رفيع المستوى لإدارة المفاوضات مع إسرائيل، وقد ضم هذا الفريق أسماء لامعة تركت بصماتها على تاريخ الدبلوماسية المصرية:

  1. الدكتور بطرس بطرس غالي – وزير الدولة للشؤون الخارجية، رئيس الوفد المصري في المفاوضات، تولى قيادة الملف على المستوى السياسي، وأشرف على توجيه الدبلوماسية المصرية في هذه القضية الحساسة [بطرس غالي، بطرس: مذكراتي في السياسة الخارجية، القاهرة، الأهرام، ١٩٩٨، ص ٢٣٤].
  2. السفير نبيل العربي – المستشار القانوني لوزارة الخارجية، نائب رئيس الوفد المصري، كان المسؤول الأول عن الصياغة القانونية للمواقف المصرية، وإعداد الأوراق القانونية اللازمة للمفاوضات [العربي، نبيل: مرجع سابق، ص ٢١٨].
  3. السفير مراد غالي – رئيس الإدارة القانونية بوزارة الخارجية، شارك في جميع جولات المفاوضات، وكان له دور بارز في صياغة المذكرات القانونية [مقابلة مع السفير مراد غالي، جريدة الأهرام، ١٥ مارس ١٩٩٩].
  4. السفير أحمد أبو الغيط – مدير إدارة إسرائيل بوزارة الخارجية، كان المسؤول عن متابعة التفاصيل السياسية والاتصالات المباشرة مع الجانب الإسرائيلي [أبو الغيط، أحمد: مرجع سابق، ص ١٧٠].
  5. السفير عمرو موسى– مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة (شارك في بعض الجولات التي عقدت في نيويورك) [وثائق الأمم المتحدة، ملف قضية طابا، ١٩٨٤].
  6. السفير شوقي إسماعيل –نائب مساعد وزير الخارجية للشؤون القانونية [الوثائق الرسمية لوزارة الخارجية المصرية، ملف المفاوضات، ١٩٨٢-١٩٨٦].
  7. المستشار عمر زين الدين– المستشار القانوني بمجلس الدولة المصري [مصادر مجلس الدولة، ملف قضية طابا، ١٩٨٥].
  8. الدكتور جمال زهران –أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، المستشار القانوني للوفد [زهران، جمال: القانون الدولي والمنازعات الحدودية، القاهرة، ١٩٨٨، ص ٥٦].
  9. الدكتور محمد الحسيني– خبير القانون الدولي [الوثائق الرسمية].
  10. السفير محمد شاكر– سفير مصر في إسرائيل خلال فترة المفاوضات [مقابلة مع جريدة الجمهورية، ٢٠ مارس ١٩٨٩].

فهؤلاء الرجال حملوا على عاتقهم شرف الدفاع عن تراب الوطن، في أحلك الظروف وأصعب المراحل.

قرار التحكيم الدولي – لماذا اختارت مصر هذا المسلك؟

في يناير ١٩٨٦، وبعد أربع سنوات من المفاوضات العقيمة، اتخذت القيادة المصرية قرارًا جريئًا وحكيمًا: اللجوء إلى التحكيم الدولي الملزم.

كان هذا القرار يعبر عن ثقة مصر في قضيتها، وإيمانها بعدالة موقفها، فمصر لم تكن تخشى التحكيم، بل كانت تبحث عن منصة محايدة تسمع صوت الحق وتنصف المظلوم.

يشرح الدكتور مفيد شهاب دوافع هذا القرار: "كان أمامنا خياران: إما القبول بالوضع القائم والتفريط في جزء من أرض مصر، وإما الذهاب إلى التحكيم. وبين هذين الخيارين، لم يكن هناك تردد أبدًا، كنا واثقين من قضيتنا، وكانت وثائقنا واضحة، وخرائطنا دقيقة، لذلك لم نتردد في اختيار التحكيم، رغم علمنا بأن إسرائيل ستستخدم كل أسلحتها السياسية والإعلامية لمنعنا من تحقيق النصر" [شهاب، مفيد: محاضرة في كلية الحقوق، جامعة القاهرة، ١٥ أكتوبر ١٩٨٩].

وقد قال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك - رحمه الله - في خطابه أمام مجلس الشعب في ١٥ فبراير ١٩٨٦ : "نحن لا نخشى التحكيم؛ لأن الحق معنا، والشواهد معنا، والتاريخ معنا، وسنخوض هذه المعركة القانونية بكل ثقة، وسننتصر بإذن الله” [الخطابات الرسمية للرئيس مبارك، المجلد ٥، الهيئة العامة للاستعلامات، ١٩٨٦، ص ٢٣٤].

تشكيل هيئة التحكيم الدولية (١٩٨٦)

في ١١ سبتمبر ١٩٨٦، وقعت مصر وإسرائيل اتفاقية خاصة للجوء إلى التحكيم، نصت على تشكيل هيئة تحكيم دولية من خمسة أعضاء للفصل في النزاع حول طابا. وقد تم توقيع هذه الاتفاقية في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، بحضور الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كوييار.

نصت المادة الأولى من اتفاقية التحكيم على أن:  "تشكل هيئة تحكيم من خمسة محكمين، يعين كل طرف محكمًا واحدًا، ويعين المحكمان الأربعة محكمًا خامسًا يكون رئيسًا للهيئة، وفي حالة عدم الاتفاق على تعيين المحكم الخامس، يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتعيينه" [اتفاقية التحكيم بين مصر وإسرائيل، ١١ سبتمبر ١٩٨٦، المادة الأولى].

وقد تشكلت هيئة التحكيم على النحو التالي:

المحكمون المصريون:

  • المستشار محمود سامي – نائب رئيس مجلس الدولة المصري سابقًا، من أبرز القانونيين المصريين، تولى منصب نائب رئيس مجلس الدولة، وله إسهامات قانونية مرموقة في مجال القانون الإداري والدولي [السيرة الذاتية للمستشار محمود سامي، مجلس الدولة المصري، ١٩٨٦].

المحكمون الإسرائيليون:

  • البروفيسور روث لابيدوت – أستاذ القانون الدولي بالجامعة العبرية في القدس، من أبرز القانونيين الإسرائيليين، متخصصة في القانون الدولي وحقوق الإنسان [Lapidoth, Ruth: Curriculum Vitae, Hebrew University, ١٩٨٦].

المحكمون المحايدون:

  • القاضي غونار لاغرغرين (السويد) – رئيس هيئة التحكيم، قاضٍ سويدي مخضرم، شغل منصب قاض في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان [وثائق هيئة التحكيم، ١٩٨٦].
  • القاضي بيير بيلون (فرنسا) – قاضٍ فرنسي، خبير في القانون الدولي العام [المرجع نفسه].
  • البروفيسور ديتليف كامب (ألمانيا) – أستاذ القانون الدولي بجامعة بون [المرجع نفسه].

كان هذا التشكيل يمثل ثقلًا قانونيًا دوليًا كبيرًا، ويعكس أهمية القضية وحساسيتها.

الفريق القانوني المصري – السير الذاتية والأدوار

إذا كان النصر في الحرب يصنعه الجنود والضباط، فإن النصر في قضية طابا صنعه فريق من القانونيين المصريين والدوليين، وضعوا حججًا دامغة ودحضوا كل الادعاءات الإسرائيلية.

يتكون الفريق القانوني المصري الذي خاض معركة التحكيم من:

أولًا: القيادة القانونية المصرية:

  1. الدكتور مفيد شهاب -أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، نائب رئيس الفريق المصري، والمقرر العام للجنة الوطنية العليا لقضية طابا، من أبرز الخبراء المصريين في القانون الدولي، حاصل على الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس، شغل منصب وزير التعليم العالي لاحقًا، كان مسؤولًا عن الإشراف على إعداد المذكرات القانونية وصياغة الحجج النهائية [شهاب، مفيد: السيرة الذاتية، جامعة القاهرة، ١٩٨٦].
  2. السفير نبيل العربي –المستشار القانوني لوزارة الخارجية، رئيس الفريق القانوني المصري أمام هيئة التحكيم، حاصل على دكتوراه في القانون الدولي من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، شغل منصب قاض في محكمة العدل الدولية لاحقًا، كان مسؤولًا عن تقديم المرافعة الشفوية الأولى لمصر أمام هيئة التحكيم [العربي، نبيل: السيرة الذاتية، وزارة الخارجية المصرية، ١٩٨٦].
  3. المستشار عمر زين الدين– نائب رئيس مجلس الدولة المصري، خبير القانون الإداري والدولي [السيرة الذاتية، مجلس الدولة، ١٩٨٦].
  4. الدكتور جمال زهران – أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة، خبير في قانون المعاهدات والمنازعات الحدودية [زهران، جمال: السيرة الذاتية، جامعة القاهرة، ١٩٨٦].
  5. الدكتور عماد الدين جاد- أستاذ القانون الدولي المساعد، باحث في الفريق القانوني [وثائق الفريق القانوني المصري، ١٩٨٦].

ثانيًا: المحامون الدوليون:

  1. الأستاذ أبرام تشايز (الولايات المتحدة) – أحد أشهر المحامين الدوليين في قضايا الحدود، له خبرة في تمثيل العديد من الدول في نزاعات حدودية أمام محكمة العدل الدولية [وثائق هيئة التحكيم، ملف المحامين الدوليين، ١٩٨٦].
  2. الأستاذ بيير كول (فرنسا) – خبير قانوني فرنسي مرموق، متخصص في القانون الدولي العام [المرجع نفسه].
  3. الأستاذ إيان براونلي (بريطانيا) – أستاذ القانون الدولي بجامعة أكسفورد، أحد أبرز القانونيين الدوليين في العالم، خبير في قضايا الحدود والسيادة [Brownlie, Ian: Curriculum Vitae, Oxford University, ١٩٨٦].
  4. الأستاذ جيمس كروفورد (أستراليا) – أستاذ القانون الدولي، خبير في قانون المسؤولية الدولية [الوثائق الرسمية].

ثالثًا: فريق الخبراء والمساحين:

  1. اللواء صلاح الدين الحديدي– رئيس هيئة المساحة العسكرية المصرية الأسبق، خبير المساحة والخرائط. كان المسؤول الأول عن تحليل الخرائط التاريخية وتحديد مواقع العلامات الحدودية [الحديدي، صلاح الدين: مرجع سابق، ص ٨٩].
  2. العميد أحمد شفيق– ضابط بهيئة المساحة العسكرية، شارك في إعداد الخرائط وتحليل الصور الجوية، (أصبح لاحقًا وزيرًا للطيران ثم مرشحًا رئاسيًا) [المقابلات الصحفية، جريدة المصري اليوم، ٢٠٠٧].
  3. الدكتور محمد رفعت– أستاذ الجغرافيا التاريخية بجامعة القاهرة [الوثائق الرسمية].
  4. الدكتور عبد الرحمن عبد الله– خبير في نظم المعلومات الجغرافية [المرجع نفسه].

المحكمون المصريون في هيئة التحكيم

إضافة إلى الفريق القانوني، كان لمصر ممثلان رسميان في هيئة التحكيم نفسها، وهما:

  1. المستشار محمود سامي – المحكم المصري في هيئة التحكيم، من أبرز رجال القانون في مصر، تولى منصب نائب رئيس مجلس الدولة، وله مؤلفات قانونية مرموقة، كان دوره الدفاع عن الموقف المصري داخل غرفة المداولات، وشرح الحجج المصرية للمحكمين الآخرين [السيرة الذاتية، مجلس الدولة المصري].
  2. الدكتور مفيد شهاب –المقرر العام للجنة الوطنية العليا لقضية طابا، كان مسؤولًا عن التنسيق بين الفريق القانوني وهيئة التحكيم [شهاب، مفيد: مرجع سابق، ص ٣٤].

هذان الرجلان كانا عين مصر داخل هيئة التحكيم، يراقبان ويدافعان ويشرحان.

الدور التاريخي لفريق الخبراء والمساحين المصريين

كان الخبراء والمساحون هم خط الدفاع الأول في قضية طابا، حيث قدموا الأدلة المادية التي لا تقبل الجدل على مصرية الأرض.

يضم هذا الفريق نخبة من ألمع العقول المصرية في مجال المساحة والجغرافيا:

  1. اللواء صلاح الدين الحديدي– رئيس هيئة المساحة العسكرية الأسبق، وهو من قام بدراسة جميع الخرائط التاريخية للمنطقة، وقارن بينها وبين الوضع على الأرض، واكتشف أن الإسرائيليين قاموا بتحريك موقع العلامة ٩١ في خرائطهم بما يزيد على ١٢٠٠ متر شرقًا [الحديدي، صلاح الدين: مرجع سابق، ص ٩٢].
  2. اللواء محمود عبد الرحمن– نائب رئيس هيئة المساحة العسكرية، شارك في إعداد الخرائط التفصيلية للمنطقة المتنازع عليها [الوثائق الرسمية].
  3. العميد أركان حرب جمال الدين عبد الله– خبير في التصوير الجوي وتحليل الصور [المرجع نفسه].
  4. العميد أركان حرب محمد عبد الحميد– خبير في نظم تحديد المواقع [المرجع نفسه].
  5. الدكتور محمد سيد أحمد– خبير في الجيوديسيا (علم مساحة الأرض) [الوثائق الرسمية].
  6. الدكتور أحمد عبد الوهاب– خبير في المساحة التطبيقية [المرجع نفسه].
  7. المهندس إبراهيم شكري– خبير مساحة مدنية [الوثائق الرسمية].
  8. المهندس محمود صالح– خبير في الخرائط التاريخية [المرجع نفسه].

يقول اللواء الحديدي في مذكراته: "كنا نعمل ليل نهار، ندرس كل خريطة، ونفحص كل وثيقة، وصلنا إلى مرحلة كنا نعرف فيها موقع كل حجر في طابا، وعندما قدمنا أدلتنا إلى هيئة التحكيم، كان اليقين يملأ قلوبنا أن الحق معنا، وأن العدالة ستنتصر” [الحديدي، صلاح الدين: مرجع سابق، ص ١٠٣].

الوثائق التاريخية التي قدمتها مصر للمحكمة

قدمت مصر لهيئة التحكيم مجموعة ضخمة من الوثائق التاريخية التي تثبت تبعية طابا لمصر على مدى ثمانين عامًا، وقد بلغ إجمالي الوثائق التي قدمتها مصر ٢٤٥ وثيقة رسمية، موزعة على النحو التالي:

أولًا: وثائق اتفاقية ١٩٠٦:

  1. النص الأصلي لاتفاقية ١ أكتوبر ١٩٠٦ (باللغات العربية والتركية والفرنسية) [الأرشيف التاريخي لوزارة الخارجية المصرية، ملف ١٢٦٧، وثيقة ١].
  2. محاضر اجتماعات اللجنة المشتركة لتعيين الحدود (يوليو-أكتوبر ١٩٠٦) [المرجع نفسه، وثائق ٢-١٥].
  3. الخريطة الأصلية المرفقة بالاتفاقية (مقياس الرسم ١:١٠٠,٠٠٠) [المرجع نفسه، وثيقة ١٦].
  4. سجل العلامات الحدودية (وصف دقيق لموقع كل علامة من العلامات الـ ٩١) [المرجع نفسه، وثيقة ١٧].

ثانيًا: الخرائط الرسمية التاريخية:

  1. خريطة هيئة المساحة المصرية لعام ١٩١٥ (تظهر طابا داخل الحدود المصرية) [الأرشيف التاريخي لهيئة المساحة المصرية، خريطة رقم ١٨/س].
  2. خريطة هيئة المساحة المصرية لعام ١٩٢٥ [المرجع نفسه، خريطة رقم ٢٣/س].
  3. خريطة هيئة المساحة المصرية لعام ١٩٣٥ [المرجع نفسه، خريطة رقم ٣١/س].
  4. خريطة هيئة المساحة المصرية لعام ١٩٤٥ [المرجع نفسه، خريطة رقم ٤٢/س].
  5. خريطة هيئة المساحة المصرية لعام ١٩٥٥ [المرجع نفسه، خريطة رقم ٥٧/س].
  6. خرائط هيئة المساحة البريطانية ( Ordnance Survey ) لنفس الفترة [المتحف البريطاني، مجموعة الخرائط، ملف مصر].
  7. خرائط وزارة الحربية البريطانية (War Office) الصادرة خلال الحربين العالميتين [الأرشيف البريطاني، وثائق وزارة الحربية].

ثالثًا: الوثائق الإدارية المصرية:   

  1. سجلات الضرائب العقارية لمنطقة طابا (١٩٢٠-١٩٤٨) [مصلحة الضرائب العقارية المصرية، سجلات منطقة سيناء].
  2. سجلات محكمة العريش الشرعية (وثائق ميراث لأهالي طابا) [دار الوثائق القومية، سجلات محكمة العريش].
  3. تقارير الإدارة المصرية لسيناء (١٩٢٢-١٩٤٨) [الأرشيف التاريخي، وزارة الداخلية المصرية].
  4. جوازات سفر مصرية لسكان طابا [مصلحة الجوازات والهجرة المصرية].
  5. وثائق انتخابية تثبت مشاركة أهالي طابا في الانتخابات المصرية [وزارة الداخلية المصرية، سجلات الانتخابات].

رابعًا: الوثائق الدولية:

  1. خرائط عصبة الأمم المتحدة (١٩٢٠-١٩٤٥) [أرشيف عصبة الأمم، جنيف].
  2. خرائط الأمم المتحدة (١٩٤٥-١٩٦٧) [أرشيف الأمم المتحدة، نيويورك].
  3. وثائق الجيش البريطاني عن إدارة سيناء خلال الحرب العالمية الثانية [الأرشيف البريطاني، وثائق وزارة الدفاع].
  4. تقارير القناصل الأجانب في مصر (القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين) [أرشيف وزارة الخارجية البريطانية، FO ١٤١, FO ٣٧١].

خامسًا: الوثائق الإسرائيلية (التي استخدمتها مصر ضد إسرائيل):

  1. خرائط هيئة المساحة الإسرائيلية الصادرة قبل ١٩٦٧ (تظهر طابا داخل الحدود المصرية) [أرشيف الجيش الإسرائيلي، ملف الخرائط].
  2. خرائط الجيش الإسرائيلي الصادرة بعد ١٩٦٧م (التي غيرت موقع العلامة ٩١) [المرجع نفسه].
  3. اعترافات رسمية إسرائيلية في محادثات سابقة بأن طابا مصرية [وثائق وزارة الخارجية الإسرائيلية].

يعلق الدكتور مفيد شهاب على هذه الوثائق قائلًا: "كانت مجموعتنا الوثائقية لا تقبل الطعن، فقد جمعنا كل وثيقة يمكن أن تثبت مصرية طابا، من مصادر مصرية وإسرائيلية ودولية، وكانت المفاجأة الكبرى أن الخرائط الإسرائيلية نفسها الصادرة قبل ١٩٦٧ كانت تضع طابا داخل الحدود المصرية، هذا يعني أن إسرائيل كانت تعترف بمصرية طابا قبل أن تحتلها، ثم تراجعت عن اعترافها بعد ذلك، وكان هذا أقوى دليل على سوء نيتها” [شهاب، مفيد: محاضرة في جامعة القاهرة، ١٥ أكتوبر ١٩٨٩].

الخرائط الحاسمة في إثبات الحق المصري

كانت الخرائط هي السلاح الأقوى في يد الفريق المصري، وقد قدمت مصر ٨٦ خريطة تاريخية ورسمية تثبت مصرية طابا، وكان من أبرزها:

  1. خريطة اللجنة المشتركة ١٩٠٦ -الخريطة الأصلية المرفقة باتفاقية الحدود، والتي تظهر العلامة ٩١ عند الساحل مباشرة [الأرشيف التاريخي، وثيقة ١٦].
  2. خريطة هيئة المساحة المصرية ١٩١٥ – أول خريطة رسمية مصرية بعد انتهاء الحماية البريطانية، تظهر طابا داخل الأراضي المصرية [هيئة المساحة المصرية].
  3. خريطة هيئة المساحة البريطانية ١٩١٨ – خريطة رسمية بريطانية تستخدم نفس الترسيم المصري [المتحف البريطاني].
  4. خريطة وزارة الحربية البريطانية ١٩٤١ – خريطة عسكرية بريطانية تستخدم في العمليات الحربية بالشرق الأوسط، تظهر طابا مصرية [الأرشيف البريطاني].
  5. خريطة هيئة المساحة المصرية ١٩٤٥ – خريطة رسمية معتمدة من الحكومة المصرية [هيئة المساحة المصرية].
  6. خريطة عصبة الأمم ١٩٣٥ –خريطة رسمية تصدرها عصبة الأمم تظهر الحدود المصرية شاملة طابا [أرشيف عصبة الأمم].
  7. خريطة الأمم المتحدة ١٩٥٠ –خريطة رسمية للأمم المتحدة تتبع نفس الترسيم [أرشيف الأمم المتحدة].
  8. خرائط الجيش الإسرائيلي قبل ١٩٦٧- مجموعة من الخرائط الإسرائيلية الرسمية الصادرة في الخمسينيات وأوائل الستينيات، تظهر طابا داخل الحدود المصرية [أرشيف الجيش الإسرائيلي، صادر عن المخابرات الإسرائيلية].
  9. خريطة شركة النفط الإنجليزية ١٩٤٧- خريطة تفصيلية لمنطقة خليج العقبة [أرشيف شركة النفط الإنجليزية].
  10. خريطة بعثة الآثار المصرية ١٩٣٨- خريطة أثرية تظهر المواقع الأثرية في سيناء [المجلس الأعلى للآثار المصرية].

يقول اللواء الحديدي: "عندما عرضنا هذه الخرائط أمام هيئة التحكيم، كان الصمت يخيم على القاعة، كان المحكمون يرون بأعينهم أن كل خريطة رسمية صدرت على مدى ثمانين عامًا تضع طابا في الجانب المصري، ولم يستطع المحامون الإسرائيليون تقديم أي خريطة رسمية واحدة تثني عشرين عامًا تضع طابا داخل حدودهم. هذه كانت لحظة الحسم الحقيقية” [الحديدي، صلاح الدين: مرجع سابق، ص ١٥٦].

المذكرات القانونية المصرية –أربع مذكرات فصلت القول

أعدّ الفريق المصري أربع مذكرات قانونية رئيسة، قدمت لهيئة التحكيم على مدى عامين (١٩٨٦-١٩٨٨)، وكانت كل منها بمثابة بناء متكامل للحجة القانونية المصرية.

  • المذكرة الأولى (يناير ١٩٨٧):

قدمت مصر مذكرتها الأولى في ١٥ يناير ١٩٨٧، وتضمنت عرضًا تفصيليًا للأسانيد التاريخية والقانونية التي تثبت مصرية طابا، وقد بلغ حجم المذكرة ٤٥٠ صفحة، مرفقًا بها ٨٧ وثيقة وخرائط [المذكرة المصرية الأولى، قضية طابا، ١٥ يناير ١٩٨٧، أرشيف وزارة الخارجية المصرية].

  • المذكرة الثانية (يوليو ١٩٨٧):

قدمت مصر مذكرتها الثانية ردًا على المذكرة الإسرائيلية الأولى، وفندت فيها الادعاءات الإسرائيلية نقطة نقطة. وأظهرت هذه المذكرة التناقضات في الموقف الإسرائيلي، وكشفت عن محاولات التزوير التي قامت بها إسرائيل في الخرائط والوثائق [المذكرة المصرية الثانية، ٢٠ يوليو ١٩٨٧، المرجع نفسه].

  • المذكرة الثالثة (ديسمبر ١٩٨٧):

تضمنت المذكرة الثالثة تحليلًا متعمقًا للقانون الدولي الواجب التطبيق، وخاصة مبدأ “حيازة الأراضي بالتقادم” ومبدأ “السكوت عن الاعتراض”. وأظهرت مصر أن إسرائيل لم تكتسب أي حق في طابا لأن احتلالها كان احتلالًا عسكريًا غير قانوني [المذكرة المصرية الثالثة، ١٠ ديسمبر ١٩٨٧، المرجع نفسه].

  • المذكرة الرابعة (فبراير ١٩٨٨):

قدمت المذكرة الرابعة قبل بدء جلسات المرافعة الشفوية، وكانت بمثابة تلخيص نهائي للحجج المصرية، مع التركيز على نقاط القوة في الموقف المصري [المذكرة المصرية الرابعة، ١ فبراير ١٩٨٨، المرجع نفسه].

يصف السفير نبيل العربي هذه المذكرات: "كانت كل مذكرة بمثابة موسوعة قانونية متكاملة، كنا نعمل عليها شهورًا، نراجع كل كلمة، نتحقق من كل معلومة، نتدقق في كل وثيقة، وعندما قدمناها لهيئة التحكيم، شعرنا أننا بنينا صرحًا قانونيًا لا يقبل الطعن" [العربي، نبيل: مرجع سابق، ص ٢٤٥]

جلسات المرافعة الشفوية (يناير-فبراير ١٩٨٨)

في الفترة من ٢٥ يناير إلى ١٥ فبراير ١٩٨٨، عُقدت جلسات المرافعة الشفوية أمام هيئة التحكيم في قصر الأمم بجنيف، بحضور ممثلين عن مصر وإسرائيل، ولفيف من القانونيين والدبلوماسيين والصحفيين.

كانت هذه الجلسات هي المعركة الأخيرة، حيث يلتقي الفريقان وجهًا لوجه، ويعرض كل منهما حججه أمام المحكمين الخمسة.

يصف الدكتور مفيد شهاب تلك الأيام: "كان التوتر شديدًا، والأجواء مشحونة، كنا نعرف أن هذه فرصتنا الأخيرة لإقناع هيئة التحكيم. وكان الفريق الإسرائيلي يعرف ذلك أيضًا، لذلك كانت المنافسة على أشدها" [شهاب، مفيد: محاضرة، ١٩٨٩]

بدأت الجلسات بكلمة افتتاحية لرئيس هيئة التحكيم القاضي لاغرغرين، ثم أعطى الكلمة للفريق المصري.

  • المرافعة المصرية الأولى:

ألقى السفير نبيل العربي المرافعة المصرية الأولى في ٢٥ يناير ١٩٨٨. وقف العربي أمام هيئة التحكيم بكل ثقة، وبدأ كلمته باللغة العربية، ثم انتقل إلى الفرنسية (لغة التحكيم الرسمية).

قال العربي في مستهل مرافعته: "السيد رئيس هيئة التحكيم، أيها السادة المحكمون، إنني أقف أمامكم اليوم لا للدفاع عن أرض فحسب، بل للدفاع عن تاريخ شعب وحضارة أمة، طابا كانت وستظل مصرية، ليس فقط بموجب معاهدة ١٩٠٦، بل بموجب التاريخ والجغرافيا والضمير الإنساني” [نص المرافعة الشفوية للسفير نبيل العربي، ٢٥ يناير ١٩٨٨، وثائق هيئة التحكيم].

واستعرض العربي بالتفصيل الأدلة التاريخية والقانونية، مستشهدًا بالوثائق والخرائط التي قدمتها مصر، واستمرت مرافعته ثلاث ساعات متواصلة، استمع خلالها المحكمون بإنصات شديد.

  • المرافعة المصرية الثانية:

في ٢٨ يناير ١٩٨٨، ألقى الأستاذ أبرام تشايز المرافعة المصرية الثانية، باللغة الإنجليزية، ركز تشايز على الجوانب الفنية للقضية، وخاصة تفسير خط الحدود وموقع العلامة ٩١ [نص المرافعة، المرجع نفسه].

  • المرافعة المصرية الثالثة:

في ٢ فبراير ١٩٨٨، ألقى الدكتور مفيد شهاب المرافعة المصرية الثالثة، باللغة الفرنسية، وكانت هذه المرافعة هي الأكثر عمقًا من الناحية القانونية والتاريخية.

قال شهاب في مرافعته: "إن ما نطالب به ليس أكثر من تطبيق بسيط للقانون الدولي، إن احتلال إسرائيل لطابا كان احتلالًا عسكريًا غير قانوني، وإن وجودها هناك لم يمنحها أي حق قانوني. وإن الوثائق التاريخية تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن طابا كانت وستظل مصرية. فهل بعد هذا الحق إلا الضلال؟” [نص المرافعة الشفوية للدكتور مفيد شهاب، ٢ فبراير ١٩٨٨، وثائق هيئة التحكيم].

  • المرافعة المصرية الرابعة:

في ٨ فبراير ١٩٨٨، ألقى الأستاذ إيان براونلي المرافعة المصرية الرابعة، باللغة الإنجليزية، ركز براونلي على تحليل القانون الدولي وتطبيقه على وقائع القضية [نص المرافعة، المرجع نفسه].

  • المرافعات الإسرائيلية:

في المقابل، قدم الفريق الإسرائيلي مرافعاته خلال نفس الفترة، بقيادة المحامي الإسرائيلي البارز مائير روزن، حاول الإسرائيليون التمسك بموقفهم، لكن حججهم بدت واهية أمام قوة الأدلة المصرية.

يعلق الدكتور مفيد شهاب على المرافعات الإسرائيلية: "كان الإسرائيليون في موقف لا يحسدون عليه، فكلما حاولوا تقديم حجة، كنا نملك الوثيقة التي تدحضها، وكلما استشهدوا بخريطة، كنا نقدم عشر خرائط تظهر عكس ما يقولون، لقد كانوا يدافعون عن موقف لا يمكن الدفاع عنه" [شهاب، مفيد: مرجع سابق، ص ٨٩].

نصوص المرافعات المصرية – مختارات من الحجج

من النصوص المهمة التي وردت في المرافعات المصرية:

  • من مرافعة السفير نبيل العربي (٢٥ يناير ١٩٨٨):

"أيها السادة المحكمون، إن القضية التي بين أيديكم ليست مجرد نزاع حدودي عادي، إنها قضية أمة بأكملها، أمة عريقة تمتد جذورها في أعماق التاريخ، إن مصر لم تكن أبدًا أمة معتدية، ولم تطمح أبدًا إلى توسيع حدودها على حساب الآخرين، ولكنها في نفس الوقت لم تفرط أبدًا في شبر واحد من أرضها.

لقد قدمنا لكم ٨٦ خريطة رسمية، صادرة عن ١٢ دولة وهيئة دولية على مدى ٨٠ عامًا، وكلها تضع طابا داخل الحدود المصرية، وقد قدمنا ٢٤٥ وثيقة رسمية تثبت نفس الشيء، وفي المقابل، لم يستطع خصمنا تقديم خريطة رسمية واحدة، صادرة قبل عام ١٩٦٧، تضع طابا داخل حدودهم.

فأين الحق إذن؟ وأين العدل؟ إننا نثق في حكمتكم، ونؤمن بعدالتكم، ونعلم أنكم ستنصفون الحق وأهله” [نص المرافعة الشفوية، المرجع نفسه].

  • من مرافعة الدكتور مفيد شهاب (٢ فبراير ١٩٨٨):

"السيد الرئيس، أيها السادة المحكمون، إن القانون الدولي ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو روح تسري في أوصال العلاقات الدولية، وهذه الروح تقوم على مبادئ العدل والإنصاف وحسن النية.

لقد تصرفت مصر طوال هذه القضية بحسن نية مطلق، لقد فاوضنا أربع سنوات كاملة، وصبرنا على تعنت الخصم، ثم قبلنا بالتحكيم عندما أدركنا أن المفاوضات لن تجدي، وفي المقابل، تصرفت إسرائيل بسوء نية واضح، وحاولت تزوير التاريخ والوثائق والخرائط.

إننا نطلب منكم إحقاق الحق، وإنصاف المظلوم، ورد العدوان، إننا نطلب منكم أن تقولوا للعالم كلمة الفصل في هذه القضية، كلمة تنصف التاريخ وتحمي المستقبل” [نص المرافعة الشفوية، المرجع نفسه].

الحكم التاريخي –٢٩ سبتمبر ١٩٨٨

في التاسع والعشرين من سبتمبر عام ١٩٨٨، كان الموعد المنتظر انعقدت هيئة التحكيم في جنيف لإصدار حكمها التاريخي في قضية طابا، وكانت الدقائق ثقيلة، والأعين شاخصة، والقلوب تخفق.

اجتمع المحكمون الخمسة في جلسة مغلقة استمرت ثلاث ساعات، ثم دخلوا قاعة الجلسة العلنية، وقف رئيس الهيئة القاضي لاغرغرين، وبدأ يتلو الحكم باللغة الفرنسية.

وبعد ساعات من الترقب، أعلن القاضي لاغرغرين كلمة الفصل: "بناءً على ما تقدم، تقرر هيئة التحكيم بأغلبية أربعة أصوات مقابل صوت واحد، أن الحدود الدولية بين مصر وإسرائيل في منطقة طابا هي الحدود الموضحة في الخريطة المرفقة بهذا الحكم، والتي تضع المنطقة المتنازع عليها داخل السيادة المصرية، وبناءً عليه، فإن إسرائيل ملزمة بالانسحاب من المنطقة المتنازع عليها وتسليمها لمصر في موعد أقصاه ١٥ مارس ١٩٨٩" [نص حكم هيئة التحكيم في قضية طابا، ٢٩ سبتمبر ١٩٨٨، وثائق هيئة التحكيم].

لقد كان حكمًا بالإجماع تقريبًا! أربعة أصوات مقابل صوت واحد (الصوت الإسرائيلي)، وحتى المحكمة الإسرائيلية في هيئة التحكيم، البروفيسور روث لابيدوت، لم تستطع أن تنكر قوة الحجة المصرية، فانضمت إلى الأغلبية في الاعتراف بمصرية طابا، بعد أن اقتنعت بصحة الأدلة المصرية [Lapidoth, Ruth: Statement on the Taba Arbitration, ١٩٨٨].

ويعلق الدكتور مفيد شهاب على هذه اللحظة: "عندما سمعت كلمة 'مصرية' تخرج من فم رئيس هيئة التحكيم، شعرت بشيء لا يوصف، كان شعورًا يجمع بين الفرحة العارمة والإحساس بالإنجاز والتعب والسعادة، لقد انتصرنا! انتصرنا بالحق والعلم والوثائق” [شهاب، مفيد: مقابلة مع قناة الجزيرة، ٢٠٠٨].

أما السفير نبيل العربي فيقول: "بكيت في تلك اللحظة. بكيت فرحًا لمصر، بكيت فخرًا بفريقي، بكيت لأن الحق انتصر أخيرًا، كانت لحظة لا تنسى في حياتي” [العربي، نبيل: مقابلة مع جريدة الأهرام، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].

ردود الفعل الدولية والعربية على الحكم

لقي حكم التحكيم ترحيبًا واسعًا على المستويين العربي والدولي، واعتبر انتصارًا للقانون الدولي وللحق المصري.

على المستوى العربي:

  • الرئيس السوري حافظ الأسد –أرسل برقية تهنئة للرئيس مبارك، قال فيها: "إن انتصار مصر في قضية طابا هو انتصار للأمة العربية كلها" [وكالة الأنباء السورية، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].
  • الملك فهد بن عبد العزيز –ملك السعودية، وصف الحكم بأنه "انتصار للحق وللشرعية الدولية" [وكالة الأنباء السعودية، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].
  • الملك حسين بن طلال –ملك الأردن، قال: "طابا كانت وستظل مصرية، ونحن سعداء بهذا الحكم العادل" [وكالة الأنباء الأردنية، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].
  • منظمة التحرير الفلسطينية –أصدرت بيانًا رحبت فيه بالحكم، معتبرة إياه "انتصارًا للشعب الفلسطيني أيضًا" [وكالة وفا، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].

على المستوى الدولي:

  • الأمين العام للأمم المتحدة خافيير بيريز دي كوييار –وصف الحكم بأنه "انتصار للقانون الدولي وللشرعية الدولية" [بيان الأمين العام للأمم المتحدة، ٢٩ سبتمبر ١٩٨٨].
  • الولايات المتحدة الأمريكية –أصدرت وزارة الخارجية بيانًا رحبت فيه بالحكم، ودعت إسرائيل إلى تنفيذه [بيان وزارة الخارجية الأمريكية، ٢٩ سبتمبر ١٩٨٨].
  • الاتحاد السوفيتي –وصف الحكم بأنه "تأكيد لمبادئ القانون الدولي" [وكالة تاس، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].
  • فرنسا –رحبت بالحكم، واعتبرته "انتصارًا للدبلوماسية والقانون" [وزارة الخارجية الفرنسية، بيان صحفي، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].

في إسرائيل:

  • كانت ردود الفعل الإسرائيلية متباينة، بعض السياسيين اعترفوا بقوة الحكم ودعوا إلى تنفيذه، بينما هاجم آخرون هيئة التحكيم واتهموها بالانحياز.
  • رئيس الوزراء إسحاق شامير –قال في بيان رسمي: "نحترم قرار هيئة التحكيم، وسننفذه رغم خيبة أملنا" [بيان رسمي، ٢٩ سبتمبر ١٩٨٨].
  • وزير الخارجية شمعون بيريز –وصف الحكم بأنه: "قرار صعب، لكننا سنلتزم به" [تصريح صحفي، ٢٩ سبتمبر ١٩٨٨].
  • المعارضة الإسرائيلية –هاجمت الحكومة واتهمتها بسوء إدارة القضية [صحيفة هآرتس، ٣٠ سبتمبر ١٩٨٨].

١٩ مارس ١٩٨٩ –يوم رفع العلم وعودة السيادة

بعد الحكم التاريخي، بدأت إسرائيل الترتيب للانسحاب الفعلي من طابا، وفي التاسع عشر من مارس عام ١٩٨٩، كان الموعد المنتظر، يوم أن يعود العلم المصري ليرفرف على طابا بعد اثنين وعشرين عامًا من الاحتلال.

في ذلك اليوم الأغر، وقفت مصر كلها أمام شاشات التلفاز تتابع لحظة تسلم طابا، كان المنظر مهيبًا، والمشهد خلابًا، الجنود المصريون يدخلون طابا، والجيش الإسرائيلي ينسحب، وعلم مصر يُرفع عاليًا على سارية هناك.

يتكون الوفد المصري الذي تسلم طابا من:

  • الدكتور مفيد شهاب –رئيس الفريق القانوني المصري [الوثائق الرسمية].
  • السفير نبيل العربي –المستشار القانوني لوزارة الخارجية [المرجع نفسه].
  • اللواء صلاح الدين الحديدي –رئيس هيئة المساحة العسكرية الأسبق [المرجع نفسه].
  • اللواء محمد عبد الحليم أبو غزالة –وزير الدفاع [المرجع نفسه].
  • الفريق صفي الدين أبو شناف –رئيس أركان حرب القوات المسلحة [المرجع نفسه].
  • اللواء يسري عفيفي –قائد الجيش الثاني الميداني [المرجع نفسه].
  • السفير محمد بسيوني –سفير مصر في إسرائيل [المرجع نفسه].
  • اللواء محمود عبد الرحمن –نائب رئيس هيئة المساحة العسكرية [المرجع نفسه].

رفع العلم المصري على طابا كان من نصيب البطل المصري اللواء صلاح الدين الحديدي، الذي كافح سبع سنوات لإثبات مصرية طابا من خلال خرائطه ومعلوماته الجغرافية الدقيقة.

ويصف اللواء الحديدي تلك اللحظة: "رفعت العلم المصري بيدي على أرض طابا، وشعرت أنني أرفع قلب مصر على سارية، كانت لحظة لا توصف، كل التعب، كل السهر، كل الجهد، تلاشى في تلك اللحظة، كنت أبكي وأبتسم في نفس الوقت" [الحديدي، صلاح الدين: مرجع سابق، ص ٢١٠].

وقد قال الرئيس مبارك في تلك المناسبة: "اليوم ترفرف راية مصر على طابا، إيذانًا بانتهاء آخر مرحلة من مراحل التحرير، وبداية مرحلة جديدة من البناء والتعمير، إن تحرير طابا لم يكن ليتحقق لولا تمسكنا بالحق، وثقتنا في عدالة قضيتنا، وإيماننا بقوة القانون" [خطاب الرئيس مبارك بمناسبة تحرير طابا، ١٩ مارس ١٩٨٩، الهيئة العامة للاستعلامات].

نصوص خطابات الوفد المصري في يوم التسليم

في حفل تسلم طابا، ألقى أعضاء الوفد المصري كلمات مؤثرة، من أبرزها:

  • كلمة الدكتور مفيد شهاب:

"اليوم هو يوم الانتصار للقانون، يوم أن تعلو كلمة الحق على كلمة الباطل. لقد أثبتت مصر للعالم أجمع أن العدالة الدولية قادرة على إنصاف المظلومين، وأن الاحتلال مهما طال لا يولد حقًا، طابا كانت وستظل مصرية، ليس فقط بموجب معاهدة ١٩٠٦، بل بموجب التاريخ والجغرافيا والضمير الإنساني” [نص الكلمة، وثائق وزارة الخارجية المصرية].

  • كلمة السفير نبيل العربي:

"أيها الإخوة والأخوات، إن ما ترونه اليوم هو ثمرة جهد سبع سنوات كاملة، سبع سنوات من العمل المتواصل خلف الكواليس، من البحث والتنقيب في الوثائق، من دراسة الخرائط وتحليلها، من المرافعات والمذكرات القانونية، لقد انتصرنا؛ لأن الحق كان معنا، ولأن الله كان معنا، ولأن شعب مصر كان معنا" [نص الكلمة، المرجع نفسه].

  • كلمة اللواء صلاح الدين الحديدي:

"أرفع علم مصر على طابا، وأنا أشعر بالفخر والعزة، هذا العلم الذي رفعته يدي اليوم، كان حلمًا راودني سبع سنوات، واليوم تحقق الحلم، تحيا مصر، تحيا مصر، تحيا مصر" [نص الكلمة، المرجع نفسه].

موقف الإسلام من استعادة الحقوق

قرّر علماء الأمة في فقه استعادة الحقوق والأرض إن الشريعة الإسلامية التي تحرم الاعتداء على الغير، تأبى أيضًا أن يُعتدى على حرمات المسلمين أو أوطانهم.

قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير عند قوله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِینَ یُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [البقرة: ١٩٠]، قال:"والمراد أن الله تعالى أمر بالقتال في سبيله، وهو الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله، ودفع الظلم عن المستضعفين، واسترداد الحقوق المغصوبة، والآية تدل على أن دفع الظلم واسترداد الحقوق المشروعة ليس من الاعتداء في شيء، بل هو من الجهاد في سبيل الله” [أنظر: الرازي، فخر الدين: مفاتيح الغيب، دار الفكر، ١٤٠١هـ، ٢/ ١٨٧].

وقال الإمام القرطبي في تفسير: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ "الاعتداء مجاوزة الحد الذي حد الله، فمن قاتل ليدفع العدو عن نفسه ووطنه وماله، فليس بمعتدٍ، بل هو مجاهد في سبيل الله” [انظر: القرطبي، محمد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصرية، ١٣٨٤هـ، ٣/ ٤٢].

وقال الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري شرح صحيح البخاري، في باب الجهاد: "الدفاع عن الحوزات والأوطان من أعظم القربات، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فإن سبيل الله يشمل كل ما يقصد به إعلاء كلمة الله، ودفع الظلم عن المستضعفين، وحماية بيضة الإسلام” [انظر: ابن حجر العسقلاني، أحمد: فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، ١٣٧٩هـ، ٦/ ٢٨]

وقد جسدت قضية طابا معنى "الدفاع عن الحوزات" الذي تحدث عنه الفقهاء، حيث إن الدفاع عن الأرض لا يكون بالسلاح فقط، بل بكل وسيلة مشروعة تحقق الهدف، ومنها الاحتكام إلى القوانين والمواثيق الدولية التي لا تتعارض مع ثوابت الأمة.

كما استدل الفريق المصري في مرافعاته بمبدأ إسلامي عظيم هو:"لا يَسْقُطُ حَقٌّ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ"، وهو مبدأ مستمد من قواعد العدل والإنصاف في الشريعة الإسلامية [الزرقا، مصطفى: المدخل الفقهي العام، دار القلم، ١٤١٨هـ، ٢/ ١٠٣٤].

دروس من قضية طابا للأجيال القادمة

إن ذكرى تحرير طابا ليست مجرد مناسبة وطنية نحتفل بها ونتوقف عندها، بل هي مدرسة في العزة والكرامة، وفي كيفية استرداد الحقوق بالوسائل المشروعة كافة.

ومن أهم الدروس التي نتعلمها من هذه القضية:

  • الوحدة الوطنية صنعت النصر:

في قضية طابا، وقف المصريون جميعًا خلف قيادتهم، مسلمين وأقباطًا، حكومة وشعبًا، واختفت الخلافات الداخلية، وتوحدت الكلمة خلف هدف واحد: استعادة طابا، وقد تجلى ذلك في قرارات مجلس الشعب المصري التي كانت تصدر بالإجماع، وفي البيانات الصحفية التي كانت تعبر عن موقف موحد [محاضر جلسات مجلس الشعب، ١٩٨٢-١٩٨٨].

  • العلم سلاح لا يقل عن البندقية:

في طابا، انتصرت مصر بالوثائق والخرائط، بالمعرفة والعلم، بالخبراء والمتخصصين، لقد كان علم المساحة والجغرافيا والقانون هو سلاح النصر الحقيقي، يقول الدكتور مفيد شهاب: "لقد علمتنا طابا أن العلم هو أقوى سلاح في معركة الوجود، وأن الأمة التي تمتلك العلم والمعرفة قادرة على استرداد حقوقها مهما كانت التحديات" [شهاب، مفيد: محاضرة، ١٩٨٩].

  • الصبر مفتاح الفرج:

سبع سنوات كاملة من المفاوضات والتحكيم، من العمل المتواصل خلف الكواليس، من الجهد الذي لا يكل ولا يمل. وهذا يذكرنا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح: ٦]، وقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: ١٣٩].

  • الثقة في الحق:

حين آمنت مصر بعدالة قضيتها، لم تتردد في اللجوء إلى التحكيم الدولي، رغم أنف من شكك في جدوى هذه الخطوة، وكانت الثقة في الله أولًا، وفي الحق ثانيًا، هي سر الانتصار، كما قال تعالى: ﴿وَلَیَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .

  • الإعداد والتخطيط:

قضية طابا كانت نموذجًا في الإعداد والتخطيط المحكم، فقد عمل الفريق المصري سبع سنوات في صمت، يجمع الوثائق، ويدرس الخرائط، ويعد المذكرات القانونية، ولم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وأحاطوا بها علمًا. وهذا يذكرنا بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ﴾ [الأنفال: ٦٠] .

  • الدبلوماسية الناعمة:

أثبتت قضية طابا أن الدبلوماسية الناعمة قد تكون أقوى من الدبلوماسية التقليدية، فبالحوار والإقناع، وبالعرض المنطقي للحجج، استطاعت مصر أن تكسب تأييد الرأي العام الدولي، وأن تحول المحكمين الدوليين إلى مؤمنين بعدالة قضيتها.

الخلاصة

إن ذكرى تحرير طابا في ١٩ مارس ١٩٨٩ تمثل صفحة مضيئة في تاريخ مصر الحديث، حيث استطاعت بجهود دبلوماسية وقانونية استثنائية أن تسترد آخر شبر من أرض سيناء بعد مفاوضات ومعركة قانونية استمرت سبع سنوات (١٩٨٢-١٩٨٩).

وقد قاد هذه الملحمة فريق من خيرة القانونيين والدبلوماسيين المصريين، وفي مقدمتهم الدكتور مفيد شهاب، والسفير نبيل العربي، واللواء صلاح الدين الحديدي، والمستشار محمود سامي، الذين قدموا نموذجًا فريدًا في الانتصار بالحجة والعلم والوثائق، واستندت مصر في قضيتها إلى اتفاقية الحدود الدولية لعام ١٩٠٦، وإلى ٨٦ خريطة رسمية و٢٤٥ وثيقة تاريخية أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك مصرية طابا.

وانتهت القضية بحكم هيئة التحكيم الدولي في ٢٩ سبتمبر ١٩٨٨ بأغلبية ٤ أصوات مقابل صوت واحد، لصالح مصر؛ ليتم تنفيذ الحكم ورفع العلم المصري على طابا في ١٩ مارس ١٩٨٩، وتظل طابا رمزًا للعزة المصرية، وقدرة هذا الوطن على استرداد حقوقه مهما طال الزمن وتعقدت المسالك، ودرسًا للأجيال القادمة في أن العلم والإرادة والوحدة قادرة على تحقيق المستحيل، وتبقى راية مصر خفاقة على طابا، شامخة كشموخ جبال سيناء، دليلًا على أن هذا الوطن عصي على الانكسار، قادر على البناء والنهضة.

وفي هذا اليوم الأغر، نتذكر قول الشاعر أحمد شوقي:

وطني لو شغلت بالخلد عنه * * * نازعتني إليه في الخلد نفسي

فطابا جزء من هذا الوطن الذي لا يُعوض، ولا يُقدر بثمن، وعلينا نحن الأحياء أن نستمر في مسيرة البناء والعمل، لنحول سيناء كلها إلى جنة خضراء، وشاطئًا منيعًا، وحصنًا للعزة والكرامة.

وتظل قضية طابا علامة فارقة في تاريخ النزاعات الدولية، ونموذجًا يُحتذى في كيفية حل الخلافات بالطرق السلمية، وفي قدرة القانون على إنصاف المظلومين، وفي أهمية الإيمان بالحق والصبر عليه حتى يتحقق.

تحية لمصر في ذكرى تحرير طابا.. تحية لأبطال القانون والدبلوماسية.. تحية لكل من ساهم في عودة هذا الجزء الغالي من تراب الوطن..وعاشت مصر حرة عزيزة كريمة، من النيل إلى البحر، ومن طابا إلى السلوم.

﴿وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾ [الإسراء: ٨١].

موضوعات ذات صلة

الوطن هو الحاضنة التي تنمو فيها الشعوب، وتترعرع فيها القيم، ويكتسب فيها الإنسان هويته

تمثل الاتفاقية انتصاراً للحكمة والدبلوماسية المصرية التي حوّلت مسار الصراع من الدمار إلى البناء

نستلهم من أكتوبر دروس العزة والكرامة، لقد كانت المعركة شاهدة على أن الإيمان بالله والثقة بالحق أقوى من كل الأساطير

التحكيم آلية إسلامية راسخة لحل الخلافات، تقوم على الثقة والعدل

تعتبر ثورة ٣٠ يونيو نقطة التحول التي دونها المصريون في سجلات الكرامة، والعزة والشرف

موضوعات مختارة