يبدأ موسم حصاد القمح في مصر عادة من منتصف شهر أبريل ويستمر حتى يونيو، ويُعد من أهم المواسم الزراعية نظرًا لكون القمح محصولًا استراتيجيًا يعتمد عليه في تحقيق الأمن الغذائي. في هذا المقال نتعرف على موعد الحصاد وأهميته الاقتصادية وطرق جمع المحصول.
يبدأ موسم حصاد القمح في مصر عادة من منتصف شهر أبريل ويستمر حتى يونيو، ويُعد من أهم المواسم الزراعية نظرًا لكون القمح محصولًا استراتيجيًا يعتمد عليه في تحقيق الأمن الغذائي. في هذا المقال نتعرف على موعد الحصاد وأهميته الاقتصادية وطرق جمع المحصول.
موسم حصاد القمح في مصر يبدأ من منتصف أبريل حتى يونيو، ويُعد من أهم المواسم الزراعية؛ لأنه يوفر محصولًا استراتيجيًا يعتمد عليه في إنتاج الخبز وتحقيق الأمن الغذائي، وحصاده السنوي هو احتفاء بالقدرة على الإنتاج وتأمين الاحتياجات الأساسية بعيدًا عن تقلبات السوق العالمية، وبدأ موسم الحصاد الذي لم يخلف موعده مع المصريين منذ فجر التاريخ، كما دونته جدران المعابد، وخلدته آيات القرآن الكريم، والكتب السماوية وقصص الأنبياء والمرسلين، ورددوا له الترانيم والقصائد والأغاني والمواويل الشعبية، وتشهد جدران مقبرة «تي» على فرح المصري بالحصاد، حيث تسجل رسومها شخصا خلف العمال ينفخ في مزمار ليطربهم في أثناء قيامهم بحصاد القمح [الأهرام، بدء حصاد سنابل الخير.. القمـح.. في يــوم عيــده، ١٦ابريل ٢٠٢٥، السنة ١٤٩ العدد ٥٠٥٣٥].
تتجلى عظمة التخطيط في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، الذي وضع أول خطة زراعية واقتصادية متكاملة لإنقاذ البشرية، فمن خلال رؤيته في ادخار المحصول "في سنبله" وإدارة الموارد بحكمة خلال سنوات الرخاء لمواجهة سنوات الشدة، استطاع أن يحول مصر إلى قبلة للنجاة، معتمدًا على مبدأ "الاستدامة" والعمل الدؤوب، ففي هذه القصة لنبي الله يوسف عليه السلام ورؤية الملك كانت هناك إدارة مخاطر اقتصادية وزراعية متكاملة، بل تعد إحدى أقدم وأذكى استراتيجيات إدارة المخاطر في التاريخ، جاء في سورة يوسف (٤٣-٤٩) أن ملك مصر رأى في المنام: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّیۤ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتࣲ سِمَانࣲ یَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافࣱ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرࣲ وَأُخَرَ یَابِسَٰتࣲۖ یَٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِی فِی رُءۡیَٰیَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡیَا تَعۡبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] فسّر نبي الله يوسف عليه السلام الرؤية بأنها ترمز إلى دورة اقتصادية من سبع سنوات رخاء، يليها سبع سنوات مجاعة وجفاف، ثم قدم خطة استباقية لإدارة هذه المخاطر، كيف كانت هذه القصة نموذجًا لإدارة المخاطر؟
١- تحديد المخاطر المحتملة: الرؤية كانت تحذيرًا من أزمة مستقبلية: فهم يوسف عليه السلام أن هناك مخاطر اقتصادية وبيئية قادمة (سبع سنوات مجاعة)، هذه المخاطر تشمل نقص الإنتاج الزراعي، انخفاض الموارد الغذائية، واضطرابات اقتصادية محتملة.
٢- تحليل المخاطر: تقييم شدة الأزمة وتأثيرها: يوسف أدرك أن المجاعة لن تكون قصيرة الأمد، بل ستستمر سبع سنوات متواصلة، مما يعني تأثيرًا عميقًا على الاقتصاد والمجتمع، فهم أن السبع سنوات الأولى (الوفرة) يمكن أن تكون فرصة للتحضير للمستقبل.
٣- التخطيط للاستجابة للمخاطر: وضع استراتيجية طويلة الأمد: قدم نبي الله يوسف عليه السلام خطة للاستفادة من فترة الوفرة من خلال تخزين الفائض من القمح والمحاصيل بطريقة مدروسة بحيث لا يتلف، قال: ﴿قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِینَ دَأَبࣰا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِی سُنۢبُلِهِۦۤ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ﴾ [يوسف: ٤٧] أي أنه أمر بتخزين القمح في سنابله؛ للحفاظ عليه أطول فترة ممكنة وتقليل التلف، ثم قال عن سنوات المجاعة: ﴿ثُمَّ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعࣱ شِدَادࣱ یَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ﴾ [يوسف: ٤٨] أي أن المخزون سيوزع تدريجيًا؛ لضمان استمرار الغذاء خلال الأزمة.
٤- تنفيذ الخطة وإدارة الأزمة: تنفيذ سياسات التخزين والتوزيع: مع بدء سنوات الجفاف، كان هناك مخزون كافٍ لمصر وللدول المجاورة، مما جعل مصر مركزًا استراتيجيًّا لتصدير الغذاء، كان النظام الذي وضعه يوسف عليه السلام فعّالًا لدرجة أن الناس من خارج مصر جاءوا لشراء الحبوب، بما في ذلك إخوة يوسف أنفسهم.
٥-التعافي بعد الأزمة: التخطيط لما بعد المجاعة: بعد انتهاء الأزمة، لم تكن مصر منهارة اقتصاديًّا، بل أصبحت أقوى اقتصاديًّا بسبب إدارة الموارد بشكل حكيم، عاد الاقتصاد إلى النمو بعد انتهاء المجاعة؛ لأن يوسف عليه السلام لم يستخدم كل الاحتياطي دفعة واحدة، بل وزعه بشكل مدروس، من هذه القصة نستلهم أن إدارة المخاطر مفهوم قديم جدًا، نقله لنا القرآن الكريم كما قص لنا كثير من القصص والعبر؛ ليعلمنا أمور الدنيا والدين.
يُعدّ مفهوم السيادة الغذائية أحد البدائل المتاحة، إذ يُركّز على الإنصاف والديمقراطية والاستدامة في النظم الغذائية، وعلى عكس النهج المركزي القائم على السوق لضمان الأمن الغذائي، تدعو السيادة الغذائية إلى سيطرة محلية على النظم الغذائية، بما يضمن احترام احتياجات المجتمعات وحقوقها، والحفاظ على التنوع الثقافي، وإعطاء الأولوية للتوازن البيئي، ويُعدّ فهم الاختلافات بين هذين النهجين أساسيًا؛ لمواجهة التحديات العالمية للأمن الغذائي بطريقة أكثر استدامة وإنصافًا، انطلاقًا من هذه المبادئ، وضعت اللجنة الدولية للتخطيط من أجل السيادة الغذائية إطارًا شاملًا يتمحور حول أربعة محاور رئيسية: الحق في الغذاء، والحصول على الموارد الإنتاجية (كالأرض والمياه)، والإنتاج الزراعي الإيكولوجي، والأسواق التجارية المحلية، وتشكل هذه المحاور أساس السيادة الغذائية، وتعززها كأداة حاسمة لتحقيق الأمن الغذائي طويل الأمد من خلال ضمان حصول المجتمعات على الموارد التي تحتاجها.
ويتحقق الأمن الغذائي عندما يحصل الناس على كميات كافية من الغذاء الآمن والمغذي؛ لتلبية احتياجاتهم الغذائية اللازمة لحياة صحية ونشطة، ويشمل ذلك: توافر الغذاء، وسهولة الحصول عليه، واستخدامه الأمثل تاريخيًّا، ركزت الجهود المبذولة لتحقيق الأمن الغذائي على زيادة الإنتاج الغذائي، واستقرار أسعار الغذاء، وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي؛ لضمان حصول الفئات السكانية الأكثر ضعفًا على الغذاء.
يُهدد الأمن الغذائي العالمي مجموعة من العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية، تشمل: تغير المناخ، والنمو السكاني، والتوسع الحضري، وتحديات سلاسل الإمداد، وعدم المساواة، وأساليب الزراعة غير المستدامة، يُؤدي تغير المناخ إلى تعطيل الإنتاج الزراعي من خلال الظواهر الجوية المتطرفة، مما يُقلل من غلة المحاصيل وإنتاجية الثروة الحيوانية، في الوقت نفسه، يُؤدي النمو السكاني السريع إلى زيادة الطلب على الغذاء، بينما يُقلص التوسع الحضري مساحة الأراضي الزراعية المتاحة، مع تحويل المناطق الزراعية لأغراض التنمية، وتتفاقم هذه الضغوط بسبب أوجه القصور في سلاسل الإمداد الغذائي، والتفاوتات الاقتصادية التي تُحد من فرص الحصول على الغذاء، والممارسات الزراعية غير المستدامة التي تُؤدي إلى استنزاف الموارد الطبيعية والإضرار بالبيئة. [مجلة فاريللي ميتشل لمجال الأغذية والأعمال الزراعية، السيادة الغذائية والأمن الغذائي،١٩ أغسطس ٢٠٢٤].
ارتبط المصريون بنهر النيل منذ أقدم العصور، وارتبطت مصر وحضارتها بالزراعة، وابتكر المصري القديم الآلات الزراعية وآلات الري، وعنى المصريون بتصوير العمليات الزراعية من حرث وري وحصاد وتخزين على جدران معابدهم، ووضعوا أساس التقويم الزراعي، فكانت مصر أول دولة نظمت فيها الزراعة بمواعيد.
كان الفراعنة أصحاب أقدم مدرسة للري في التاريخ، حيث أرسوا قواعد الري الحوضي على أسس هندسية دقيقة، وأقاموا السدود، وشقوا القنوات، وأقاموا بعض شبكات الري لتوزيع المياه وتخزينها، وأنشأوا المقاييس؛ لتحديد ارتفاع مياه النيل وتقدير الضرائب على أساسها، واستخدموا قواعد حسابية بالغة الدقة، وبذلك كان للنشاط الزراعي الفضل في تقدم المصريين القدماء في علوم الفلك، والحساب، والإحصاء، والمساحة. [الهيئة العامة للاستعلامات، الزراعة، ١١سبتمبر٢٠٢٥].
لطالما كانت مصر عبر العصور "سلة غذاء العالم"، بفضل نيلها وتربتها الخصبة وعرق فلاحيها، لم يقتصر دورها على إطعام أهلها فقط، بل كانت الملاذ الذي تلجأ إليه الأمم في أوقات القحط والمجاعات، مما جعلها مركزًا اقتصاديًّا وثقلًا سياسيًّا ثابتًا في قلب العالم القديم.
وقد نجحت الدولة المصرية في اقتحام الصحراء وتنفيذ مشروع مستقبل مصر للتنمية المستدامة، الذي يبدأ من الضبعة شمال البلاد امتدادًا لحدود ليبيا، ويعد من أهم المشروعات القومية التي تحظى باهتمام القيادة السياسية وتدعمها، باعتباره سلة غذاء المصريين والعالم في المستقبل القريب، خاصة مع ما يشهده العالم حاليًا من أزمات كبيرة في أسعار الغذاء العالمية، ونقص كبير في احتياجاتهم من بعض الأصناف الزراعية، ويعد مشروع مستقبل مصر للتنمية المستدامة، قاطرة البلاد الزراعية، وباكورة مشروع الدلتا الجديدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض، إذ إن المساحة المستهدف استصلاحها مليون وخمسين ألف فدان من إجمالي ٢٠٢ مليون فدان المساحة الإجمالية للدلتا الجديدة. [القاهرة الإخبارية، مشروع "مستقبل مصر".. سلة غذاء العالم تؤتي ثمارها،١٣ مايو ٢٠٢٤].
ويتوقع أن ترتفع صادرات مصر من الدقيق بنسبة ٢٠% خلال الموسم ٢٠٢٦-٢٠٢٧ إلى ١.٣٢ مليون طن مقارنة بتقديرات موسم ٢٠٢٥-٢٠٢٦م؛ وذلك نتيجة خطط التوسع إلى أسواق جديدة في إفريقيا، وفقًا لبيانات وزارة الزراعة الأميركية، وتُعد مصر موردًا رئيسيًا لدقيق القمح للعديد من الدول الإفريقية والشرق أوسطية، وقد وسعت بشكل كبير صادراتها من دقيق القمح إلى المنطقة، ومنذ موسم ٢٠٢٤-٢٠٢٥م توسعت مصر في صادرات الدقيق الأبيض، مع وجود مشكلات لدول منافسة لها وانخفاض سعر الجنيه، ما أعطى فرصة للصادرات المصرية من الدقيق. [سي إن إن الاقتصادية، توقعات بارتفاع إنتاج مصر من القمح مع انخفاض الواردات، ١٥مارس٢٠٢٦].
تستهدف الحكومة المصرية هذا العام تجميع ما بين ٤.٥ إلى ٥ ملايين طن من القمح المحلي لصالح منظومة الخبز المدعم، وتأتي هذه التوقعات مستندة إلى زيادة المساحات المنزرعة التي تجاوزت ٣.٧ مليون فدان، بزيادة قدرها ٢٠٠ ألف فدان عن المستهدف الأولي، بفضل التوسع في المشروعات القومية مثل "مستقبل مصر" والدلتا الجديدة.
وفي خطوة استباقية لتشجيع الفلاحين، أعلن مجلس الوزراء عن رفع سعر توريد القمح لموسم ٢٠٢٦ ليصل إلى ٢٣٥٠ جنيهًا للأردب (درجة نظافة ٢٣.٥)، بزيادة تحفيزية تهدف لمواكبة الأسعار العالمية ودعم القدرة الشرائية للمزارع المصري. [اليوم السابع، الجمعة، ٢٠مارس ٢٠٢٦م، ذهب مصر الأصفر.. انطلاق موسم حصاد القمح منتصف أبريل المقبل].
موسم حصاد القمح هو تذكير بضرورة استعادة مصر لمكانتها التاريخية كقوة زراعية كبرى قادرة على إطعام نفسها والعالم، والارتقاء بهذا المحصول هو السبيل الوحيد للتحرر من التبعية، مستلهمين من خطة يوسف -عليه السلام- الحكمة في الإدارة، واليقين بأن السيادة تبدأ من الحقل.
تحولت الزراعة بفضل العلماء المسلمين إلى عِلْمٍ منظم يقوم على التجربة والاستنباط.
تطورت العلوم الزراعية بشكل كبير في الحضارة الإسلامية، وبرزت مؤلفات مثل "الفلاحة النبطية" و"الفلاحة الأندلسية".
يبرز اسم الأستاذ الدكتور هانئ محمود جادو، كأحد الرواد المساهمين في صناعة الحضارة الحديثة، من خلال إرساء دعائم التنمية المستدامة.
إن البحث العلمي ليس مجرد نشاط أكاديمي، بل هو مشروع حضاري متكامل، تُقاس به قوة الدول ووعيها.
في الثالث والعشرين من مارس من كل عام، يحتفي العالم بيوم اليوم العالمي للأرصاد الجوية.