هل يمكن أن يتحول طبقٌ يوميٌّ على موائدنا إلى قضية أمنٍ غذائي عالمي؟
وكيف أصبح “ذهب المحيطات” مقياسًا لوعي الإنسان بمسؤوليته في حفظ ثروات البحار؟
هل يمكن أن يتحول طبقٌ يوميٌّ على موائدنا إلى قضية أمنٍ غذائي عالمي؟
وكيف أصبح “ذهب المحيطات” مقياسًا لوعي الإنسان بمسؤوليته في حفظ ثروات البحار؟
إن الجمعية العامة إذ تؤكـد مـن جديـد قراريهـا (٥٣/ ١٩٩ المـؤرخ ١٥ كـانون الأول/ديسـمبر ١٩٩٨م)، (٦١/ ١٨٥ المـؤرخ ٢٠ كـانون الأول/ديسـمبر ٢٠٠٦م) المـتعلقين بـإعلان السـنوات الدوليـة، وقــرار المجلــس الاقتصــادي والاجتمــاعي (٦٧ /١٩٨٠ المــؤرخ ٢٥ تموز/ يوليــه ١٩٨٠م) المتعلــق بالسنوات الدولية واحتفالات الذكرى السنوية، وإذ تلاحـظ أن أكثـر مـن ثمانين دولـة لهــا في الوقـت الحاضـر مصـايد لسـمك التونـة، وأن آلاف سفن صيد التونة تعمل في جميع المحيطـات، وأن قـدرات صـيد التونـة لا تزال تتزايـد في المحيط ين الهندي والهادئ، وإذ تلاحــظ أيضًــا أن كــثيرًا مــن البلــدان تعتمــد اعتمــادًا كــبيرًا علــى مــوارد التونـة لأغـراض الأمـن الغـذائي، والتغذيـة والتنميـة الاقتصـادية، والعمالـة والإيـرادات الحكوميـة، وسـبل كسب الرزق والثقافة والترفيه، وإذ تسلم بأهمية الأرصـدة السـمكية المـدارة بشـكل مسـتدام في تحقيـق أهـداف خطـة التنمية المستدامة لعام ٢٠٣٠، وإذ تلاحظ أن هذه الخطة متكاملة وغير قابلة للتجزئة، إنها إذ تلاحظ كل هذا فقد اتخذت الضمانات الآتية:
حيث تدعو المنظمة جميع الدول الأعضاء ومؤسسات منظومة الأمم المتحـدة، وغيرهـا مـن المنظمـات الدولية والإقليمية والمجتمع المـدني، بمـا في ذلـك المنظمـات غـير الحكوميـة، إلى الاحتفـال بـاليوم العالمي لسمك التونة بما يليق بالمناسبة، ووفقًا للأولويات الوطنية، من أجل إذكاء الـوعي بقيمـة سمك التونة، والمخاطر التي تتهـدد أرصـدة هـذا السـمك، والفوائـد الاقتصـادية والاجتماعيـة الـتي تتحقق من أرصدة التونة المدارة بشكل مستدام، وإلى تبادل المعلومات في هذا الصدد [الجمعية العامة للأمم المتحدة الدورة الحادية والسبعون البند٧٣ من جدول الاعمال، ٧ ديسمبر ٢٠١٦م، اليوم العالمي لسمك التونة ٧١ /١٢٤].
ظلت التونة المعلبة على مر السنين رفيقًا أمينًا في مطابخ العالم بأسره؛ فهي تزخر بأحماض أوميغا ٣، وتحفل بمعادن نفيسة، وبروتينات عالية القيمة وفيتامين ب ١٢، فضلًا عن مزايا غذائية أخرى كثيرة، غير أن هذه المزايا الفريدة أوقعتها فريسة الطلب الهائل والصيد الجائر.
ومع ذلك، ومنذ أن حددت الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل تسعة أعوام يوم الثاني من أيار/مايو ليكون اليوم العالمي للتونة، تنبيهًا إلى ضرورة الصيد الرشيد، شهد العالم تقدمًا يُعتد به: ففي عام ٢٠١٧م لم تكن إلا نسبة ٧٥% من صيد التونة مستخلصة من مخزونات سليمة، أما اليوم فقد تجاوزت النسبة ٩٠%، ويشهد على هذا التعافي عودة التونة زرقاء الزعانف الأطلسية إلى مياه جنوب إنجلترا وأيرلندا، بعدما كانت شبه مندثرة هناك.
ويُعزى هذا التحسن إلى الجهود المنسقة التي اضطلعت بها الحكومات، عبر خمس منظمات إقليمية لإدارة مصائد التونة، وبتأييد من برنامج "المحيطات المشتركة" الذي تتصدره منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وقد كان لاتباع إجراءات إدارية رشيدة – تُقر مسبقًا بين العلماء والمديرين والصيادين قبل بدء المواسم – بالغ الأثر في بلوغ هذه النتائج [الصفة الرسمية للجمعية العامة للأمم المتحددة، اليوم العالمي لسمك التونة ٢ مايو].
بيد أن الإبقاء على روح اليقظة لا يزال أمرًا لا مندوحة عنه، فقد أفضى اعتماد اتفاق الأمم المتحدة لعام ٢٠٢٣م بشأن التنوع البيولوجي خارج نطاق الولاية الوطنية – المعروف بـ “معاهدة أعالي البحار" – إلى تنامي الجهود المبذولة لحماية الإرث البحري، وإن لم تنتفِ التحديات بعد، فالتغير المناخي يضرب قدرة التونة على التكاثر، ويدفع بها إلى آفاق أبعد في عمق المحيط، مما يضاعف كلفة صيدها، ويهدد أرزاق المجتمعات الساحلية الفقيرة، ولا تزال معركة منع وقوع طيور القطرس وأسماك القرش والحيتان والسلاحف في شراك الشباك وخطاطيف الصيادين مستعرة – إذ تواجه كثير من أنواع القطرس خطر الانقراض، إلى حد بعيد بسبب هذه الظاهرة.
وإن التعاون الدولي المستمر ليبقى حجر الزاوية في بناء مصائد تونة مستدامة حقًا، وفي التهيؤ لما يحمله الغد من تحديات، فلنُبْقِ على جذوة الأمل متقدة من أجل تونة الغد [الصفة الرسمية للجمعية العامة للأمم المتحددة، اليوم العالمي لسمك التونة ٢ مايو].
من بين ٢٣ مخزونًا للتونة، لا يزال اثنان فقط يتعرضان للصيد المفرط وفق أحدث الإحصاءات، بعدما كانت النسبة تبلغ ٣٣،٣% في عام ٢٠١٧م.
يُصاد ثلثا الأنواع الرئيسة من التونة المخصصة للغذاء في مياه المحيط الهادئ، و٢٣% منها في المحيط الهندي، فيما يُصاد ١١% الباقية في المحيط الأطلسي.
تُعد التونة من الكائنات المفترسة الدافئة الدم، القادرة على الغوص عميقًا طلبًا للرزق، والاندفاع بسرعات تصل إلى ٤٣ كيلومترًا في الساعة أثناء الصيد أو الفرار من الخطر.
وهي كائنات مهاجرة بامتياز، تقطع بعض أنواعها آلاف الأميال عبر المحيطات؛ فبعض تونة الباسيفيك الزرقاء الزعانف تهاجر مسافة تفوق ٦٠٠٠ ميل بحري، وتنضوي أسرابها في جماعات قد تمتد حتى ١٩ ميلًا عرضًا [الصفة الرسمية للجمعية العامة للأمم المتحددة، اليوم العالمي لسمك التونة ٢ مايو].
مشروع التونة التابع لبرنامج المحيطات المشتركة بقيادة الفاو يطمح إلى أن تُصاد جميع المخزونات الرئيسة للتونة ضمن حدود الاستدامة بحلول عام ٢٠٢٧، وهو هدف طموح يتناغم مع المساعي الرامية إلى تعزيز استدامة مصائد التونة وصون التنوع البيولوجي، وتشير أحدث البيانات إلى واقع واعد، فمن بين ٢٣ مخزونًا، لا تزال مخزونات اثنتين فقط تخضعان لصيد مفرط [الصفة الرسمية للجمعية العامة للأمم المتحددة، اليوم العالمي لسمك التونة ٢ مايو].
مشروع FAO GLOBEFISH هو مشروع ممول من جهات مانحة متعددة تم إنشاؤه في عام ١٩٨٤م داخل قسم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية التابع لمنظمة الأغذية والزراعة (NFI) لإنتاج ونشر معلومات وتحليلات حديثة حول التجارة والأسواق لمنتجات مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية.
تعمل منظمة الأغذية والزراعة العالمية GLOBEFISH على تعزيز وتسهيل تبادل المعلومات بين صناعة المأكولات البحرية والحكومات والأوساط الأكاديمية وأصحاب المصلحة في جميع أنحاء العالم، مما يوفر منصة لبناء القدرات والتنسيق والحوار [منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) - غلوب فيش].
إن الاحتفاء العالمي بيوم سمك التونة لا ينفصل في جوهره عن الرؤية الإسلامية الشاملة للكون، والتي تقوم على مبادئ الاستخلاف، التوازن، والمسؤولية، فالأمانة التي حملها الإنسان تمتد لتشمل صون الموارد الطبيعية وحمايتها من الاستنزاف، وهو ما يتجلى في المحاور التالية:
لقد لفت القرآن الكريم الأنظار إلى أهمية البحار كمصدر حيوي للأمن الغذائي، حيث قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُوا۟ مِنۡهُ لَحۡمࣰا طَرِیࣰّا وَتَسۡتَخۡرِجُوا۟ مِنۡهُ حِلۡیَةࣰ تَلۡبَسُونَهَاۖ﴾ [النحل: ١٤] وهذا "اللحم الطري" الذي ناله الإنسان عبر تسخيرات إلهية، ومنه سمك التونة بفوائده العظيمة، يفرض علينا واجب "الشكر العملي"، والشكر في الإسلام ليس مجرد لفظ، بل هو حسن تدبير النعمة وعدم إفسادها، مما يتماشى مع أهداف "خطة التنمية المستدامة لعام ٢٠٣٠" في الحفاظ على الأرصدة السمكية.
يرتكز الكون في الرؤية الإسلامية على التوازن الدقيق، يقول الله تعالى: ﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِیزَانَ * أَلَّا تَطۡغَوۡا۟ فِی ٱلۡمِیزَانِ﴾ [الرحمن: ٧-٨]، إن الصيد الجائر الذي هدد فصائل التونة بالانقراض هو نوع من "الطغيان في الميزان" البيئي، لذا فإن تحسن نسبة المخزونات السليمة من ٧٥% إلى ٩٠% بفضل "الإدارة الرشيدة" هو امتثال غير مباشر للمطلب الشرعي في الحفاظ على التوازن الحيوي، ومنع الإسراف في استهلاك الموارد.
في ظل التحديات التي ذكرها المقال، مثل وقوع السلاحف وطيور القطرس في شباك الصيد، تبرز القاعدة النبوية الأصولية التي وضعها النبي ﷺ: فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [أحمد (٢٨٦٧)]، وهي قاعدة تُحرم أي نشاط اقتصادي أو بشري يؤدي إلى إلحاق الضرر بالبيئة أو بمكونات الحياة الفطرية، فالتعاون الدولي لمنع "الصيد العرضي" للأنواع المهددة هو تطبيق لمبدأ الإحسان إلى الكائنات كافة، حيث قال ﷺ: «في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» [البخاري (٢٣٦٣)، مسلم(٢٢٤٤)].
إن سعي منظمة "الفاو" ليكون الصيد مستدامًا بحلول عام ٢٠٢٧م ينسجم مع مفهوم "الأمانة" في الإسلام، فالأجيال القادمة لها حق في هذه الموارد، والعبث بها هو خيانة لهذه الأمانة، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰۤئِفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَیۡفَ تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]، فالاختبار الإلهي هنا يكمن في كيفية إدارة هذه الثروات؛ فهل نتركها لمن بعدنا كما تسلمناها، أم نستنزفها بدافع الربح السريع؟
لقد تم دعم اتفاقية حماية سمك التونة من قبل ٩٦ دولة منها دول إسلامية؛ فإنها تشارك في الأطر والاتفاقيات الدولية المنظمة لصيد سمك التونة وحمايته، سواء عبر عضوية مباشرة أو تعاون إقليمي، وذلك تحت مظلة الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة.
ومن أمثلة ذلك:
وهذه المشاركة ليست استثناءً، بل تمثل توجهًا عامًا للدول الإسلامية نحو التعاون الدولي في القضايا البيئية والغذائية.
وهذا لا يتعارض مع الشريعة، بل ينسجم مع مقاصدها في حفظ الموارد، وتحقيق العدل، وعمارة الأرض، ويؤيده فعل النبي ﷺ في إقرار حلف الفضول، وقوله ﷺ : «لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دُعيتُ به في الإسلام لأجبت» [أخرجه أحمد في مسنده (رقم ١٦٥٥) من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه].
إن اليوم العالمي لسمك التونة ليس مجرد مناسبة فنية أو اقتصادية، بل هو دعوة لإحياء قيم "الإصلاح في الأرض " والنهي عن الفساد البيئي، إن الأرقام المبشرة بعودة "التونة زرقاء الزعانف" هي دليل على أن التدخل البشري المسؤول، المسلح بالعلم، والمدفوع بالقيم الأخلاقية، قادر على استعادة عافية كوكبنا، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
رفض خطاب الكراهية وصون كرامة الإنسان وترسيخ قيم العدل والتعايش
العالم أحوج ما يكون إلى وقفة تأمل حقيقية، تستدعي البحث في جوهر الوجود الإنساني
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم العالمي للإذاعة في ١٣ فبراير من كل عام
ندرك أن الماء هو أصل كل حياة، وسر بقاء الحضارات واستقرار الأمم
نظام المرور ضرورة شرعية تهدف إلى الحفاظ على السلامة وحماية الأرواح والممتلكات