إنَّ المتأمِّلَ
في ملكوتِ الشريعةِ الغرَّاءِ، والمستقصيَ لمقاصدِها الكلِّيَّةِ، يُدرِكُ يقينًا أنَّ
السلامَ في الإسلامِ ليس مجرَّدَ هدنةٍ مؤقَّتةٍ تمليها موازينُ القوى، ولا هو حالةٌ
عارضةٌ تفرضها ظروفُ الاستضعاف، بل هو أصلٌ ثابتٌ، وقيمةٌ عُليا تنبثق من صميم العقيدة،
وتتَّصل اتصالًا وثيقًا بمرادِ الله من خلقِ الإنسانِ واستخلافِه في الأرض.
ومن هذا
المنطلقِ الأصيلِ، يتبلورُ موقفُ الإسلامِ كمنهجٍ ينبعُ من صلبِ الشريعةِ التي جعلت
من الاختلافِ آيةً تقتضي التكاملَ لا التصادم؛ إذ يُدرِكُ الباحثُ في جوهرِ الرسالةِ
الإسلاميةِ أنَّ فقهَ التعايشِ ليس مجرَّدَ خيارٍ تفرضه الضروراتُ السياسيةُ أو التوازناتُ
الدولية، بل هو أصلٌ شرعيٌّ، ومنطلقٌ إنسانيٌّ يُقرِّر أنَّ التنوعَ البشريَّ سنَّةٌ
إلهية، جعلها اللهُ سبيلًا للتعارف لا للتناحر، وميدانًا للتكامل لا للإقصاء؛ مصداقًا
لقوله تعالى: {یَٰۤأَیُّهَا
ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ
لِتَعَارَفُوۤا۟} [الحجرات: ١٣].
ولا يقفُ الإسلامُ عند حدودِ التنظيرِ الفكريِّ
لقيمِ السلام، بل ترجمَ تلك الفلسفةَ إلى واقعٍ حيٍّ ومواثيقَ شاهدةٍ عبر تاريخه الطويلِ
وحاضره المتجدِّد؛ ليبرهنَ للعالم أنَّ التعايشَ في المنظور الإسلامي ممارسةٌ حضاريةٌ
تستوعبُ الآخرَ وتصونُ كرامتَه، ويبرزُ في هذا السياق نموذجان
فذَّان، يمثِّلان
عراقةَ الأصلِ واستقامةَ الفرع، حيث يربطان بين فجرِ الرسالةِ وطموحِ الإنسانيةِ اليومَ
في بلوغِ السلامِ الشامل، وهما:
قدَّم الإسلامُ نموذجًا مبكرًا لدولةِ المواطنة، يقوم على مبدأِ المساواة
في الحقوق والواجبات بين أفراد المجتمع [راجع:
ابن هشام: السيرة النبوية، دار إحياء التراث العربي، (٢ /١٤٧) وما بعدها]، ولم يكن هذا النموذجُ الفريدُ مجرّدَ تنظيمٍ
سياسيّ، بل كان تقنينًا لقيمةِ الإنسان وصيانةً لحرّيته، في ظلِّ وطنٍ يسعُ الجميع.
وجاءت وثيقةُ الأخوّةِ الإنسانيّةِ في العصر الحديث؛ لتؤكّد أنَّ الأديانَ
لم تكن يومًا بريدًا للحرب، ولا مسوِّغًا للنزاع [د. أحمد الطيب والبابا فرنسيس، وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل
السلام العالمي والعيش المشترك، أبو ظبي، ٢٠١٩، ص ٥]، إنَّ هذه المواثيقَ، من فجرِ الإسلامِ إلى
يومِنا هذا، تتضافرُ لتؤكِّدَ أنَّ التعايشَ ليس مجرّدَ شعارٍ، بل هو ضرورةٌ شرعيّةٌ
وإنسانيّةٌ لبقاءِ الحضارةِ وتزكيةِ النفسِ البشريّة.