قبل الانتقال إلى إجراءات الحماية الموصى بها، لا بد من التوقف أمام
نموذج رائد في التعامل مع كبار السن، يقدمه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا،
حيث وضع تشريعات وتوجيهات تجعل من احترام المسن ورعايته قيمة دينية وليس مجرد سلوك
اجتماعي [د.علي جمعة، 'المرجع في رعاية المسنين'، دار المقري، القاهرة، ١٤٤٠هـ، ص
٢٣].
أولًا: مكانة المسن في نصوص الوحي:
وردت نصوص كثيرة تأمر بالبر بالوالدين، خاصة
عند بلوغهما سن الكبر والضعف، يقول - تعالى -: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ
أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا
یَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَاۤ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل
لَّهُمَاۤ أُفࣲّ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلࣰا كَرِیمࣰا﴾ [الإسراء:
٢٣]،
هذا النص يضع الإحسان إلى المسنين (خاصة الوالدين) في مرتبة عبادة الله - تعالى -
[انظر: تفسير القرطبي، (١٠/
٢٤٤)].
ثانيًا: قواعد عامة في احترام الكبير:
وضع الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مبادئ عامة تجعل من
احترام المسن سمة للمجتمع المسلم، من ذلك قوله: «مِنْ
إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامُ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» [رواه
أبو داود:(٤٨٤٣)]،
وقوله:
- صلى الله عليه وآله وسلم - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ
صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا» [رواه
الترمذي:
(١٩١٩)].
قال الإمام النووي - رحمه الله - في شرح هذا الحديث: "وفيه الحث
على توقير الكبير، والشفقة على الصغير، والتعطف عليهما، والأمر بالمعروف"
[النووي، "شرح صحيح مسلم"، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٩٢هـ، (١٦/ ١٣٥)].
ثالثًا: حقوق اقتصادية واجتماعية للمسن:
ضمن التشريع الإسلامي للمسن حقوقًا مالية وعملية:
- فريضة
النفقة على الأبناء: الولد
ملزم شرعًا بالإنفاق على والديه المسنين إذا كانا بحاجة، وهي نفقة واجبة
مثلها مثل نفقة الزوجة والأولاد، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - ، فَقَالَ:
إِنَّ أَبِي اجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله
عليه وآله وسلم - : «إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ،
فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» [سنن ابن ماجه:٢٢٩٢].
- حق المسن
في الزكاة: في حالة
عجز الأسرة، يُصرف للمسن من أموال الزكاة كأحد "المساكين" أو
"أبناء السبيل" حسب حالته، وكذلك من أموال الوقف الخيري المخصصة
لكبار السن، وقد كانت أوقاف رعاية المسنين معروفة في الحضارة الإسلامية منذ
العصر العباسي [انظر: ابن خلدون، "تاريخ ابن خلدون"، دار الكتب
العلمية، بيروت، (٢/ ٣١٢)].
- حقوق
الميراث: شرع
الإسلام نظام الميراث التفصيلي لضمان وصول أموال المتوفى إلى مستحقيها من
كبار السن (كالوالدين والأجداد) بحصص محددة لا يجوز تجاوزها، فالأبوان - مثلًا
- لهما السدس لكل منهما مع وجود الفرع الوارث، والثلث إن لم يوجد، ولا يستطيع
أحد حرمانهما من حقهما الشرعي.
رابعًا: آداب التعامل اليومي:
تتجاوز عناية الإسلام بالمسن الجانب المادي إلى الجانب النفسي
والاجتماعي [الدكتور أسامة الأزهري، "أخلاق المسلم مع الكبير"، سلسلة
التربية الإيمانية، القاهرة، ٢٠١٩م، ص ٣٤-٣٨]، ومن ذلك:
- تقديم
الكبير في المجلس وتوليه الصدارة، والبدء به في الكلام وتوجيه الأسئلة إليه
أولًا.
- الأخذ
برأيه واستشارته في الأمور العامة والخاصة، والإنصات لحديثه وعدم مقاطعته.
- عدم
إيذائه بالقول أو الفعل، وغض البصر عنه إذا صدر منه تصرف غير لائق بسبب كبر
السن.
- زيارته
والاطمئنان عليه، ومساعدته في قضاء حوائجه دون منٍّ ولا أذى.
- الدعاء له
بالرحمة والمغفرة بعد مماته.
خامسًا: نماذج تطبيقية من عصر النبوة والصحابة:
عندما فتح الحبيب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مكة، دخلها وعليه
عمامة سوداء، فرآه العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - وهو شيخ كبير، فقال عنه
النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: «هَذَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ، هُوَ أَجْوَدُ قُرَيْشٍ كَفًّا وَأَوْصَلُهَا» [مسند
الإمام أحمد: (١٦٠٩)]، وقد جعل له النبي مكانة خاصة، وأمر الصحابة بإكرامه وإجلاله
لسنه وقرابته.
سادسًا: حقائق وأرقام معاصرة عن العالم الإسلامي:
تشير إحصاءات منظمة التعاون الإسلامي (٢٠٢٣) إلى أن عدد المسنين (٦٠
سنة فما فوق) في الدول الأعضاء الـ ٥٧ يقدر بنحو ٨٥ مليون نسمة، بنسبة ٨،٥% من
إجمالي سكان هذه الدول، مع توقع ارتفاعه إلى ١٥٢ مليونًا بحلول عام ٢٠٣٠، وهو ما
يستدعي تفعيل الضوابط الشرعية والقوانين الوضعية لحماية هذه الفئة "منظمة
التعاون الإسلامي، [تقرير كبار السن في الدول الأعضاء'، جدة، ٢٠٢٣، ص ١٢].
وتؤكد الدراسات أن المجتمعات الإسلامية التي لا تزال متمسكة بقيمها
الدينية والتقليدية تشهد نسبًا أقل من إساءة معاملة المسنين مقارنة بالمجتمعات
الأخرى، مما يعكس أثر القيم الدينية في الحماية "المركز المصري للدراسات
السكانية، [المسنون في المجتمعات العربية'، القاهرة، ٢٠٢١، ص ٦٧].