إن بناء الحضارات لا يقاس بوفرة الأعداد، بل بقيمة الإنسان الذي هو مبتدأ التنمية ومنتهاها؛ فكيف نحول الزيادة السكانية من عبء ديموغرافي إلى قوة بشرية فاعلة تصنع المستقبل؟
إن بناء الحضارات لا يقاس بوفرة الأعداد، بل بقيمة الإنسان الذي هو مبتدأ التنمية ومنتهاها؛ فكيف نحول الزيادة السكانية من عبء ديموغرافي إلى قوة بشرية فاعلة تصنع المستقبل؟
أعلن مجلس إدارة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام ١٩٨٩م الاحتفال باليوم العالمي للسكان؛ بهدف لفت أنظار المجتمع الدولي إلى القضايا السكانية وأثرها المباشر في مسارات التنمية، وذلك في أعقاب وصول عدد سكان العالم إلى خمس مليارات نسمة في الحادي عشر من يوليو عام ١٩٨٧ [الأمم المتحدة - اليوم العالمي للسكان].
وبناء على ذلك أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها رقم ٢١٦ / ٤٥ (ديسمبر ١٩٩٠) استمرار الاحتفال؛ لتعزيز الوعي بعلاقة السكان بالبيئة والتنمية، واحتُفل به لأول مرة في١١ يوليو ١٩٩٠ في أكثر من تسعين دولة [الأمم المتحدة - اليوم العالمي للسكان]، وشاركت مصر في هذه المناسبة ضمن الدول المهتمة بقضايا السكان والتنمية؛ تأكيدًا على اهتمامها المبكر بهذا الملف.
وتتولى شعبة السكان بالأمم المتحدة تقديم التقديرات والإسقاطات السكانية والتحليلات للحكومات، في حين يعمل صندوق الأمم المتحدة للسكان مع الشركاء لدعم تنظيم الأسرة، وتعزيز النظم الصحية، وجمع البيانات اللازمة للسياسات [الأمم المتحدة - شعبة السكان UNFPA].
ولم تعد القضية السكانية تقتصر على معدلات النمو السكاني، بل أصبحت ترتبط بجودة رأس المال البشري، وتحسين التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل، والاستثمار في الإنسان باعتباره أساس التنمية المستدامة، ويقاس نجاح الدول بقدرتها على تحسين الخصائص السكانية، وتحويل مواردها البشرية إلى قوة منتجة تدعم الاقتصاد وتعزز الاستقرار المجتمعي [صندوق الأمم المتحدة للسكان، تقرير حالة سكان العالم].
ويتسق هذا التوجه مع رؤية مصر ٢٠٣٠، التي تجعل بناء الإنسان المصري والاستثمار في رأس المال البشري ركيزةً أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن القومي، وبناء الجمهورية الجديدة [راجع: وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، رؤية مصر٢٠٣٠].
تؤكد التجربة والرؤية الوطنية المصرية أن التعامل مع القضية السكانية لا يرتبط بالأعداد والأرقام فقط، بل يرتكز بالأساس على بناء الإنسان، وتنمية الوعي، وتحسين الخصائص السكانية كالتعليم والصحة والوعي المجتمعي؛ ليكون المواطن شريكًا فاعلًا في التنمية المستدامة [وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية / رؤية مصر ٢٠٣٠].
وتتماشى هذه الرؤية المصرية مع دعوة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية للبلدان العربية كافة بإعادة ترتيب أولوياتها وسياساتها؛ حيث أعلنت الجامعة العربية في احتفالية اليوم العالمي للسكان (٢٦ يوليو ٢٠٢٢م) أن المنطقة العربية تمتلك قوة ديموغرافية هائلة، تتمثل في ٨٦ مليون شاب وشابة من إجمالي ٤٧٠ مليون نسمة وفق البيانات التي أعلنتها جامعة الدول العربية عام ٢٠٢٢م، وهو ما يفرض على مصر والدول العربية تكثيف التعاون الإقليمي؛ لتوفير البيانات السكانية، واستثمار طاقات الشباب؛ لتحقيق حياة كريمة وأمان ورفاهية للشعوب من منظور يرتكز على الإنسان وحقوقه [كلمة السفيرة د. هيفاء أبو غزالة / تقرير حالة سكان العالم، احتفالية جامعة الدول العربية وصندوق الأمم المتحدة للسكان باليوم العالمي للسكان٢٠٢٠].
الإستراتيجية الوطنية المصرية للشباب والنشء (٢٠٢٢-٢٠٢٧)
أعدت وزارة الشباب والرياضة المصرية إستراتيجية وطنية تتضمن ثمانية محاور رئيسة جرى طرحها للحوار المجتمعي في مختلف المحافظات، وتعد خارطة طريق لخمس سنوات؛ لتلبية احتياجات الشباب ودمجهم في التنمية، وهي تتسق مباشرة مع إستراتيجية الأمم المتحدة (شباب ٢٠٣٠)، ونفذت الوزارة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان ٤٠٠ نادٍ للسكان على مستوى ٢١ محافظة، وتوسعت فيها بقرى المبادرة الرئاسية (حياة كريمة (لرفع الوعي حول الصحة الإنجابية، ومجابهة زواج الأطفال، وختان الإناث، وتنظيم الأسرة [د. أشرف صبحي، احتفال جامعة الدول العربية وصندوق الأمم المتحدة للسكان باليوم العالمي للسكان٢٠٢٠].
ومن ثم، فإن الرؤية المصرية والعربية المعاصرة للقضية السكانية تقوم على مبدأ أساسي: وهو أن الإنسان ليس عبئًا على التنمية، بل هو وسيلتها وغايتها، وأن حسن إعداده وتأهيله هو الطريق لتحويل التحديات السكانية إلى قوة حضارية وإنتاجية تدعم مستقبل الأوطان.
ينظر الإسلام إلى الإنسان باعتباره محورًا للعمران، وغايةً من غايات الاستخلاف في الأرض، فلم يجعل قيمة الإنسان في مجرد وجوده أو عدده، وإنما في رسالته ودوره، وما يقدمه من خير وإصلاح، قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، وفي الآية دلالة على أن الإنسان مكلف بعمارة الأرض وإصلاحها، وتحقيق النفع فيها.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء الإنسان في التصور الإسلامي يقوم على تكامل جوانب شخصيته؛ علميًّا وأخلاقيًّا واجتماعيًّا، بحيث يكون قادرًا على أداء رسالته وتحمل مسؤولياته تجاه أسرته ومجتمعه ووطنه، وقد جعل الإسلام الأسرة أساسًا لبناء المجتمع واستقراره، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَایَٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجࣰا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّةࣰ وَرَحۡمَةًۚ﴾ [الروم: ٢١].
كما أكد الإسلام مبدأ المسؤولية في رعاية الأبناء وحسن القيام بالواجبات، قال سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ» [صحيح البخاري: ٢٥٥٤].
ومن ثم فإن بناء الإنسان الصالح، ورعاية الأسرة، وحسن تربية الأبناء، تمثل ركائز أساسية في استقرار المجتمع وتحقيق الخير العام، ويؤكد هذا الفهم أن قضية السكان في المنظور الإسلامي لا تُختزل في كثرة العدد أو قلته، وإنما ترتبط بقدرة المجتمع على إعداد الإنسان الصالح النافع، الذي يجمع بين الإيمان والعلم والعمل، ويسهم في بناء وطنه وحضارته.
تشير التقديرات الحالية إلى أن ما يقرب من ٨٣ مليون شخص يضافون إلى سكان العالم كل عام [الأمم المتحدة - شعبة السكان]، وشهد العالم مؤخرًا اتجاهات سكانية ذات آثار بعيدة المدى على التنمية، أبرزها: انخفاض معدلات الخصوبة، وارتفاع متوسط العمر المتوقع، وزيادة التحضر، وتسارع حركة الهجرة [الأمم المتحدة - اتجاهات السكان في العالم].
ومن هنا أصبح مفهوم رأس المال البشري أحد المفاهيم الأساسية في الفكر التنموي الحديث؛ إذ تقاس قوة المجتمعات بمدى قدرتها على إعداد الإنسان القادر على المعرفة والإبداع والإنتاج، وليس بمجرد حجم السكان.
وفي هذا الإطار، تؤكد الرؤية المصرية أن التعامل مع المتغيرات السكانية يجب أن يقوم على بناء الإنسان وتحسين جودة حياته، باعتبار ذلك أحد مقومات التنمية المستدامة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية [وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، رؤية مصر ٢٠٣٠].
ما أهمية اليوم العالمي للسكان؟
يسهم اليوم العالمي للسكان في تعزيز الوعي بالعلاقة بين السكان والتنمية، وتشجيع الاستثمار في الإنسان؛ لتحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة.
كيف تتعامل مصر مع القضية السكانية؟
تتعامل مصر مع القضية السكانية من خلال بناء الإنسان، وتحسين الخصائص السكانية، وتطوير التعليم والصحة، وتمكين الأسرة والشباب في إطار رؤية مصر ٢٠٣٠.
ما علاقة بناء الإنسان بالتنمية؟
يمثل بناء الإنسان أساس التنمية؛ فكلما ارتفعت قدرات الإنسان علميًّا وصحيًّا ومهنيًّا أصبح أكثر قدرة على الإنتاج والإبداع وصناعة مستقبل الوطن.
تظل القضية السكانية رهانًا حقيقيًّا لنهضة واستدامة الأوطان، والنجاح فيها مرهون بمدى قدرتنا على الاستثمار في خصائص الإنسان، وتكامل العمل العربي والدولي، لتبقى كرامة الفرد وبناء وعيه هما الركيزة الأساسية لكل تنمية منشودة.
تنظيم الأسرة قضية شرعية وحياتية تهدف لتحقيق مصلحة المجتمع
تعتبر الذرية نعمة تستوجب الشكر والرعاية
يمثل تنظيم الأسرة توازنًا واعيًا بين حب الذرية الصالحة والقدرة على رعايتها
ترتكز المواجهة الحقيقية على استراتيجية "التأمين الفكري" وصناعة عقل سوي يستعصي على الاختطاف
الشخصية الحضارية تُبنى على الأعمال الصالحة والسلوكيات الإيجابية