Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

نظرية الحضارة في الإسلام

الكاتب

أ.د/ أحمد فؤاد باشا

نظرية الحضارة في الإسلام

الحضارة الإسلامية تمثل نموذجًا متجددًا يمكن الاستفادة منه في الحاضر والمستقبل، إذ تجمع بين القيم الروحية والتقدم المادي، وتدعو إلى التوازن بين الفرد والمجتمع في الحقوق والواجبات.

مفهوم الحضارة

الحضارة في اللغة: الإقامة في الحضر، وهي المدن والقرى والريف، بخلاف البادية، والحضارة أيضًا: مظاهر الرقي العلمي والفني والاجتماعي في الحضر، وبصورة أعم: مظاهر التقدم المادي والتقني والفني والعلمي إلى آخره، وقد لوحظ أن هناك تداخلًا كبيرًا في تناول الفكر الغربي لمفهوم كلمة "Civilization" التي ترجمت في اللغة العربية إلى "حضارة" و"مدنية" ، مع ملاحظة أن لكل لغة عقلها وإطارها الفكري الذي يعطي لمفاهيمها دلالات وظلالًا، لا يمكن أن تتطابق مع لغة أخرى، فهناك من جعل المفهوم مرادفًا لمفهوم كلمة Culture التي تعني "ثقافة"، وهناك من جعله قاصرًا على نواحي التقدم المادي من آلات واختراعات ومؤسسات .. إلى أخره، وهناك من جعله شاملًا لكل أبعاد التقدم، المادي والمعنوي والروحي، وهناك من قصر المفهوم على نواحي التقدم الخاصة بالفرد، وهناك من رأى أنها تشمل الفرد والجماعة، وهناك من رأى أنها مفهوم عالمي، أي أن هناك دائمًا مفهومًا حضاريًا واحدًا "الحضارة" واحدة من "الحضارة الإنسانية"، وأن كل المجتمعات أسهمت، أو تسهم، فيها بنصيب ما يختلف باختلاف الزمان والمكان، أما "الثقافة" فهي خاصة بكل فرد أو شعب وتعكس هويته التي تميزه عن غيره، وهناك من رأى عكس ذلك. 

وبعيدًا عن الخوض في تفنيد هذه الآراء المتباينة، فإن مفهوم الحضارة الذي ينطبق على خبرة الإسلام، ويستند إلى أحد الاستخدامات التي ذكرها ابن منظور في "لسان العرب" لمادة "حضر" بمعنى "شهد"، يفيد الحضور كنقيض للمغيب والغيبة، وبهذا تكون الحضارة هي الحضور والشهادة بجميع معانيها التي ينتج عنها نموذج إنساني يستبطن قيم التوحيد والربوبية، وينطلق منها كبعد غيبي يتعلق بوحدانية خالق الكون وواضع نواميسه وسننه والمتحكم في  تسييره ومصيره، ومن ثم فإن دور الإنسان ورسالته هو تحقيق الخلافة عن خالق هذا الكون بتعمير الأرض وتحسينها، وترقية الحياة عليها، وتزجية معاش الناس فيها، وتحقيق تمام التمكين عليها والانتفاع بخيراتها، وحسن التعامل مع المسخرات في  الكون، وبناء علاقة سلام معها: لأنها مخلوقات تسبح بحمد الله، أو رزق لابد من حفظه وصيانته، كذلك إقامة علاقة مع بني الإنسان في كل مكان على ظهر الأرض، أساسها الأخوة والألفة وحب الخير، والدعوة إلى كل ما يحقق سعادة الدنيا والآخرة. 

والجدير بالذكر أن مفهوم "الحضارة" ذو صلة أيضًا بمصطلحات مستحدثة من قبيل "التقدم" و"النهضة" و"التنمية الشاملة"، وغيرها، وهي مصطلحات تمثل قضية العصر للإنسان المعاصر، وخاصة في الدول النامية التي يزيد عدد سكانها عن ٨٠% من مجموع سكان العالم.

البناء الحضاري في الإسلام

أسس البناء الحضاري في الإسلام:

إن الأساس الشرعي المتين لأية نظرية حضارية في الإسلام يقوم على عدم الفصل بين الدين وواقع الحياة.

وهو بهذا يتفوق كثيرًا على أية رؤية حديثة أو معاصرة يهيمن عليها العامل الاقتصادي أو العامل العلمي والتقني، ويتضح هذا الأساس جليًا في رؤية رفاعة الطهطاوي لمفهوم الحضارة المرادف للمدنية التي تمثل المرحلة الراقية في التطور الإنساني، والذي عبر عنه بقوله: ويفهم مما قلناه أن للتمدن أصلين:

معنوي؛ وهو التمدن في الأخلاق والعوائد والآداب، ويعني التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة التي تسمى باسم دينها وجنسها للتمييز عن غيرها.

والقسم الثاني: تمدن مادي؛ وهو التقدم في المنافع العمومية.

ركائز الحضارة في الإسلام

ولا يختلف المنظرون لفكرة الحضارة أو المدنية، أو التقدم، قديمًا وحديثًا على وجود دين متبع يمثل القاعدة الرئيسية من قواعد إصلاح المجتمعات، وركيزة أولى من ركائز التقدم والرقي، وبصرف النظر عن ماهية الدين المتبع، فإنهم يرونه الأقدر على إصلاح دواخل النفوس، وتوحيد الموقف والاتجاه حيال القضايا المختلفة، لكن الأمر في حالة الإسلام يختلف عن كل ما سواه، فإذا كان "ول ديورانت" صاحب "قصة الحضارة" قد حدد عوامل الحضارة في أربعة عناصر:

• اقتصادية.

• وسياسية.

• وخلقية.

• وعقلية.

بحيث يشمل العنصر الأخير الآداب والعلوم والفنون، فقد حوت مبادئ الإسلام من القرآن والسنة كل هذه العوامل وزادت عليها، وإذا كان علماء الحضارات قد ذكروا أن الحضارة لا تنشأ إلا على أساس من تصور الإنسان للكون ولنفسه، وأن الحضارة كل مركب يشتمل - بالإضافة إلى الجوانب المعرفية والخلقية والاقتصادية والسياسية - مجموعة التقاليد والعادات والقدرات التي يتميز بها الأفراد، والتي يكتسبونها من مجتمعاتهم، فقد وفر الإسلام - القرآن الكريم والسنة المطهرة - كل أسباب النهضة ومكونات الحضارة، بما اشتمل عليه من نظرة متكاملة لأمور الفكر والحياة وفي كل ما يهم الإنسان.

ويكفي دليلًا على ذلك أنه حول عرب الجاهلية من قبائل بدوية متنافرة متدابرة إلى أمة واحدة استطاعت أن تقيم حضارة رائدة ومتميزة، أشعت بنورها على العالمين، واهتدت بهديها جميع الأمم، وحققت انتشارًا ودوامًا متلازمين لم تحققهما أي حضارة أخرى عبر العصور.

وتقوم نظرية الحضارة في الإسلام على عدة ركائز أساسية أهمها:

  أولًا: بناء الفرد وتنميته:

ويستحق ذلك بمراعاة التوازن المطلوب، والوسطية الحكيمة، بين الجانبين المادي والروحي، على النحو الذي يجعل من الفرد لبنة سليمة في أمة تتحرى الوسطية بين المتقابلات، فتفعل المعروف وتأمر به، وتتجنب المنكر وتنهي عنه قال تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وتقوم نظرية الحضارة في الإسلام على هذا الركن الأساسي لأهميته القصوى في البناء الحضاري، ذلك أن شرف المطلوب بشرف نتائجه، وعظم خطره بكثرة منافعه، وبحسب منافعه تجب العناية به، وعلى قدر العناية به يكون اجتناء ثمرته، ولهذا يتجه العقلاء دائمًا في أي برنامج إصلاحي إلى المؤسسات التربوية والتعليمية أولًا، لأنها المعنية قبل غيرها بتربية الفرد وتنشئته تنشئة صالحة.

ويحدد التصور الإسلامي أبعاد هذه التنشئة الصالحة في تنمية ملكات الفرد المعرفية، وتوجيه طاقاته الفكرية والمادية والروحية للارتقاء بحياته وحياة المجتمع الذي يعيش فيه، ومن تنمية الملكات المعرفية دعوة العقل إلى التأمل والتفكر في كل ما يحيط به أو يتعرض له من أجل فهم أعمق لحقائق الكون والوجود قال تعالى: ﴿وَفِی ٱلۡأَرۡضِ ءَایَٰتࣱ لِّلۡمُوقِنِینَ ۝٢٠ وَفِیۤ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١]، وقال سبحانه: ﴿سَنُرِیهِمۡ ءَایَٰتِنَا فِی ٱلۡءَافَاقِ وَفِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ﴾ [فصلت: ٥٣]، وقال جل شأنه: ﴿أَوَلَمۡ یَنظُرُوا۟ فِی مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَیۡءࣲ وَأَنۡ عَسَىٰۤ أَن یَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَیِّ حَدِیثِۭ بَعۡدَهُۥ یُؤۡمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥]. 

ومن يتأمل الخطاب القرآني في الدعوة إلى التأمل والتفكير المنهجي يجد أنه ينزل في نفوس المؤمنين منزلة الأمر، فالمسألة عندهم إذن مسألة فريضة وتكليف.

كما نجد أنه يحذر من معوقات التفكير العلمي السليم ويدعو إلى التحرر من الانقياد الأعمى لآراء السابقين دون رؤية نقدية نلتمس الدليل وإقامة الحجة قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلۡ نَتَّبِعُ مَاۤ أَلۡفَیۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَاۤۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَاۤؤُهُمۡ لَا یَعۡقِلُونَ شَیۡءࣰا وَلَا یَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَاۤۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَاۤؤُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ شَیۡءࣰا وَلَا یَهۡتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤]، كما قال سبحانه: ﴿أَءِلَٰهࣱ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقال تعالى:  ﴿قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ [الأعراف: ١٠٥].

ومن تنمية التفكير العلمي أيضًا الاعتبار بتجارب السابقين، وتقييم أعمالهم، والوقوف على أسباب نجاحاتهم وإخفاقاتهم، اختصارًا لخبرات القرون، فالحضارة الإنسانية حصيلة معارف وعلوم تراكمت عبر السنين، وثمرة جهود متتابعة سمت بالإنسان تدريجيًا على طريق التقدم والرقي، ولهذا فإن القصص القرآني يقدم الدروس والعبر لمن يريد أن يعتبر من أحداث الماضي ويستنبط الأسرار والعظات التي تعصمه من تكرار الأخطاء التي وقع فيها أسلافه، وإذا كان الله قد أعطى الإنسان عقله وفكره وزوده بخصائص لا توجد في غيره، فما ذلك إلا لأنه اختاره ليكون خليفته في الأرض يحمل أمانة إعمارها، وينشئ أمما وجماعات يسهل التعارف بينهم.

وميزة القرآن الكريم أنه جاء على موعد مع نضج العقل البشري، فكان المسلمون على مستوى تعاليمه الحضارية، مما جعلها عامة صالحة لكل زمان ومكان، وخالدة باقية عبر القرون، ويزخر القرآن الكريم بالآيات التي تحث على الربط بين الفكر والعمل، وتدعو إلى السعي لكسب الرزق واستخراج خيرات الأرض وكنوزها قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا﴾ [هود: ٦١]، وقال أيضًا: ﴿هُوَ ٱلَّذِی جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولࣰا فَٱمۡشُوا۟ فِی مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزۡقِهِۦۖ﴾ [الملك: ١٥]، وقال جل شأنه:  ﴿وَبَوَّأَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورࣰا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُیُوتࣰاۖ﴾ [الأعراف: ٧٤].     

ومن ضرورات بناء الفرد وتنميته كذلك إعلاء الجانب الروحي فيه وتذوقه حلاوة الإيمان الخالص بالله على هدى وبصيرة بحيث يكون موصولًا على الدوام بالخالق الواحد الذي سخر له ما في الأرض قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِی فِی ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ﴾ [الحج: ٦٥]، ويدخل في إعلاء الجانب الروحي تثبيت الأسس الأخلاقية التي تهذب سلولك الإنسان، وتسمو به إلى درجات العلا، كالرحمة والتسامح والصدق ولين الجانب والصبر والعدل وغيرها.

ثانيًا: بناء المجتمع المتوازن

بقدر ما أعطى الإسلام من أهمية عظمى لبناء الفرد وتنميته، باعتباره ركيزة البناء الحضاري بأكمله، أعطى ثقلًا كبيرًا لبناء نظام اجتماعي متوازن يحفظ لكل فرد حقه دون إخلال بحقوق الآخرين، ويلبي رغبات الجميع في تناسق تام لا تطغى فيه احتياجات المجتمع على احتياجات الفرد.

ولا تُلغى فيه اجتهادات بني الإنسان؛ أو تكبت طموحاتهم الذاتية؛ أو تغفل الفروق الشخصية بينهم، في النظام الإسلامي تلتقي الفردية والجماعية على نحو تتكافأ فيه الحقوق والواجبات، وتتوزع فيه الخيرات والتبعات بالقسطاس المستقيم. فقال تعالى: ﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِیزَانَ ۝٧ أَلَّا تَطۡغَوۡا۟ فِی ٱلۡمِیزَانِ ۝٨ وَأَقِیمُوا۟ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُوا۟ ٱلۡمِیزَانَ﴾ [الرحمن: ٧-٩]، ومثل هذا النظام الاجتماعي المتوازن لا يقدر الإنسان على إنشائه بعقله المحدود، وعلمه القاصر، فضلًا عن تأثير ميوله ونزعاته الشخصية، وما جبل عليه من اتخاذ مواقف متحيزة من حيث يشعر أو لا يشعر، ولهذا فإن المناهج التي يضعها البشر لأنفسهم لا تخلو من إفراط أو تفريط، حيث تدلنا قراءة التاريخ على أنها غالبًا ما تخضع لأيديولوجيات خاصة لمصلحة فرد أو جماعة، ويكفي دليلًا على ذلك ما نراه من صراعٍ في عالمنا المعاصر بين مذهب فردي خالص أو مذهب جماعي خالص، وكلاهما لم يحقق الاستقرار والأمان للإنسان على الأرض، ذلك هو شأن فلسفات البشر ومذاهبهم ودياناتهم المحرفة.

أما الإسلام - وهو دين الفطرة - فهو الذي يراعي جانبي الفطرة الإنسانية ذات الطبيعة المزدوجة الفردية والجماعية في آن واحد، لا يجور على الفرد على حساب المجتمع، ولا يحيف على المجتمع من أجل الفرد، لا يدلل الفرد بكثرة الحقوق التي تمنح له، ولا يرهقه بكثرة الواجبات التي تلقى عليه، وإنما يكلفه من الواجبات في حدود وسعه، دون حرج أو إعنات، ويقرر له من الحقوق ما يكافئ واجباته، ويلبي حاجاته، ويحفظ كرامته، ويصون إنسانيته.

(أ) الجانب المالي والاقتصادي: ومن أسس بناء المجتمع المتوازن في الإسلام معالجة الجانب المالي والاقتصادي على نحو يسمح بترك أبواب الكسب الحلال مفتوحة على مصراعيها مع المطالبة بأداء حقوق الله فيها، وسد حاجات غير القادرين، وتأمينهم اجتماعيًا من الفقر، وكفاية حاجياتهم الضرورية قال تعالى: ﴿لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِیِّۦنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤئِلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وحذر القرآن الكريم من الاستئثار بالثروة الذي يستتبع الاستئثار بالنفوذ فقال تعالى: ﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ [الحشر: ٧]، وضرب مثلًا تحذيريًا بما حدث لبعض الأغنياء الذين منعوا حق الله والفقراء فقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَاۤ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُوا۟ لَیَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِینَ ۝١٧ وَلَا یَسۡتَثۡنُونَ ۝١٨ فَطَافَ عَلَیۡهَا طَاۤئِفࣱ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَاۤئِمُونَ ۝١٩ فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِیمِ ۝٢٠ فَتَنَادَوۡا۟ مُصۡبِحِینَ﴾ [القلم: ١٧-٢١]، وقد لمح أحد المستشرقين هذا المعنى فقال: وجدت حل المسألتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم طرًا: الأولى في قول القرآن: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠] 

والثانية في فرض الزكاة على كل ذي مال، وقال آخر عن الزكاة: "كانت هذه الضريبة فرضًا دينيًا، وهي نظام اجتماعي عام، ومصدر تدخر به الدولة ما تمد به الفقراء وتعينهم، وهذا النظام البديع كان الإسلام أول من وضع أساسه في تاريخ البشرية عامة، وكان من نتيجة ذلك أن هدم السياج الذي كان يفصل بين جماعات الدولة الواحدة، وتوحيد الأمة في دائرة اجتماعية عادلة، ووضع نظام لا يقوم على أسس الأثرة البغيضة".

ومن أخلاقيات الزكاة والصدقات في الإسلام الحد من استعلاء الغني ونهيه عن المن على الفقير قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبۡطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، لأن المال مال الله: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِیۤ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ [النور: ٣٣]، وحق الغير فيه ثابت: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]، ومن ضوابط تحقيق التوازن في  المجتمع الإسلامي  تحريم الربا، وهو الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع ولعل الحكمة في  هذا التحريم أن الربا يوقع في  العديد من المحظورات مثل أخذ مال الغير بغير عوض، وانقطاع المعروف بين الناس بعدم نجدة بعضهم بعضًا من خلال القرض الحسن، وتعارض الربا مع مبدأ العمل واقتحام مشاق الاكتساب من تجارة وصناعة وزراعة وعمارة وغيرها من وسائل الرزق الحلال، فضلًا عن أن غلق هذا الباب يفتح باب الإنفاق المشروع من خلال الزكاة المفروضة والصدقة التطوعية، الأمر الذي يساعد على خلق روح المودة والتعاطف بين أبناء الأمة، وينزع ما قد يتولد في  نفس الفقير من حقد أو غل تجاه أخيه الغني. 

كذلك تضمن الجانب المادي والاقتصادي في الإسلام تشريعات منظمة لتوزيع التركة والمواريث على نحو يمنع تضخم الثروات، وبميز بين الأنصبة بحسب درجة القربى، ومقدار المسئولية، ويعطي حقًا لعدد من الفئات في جزء، من التركة قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ﴾ [النساء: ٨]، ويدخل في هذا الباب أيضًا التشريعات المنظمة لتقسيم الغنائم بجميع أشكالها، وفرض الكفارات المالية في عدد من التجاوزات، وأنواع من الوقوع المحظور.

(ب) فروض الكفاية: 

من سمات المجتمع المتوازن في الإسلام ما عرف في الشريعة باسم: فروض الكفاية، فكل علم أو صناعة أو حرفة أو نظام أو مؤسسة تحتاج إليها الجماعة المسلمة في دينها ودنياها، يكون تحقيقها فرض كفاية على المسلمين، على معنى أنه إذا قام بها عدد كاف فقد ارتفع الحرج، وسقط الإثم عن باقي الجماعة، وإلا أثمت الجماعة كلها واستحقت عقوبة الله،  وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكفاية في بعض المجالات - كالعلم مثلًا - ليست أن يوجد فقط من يعرف هذه العلوم، بل من يحسن الأداء، بحيث يستمر تحقيق المصلحة على أسس ثابتة،  وعلى أن يكلف بهذا الغرض من أهل الاختصاص من يستفرغ الوسع لإتمامه، وإذا لم يتوفر من يقوم بهذا العمل على النحو الذي يحقق إعزاز الأمة، فإن التبعة عامة، والمسئولية شاملة للجميع وبصورة عامة يعتبر المسلمون مسئولين مسئولية تامة عن تنفيذ شريعة الإسلام، وإقامة حدوده.

ومن هنا كان خطاب التكليف في القران الكريم إلى الجماعة، وتكرر قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟﴾ في آيات كثيرة بهذه الصيغة الجماعية ليؤكد وجود التكافل بين الجماعة في تنفيذ أوامر الله، واجتناب ما نهي عنه.

(ج) مجال الآداب الاجتماعية:

يطول الحديث في هذا المجال عن التوجيهات المتضمنة آداب التعامل في الإسلام بما يحفظ خصوصيات الإنسان، ويصون كرامته، ويقرر حق استقلاله الشخصي، وربما كان أبرز ما اهتم به الإسلام بتفصيله آداب الاجتماع واللقاء على جميع المستويات وفي عموم الأوقات.

مثال ذلك: إلقاء التحية بإفشاء السلام، والمصافحة عند اللقاء، وتشميت العاطس، والتزاور، والتهادي، وعيادة المريض، وتعزية المصاب، وصلة الأرحام، وإحسان الجوار، وإكرام الضيف، وحسن الصحبة في السفر والحضر، والبر باليتامى والمساكين وابن السبيل، والتعاون على البر والتقوى، واحترام نظام الجماعة، والطاعة لأولي الأمر في المعروف، وغير ذلك مما يجعل الحياة الإسلامية آمنة مطمئنة بعيدة عن كل صور الحقد والحسد والبغضاء والتنازع. 

ويكفي ان ندلل على ذلك ببعض الآداب الاجتماعية التي وضعها القرآن الكريم للتعامل داخل البيوت في تسلسل زمني يبدأ من لحظة القدوم، وينتهي بلحظة المغادرة على النحو التالي:

١- الاستئذان، أو الاستئناس من أجل الدخول، وقبل ولوج المكان قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَهۡلِهَاۚ﴾ [النور: ٢٧]، ولا يقف الاستئذان عند قدوم الغريب، بل يمتد كذلك ليشمل المحارم البالغين داخل المسكن الواحد، حين يكون لكل منهم مأواه الخاص به قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لِیَسۡتَءۡذِنكُمُ ٱلَّذِینَ مَلَكَتۡ أَیۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِینَ لَمۡ یَبۡلُغُوا۟ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتࣲۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِینَ تَضَعُونَ ثِیَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِیرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَاۤءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتࣲ لَّكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ وَلَا عَلَیۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَیۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡءَایَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ۝٥٨ وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡیَسۡتَءۡذِنُوا۟﴾ لنور:٥٨-٥٩]، فإذا ولج المكان وسمح له بالدخول فعليه أن يلقي السلام على الموجودين قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلۡتُم بُیُوتࣰا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ تَحِیَّةࣰ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةࣰ طَیِّبَةࣰۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡءَایَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، فإذا أراد الجلوس وكان المكان ضيقًا، أو مزدحمًا، وجب على الحاضرين أن يفسحوا له بجوارهم، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا قِیلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُوا۟ فِی ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُوا۟ یَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ﴾ [المجادلة: ١١].

٢- فإذا امتد حبل الكلام بين الحاضرين يجب أن يلتزم الجميع بأدب الحوار، ويتجادلوا بالحسنى قال تعالى : ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢٥]، وحتى مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى يجب الالتزام بأدب الحوار، قال تعالى : ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، وإذا وجد في  الجالسين من هو أكبر سنًا، أو أرفع مكانة، فيجب ألا يعلو صوت على صوته، قال تعالى : ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ﴾ [الحجرات: ٢].

٣- وإذا دار حديث عن أشخاص حاضرين أو غائبين وجب الالتزام بآداب الإسلام، وترك الغيبة والنميمة والهمز واللمز، قال تعالى: ﴿وَیۡلࣱ لِّكُلِّ هُمَزَةࣲ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: ١٢] وقال جل وعلا:  ﴿لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ﴾[الحجرات: ١١].

٤- فإذا كان المجلس على طعام وجب على المدعوين ألا يحضروا مبكرين، وينتظروا تجهيز الطعام، فإذا انتهوا من الأكل كان عليهم أن ينصرفوا ولا يطيلوا البقاء حتى لا يؤذوا صاحب الدعوة وأهله قال تعالى : ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتَ ٱلنَّبِیِّ إِلَّاۤ أَن یُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَیۡرَ نَٰظِرِینَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِیتُمۡ فَٱدۡخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسۡتَءۡنِسِینَ لِحَدِیثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ یُؤۡذِی ٱلنَّبِیَّ فَیَسۡتَحۡیِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا یَسۡتَحۡیِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعࣰا فَسۡءَلُوهُنَّ مِن وَرَاۤءِ حِجَابࣲۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَاۤ أَن تَنكِحُوۤا۟ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۤ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].

بهذا كله، نعرف كيف أقام الإسلام - بالتشريع والتربية - التوازن المعجز في حياة الأفراد والمجتمعات وجعل كل الحقوق والحريات مقيدة برعاية أخلاق المجتمع وعقائده وقيمه ومثله العليا. 

(د) تنظيم الإدارة وسياسة الحكم:

رسخ الإسلام عدة مبادئ رئيسية لإقامة العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم، من شانها أن تمثل أدوات الضبط الاجتماعي ومحركات السلوك، وتعزز آليات الاستقرار والتوازن، تكون بمثابة صمام الأمان داخل المجتمعات البشرية، ويأتي في مقدمة هذه الأسس والمبادئ احترام حرية الفرد في اختيار عقيدته، فلم يكره الإسلام أحدًا على الدخول في الإسلام: قال تعالى: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال سبحانه: ﴿فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال عزوجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ یَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِینَ﴾ [يونس: ٩٩]، ﴿لَّسۡتَ عَلَیۡهِم بِمُصَۣیۡطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، ﴿وَمَاۤ أَنتَ عَلَیۡهِم بِجَبَّارࣲۖ﴾ [ق: ٤٥].

ويروي أن امرأة جاءت إلى الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حاجة لها، وكانت مشركة، فدعاها إلى الإسلام فأبت، فقضى لها حاجتها، ولكنه خشي أن يكون في مسلكه هذا ما ينطوي على استغلال حاجتها لمحاولة إكراهها على الإسلام، فأستغفر الله مما فعل وقال: "اللهم إني أرشدت ولم أكره". 

وحافظ المسلمون على هذا المبدأ في معاملاتهم مع أهل البلاد التي فتحوها، وسجلوه في جميع ما عقدوه معهم من معاهدات، فيقول عمر بن الخطاب في معاهدته مع أهل بيت المقدس عقب فتحه له: "هذا ما أعطى عمر بن الخطاب أهل إيليا (بيت المقدس) من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وكنائسهم وصلبانهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم"، ويقول عمرو بن العاص في معاهدته مع المصريين بعد فتحه لمصر: "هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وملتهم وكنائسهم وصلبانهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينقص".

وفي العصر العباسي أخذ الخليفة المتوكل يحاسب النصارى على تهاونهم في أمر دينهم، فأمر بجلد طبيبه المسيحي الذي أهان صورة العذراء البتول، ثم حبسه، مبالغةً في التنكيل به لقاء ما فرط في جنب الله باعتدائه الآثم على ما ينبغي لأم المسيح من تكريم وتبجيل.

وكان الإمام محمد عبده يحرص على أن يستمع إليه المسلمون والمسيحيون وهو يقرأ دروسه في الجامع الكبير ببيروت وفي الجامع الأزهر بالقاهرة، ولم تحل الدولة الإسلامية في عصورها التاريخية دون العلم وتطوره ونقله ومدارسته على أيدي كل من كانت له صلاحية له، وأيًا كانت مصادره، فلم يكن كل المنشغلين بالعلم من أصل عربي ولا معتنقين الديانة الإسلامية، ولكنهم جميعًا عاشوا وعملوا وأنتجوا باللغة العربية في إطار مجتمع إسلامي تكفل عقيدته حرية الاعتقاد الديني وحرية الرأي والتعبير، حتى أنه سمح لفلسفات أن تقوم وتمتد إلى المناقشة في أصول العقائد الإسلامية ذاتها، وهو مالا يحدث حتى الآن في كثير من الدول المتقدمة.

كذلك أرسى الإسلام مبدأ تكريم الإنسان بالأمر بالمساواة بين أفراد الرعية في الأحكام والمعاملات، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والعدل بين الجميع قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: ٥٨]، وأخذ الرعية باللين ومعاملتهم بالحسنى كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ [النحل: ١٢٥]، وكذلك التيسير عليهم فيما يطلب منهم ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أيضًا، أرسى الإسلام مبدأ الشوري وعدم الاستبداد بالرأي، وفي القرآن الكريم سورة كاملة تحمل أسم "الشورى"، يصف الله تعالى فيها المؤمنين بجملة صفات منها تجنب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، ويقول في  إحدى آياتها ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَیۡنَهُمۡ﴾ [الشورى: ٣٨]، ويخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم  بقوله : ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]  وفي  مقابل هذه الحقوق التي أعطاها الإسلام للرعية أوجب عليهم طاعة الحكام ما داموا يقيمون شرع الله ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩]، على أن يتم هذا كله وفق مقتضيات العدل التي حددها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].

ثالثًا: تعظيم مكانة العلم والعمل النافع

 إن العلم الذي يدعو إليه الإسلام هو العلم الشامل بشقيه الديني، والمادي.

أما الشق الديني، فهو العلوم التي مصدرها الوحي، وتعني بأمور العقيدة والقيم والتصور العام للوجود والنفس الإنسانية ونظام المجتمع.

أما الشق المادي فهو علوم البحث في ظواهر الكون والحياة، ويهتدى الإنسان إليها بمداركه البشرية التي أنعم الله بها عليه ليبصر طريق المعرفة الصائبة ويفتح مغاليق الحضارة، على أن تظل هذه العلوم الكونية في عالم الشهادة دنيوية بعلاقاتها مع الأشياء، وتعبدية في الوقت نفسه لصلتها بالخالق الواحد سبحانه وتعالى. 

والواقع أن العلوم الدينية المعنية بأمور العقيدة والأخلاق والتشريع تأتي في المرتبة الأولى، لأن الإيمان هو الأساس في كل دعوة دينية منذ أن كان الدين، ومعرفة الإنسان بالله عن طريق رسله هي أسمى معرفة، لأنها تحيي الضمائر وتغرس الفضائل وتوفر الأمن والأمان على الدماء والأموال والأعراض، فضلًا عن أنها تعصم الفكر من الانحراف وتحول دون استخدامه في التدمير والعدوان، والقرآن الكريم بين لنا أن الكون كله كتاب للعلم بالله سبحانه وتعالى، ويوضح لنا أن التفكر في الظواهر الكونية، والتعرف على النواميس الإلهية، يؤدي إلى تعميق الإيمان بالله وزيادة الخشية منه قال تعالى: ﴿سَنُرِیهِمۡ ءَایَٰتِنَا فِی ٱلۡءَافَاقِ وَفِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ﴾ [فصلت: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتࣲ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِیضࣱ وَحُمۡرࣱ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِیبُ سُودࣱ ۝٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَاۤبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰۤؤُا۟ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٧-٢٨]، على أن العلم الشامل الذي يحث عليه  الإسلام ويعلى من شأنه لابد أن يكون نافعًا ولا يخلو من فائدة، وقد ورد تحديد العلم الشامل النافع في دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ،....» (رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي)، ومقياس النفع هنا في التصور الإسلامي ليس ذلك المعيار الفردي "الذرائعي" الذي تقول به الفلسفة "البراجماتية" السائدة لدى العرب، وإنما هو صالح مجموع الأمة وإقامة أمر الدين، فلا خير في علم إلا إذا كان معه عمل نافع، ولا يعقل أبدًا أن تكون الهداية إلى الحقيقة مجرد هداية إلى الفكرة الصائبة وحدها، بل لابد أن تتعدى ذلك فتبصر هداية إلى العمل النافع والسلوك القويم أيضًا، ويشير القرآن الكريم في آيات كثيرة إلى أن الإنسان هو خليفة الله في الأرض، وهو الذي حمل أمانة إعمار الحياة عليها بالإفادة من كل ما سخره الله له في هذا الكون الفسيح، وربما كانت أكثر الكلمات لفتًا للنظر في هذا السياق كلمات "العمل"، و"الصنع"، و"الاستعمار" (أي طلب العمران)، و"إثارة الأرض"، التي تتوقف كلية على فعل الإنسان واجتهاده.

بالإضافة إلى كلمات مثل "الأرض"، و "البحر"، و"النهر" والتي إن توقف وجودها وتدليلها على القدرة الإلهية؛ فهي في الوقت نفسه - موضع التنافس بين بني البشر لاستغلالها والاستفادة منها، ولا تتحقق الحكمة من خلقها وتذليلها إلا بذلك. 

رابعًا: ترسيخ قيم التقدم الحضاري

إن من أهم أعمدة البناء الحضاري في الإسلام إرساء منظومة القيم التي تؤثر في حياة البشر وسلوكياتهم، وتحدد شكل العلاقات الاجتماعية وأنماط التفاعل الإنساني المؤدية إلى التعاون الإيجابي والحوار الهادف البناء، وإن صياغة أي إطار لنظرية الحضارة ومعاييرها لا تكتمل إلا بوجود قيم الحق والخير والجمال، وفي هذه الحصيلة تكون القوة الدافعة للفكر الإنساني بأن يفعل شيئًا معينًا ويحجم عن فعل شيء آخر.

وإذا تعرضت المنظومة القيمية العامة إلى هزات أو تحولات، أو انتابها نوع من الخلل، تدهورت أحوال البشر، وعم الفساد في الأرض، وشعر الناس بفقدان التوازن وعدم الثقة وضياع الرؤى، وانتابت المجتمعات البشرية حالات من الإحباط والعجز والقلق والتوتر وعدم الرضا، وشاعت بين الناس حالات من التردي والوهن وافتقاد مقومات الدقة والإتقان والأمانة، وسادت الفوضى الأخلاقية والسلوكية، وفقد النظام الاجتماعي قدرته على الاستمرار، وظهرت حالة من "اللامعيارية" يضيع معها الشعور بالانتماء، ومن ثم تتعطل معها حركة التنمية والنماء، وتظهر أنماط معاكسة من القيم السلبية المختلفة.

وفي هذا السياق تبرز أهمية الدين في حياة الإنسان، وتتفق الأديان جميعًا على استنادها إلى موقف معين من القيم، ولعلها هي نفسها - أي الأديان - تستند إلى موقف قيمي صريح، لأنها تحدد للإنسان ما ينبغي أن يقوم بعمله إزاء هذا الكون، حيث يكبر الحكم على قيم الأشياء والأعمال بشعور ما يترتب عليها من ثواب، فثمة ما هو أسمى وما هو أدنى، ومتى عرف ذلك التدرج في المنزلة، كان التزام المؤمن إزاءها بمواقف محدودة.

ومن شأن هذا التدرج القيمي أن يسلم إلى قيمة أعلى تكون منبع القيم جميعًا، ومصدر السلطة والالتزام، وعلى هذا يكون الخلاص أو الفوز في الدنيا والآخرة مصحوبًا بمدى الالتزام بالقيم الدينية والامتثال لها، والأخذ بما تأمر به، واجتناب ما تنهي عنه.

وفي الإسلام، يعتبر الخطاب الإلهي والبيان النبوي هما الفيصل في الحكم على الحسن والقبيح، وعلى المباح والمحرم، والحسن ما وافق الشرع واستوجب الثواب، والقبيح ما خالف الشرع ويترتب عليه العقاب في الآخرة، والله يغفر لمن يشاء.

ولقد قدمت الحضارة الإسلامية نموذجًا رائعًا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين عناصر ثلاثية القيم والدين والعلم، فقد نقلت عن حضارات الأقدمين وتفاعلت معها دون مانع - من جنس أو لون أو عقيدة - ولخصتها وتمثلتها وطورتها، وقدمتها علمًا عالميًا موحدًا وثيق الارتباط بمبادئ الدين والخلق القويم، والصورة الحقيقية للإنسان في الإسلام هي ارتباطه بالكون الذي يعيش فيه، لا ليمثل فيه إلا جزءًا منه فقط، بل ليرتبط بتاريخه أيضًا، ويكون أهلًا للبحث عن الحقيقة وحمل أمانة الاستخلاف في الأرض. 

وعندما غاب هذا الهدف الأسمى للتصور الإسلامي في العلاقة بين الإنسان والكون، أو بين العلم والدين، حدث الانفصام بين الفكرة والشيء، ولم تعد للمرء سيطرة فاعلة لا على الأفكار ولا على الأشياء، فهو يلم بالأفكار بعض إلمام دون أن يستوعبها، ويمر بظواهر الأشياء دون أن يتصل بكياناتها ليستنطقها.

ومنذ حدث ذلك عند المسلمين أفلت زمام حضارتهم وظهرت شمسها عند أنام غيرهم عرفوا كيف يستنطقون التفاحة قبل أن يفكروا في التهامها، وعرفوا من خلال ذلك كيف يخلعون على الأفكار وعلى الأشياء في آن معًا قيمتها المعرفية وفاعليتها الحضارية، لكنهم - بتخليهم عن الهدف الأسمى الحقيقي الذي قدمه المنهج الإسلامي الرشيد - إنما يحفرون قبرًا لدفن حضارتهم المادية المهددة بالفناء بين لحظة وأخرى، إن حقائق الواقع المعيشي، وتجارب الخبرة الإنسانية، تدل على أن المجتمع القادر على تحقيق التوافق والانسجام بين حركة الحياة الواقعية وبين النسق الفكري الموجه لهذه الحركة، هو القادر في الوقت ذاته على احتضان الفكرة الصائبة واستثمارها حضاريًا بما يحقق الخير والتقدم، سواء كانت هذه الفكرة في مجال العلم أو التقنية أو الاجتماع أو الاقتصاد أو غير ذلك من مجالات النشاط الإنساني، وهذا هو جوهر النظرية الحضارية في الإسلام.

الخلاصة

الحضارة في التصور الإسلامي تعني الحضور والشهادة، وتستند إلى قيم التوحيد والخلافة وإعمار الأرض، يميز الإسلام بين التقدم المادي والمعنوي، ويرى أن البناء الحضاري لا ينفصل فيه الدين عن واقع الحياة، يؤكد التصور الإسلامي على أهمية بناء الفرد معرفيًا وروحيًا وأخلاقيًا، مع الاهتمام بتنمية التفكير العلمي والتأمل في الكون، كما يولي أهمية لبناء مجتمع متوازن يحقق التكافؤ بين الفرد والجماعة، ويضمن الحقوق والواجبات، أخيرًا، يُعد النموذج الإسلامي شاملًا ومتوازنًا، يحقق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة.

موضوعات ذات صلة

الإسلام بمعناه الشامل يعني الاستسلام والانقياد للخالق  جل وعلا.

الرباط بين الدين والأخلاق والحضارة رباط وثيق، يظهر فيه دور العقل المستنير.

محور تنشط فيه كل الطاقات والأدوار الدعوية نشاطًا قويًا يوقظ كل إنسان مصرى.