بقدر ما أعطى الإسلام من أهمية عظمى لبناء الفرد وتنميته، باعتباره ركيزة البناء الحضاري بأكمله، أعطى ثقلًا كبيرًا لبناء نظام اجتماعي متوازن يحفظ لكل فرد حقه دون إخلال بحقوق الآخرين، ويلبي رغبات الجميع في تناسق تام لا تطغى فيه احتياجات المجتمع على احتياجات الفرد.
ولا تُلغى فيه اجتهادات بني الإنسان؛ أو تكبت طموحاتهم الذاتية؛ أو تغفل الفروق الشخصية بينهم، في النظام الإسلامي تلتقي الفردية والجماعية على نحو تتكافأ فيه الحقوق والواجبات، وتتوزع فيه الخيرات والتبعات بالقسطاس المستقيم. فقال تعالى: ﴿وَٱلسَّمَاۤءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِیزَانَ ٧ أَلَّا تَطۡغَوۡا۟ فِی ٱلۡمِیزَانِ ٨ وَأَقِیمُوا۟ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُوا۟ ٱلۡمِیزَانَ﴾ [الرحمن: ٧-٩]، ومثل هذا النظام الاجتماعي المتوازن لا يقدر الإنسان على إنشائه بعقله المحدود، وعلمه القاصر، فضلًا عن تأثير ميوله ونزعاته الشخصية، وما جبل عليه من اتخاذ مواقف متحيزة من حيث يشعر أو لا يشعر، ولهذا فإن المناهج التي يضعها البشر لأنفسهم لا تخلو من إفراط أو تفريط، حيث تدلنا قراءة التاريخ على أنها غالبًا ما تخضع لأيديولوجيات خاصة لمصلحة فرد أو جماعة، ويكفي دليلًا على ذلك ما نراه من صراعٍ في عالمنا المعاصر بين مذهب فردي خالص أو مذهب جماعي خالص، وكلاهما لم يحقق الاستقرار والأمان للإنسان على الأرض، ذلك هو شأن فلسفات البشر ومذاهبهم ودياناتهم المحرفة.
أما الإسلام - وهو دين الفطرة - فهو الذي يراعي جانبي الفطرة الإنسانية ذات الطبيعة المزدوجة الفردية والجماعية في آن واحد، لا يجور على الفرد على حساب المجتمع، ولا يحيف على المجتمع من أجل الفرد، لا يدلل الفرد بكثرة الحقوق التي تمنح له، ولا يرهقه بكثرة الواجبات التي تلقى عليه، وإنما يكلفه من الواجبات في حدود وسعه، دون حرج أو إعنات، ويقرر له من الحقوق ما يكافئ واجباته، ويلبي حاجاته، ويحفظ كرامته، ويصون إنسانيته.
(أ) الجانب المالي والاقتصادي: ومن أسس بناء المجتمع المتوازن في الإسلام معالجة الجانب المالي والاقتصادي على نحو يسمح بترك أبواب الكسب الحلال مفتوحة على مصراعيها مع المطالبة بأداء حقوق الله فيها، وسد حاجات غير القادرين، وتأمينهم اجتماعيًا من الفقر، وكفاية حاجياتهم الضرورية قال تعالى: ﴿لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِیِّۦنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤئِلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وحذر القرآن الكريم من الاستئثار بالثروة الذي يستتبع الاستئثار بالنفوذ فقال تعالى: ﴿مَّاۤ أَفَاۤءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ كَیۡ لَا یَكُونَ دُولَةَۢ بَیۡنَ ٱلۡأَغۡنِیَاۤءِ مِنكُمۡۚ﴾ [الحشر: ٧]، وضرب مثلًا تحذيريًا بما حدث لبعض الأغنياء الذين منعوا حق الله والفقراء فقال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَاۤ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُوا۟ لَیَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِینَ ١٧ وَلَا یَسۡتَثۡنُونَ ١٨ فَطَافَ عَلَیۡهَا طَاۤئِفࣱ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَاۤئِمُونَ ١٩ فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِیمِ ٢٠ فَتَنَادَوۡا۟ مُصۡبِحِینَ﴾ [القلم: ١٧-٢١]، وقد لمح أحد المستشرقين هذا المعنى فقال: وجدت حل المسألتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم طرًا: الأولى في قول القرآن: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠]
والثانية في فرض الزكاة على كل ذي مال، وقال آخر عن الزكاة: "كانت هذه الضريبة فرضًا دينيًا، وهي نظام اجتماعي عام، ومصدر تدخر به الدولة ما تمد به الفقراء وتعينهم، وهذا النظام البديع كان الإسلام أول من وضع أساسه في تاريخ البشرية عامة، وكان من نتيجة ذلك أن هدم السياج الذي كان يفصل بين جماعات الدولة الواحدة، وتوحيد الأمة في دائرة اجتماعية عادلة، ووضع نظام لا يقوم على أسس الأثرة البغيضة".
ومن أخلاقيات الزكاة والصدقات في الإسلام الحد من استعلاء الغني ونهيه عن المن على الفقير قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبۡطِلُوا۟ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، لأن المال مال الله: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِیۤ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ [النور: ٣٣]، وحق الغير فيه ثابت: ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]، ومن ضوابط تحقيق التوازن في المجتمع الإسلامي تحريم الربا، وهو الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع ولعل الحكمة في هذا التحريم أن الربا يوقع في العديد من المحظورات مثل أخذ مال الغير بغير عوض، وانقطاع المعروف بين الناس بعدم نجدة بعضهم بعضًا من خلال القرض الحسن، وتعارض الربا مع مبدأ العمل واقتحام مشاق الاكتساب من تجارة وصناعة وزراعة وعمارة وغيرها من وسائل الرزق الحلال، فضلًا عن أن غلق هذا الباب يفتح باب الإنفاق المشروع من خلال الزكاة المفروضة والصدقة التطوعية، الأمر الذي يساعد على خلق روح المودة والتعاطف بين أبناء الأمة، وينزع ما قد يتولد في نفس الفقير من حقد أو غل تجاه أخيه الغني.
كذلك تضمن الجانب المادي والاقتصادي في الإسلام تشريعات منظمة لتوزيع التركة والمواريث على نحو يمنع تضخم الثروات، وبميز بين الأنصبة بحسب درجة القربى، ومقدار المسئولية، ويعطي حقًا لعدد من الفئات في جزء، من التركة قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ﴾ [النساء: ٨]، ويدخل في هذا الباب أيضًا التشريعات المنظمة لتقسيم الغنائم بجميع أشكالها، وفرض الكفارات المالية في عدد من التجاوزات، وأنواع من الوقوع المحظور.
(ب) فروض الكفاية:
من سمات المجتمع المتوازن في الإسلام ما عرف في الشريعة باسم: فروض الكفاية، فكل علم أو صناعة أو حرفة أو نظام أو مؤسسة تحتاج إليها الجماعة المسلمة في دينها ودنياها، يكون تحقيقها فرض كفاية على المسلمين، على معنى أنه إذا قام بها عدد كاف فقد ارتفع الحرج، وسقط الإثم عن باقي الجماعة، وإلا أثمت الجماعة كلها واستحقت عقوبة الله، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكفاية في بعض المجالات - كالعلم مثلًا - ليست أن يوجد فقط من يعرف هذه العلوم، بل من يحسن الأداء، بحيث يستمر تحقيق المصلحة على أسس ثابتة، وعلى أن يكلف بهذا الغرض من أهل الاختصاص من يستفرغ الوسع لإتمامه، وإذا لم يتوفر من يقوم بهذا العمل على النحو الذي يحقق إعزاز الأمة، فإن التبعة عامة، والمسئولية شاملة للجميع وبصورة عامة يعتبر المسلمون مسئولين مسئولية تامة عن تنفيذ شريعة الإسلام، وإقامة حدوده.
ومن هنا كان خطاب التكليف في القران الكريم إلى الجماعة، وتكرر قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟﴾ في آيات كثيرة بهذه الصيغة الجماعية ليؤكد وجود التكافل بين الجماعة في تنفيذ أوامر الله، واجتناب ما نهي عنه.
(ج) مجال الآداب الاجتماعية:
يطول الحديث في هذا المجال عن التوجيهات المتضمنة آداب التعامل في الإسلام بما يحفظ خصوصيات الإنسان، ويصون كرامته، ويقرر حق استقلاله الشخصي، وربما كان أبرز ما اهتم به الإسلام بتفصيله آداب الاجتماع واللقاء على جميع المستويات وفي عموم الأوقات.
مثال ذلك: إلقاء التحية بإفشاء السلام، والمصافحة عند اللقاء، وتشميت العاطس، والتزاور، والتهادي، وعيادة المريض، وتعزية المصاب، وصلة الأرحام، وإحسان الجوار، وإكرام الضيف، وحسن الصحبة في السفر والحضر، والبر باليتامى والمساكين وابن السبيل، والتعاون على البر والتقوى، واحترام نظام الجماعة، والطاعة لأولي الأمر في المعروف، وغير ذلك مما يجعل الحياة الإسلامية آمنة مطمئنة بعيدة عن كل صور الحقد والحسد والبغضاء والتنازع.
ويكفي ان ندلل على ذلك ببعض الآداب الاجتماعية التي وضعها القرآن الكريم للتعامل داخل البيوت في تسلسل زمني يبدأ من لحظة القدوم، وينتهي بلحظة المغادرة على النحو التالي:
١- الاستئذان، أو الاستئناس من أجل الدخول، وقبل ولوج المكان قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتًا غَیۡرَ بُیُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَهۡلِهَاۚ﴾ [النور: ٢٧]، ولا يقف الاستئذان عند قدوم الغريب، بل يمتد كذلك ليشمل المحارم البالغين داخل المسكن الواحد، حين يكون لكل منهم مأواه الخاص به قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لِیَسۡتَءۡذِنكُمُ ٱلَّذِینَ مَلَكَتۡ أَیۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِینَ لَمۡ یَبۡلُغُوا۟ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتࣲۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِینَ تَضَعُونَ ثِیَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِیرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَاۤءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتࣲ لَّكُمۡۚ لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ وَلَا عَلَیۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَیۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡءَایَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ ٥٨ وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡیَسۡتَءۡذِنُوا۟﴾ [النور:٥٨-٥٩]، فإذا ولج المكان وسمح له بالدخول فعليه أن يلقي السلام على الموجودين قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلۡتُم بُیُوتࣰا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۡ تَحِیَّةࣰ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةࣰ طَیِّبَةࣰۚ كَذَٰلِكَ یُبَیِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡءَایَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [النور: ٦١]، فإذا أراد الجلوس وكان المكان ضيقًا، أو مزدحمًا، وجب على الحاضرين أن يفسحوا له بجوارهم، قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا قِیلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُوا۟ فِی ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُوا۟ یَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ﴾ [المجادلة: ١١].
٢- فإذا امتد حبل الكلام بين الحاضرين يجب أن يلتزم الجميع بأدب الحوار، ويتجادلوا بالحسنى قال تعالى : ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ﴾ [النحل: ١٢٥]، وحتى مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى يجب الالتزام بأدب الحوار، قال تعالى : ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوۤا۟ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] ، وإذا وجد في الجالسين من هو أكبر سنًا، أو أرفع مكانة، فيجب ألا يعلو صوت على صوته، قال تعالى : ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرۡفَعُوۤا۟ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِیِّ وَلَا تَجۡهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ﴾ [الحجرات: ٢].
٣- وإذا دار حديث عن أشخاص حاضرين أو غائبين وجب الالتزام بآداب الإسلام، وترك الغيبة والنميمة والهمز واللمز، قال تعالى: ﴿وَیۡلࣱ لِّكُلِّ هُمَزَةࣲ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا یَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ﴾ [الحجرات: ١٢] وقال جل وعلا: ﴿لَا یَسۡخَرۡ قَوۡمࣱ مِّن قَوۡمٍ﴾[الحجرات: ١١].
٤- فإذا كان المجلس على طعام وجب على المدعوين ألا يحضروا مبكرين، وينتظروا تجهيز الطعام، فإذا انتهوا من الأكل كان عليهم أن ينصرفوا ولا يطيلوا البقاء حتى لا يؤذوا صاحب الدعوة وأهله قال تعالى : ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُیُوتَ ٱلنَّبِیِّ إِلَّاۤ أَن یُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَیۡرَ نَٰظِرِینَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِیتُمۡ فَٱدۡخُلُوا۟ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُوا۟ وَلَا مُسۡتَءۡنِسِینَ لِحَدِیثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ یُؤۡذِی ٱلنَّبِیَّ فَیَسۡتَحۡیِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا یَسۡتَحۡیِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعࣰا فَسۡءَلُوهُنَّ مِن وَرَاۤءِ حِجَابࣲۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُوا۟ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَاۤ أَن تَنكِحُوۤا۟ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۤ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِیمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
بهذا كله، نعرف كيف أقام الإسلام - بالتشريع والتربية - التوازن المعجز في حياة الأفراد والمجتمعات وجعل كل الحقوق والحريات مقيدة برعاية أخلاق المجتمع وعقائده وقيمه ومثله العليا.
(د) تنظيم الإدارة وسياسة الحكم:
رسخ الإسلام عدة مبادئ رئيسية لإقامة العلاقة السليمة بين الحاكم والمحكوم، من شانها أن تمثل أدوات الضبط الاجتماعي ومحركات السلوك، وتعزز آليات الاستقرار والتوازن، تكون بمثابة صمام الأمان داخل المجتمعات البشرية، ويأتي في مقدمة هذه الأسس والمبادئ احترام حرية الفرد في اختيار عقيدته، فلم يكره الإسلام أحدًا على الدخول في الإسلام: قال تعالى: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال سبحانه: ﴿فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال عزوجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ یَكُونُوا۟ مُؤۡمِنِینَ﴾ [يونس: ٩٩]، ﴿لَّسۡتَ عَلَیۡهِم بِمُصَۣیۡطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، ﴿وَمَاۤ أَنتَ عَلَیۡهِم بِجَبَّارࣲۖ﴾ [ق: ٤٥].
ويروي أن امرأة جاءت إلى الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في حاجة لها، وكانت مشركة، فدعاها إلى الإسلام فأبت، فقضى لها حاجتها، ولكنه خشي أن يكون في مسلكه هذا ما ينطوي على استغلال حاجتها لمحاولة إكراهها على الإسلام، فأستغفر الله مما فعل وقال: "اللهم إني أرشدت ولم أكره".
وحافظ المسلمون على هذا المبدأ في معاملاتهم مع أهل البلاد التي فتحوها، وسجلوه في جميع ما عقدوه معهم من معاهدات، فيقول عمر بن الخطاب في معاهدته مع أهل بيت المقدس عقب فتحه له: "هذا ما أعطى عمر بن الخطاب أهل إيليا (بيت المقدس) من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وكنائسهم وصلبانهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم"، ويقول عمرو بن العاص في معاهدته مع المصريين بعد فتحه لمصر: "هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان: أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وملتهم وكنائسهم وصلبانهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينقص".
وفي العصر العباسي أخذ الخليفة المتوكل يحاسب النصارى على تهاونهم في أمر دينهم، فأمر بجلد طبيبه المسيحي الذي أهان صورة العذراء البتول، ثم حبسه، مبالغةً في التنكيل به لقاء ما فرط في جنب الله باعتدائه الآثم على ما ينبغي لأم المسيح من تكريم وتبجيل.
وكان الإمام محمد عبده يحرص على أن يستمع إليه المسلمون والمسيحيون وهو يقرأ دروسه في الجامع الكبير ببيروت وفي الجامع الأزهر بالقاهرة، ولم تحل الدولة الإسلامية في عصورها التاريخية دون العلم وتطوره ونقله ومدارسته على أيدي كل من كانت له صلاحية له، وأيًا كانت مصادره، فلم يكن كل المنشغلين بالعلم من أصل عربي ولا معتنقين الديانة الإسلامية، ولكنهم جميعًا عاشوا وعملوا وأنتجوا باللغة العربية في إطار مجتمع إسلامي تكفل عقيدته حرية الاعتقاد الديني وحرية الرأي والتعبير، حتى أنه سمح لفلسفات أن تقوم وتمتد إلى المناقشة في أصول العقائد الإسلامية ذاتها، وهو مالا يحدث حتى الآن في كثير من الدول المتقدمة.
كذلك أرسى الإسلام مبدأ تكريم الإنسان بالأمر بالمساواة بين أفراد الرعية في الأحكام والمعاملات، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص والعدل بين الجميع قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمۡتُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُوا۟ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ [النساء: ٥٨]، وأخذ الرعية باللين ومعاملتهم بالحسنى كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ﴾ [النحل: ١٢٥]، وكذلك التيسير عليهم فيما يطلب منهم ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أيضًا، أرسى الإسلام مبدأ الشوري وعدم الاستبداد بالرأي، وفي القرآن الكريم سورة كاملة تحمل أسم "الشورى"، يصف الله تعالى فيها المؤمنين بجملة صفات منها تجنب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب، ويقول في إحدى آياتها ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَیۡنَهُمۡ﴾ [الشورى: ٣٨]، ويخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وفي مقابل هذه الحقوق التي أعطاها الإسلام للرعية أوجب عليهم طاعة الحكام ما داموا يقيمون شرع الله ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَطِیعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِی ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء: ٥٩]، على أن يتم هذا كله وفق مقتضيات العدل التي حددها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَءَانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا۟ۚ ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨].