Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تعامد الشمس على معبد أبو سمبل لوحة كونية تحكي قصة حضارة خالدة

الكاتب

هيئة التحرير

تعامد الشمس على معبد أبو سمبل لوحة كونية تحكي قصة حضارة خالدة

تتحول الصحراء في صعيد مصر مرتين سنويًا إلى مسرح كوني تقدم عليه الشمس عرضًا ضوئيًا مهيبًا اخترق ثلاثة وثلاثين قرنًا من الزمان، إنها ظاهرة تعامد الشمس على معبد رمسيس الثاني، التي تظل شاهدة على حوار الخلود بين العبقرية الإنسانية والنظام الكوني.

التوقيت الكوني العجيب في الجمع بين الشمس التاريخ

في سكون الفجر الباكر، تُطل الشمس من أفق الصحراء الشرقية لتسلك دربًا ضوئيًا محسوبًا بدقة هندسية تكاد تفوق الخيال، فتنفذ عبر بوابة المعبد العتيقة، وتمضي في رحلة داخلية ستينية الأمتار، حتى تحط رحالها في قدس الأقداس حيث تستقر أشعتها على وجوه التماثيل الجالسة في وقار، إنها ظاهرة تعامد الشمس التي تتكرر في الثاني والعشرين من فبراير والثاني والعشرين من أكتوبر من كل عام، مُخلِّدة بذلك لقاءً مقدسًا بين الملك والإله في المعتقد المصري القديم، هذه الدقة الفلكية المتناهية، التي حُسبت قبل ألف وثلاثمئة عام من ميلاد المسيح، تظل لغزًا يحير علماء الفلك المعاصرين، ويُجسِّد التكامل المعرفي الذي وصلت إليه الحضارة المصرية القديمة بين الدين والعلم والفن.

يقول الدكتور زاهي حواس في معرض تحليله لهذه المعجزة الهندسية: "إن تصميم أبو سمبل يمثل ذروة النضج الحضاري، حيث تحول المهندس المصري القديم من مجرد باني إلى فيلسوف كوني، يستمع إلى إيقاع الفلك ويترجمه إلى حجر ينطق بالخلود" [أنظر: زاهي حواس: أثار وأسرار، ط ٢٠٠٧].

الهندسة المصرية القديمة عبقرية تصميم تحدِّي الزمن

لا تمثل واجهة المعبد المهيبة بتماثيلها الأربعة العملاقة سوى القشرة الخارجية لتحفة هندسية تكمن عبقرتها الحقيقية في التصميم الداخلي المحسوب بموازين دقيقة، فقد وضع المهندسون القدماء في اعتبارهم منحنيات الأرض وانحرافها المحوري البالغ ثلاثًا وعشرين درجة ونصف الدرجة، كما حسبوا حركة الشمس الظاهرية بين مدار السرطان شمالًا ومدار الجدي جنوبًا، ورسموا بناءً على هذه المعادلات الفلكية المعقدة مسارًا ضوئيًا ينفذ عبر فتحة علوية لا يتجاوز عرضها المترين، ليمر عبر صالة الأعمدة التي تضم ثمانية تماثيل على هيئة أوزيريس، ثم يصل إلى حجرة قدس الأقداس حيث يضيء ثلاثة تماثيل من أصل أربعة، ويُبقي على تمثال الإله بتاح في ظلمة متعمدة ترمز إلى عالم الأموات.

لقد أثبتت الدراسات الحديثة التي أجراها المعهد القومي للبحوث الفلكية أن نسبة الخطأ في حسابات المصريين القدماء لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة قوسية، وهو هامش ضئيل يُعد إنجازًا مذهلًا إذا ما قورن بالإمكانات التقنية المتوافرة في ذلك العصر السحيق، وتشير الأبحاث المنشورة في دورية "العلوم الأثرية" إلى أن المهندسين استخدموا أدوات قياس تعتمد على ظل العصا والمزولة الشمسية، وقاموا بملاحظات استمرت عقودًا لرصد حركة الشمس قبل أن يشرعوا في عملية النحت الجبلي [أنظر: مجلة "العلوم الأثرية"، المجلد ٤٨، العدد ٣، ٢٠٢٢].

الملحمة العالمية لإنقاذ معبد أبو سمبل رمز الحضارة البشرية

مع بداية ستينيات القرن العشرين، وجدت التحفة المعمارية الخالدة نفسها على شفا غرق محقق تحت مياه بحيرة ناصر التي سيكونها السد العالي، فتحولت القضية من مسألة محلية إلى قضية إنسانية عالمية، هنا تدخلت منظمة اليونسكو مناشدة ضمير العالم، فاستجابت أكثر من خمسين دولة من مختلف القارات، واجتمعت الإرادات رغم تباين الأنظمة والأيديولوجيات في ذلك الوقت الذي كان العالم يعيش ذروة الحرب الباردة، لقد تجسد في هذا المشروع المعنى الحقيقي للتراث الإنساني المشترك، حيث تعاونت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وأوروبا والعالم العربي في عمل فني هندسي معقد، تم خلاله تقطيع الجبل إلى ألف وست وثلاثين كتلة حجرية، كل منها يحمل رقمًا تسلسليًا وخرائط تركيب دقيقة، ثم رُفعت هذه الكتل التي يصل وزن بعضها إلى ثلاثين طنًا إلى موقع أعلى بستة وستين مترًا، وأعيد تركيبها كقطع البازل العملاق.

بلغت تكلفة العملية أربعين مليون دولار في ذلك الوقت، وهو مبلغ يعادل نحو ثلاثمئة وعشرين مليون دولار بأسعار اليوم، وقد استمرت أعمال الإنقاذ أربع سنوات كاملة من العمل المتواصل ليل نهار، شارك فيها ألفان وثلاثمئة مهندس وعامل متخصص من سبعة وعشرين جنسية مختلفة. والأعجب من ذلك أن الفريق الهندسي الدولي استطاع -بمهارة فائقة- الحفاظ على ظاهرة التعامد في الموقع الجديد، مع تعديل طفيف لا يتجاوز اليوم الواحد في توقيت الحدث، لقد كتب مدير عام اليونسكو آنذاك في تقريره الختامي: "لم ننقل أحجارًا، بل نقلنا ذاكرة الإنسانية، وأثبتنا أن التراث الثقافي يمكن أن يكون جسرًا للسلام عندما تفشل السياسة" [التقرير الرسمي لليونسكو رقم WHC/٦٨/ABU SIMBEL، ١٩٦٨].

استثمار حضارة الماضي في بناء المستقبل

تتحول الظاهرة الفلكية الاستثنائية إلى محرك تنموي متعدد الأوجه، حيث تُستثمر في بناء اقتصاد معرفي وسياحي وثقافي متكامل.

 ففي المجال السياحي، تشهد الأيام القليلة المحيطة بموعد التعامد إقبالًا غير مسبوق، حيث يصل متوسط عدد الزوار إلى ثمانية آلاف سائح يوميًا، يمكث أكثر من ستين بالمئة منهم ليلتين على الأقل في محافظة أسوان، مما يُدر عائدات مباشرة تقدر بخمسة عشر مليون دولار خلال فترة الظاهرة وحدها، وفقًا لإحصائيات وزارة السياحة والآثار لعام ٢٠٢٣، وقد أدى هذا التدفق السياحي الموجَّه إلى خلق فرص عمل مباشرة لنحو ألف وخمسمئة شاب وشابة في مجالات الإرشاد والنقل والفندقة والخدمات المساندة، بالإضافة إلى آلاف الوظائف غير المباشرة في القطاعات المرتبطة.

وفي الجانب العلمي والتعليمي، أصبحت الظاهرة موضوعًا لأكثر من مئتي رسالة دكتوراه وماجستير في جامعات العالم، وتُدرس كحالة نموذجية في كليات الهندسة والعمارة والفلك في سبعين جامعة عالمية مرموقة، كما تُعقد سنويًا ثلاث مؤتمرات علمية دولية على الأقل تناقش الأبعاد المختلفة للظاهرة، ويشارك فيها ما يزيد على خمسمئة باحث متخصص من خمسين دولة. ولا تقتصر الاستفادة على الجانب الأكاديمي، بل تمتد إلى مجال التكنولوجيا الحديثة، حيث طوّر باحثون مصريون تطبيقًا تفاعليًا يحاكي ظاهرة التعامد بتقنية الواقع الافتراضي، حصد جوائز عالمية وتم تنزيله أكثر من مليون مرة من مختلف أنحاء العالم.

أما على الصعيد الإعلامي والثقافي، فتتحول الظاهرة إلى حدث عالمي تغطيه أكثر من ثلاثمئة وسيلة إعلامية دولية، تصل جماهيريتها مجتمعة إلى خمسمئة مليون مشاهدة، مما يوفر دعاية مجانية لمصر تقدر قيمتها بعشرين مليون دولار لو تم شراؤها عبر القنوات التجارية، وقد استلهمت الظاهرة أعمالًا فنية وأدبية متنوعة، منها رواية عالمية بعنوان "شمس رمسيس" ترجمت إلى اثنتي عشرة لغة، وفيلم وثائقي أنتجته شبكة البي بي سي وحصد ثلاثة جوائز دولية، وهكذا تتحول اللحظة الفلكية إلى منصة ثقافية شاملة، تنتج المعرفة، وتخلق الثروة، وتبني السمعة، وتؤكد حضور مصر في الخريطة الحضارية العالمية.

الرؤية الإسلامية الحضارية بين الأصالة والانفتاح

تقف الرؤية الإسلامية المستنيرة إزاء هذا الإرث الحضاري العريق موقفًا توافقيًا يجمع بين احترام العقول السابقة والاستفادة من حكمتها، في إطار المبدأ القرآني القائل: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا یَعۡقِلُهَاۤ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٣] . فالمسلم المثقف يرى في هذه الآثار الخالدة مدرسة للاعتبار والاتعاظ، وشاهدًا على سنن الله في خلقه، حيث يعتبر بارتقاء الحضارات وأسباب سقوطها، ويتعظ بمن سبقوه في هذه الأرض، وقد أجمع علماء الأزهر على أن دراسة الآثار التي لا تتضمن محظورًا شرعيًا تدخل في باب طلب العلم المشروع، بل إن الفقهاء استدلوا على مشروعية الاهتمام بالآثار بقوله تعالى: ﴿أَفَلَمۡ یَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَیَنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ﴾ [يوسف: ١٠٩]  ، فالآية تأمر بالسير في الأرض والنظر في آثار السابقين للاعتبار بحالهم.

ولا يغيب عن المنظور الإسلامي المتوازن التمييز بين الاهتمام العلمي بالآثار للاستفادة من تجارب الأمم، وبين الغلو فيها أو الاعتقاد بقدسيتها، فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أولى الناس بها، بشرط أن تكون في إطار الضوابط الشرعية التي تحفظ التوحيد وتصون العقيدة، وهكذا يجمع الموقف الإسلامي بين احترام التراث الإنساني والحفاظ على الهوية الدينية، بين الانفتاح على الحضارات والثبات على المبادئ، في صيغة متوازنة تجعل من مصر حارسة للتراث العالمي بروح إسلامية مستنيرة.

الخلاصة

إن تعامد الشمس على معبد أبو سمبل ليس حدثًا فلكيًا منعزلًا أو مناسبة سياحية عابرة، بل يتحول إلى منظومة قيم إنسانية شاملة تتجاوز الحدود الزمانية والمكانية، فهو أولًا درس في التفكير المنظومي المتكامل، حيث جمع المصري القديم بين العلم والدين والفن في رؤية واحدة، ولم يفصل بينها كما تفعل الحضارة الحديثة، وهو ثانيًا نموذج للتعاون الدولي الذي يتجاوز الخلافات السياسية في سبيل حفظ التراث الإنساني المشترك، وهو ثالثًا دليل على أن الاستثمار في الثقافة والتراث ليس ترفًا، بل هو رافعة تنموية حقيقية تخلق الوظائف وتدر الدخل وتبني السمعة.

وأخيرًا، يظل أبو سمبل رسالة حية من الماضي إلى الحاضر والمستقبل، تذكرنا أن العطاء الحضاري الأصيل لا يبلى، وأن الإبداع الإنساني الخالص يمكن أن يخترق حجب الزمن ليظل نبراسًا يهدي الأجيال، ففي تلك اللحظات المهيبة التي تلامس فيها الشمس وجه تمثال رمسيس بعد آلاف السنين، تختزل كل معاني الجمال والحكمة والخلود، وتصبح مصر -بتراثها العريق- ليست مجرد مكان على الخريطة، بل فكرة في ضمير الإنسانية، ووصية أبدية بأن الإنسان عندما يبدع بإخلاص، فإن فنه يعيش بعده، وحكمته تتجاوز عصره، وروحه تظل حاضرة في كل شروق يتجدد.

موضوعات ذات صلة

تمثل حركة الترجمة واحدة من أعمق الظواهر الحضارية تأثيراً في تاريخ البشرية.

القيم الحضارية في الإسلام تشكل ركيزة أساسية لبناء مجتمع مزدهر ومتماسك.

إن افتتاح المتحف المصري الكبير يعد حدثًا يتجاوز كونه مشروعًا ثقافيا ضخمًا ليصبح رسالة روحية من قلب مصر.

موضوعات مختارة