Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

تسعة أدلة على نجاة الوالدين الشريفين

الكاتب

د. إبراهيم المرشدي

تسعة أدلة على نجاة الوالدين الشريفين

ذهب جماعة من المعاصرين إلى أن تكفير والدي الرسول ﷺ من تمام الإيمان، وأنك إذا قلت بنجاتهما فإنك تُغضِبُ رسول الله ﷺ الذي قال بأن أباه وأمه في النار! وقد أطلقوا أقبح العبارات وأشدها في حق الوالدين الشريفين زاعمين أنهم ينصرون السنة بتلك الدعاوى الفارغة ولنا على هذه الأقوال الباطلة عدة أجوبة تبطل زعمهم الفاسد ومنطقهم الكاسد، أسوقه في نقاط:

الأولى: الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم يغضب ممن يذكر أهله بسوء

فالثابت عن سيدنا ومولانا رسول الله ﷺ أنه كان يكره من يذكر أصله بسوء، فعن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب قال: أَتَى نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّا نَسْمَعُ مِنْ قَوْمِكَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ مِنْهُمْ: إِنَّمَا مِثْلُ مُحَمَّدٍ مِثْلُ نَخْلَةٍ نَبَتَتْ فِي كِبَا - قَالَ حُسَيْنٌ: الْكِبَا: الْكُنَاسَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ أَنَا؟» قَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَمَا سَمِعْنَاهُ قَطُّ يَنْتَمِي قَبْلَهَا، أَلَا إِنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقَهُ، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ فَرَّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِ الْفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي مِنْ خَيْرِهِمْ بَيْتًا، وَأَنَا خَيْرُكُمْ بَيْتًا وَخَيْرُكُمْ نَفْسًا » (رواه الترمذي وأحمد وحسنه الترمذي).

قال العلامة المُناوي عند شرحه لحديث: «لا تسبوا الأموات»: «أخذ منه جمع حرمة ذكر أبوي النبي ﷺ بما فيه نقص فإن ذلك يؤذيه، وإيذاؤه كفر، والله أعلم» (فيض القدير).

ويؤيده كذلك ما ورد من شكاية العباس لرسول الله ﷺ عندما سب أحد الناس أبًا له، فلطمه العباس فهموا بأذيته، فصعد النبي ﷺ المنبر ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ أَهْلِ الْأَرْضِ تَعْلَمُونَ أَكْرَمُ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ «فَقَالُوا: أَنْتَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْعَبَّاسَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، لَا تَسُبُّوا مَوْتَانَا، فَتُؤْذُوا أَحْيَاءَنَا» فَجَاءَ الْقَوْمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِكَ، اسْتَغْفِرْ لَنَا» (رواه النسائي والحاكم وصححه الحاكم).

فثبت بذلك غضب رسول الله ﷺ على من ذكر أحدًا من أصله بسوء، لا كما يزعمون زورًا.

ثانيها: الأحاديث الواردة في المسألة ليست صريحة في دخول والديه النار

كحديث: "إن أبي وأباك في النار"، وذلك لأن العرب تطلق لفظ (الأب) على الأب الحقيقي، وتطلقه كذلك على من يقوم بالتربية، وتطلقه على العم، وتطلقه على الجد، فلماذا حملنا اللفظ على ظاهره هنا، وهو يحتمل أن يراد به أحد أعمامه الذين شهدوا نزول الوحي ولم يؤمنوا وهم كثر، وليس لأبويه في ذلك مدخل؛ لأن أبويه وجده من أهل الفترة الذين هم ناجون عند أكثر أهل السنة.

وقد جاءت نصوص اللغة وآيات القرآن الكريم في أكثر من موضع تشير إلى إطلاق الأبوة على ما ذكرت، فاستعمال الأبوين من غير ولادة حقيقية مجاز صحيح في اللسان العربي.

«والعرب تجعل العم أبًا، والخالة أمًّا، ومنه قوله تعالي: {وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ}[يوسف: ٣٨] يعني: أباه وخالته، وكانت أمه قد ماتت، وقال ـ أيضًا ـ حكاية عن سيدنا يوسف عليه السلام:  {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: ٣٨].

وكان إسحاق جده وإبراهيم جد أبيه، والمراد من قوله: {كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: ٢٧] أي: آدم وحواء.

وورد ـ أيضًا ـ الخال أحد الأبوين إلا أنه تسمية الجد أبًا بمعنى التفرع منه، بخلاف العم والخال؛ فإنهما إنما سميا أبًا للازم آخر من لوازمه، وهي التربية والقيام بمصالح المرء، وهذا المجاز مشهور في الشرائع السالفة على ما روي في الإنجيل أن عيسى ﷺ قال: «أنطلق إلى أبي وأبيكم، وأراد الرب ؛ لأنه القائم بمصالح العباد وإتمام أمورهم» (الكليات للكفوي).

فإذا كانت اللغة تقول بذلك، فلا يصح معارضة نصوص الوحي الشريف ببعضه، وحمل الكلام هنا على ما تقتضيه قواعد اللغة مقدم على ضرب النصوص بعضها ببعض.

ثالثها: ما ذهب إليه الجمهور من أهل السنة من كون أهل الفترة الذين لم يبعث الله سبحانه وتعالي لهم رسولًا غير مكلفين وتشملهم النجاة

؛ لقوله سبحانه وتعالي: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا}[الإسراء:١٥].

والمعلوم أن أهل مكة لم يرسل الله I إليهم رسلًا؛ لقوله I

سبحانه وتعالي: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: ٤٦].

ولقوله سبحانه وتعالي: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس:٦].

فكانت دعوة كل نبي خاصة بقومه الذين بُعث فيهم، ولم يرسل الله I إلى قومه أحدًا، فكيف يرفع الله I العذاب عن أهل مكة جميعًا قبل بعثته ويحاسب عليه الأبوين الكريمين؟!

ونحن لهذا نحسن الظن بآل رسول الله ﷺ ونرجو أن يكونوا من الناجين يوم القيامة، فإن لم يكونوا على التوحيد فإنهم يمتحنون في عرصات القيامة كما جاءت الأحاديث بذلك ونرجو لهم النجاة، لا كما قال الألباني: «وإخباره ﷺ عن أبويْه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لَا يُنافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يُمتَحَنون في العَرَصات يوم القيامة، فيكون منهم من يُجيب، ومنهم من لَا يُجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لَا يُجيب، فلا منافاة» (صحيح السيرة للألباني).

وهذا كلام لا يليق بالأصل النبوي المبجل، ولا يدل على تقديرٍ للرسول الكريم ﷺ، ونحن نقول كما قال الحافظ ابن حجر ـ أنار الله مرقده بنوره ـ: «ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته في جملة من يدخلها طائعًا فينجو» (الإصابة).

ويُجاب عن النهي في الاستغفار لأمه والإذن بزيارتها أنه ليس مصرَّحًا بكفرها، بل هو نظير نهيه ﷺ عن الصلاة على من كان عليه دَيْن، ولم يحكم أحد بأنهم في النار، وقد ورد عنها ما يثبت أنها على التوحيد كما رواه غير واحد.

رابعها: ورود الآثار النبوية التي تشير إلى شفاعة رسول الله ﷺ لآل بيته

كما في حديث ابن مسعود t: «.. فَقَالَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ أَرْ رَجُلًا كَانَ أَكْثَرَ سُؤَالًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَى أَبَوَاكَ فِي النَّارِ؟! فَقَالَ: مَا سَأَلْتُهُمَا رَبِّي فَيُعْطِينِي فِيهِمَا، وَإِنِّي لَقَائِمٌ يَوْمَئِذٍ الْمَقَامَ الْمَحْمُود... » (المستدرك).

قال الحافظ السيوطي رضي الله عنه: «فهذا الحديث يُشعر بأنه يُرتجي لهما الخير عند قيامه المقام المحمود، وذلك بأن يشفع لهما فيوفقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة، ولا شك في أنه يقال له عند قيامه ذلك المقام: سل تعط، واشفع تشفع كما في الأحاديث الصحيحة، فإذا سأل ذلك أُعطيَه» (الحاوي للفتاوي).

وعن عبد الرحمن ابن أبي رافع أن عمر بن الخطاب t قال لأم هانئ بنت أبي طالب: اعملي، فإن محمدًا لا يغني عنك شيئًا، فجاءت إلى النبي ﷺ فأخبرته به، فقال رسول الله ﷺ: «ما بال أقوام يزعمون أن شفاعتي لا تنال أهل بيتي! وإن شفاعتي تنال حاء وحُكْم» وحاء وحُكْم قبيلتان» (المعجم الكبير).

ناهيك عما ورد من ثبوت شفاعته لأبي طالب وتخفيف العذاب عنه مع ثبوت كونه مع الاختلاف المشهور في إسلامه، فما بالك بقدر شفاعته لمن كان من أهل الفترة ولم تبلغه دعوته!

خامسها: نهى رسول الله ﷺ عن الافتخار بالآباء المشركين وكان يفتخر بآبائه

فلو كانوا على الشرك لما افتخر بهم وتباهى بهم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَمَا يُدَهْدِهُ الْجُعَلُ بِمَنْخَرَيْهِ، خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمِ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ» (مسند أحمد وصحيح ابن حبان).

ومع ذلك فقد افتخر النبي ﷺ بآبائه وأجداه، وكان يقول: «إن الله اصطفي كنانة من ولد إسماعيل، واصطفي قريشًا من كنانة، واصطفي بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم، فأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وأول مشفع» (صحيح ابن حبان)

وكان يقول يوم حنين بين أصحابه في المعركة: «أَنَا ابْنُ الْعَوَاتِكِ» (رواه الطبراني ورجاله ورجال الصحيح) أي: الطاهرات أو المتضمخات بالطيب.

وكان ﷺ يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» (الشيخان).

وروى الحافظ ابن حجر في "أماليه" بسنده مرفوعًا: «إن الله خلق السماوات سبعًا، ثم خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم، ثم اختار من بني آدم العرب، ثم اختار من العرب مضر، ثم اختار من مضر قريشًا، ثم اختار من قريش بني هاشم، ثم اختارني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار» (الأمالي وحسنه ابن حجر).

ويؤيده ما رواه البخاري في صحيحه بسنده مرفوعًا: «بعثت من خير قرون بني آدم، قرنًا فقرنًا، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» (صحيح البخاري).

فكيف أنه يخبر عن اصطفاء الله I له من طريق أجداده، وكيف نفهم قضية الاصطفاء على وجهها حتى لا نقول باصطفاء مشرك على موحد، فوجب الجزم بأن آباءه كانوا على التوحيد؛ ليكونوا حقًا هم خير أهل أزمانهم، وإن لم نقل ذلك يلزمنا القول بأن الله تعالى قد اصطفي آباء النبي ﷺ على الموحدين في أزمانهم.

حتى قال ابن ناصر الدين الدمشقي:

        تنقل أحمد نورًا عظيمًا     تلألأ في جباه الساجدينا

         تقلَّب فيهم قرنًا فقرنًا      إلى أن جاء خير المرسلينا

سادسها: لم يثبت قط عن أحد من آبائه وأجداده أنه عبد وثنًا أو سجد لصنم، أو عبد غير الله سبحانه وتعالي

بل ورد خلاف ذلك في عدة روايات فجاء في الحديث: «لَا تَسُبُّوا مُضَرَ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ» (فضائل الصحابة للإمام أحمد)

وقال: «لا تسبوا تُبَّعًا؛ فإنه قد كان أسلم» (مسند أحمد).

قال الحافظ ابن حجر: «وأما ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: لا أدري تبعًا كان لعينًا أم لا، وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم والدارقطني، وقال تفرد به عبد الرزاق، فالجمع بينه وبين ما قبله أنه ﷺ أُعلم بحاله بعد أن كان لا يعلمها، فلذلك نهى عن سبِّه خشية أن يبادر إلى سبه من سمع الكلام الأول» (فتح الباري).

وعن الزهري، قال: «أول ما ذكر من عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ, أن قريشًا خرجت فارَّة من أصحاب الفيل وهو غلام شاب، فقال: والله لا أخرج من حرم الله أبتغي العز في غيره، قال: فجلس عند البيت وأجلت عنه قريش، فقال:

لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك

لا يغلبن صليبهم وضلالهم عدوا محالك

فلم يزل ثابتًا حتى أهلك الله I الفيل وأصحابه، فرجعت قريش وقد عظم فيهم بصبره، وتعظيمه محارم الله» (مصنف عبد الرزاق).

ولما أخذ أبرهة غنمه وذهب إليه قال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال له ذلك الترجمان، فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مئتي بعير أصابها لي، فلما قال به ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مئتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟!

قال له عبد المطلب: «إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربًا سيمنعه، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك» (سيرة ابن هشام).

بل ثبت بُعْدُهم عن الفواحش والرذائل التي انتشرت بين العرب قاطبة وتنزه عنها آباء النبي ﷺ حتى قال الماوردي: «ليس في آبائه خامل مسترذل، ولا مغمور مستذل، كلهم سادة قادة، وهم أخص الناس بالمناكح الطاهرة حتى تحرَّجوا من نكاح المحارم وإن استباحه غيرهم من العرب» (أعلام النبوة).

سابعها: اعتراض عن والد سيدنا إبراهيم والجواب عنه.

فإن قال قائل: نُسَلِّمُ أنَّ أباء النبي ﷺ من أهل الجنة، ولكن كيف نجمع بين الثابت والمتفق عليه، وهو أن إبراهيم ﷺ هو جد من أجداد رسول الله ﷺ وكان والده على الكفر فنسبه متصل به؟

قلنا: وما يقال في أبوي رسول الله ﷺ يقال عن أبي نبي الله إبراهيم ﷺ وهذا ما أثبته القرآن في حجة قوية تقابل كل ما يقال بخلاف ذلك، وهو دليل ناصع كالشمس في ضحاها.

ومُفاده: أن من المعلوم أن الله I قد نُهيَ إبراهيم ﷺ أن يستغفر لأبيه في حال حياته؛ لأن الله I أوحى إليه أنه سيظل على الكفر كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [سورة التوبة: ١١٤].

فهذه الآية تشير إلى أن إبراهيم ﷺ قد نُهيَ عن الاستغفار والدعاء لأبيه؛ لأنه عدو لله كما جاء مصرَّحًا به في الآية الكريمة.

وقد كان هذا في بدء الدعوة وبعد قصة تعرضه ﷺ لأذى قومه في قصة النار، ثم مات والده، وهاجر سيدنا إبراهيم وتزوج ورزقه الله I بولدين كريمين وهما نبيا الله (إسماعيل وإسحاق) ثم في آخر العمر يدعو إبراهيم ﷺ لوالديه بالرحمة والمغفرة، إقرأ قول الله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ} [سورة إبراهيم: ٣٩: ٤١].

فكيف بعد مرحلة النهي يستغفر له في آخر العمر، فلزم المصير بأن الموعدة وكل حكاية في القرآن الكريم تخبر عن إبراهيم ﷺ مع أبيه الكافر يعلم أن المراد به العم على صحة اعتبار إطلاق الأب والجد والعم على الأب.

ويؤيده ما قاله الحافظ السيوطي: «وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: ٧٤]، قال: ليس آزر بأبيه، إنما هو إبراهيم بن تيرح أو تارح بن شاروخ بن ناحور بن فالخ.

وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السُّدي أنه قيل له اسم أبي إبراهيم ﷺ آزر، فقال: بل اسمه تارح» (الحاوي للفتاوي).

وقال الإمام الزجاج المتوفى ٣١١هـ: «وليس بين النسَّابِيَنِ خِلاف أن اسم أبي إِبراهيم ﷺ تارِح» (معاني القرآن وإعرابه).

وقال الإمام الرازي: «والد إبراهيم ﷺ ما كان مشركًا، وثبت أن آزر كان مشركًا، فوجب القطع بأن والد إبراهيم ﷺ كان إنسانًا آخر غير آزر» (مفاتيح الغيب).

وعلى هذا يُحمل حديث القرآن في قصة إبراهيم ﷺ، وهو الذي تؤيده نصوص القرآن الكريم وقال به كثير من أئمة التفسير الثقات، وقد كتب العلامة المفتي الأعظم في الهند محمد أختر رضا القادري الحنفي الأزهري رسالة في تحقيق أن أبا سيدنا إبراهيم ﷺ تارح لا آزر، وهي مطبوعة، وله: (شمول الإسلام لأصول الرسول الكرام) وفي مكتبتي نسخة منهما، وهما دليل واضح على براءة والديه ﷺ وأصول ذريته.

ثامنها: جزم جمع من العلماء بنجاة الوالدين الشريفين.

وقد سُئِلَ القَاضِي أَبُو بكر ابن الْعَرَبِيّ أحد الْمَالِكِيَّة عَن رجل قَالَ: «إِنَّ أَبَا النَّبِي ﷺ فِي النَّار؟ فَأجَاب: بِأَنَّهُ مَلْعُون؛ لِأَن الله I يَقُول: }إِن الَّذين يُؤْذونَ الله وَرَسُوله لعنهم الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة{ قَالَ: وَلَا أَذَى أعظم من أَن يُقَال عَن أَبِيه إِنَّه فِي النَّار» (روح البيان، مواهب الجليل).

وحكى الحافظ السيوطي عن شيخه شرف الدين المُناوي فقال: «سمعت شيخ الإسلام شرف الدين المناوي، فإنه سئل عن والد النبي ﷺ هل هو في النار؟ فزأر في السائل زأرة شديدة، فقال له السائل: هل ثبت إسلامه؟ فقال: إنه مات في الفترة، ولا تعذيب قبل البعثة» (الحاوي للفتاوي).

وتقررت القاعدة الشرعية: "لا تكفير إلا بيقين ولا يقين مع الاختلاف"، فإذا تبين أن المسألة مبناها الظن باختلاف ونصوص العلماء فمن الديانة عند اختلاف العلماء المجتهدين أن يسكت العوام وأن ينأوا بأنفسهم عن التكفير، فالشرع يوجب إحسان الظن أو التوقف إذا ما كانت النسبة محتملة، وقد رأينا أن جمعًا من كبار العلماء قد صرحوا بالنجاة، وهو عدد ليس بالقليل من أهل العلم المحققين الثقات.

وعليه فالجزم بالتكفير قبيح من قائله وأن الكف والإعراض عن الكلام فيها مقدَّمٌ.

حتى قال الحافظ السخاوي بعد أن ذكر الخلاف في المسألة: «وما أحسن قول حافظ الشام ابن ناصر الدين:

حبا الله النبي مزيد فضل              على فضل وكان به رؤوفـا

  فأحيا أمه وكذا أبـــــاه               لإيمان به فضلًا لطيفــــــا

         فسلم فالقديم بذا قدير             وإن كان الحديث به ضعيفا

        ثم قال الحافظ السخاوي: وقد كتبت فيه جزءًا، والذي أراه الكف عن التعرض لهذا إثباتًا ونفيًا» (المقاصد الحسنة).

وقال خاتمة المحققين ابن عابدين في حاشيته بعد أن رجَّحَ القول بنجاتهما ـ أي: الأبوين الشريفين ـ وأنهما من أهل الفترة: «وبالجملة كما قال بعض المحققين إنه لا ينبغي ذكر هذه المسألة إلا مع مزيد الأدب، وليست من المسائل التي يضر جهلها، أو يُسأل عنها في القبر أو في الموقف، فحفظ اللسان عن التكلم فيها إلا بخير أولى وأسلم» (حاشية ابن عابدين).

إلى غير ذلك من الأدلة التي لو بسطتها لطال المقام، ولكن ما ذكرته كافٍ لإثبات ما ذهب إليه الكثير من أهل العلم، من التوقف لحفظ الأدب مع رسوله، أو لأن الأدلة غير راجحة عنده، أو من الجزم بنجاتهما مطلقًا لأرجحية الأدلة عنده.

تاسعها: بعض المؤلفات في إيمان الوالدين الشريفين

كتبت عدة مؤلفات في نجاة الوالدين الشريفين منها ما كتبه الحافظ السيوطي: "مسالك الحنفا في والدي المصطفى ﷺ" وهي رسالة مطبوعة ضمن كتابه الحاوي للفتاوي.

وله كتاب آخر مطبوع بعنوان: (التعظيم والمنة في أن أبوي النبي ﷺ في الجنة) بتحقيق الشيخ حسنين مخلوف ـ رحمه الله تعالى ـ مفتي الديار المصرية الأسبق.

وله: (الاصطفا في إيمان والدي المصطفي ﷺ)، وله: (الدرج المنيفة في الآباء الشريفة)، وله: (السبل الجلية في الآباء العلية)، وله: (نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين)، وله: (الدرر الكامنة في إيمان السيدة آمنة).

وكتب الشيخ علي الداغستاني المتوفى ١١٩٩هـ رسالة في «نجاة أبوي الرسول ﷺ». وكتب يوسف بحري الرومي المتوفى ١٢٤٥ هـ «رسالة في نجاة أبوي الرسول ﷺ». وكتب يوسف البديعي الدمشقي المتوفى ١٠٧٣هـ: «هدايا الكرام في تنزيه آباء النبي ﷺ».

إلى غير ذلك من المؤلفات في هذه المسألة، مما يظهر الفهم الصحيح المنضبط لهذا الحديث وأمثاله في ضوء نصوص الشريعة، وأن (الأب) في لغة العرب قد يطلق على الأب الحقيقي وغيره، وهذا الفهم هو المتعين للنصوص القطعية الواردة في المسألة، وأنه لا يلزم من الاستغفار لأمه كفرها؛ لأنه ﷺ قد نُهي عن الصلاة على من كان عليه دين، وينبغي أن يحمل النص المحتمل على النص الواضح الذي لا يحتمل معنىً آخر، والله أعلم.

موضوعات ذات صلة

اتفق العلماء وأئمة أهل السنة على نجاة الأبوين الشريفين لوقوعهما في زمن الفترة بين الرسل.

الأدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فريضة إيمانية كبرى وترجمة صادقة للمحبة الواجبة

لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – في التعلُّق به ومحبّته والشوق إليه مقامات روحية

موضوعات مختارة