فإن
قال قائل: نُسَلِّمُ أنَّ أباء النبي ﷺ من أهل الجنة، ولكن كيف نجمع بين الثابت
والمتفق عليه، وهو أن إبراهيم ﷺ هو جد من أجداد رسول الله ﷺ وكان والده على الكفر
فنسبه متصل به؟
قلنا:
وما يقال في أبوي رسول الله ﷺ يقال عن أبي نبي الله إبراهيم ﷺ وهذا ما أثبته
القرآن في حجة قوية تقابل كل ما يقال بخلاف ذلك، وهو دليل ناصع كالشمس في ضحاها.
ومُفاده: أن من المعلوم أن الله I قد
نُهيَ إبراهيم ﷺ أن يستغفر لأبيه في حال حياته؛ لأن الله I أوحى
إليه أنه سيظل على الكفر كما قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا
كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ
إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ}
[سورة التوبة: ١١٤].
فهذه الآية تشير إلى أن إبراهيم ﷺ قد
نُهيَ عن الاستغفار والدعاء لأبيه؛ لأنه عدو لله كما جاء مصرَّحًا به في الآية
الكريمة.
وقد كان هذا في بدء الدعوة وبعد قصة
تعرضه ﷺ لأذى قومه في قصة النار، ثم مات والده، وهاجر سيدنا إبراهيم وتزوج ورزقه
الله I بولدين
كريمين وهما نبيا الله (إسماعيل وإسحاق) ثم في آخر العمر يدعو إبراهيم ﷺ لوالديه
بالرحمة والمغفرة، إقرأ قول الله سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ
للهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي
لَسَمِيعُ الدُّعاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ}
[سورة إبراهيم: ٣٩: ٤١].
فكيف بعد مرحلة النهي يستغفر له في
آخر العمر، فلزم المصير بأن الموعدة وكل حكاية في القرآن الكريم تخبر عن إبراهيم ﷺ
مع أبيه الكافر يعلم أن المراد به العم على صحة اعتبار إطلاق الأب والجد والعم على
الأب.
ويؤيده ما قاله الحافظ السيوطي:
«وأخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جريج في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ
قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ} [الأنعام: ٧٤]، قال: ليس آزر بأبيه، إنما هو إبراهيم بن تيرح أو تارح بن شاروخ بن
ناحور بن فالخ.
وأخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن
السُّدي أنه قيل له اسم أبي إبراهيم ﷺ آزر، فقال: بل اسمه تارح» (الحاوي
للفتاوي).
وقال الإمام الزجاج المتوفى ٣١١هـ:
«وليس بين النسَّابِيَنِ خِلاف أن اسم أبي إِبراهيم ﷺ تارِح» (معاني القرآن
وإعرابه).
وقال الإمام الرازي: «والد إبراهيم ﷺ
ما كان مشركًا، وثبت أن آزر كان مشركًا، فوجب القطع بأن والد إبراهيم ﷺ كان
إنسانًا آخر غير آزر» (مفاتيح الغيب).
وعلى هذا يُحمل حديث القرآن في قصة
إبراهيم ﷺ، وهو الذي تؤيده نصوص القرآن الكريم وقال به كثير من أئمة التفسير
الثقات، وقد كتب العلامة المفتي الأعظم في الهند محمد أختر رضا القادري الحنفي
الأزهري رسالة في تحقيق أن أبا سيدنا إبراهيم ﷺ تارح لا آزر، وهي مطبوعة، وله:
(شمول الإسلام لأصول الرسول الكرام) وفي مكتبتي نسخة منهما، وهما دليل واضح على
براءة والديه ﷺ وأصول ذريته.