وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تمثل فكرة التمكين عصبًا جوهريًّا وأساسًا محوريًّا للمنظومة الفكرية الكاملة لفكر جماعة الإخوان، ولسائر التيارات التي خرجت من رحمها، حيث تم طرحه والتنظير له بطريقة تحوله إلى عمل سياسي حركي منظم، يتماشى مع السياق العام لنظرياتهم المتعددة، المنطلقة من تكفير عموم المسلمين، بشعوبهم، وأنظمتهم، وحكوماتهم، وشيوخهم، ومؤسساتهم، وأن هذا حتمي، مع القيام بمجموعة أعمال دمويةٍ ضد المجتمعات المسلمة أسموها ظلمًا وعدوانًا بالجهاد، ثم انتقلوا بعد ذلك كله إلى التنظير لفكرةٍ أسموها بالتمكين، يريدون بها مجموعة الإجراءات والمساعي والتدابير، التي يخططون لها، للوصول إلى السلطة، وإقامة كيان سياسي، يتصورون أنه هو السبيل الوحيد لإقامة الدين.
وقد توصلوا إلى صناعة تلك التصورات الظالمة المظلمة عن طريقِ سيلٍ من التأويلات المنحرفة، والأفهام السقيمةِ الملتبسة، التي صُنِعتْ بالحماس والانفعال والمشاعر والأدبيات فقط، مع افتقاد تام وفقر شديد في أدوات المعرفة، التي تمكنهم من النحت والتصنيع والاستخراج للمفاهيم القرآنية، على نحوٍ يحقق مقاصد القرآن، ويحترم تجربةَ المسلمين عبر التاريخ في فهمه وتطبيقه.
إن صناعة المفاهيم واستخراج القضايا والمدلولات من القرآن، هي عملية صناعة معرفية ثقيلة، لا بد لها من أدوات علمية، ومفاتيح ومعايير ومقاييس، وضوابط تضمن صحة الفهم، وموازين تعين على قياس مدى انطباق ذلك الفهم على مراد القرآن ومقصده، إنها عملية علمية مهيبة ودقيقة؛ لأنها تصون الوحي الشريف من أن ينسب إليه أحد أفهامًا مفعمة بالأهواء البشرية، تترجم عنه ترجمة غير أمينة ولا مطابقة لمقاصده، ثم تناضل عن أفهامها تلك، وتعتبرها حقا مطلقًا، له قداسة النص الشريف.
ومن أجلِّ وأكمل مقاصد أهل العلم أن يتابعوا في كل زمان ما يطرأ ويجد ويستحدث من الأفهام والأطروحات التي تنسب نفسها للوحي، لترى ما له أصل تحتمله أدوات الفهم ومناهجه فيبقى - وإن اختلفت فيه الأفهام والمدارك -، ولترى ما هو هوى بشري محض، وانفعال بحت، يحاول تقويل القرآن ما لم يقل، وينسب هواه إلى الوحي الشريف
ومعيار قياس الأفهام التي يصح انتسابها للوحي دون غيرها هو استخدام قواعد أصول الفقه، وعلوم البلاغة من المعاني والبيان، والقواعد الفقهية، ومقاصد الشريعة، ومعرفة ما أجمع عليه المسلمون، مع الصبر والتمرس بمدارك أئمة الاجتهاد وأهل العلم، ومعرفة التجربة التاريخية التي تراكمت عند المسلمين من تحويل آيات القرآن إلى برامج عمل تفرز البصيرة والهداية، وتتلاءم وتنسجم مع ظروف كل عصر وزمن.
وقد أخرجت تلك التيارات المتطرفة فهمًا مغلوطًا في قضية التمكين، فأتوا بتصور انفعالي متخبط، لا يجمع النصوص القرآنية الواردة في هذه القضية، ولا يُحْسن تركيبها وتنسيقها، ولا يصبر على سبر مدلولات ألفاظها وسياقاتها، ولا يقايس نتائج فهمه إلى بقية موارد الشرع حتى تنسجم الأفهام ولا يصدم بعضها بعضًا.
وبسبب غياب هذه المنهجية أخذوا آية من كتاب الله، صوروا معها مفهوم التمكين الذي يتحدث عنه القرآن على أنه مجموعة إجراءات تتيح للإنسان السعي إلى السلطة، مستبطنًا احتكاره للإسلام، وأنه وحده دون غيره الأحق بإقامته، وأنه يمتلك - دون بقية المسلمين - وعدًا إلهيًا بنصره على بقية المسلمين، حيث إنه منطلق أساسا من تكفيره للمسلمين.
فلما أن جاءت التيارات المتطرفة، وبدأت بتكفير عموم المسلمين، وادعوا انقطاع الدين، وأن البشرية كلها غارقة في الجاهلية التي هي كفر، بدأوا يخططون لكيفية إقامة الدين حسب فهمهم، مع قصور شديد في أدوات فهم الوحي، فانتزعوا مفهوم التمكين، وحملوه على المعنى الذي يقومون هم به، وحولوه من نتيجة إلى مقدمة، ومن صنع إلهي يفتحه الله لمن رأى فيه الجد، إلى إجراءات يقومون هم بها، ويقاتلون دونها، وذلك من خلال طرق مضطربة في استكشاف الوحي واستخراج معانيه.
ومما يدل على مدى مركزية فكرة التمكين في منظومة فكر التيارات المتطرفة: قول علي الصلابي في كتابه: فقه النصر والتمكين: "إن التمكين لدين الله هو الهدف الأكبر لكل مفردات العمل لأجل الإسلام، الدعوة بكل مراحلها وأهدافها ووسائلها، والحركة وكل ما يتصل بها من جهود وأعمال، والتنظيم وما يستهدفه في الدعوة والحركة، والتربية بكل أنواعها وأهدافها ووسائلها" [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم أنواعه، شروطه، أسبابه، مراحله وأهدافه، ص٤٣٩].
ثم ينتقل الدكتور علي الصلابي إلى مبحث عنده عنوانه: (أهداف التمكين)، فيقول: (إن من القضايا المهمة التي يجب بحثها أهداف التمكين ومقاصده الأساسية، وإذا رجعنا لنصوص الكتاب والسنة نجد أن من أهداف التمكين ما يلي:
١- أن يتمكن المجتمع المسلم من إقامة سلطة سياسية) [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم أنواعه، شروطه، أسبابه، مراحله وأهدافه/ص٤٥٣/.].
ومن العجيب أنه يتفرع بعد ذلك في مباحث تتناول هذا الهدف الذي هو إقامة سلطة سياسية، وما ينتج عنه، فيغرق في جزيئات تنتج في زعمه عن إقامة السلطة السياسية، ثم ينفرط منه الكلام إلى آخر الكتاب، فلم يذكر لنا هدفا آخر للتمكين بعد هذا الهدف الأول، والذي هو إقامة سلطة سياسية.
ثم ينتقل في شرح مراحل التمكين إلى مرحلة يسميها: (مرحلة المغالبة)، يقول فيها: (إن مرحلة المغالبة لابد لأفرادها أن يكونوا قد استوعبوا مفهوم الجهاد بعمومه، وأن تكون كافة الكوادر في جميع المجالات مستعدة للتحرك نحو تولي أمور الحكم، وتحكيم شرع الله تعالى، والتمكين لدينه، إن حركة المسلمين في مرحلة المغالبة تهز عروش الطغاة، وكلما قطعت الدعوة مرحلة من مراحلها ازداد فزع الظلمة، واقتربت نهاية الأحكام الجاهلية، إن سهام الدعوة موجهة إلى أسس تقوم عليها عروش الطغاة، ومن أهم هذه الأسس التي تسعى إلى نزعها: نزع مقاليد الحكم من أيديهم) [فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم/ص٤٣٣] .
فالتمكين عندهم فكرة تشتمل على أمور:
١- التمكين هو الهدف الأكبر لكل مفردات العمل لأجل الإسلام.
٢- هدف التمكين إقامة سلطة سياسية.
٣- أهم مراحل التمكين هي المغالبة.
٤- المغالبة هي الجهاد في نظره.
٥- حركة المغالبة والجهاد تهز عروش الطغاة، وتنهي حكم الجاهلية وتنزع مقاليد الحكم من أيديهم.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأساس الاستدلال عند هذه التيارات هو الآية الكريمة: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ} [سورة يوسف، الآية ٥٥]، فقالوا هذا دليل قرآني على مشروعية السعي إلى الإمارة وطلب الحكم والقيام به، وربما وجدوا شيئًا من عبارات المفسرين تدل على هذا، وغابت النظرية القرآنية الأصيلة التي تشرح التمكين الذي هو سنة إلهية، وجاء سيد قطب في هذه الآية بكلام في غاية الخطورة، ومفاهيم في غاية الالتباس.
حيث إن من يطالع (ظلال القرآن) [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٦ – ٢٠١٣] في تفسير هذا الموضع يجد نفسه أمام نظرية متكاملة تستحق وحدها كتابًا تفصيليًا لمناقشتها وتفنيدها، لشدة غرابة الطرح الذي أورده في هذا الموضع.
وسوف ألخص هنا معالم نظريته تلك، في نقاط محددة، ثم نعلق عليها تعليقات يسيرة، نبين فيها مدى الخلط العميق واللبس الهائل، الذي وقع عنده في فهم فكرة التمكين كما يشرحها القرآن، وكيف أنه انطلق إليها بتصورات مظلمة، مسخت المفهوم القرآني، وامتهنته.
والمنطلق الذي تحرك منه سيد قطب هو أن فقهاء الإسلام وقفوا هنا وقفة تفكير، بين قول يوسف عليه السلام: {ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٥]، مع ما توهمه من أنه طلب الإمارة وسعى إليها، في مقابل الهدي النبوي الذي نهى عن السعي للإمارة وطلبها، حيث روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن سمرة أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإمارَةَ، فإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُعْطِيتَها عن غيرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عليها» [صحيح مسلم، ٦/٥/، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة، ط: دار النوادر، دمشق، سنة ١٤٣٣هـ-٢٠١٢م].
والعقل المسلم يدرك أن القرآن وحي من عند الله، وأن السنة النبوية المشرفة وحي من عند الله، فلا تناقض بينهما، وأن المسالك العلمية الدقيقة تستخرج وجوه الربط والتوافق، التي تنسجم بها نصوص الوحيين الشريفين.
فتعددت مناهج العلماء في الكشف عن وجوه الربط والتناسق والانسجام بين مفردات الوحي الإلهي الموجود في قول يوسف: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٥]، مع ما توهمه من أنه سعى وطلب، مع الهدي النبوي المحمدي الذي يتلخص في شعار: (لا تسأل الإمارة).
لكن سيد قطب أتى في الجواب على ذلك بنظرية غريبة جدًا، تدل على مدى ما تورط وأمعن فيه ذلك العقل من ظلمات، يتخبط بها في تصوراته ومفاهيمه وقناعاته التي ينتهي إليها.
وتتكون نظرية سيد قطب هنا من عدة أمور:
١ - اتهام عقول الفقهاء وعقلية الفقه كلها بأنها خمدت وجمدت في قرون الخمود والركود.
٢ - الفقه نشأ من خلال حركة مجتمع مسلم، والمجتمع بحركته هو الذي أنشأ الفقه.
٣ - التفرقة بين فقه الحركة وفقه الأوراق، واتهامه من لم يعرف ذلك بأنهم ليسوا فقهاء وليس لديهم فقه بطبيعة الفقه ولا بطبيعة هذا الدين أصلًا.
٤ - الأحكام الفقهية لم تنشأ في فراغ، ولا تعيش في فراغ، وهو يقصد بذلك الإشارة إلى زوال الأمة المسلمة، لأنه كفرها ووصفها بالجاهلية والشرك، فزالت الأحكام الفقهية بزوال الأمة في نظره.
٥ - عدم تزكية النفس وترشيحها للمناصب حكم فقهي نشأ في مجتمع مسلم ليطبق في مجتمع مسلم، فإذا انعدم المجتمع المسلم زالت الأحكام الفقهية.
٦ - الحركة هي العنصر المكون لهذا المجتمع.
٧ - الحركة المستمرة في المجتمع المسلم تفرز تلقائيًا أقدار الناس بحسب الابتلاء والصبر، فالمجتمع كله يرشحهم ويزكيهم.
٨ - لا يقال: إن المجتمع بعد أن يستقر فإنه يحتاج إلى عدم تزكية النفس؛ لأن المجتمع في حالة حركة مستمرة، يستمر فيها إفراز مقامات الناس.
٩ - المجتمع المسلم المعاصر كله مجتمع جاهلي (كافر) فهو فراغ لا تعيش فيه الأحكام الفقهية أصلًا.
١٠ - يدّعي سيد قطب المعرفة، وأنه هو وحده يعرف البدء في هذه المتاهة.
١١ - الدين حاليًا لا يُلبي احتياجات المجتمعات الجاهلية الكافرة؛ لأنه لا يعترف بشرعية وجودها أصلًا، ولا يشغل باله بها، والمجتمعات الجاهلية هنا هي مجتمعات المسلمين، لكن بعد أن قام هو بتكفيرها.
١٢ - لا بد أولًا وقبل كل شيء من محاربة العالم كله؛ لإنشاء المجتمع المسلم، وحينئذ ينشأ له فقه جديد.
فهو يريد أن يصطدم بالعالم كله، ثم يسمى هذا جهادًا، فقام أولًا: بتكفير الناس، ثم حرمهم من الفقه، ثم ينطلق ليحاربهم ليخضعهم، وينشئ لهم الفقه بعد ذلك.
١٣ - لا بد من إخضاع الناس ودخولهم في هذا الدين أولا، ثم بعدها ينشأ التشريع لهم.
١٤ - كل هذا لا يعني أن الأحكام الشرعية غير مطبقة بالفعل، بل هي قائمة فعلًا، لكن المجتمع المسلم الذي تقوم فيه هو الذي ليس موجودًا ولا قائمًا.
١٥ - وأخيرًا فإن هذا يكشف لنا سر سعي سيدنا يوسف للإمارة في نظره؛ لأنه كان يعيش في مجتمع جاهلي، لا تنطبق فيه قاعدة عدم تزكية النفس.
فهذه هي الأركان الظلمانية الظالمة التي تتكون منها نظرية الفقه عند سيد قطب، وسوف نورد لك كل نقطة مصحوبة بنص كلامه، ثم نعقب عليها بما يكشف مقدار ما فيها من جناية على الإسلام والمسلمين، ومن انتهاك لحرمة القرآن بالتعدي على آياته ومعانيه، وإلصاق الأفهام الحائرة المضطربة المظلمة بها.
ويكفي قبل النقد والبيان أن يشهد رجل كالدكتور يوسف القرضاوي على سيد قطب بعدم معرفته بالفقه أصلًا، فيقول: "لو أُتيح له دراسة الفقه الإسلامي، والعيش في كتبه ومراجعه زمنًا، لغيَّر رأيه، ولكن تخصصه ولون ثقافته لم يتح له هذه الفرصة، وبخاصة أن مراجع الفقه بطريقتها وأسلوبها لا تلائم ذوقه الفني الرفيع".
واستمع إلى عبارات سيد قطب بحروفها وكلماتها في كل قضية وعنصر من العناصر السابقة:
١ - اتهام عقول الفقهاء وعقلية الفقه كلها بأنها خمدت وجمدت في قرون الخمود والركود، فيقول: "لأننا نرى أن الأمر في هذه المسألة أبعد أعماقًا، وأوسع آفاقًا من أن يرتكن إلى هذا الوجه وأنه إنما يرتكن إلى اعتبارات أخرى لا بد من إدراكها، لإدراك منهج الاستدلال من الأصول والنصوص، ولإعطاء أصول الفقه وأحكامه تلك الطبيعة الحركية الأصيلة في كيانها، والتي خمدت وجمدت في عقول الفقهاء وفي عقلية الفقه كلها في قرون الخمود والركود" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٦].
٢ - الفقه نشأ من خلال حركة مجتمع مسلم، والمجتمع بحركته هو الذي أنشأ الفقه، فيقول: "إن الفقه الإسلامي لم ينشأ في فراغ، كما أنه لا يعيش ولا يفهم في فراغ، لقد نشأ الفقه الإسلامي في مجتمع مسلم، ونشأ من خلال حركة هذا المجتمع في مواجهة حاجات الحياة الإسلامية الواقعية. كذلك لم يكن الفقه الإسلامي هو الذي أنشأ المجتمع المسلم، إنما كان المجتمع المسلم بحركته الواقعية لمواجهة حاجات الحياة الإسلامية هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي، وهاتان الحقيقتان التاريخيتان الواقعيتان عظيمتا الدلالة كما أنهما ضروريتان لفهم طبيعة الفقه الإسلامي وإدراك الطبيعة الحركية للأحكام الفقهية الإسلامية" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٦].
٣ - التفرقة بين فقه الحركة وفقه الأوراق، واتهامه من لم يعرف ذلك بأنهم ليسوا فقهاء وليس لديهم فقه بطبيعة الفقه ولا بطبيعة هذا الدين أصلًا، فيقول: "الذين يفعلون ذلك ويحاولون تطبيق هذه الأحكام كأنها نشأت في فراغ وكأنها اليوم يمكن أن تعيش في فراغ، هؤلاء ليسوا فقهاء، وليس لهم فقه بطبيعة الفقه، وبطبيعة هذا الدين أصلًا، إن فقه الحركة يختلف اختلافًا أساسيًا عن فقه الأوراق" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٦].
٤ - الأحكام الفقهية لم تنشأ في فراغ، ولا تعيش في فراغ، فيقول: "من ثم فليس هنالك حكم فقهي واحد مستقل بذاته، يعيش في فراغ، لا تتمثل فيه عناصر الموقف والجو والبيئة والملابسات التي نشأ نشأته الأولى فيها، إنه لم ينشأ في فراغ ومن ثم لا يستطيع أن يعيش في فراغ" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٦].
٥ - عدم تزكية النفس وترشيحها للمناصب حكم فقهي نشأ في مجتمع مسلم ليطبق في مجتمع مسلم، فإذا انعدم المجتمع المسلم زالت الأحكام الفقهية، فيقول: "فهو من ثم حكم إسلامي جاء ليطبق في مجتمع إسلامي، وقد نشأ في وسط واقعي ولم ينشأ في فراغ مثالي، وهو من ثم لا يطبق ولا يصلح ولا ينشئ آثاره الصحيحة إلا إذا طبق في مجتمع إسلامي، إسلامي في نشأته، وفي تركيبه العضوي، وفي التزامه بشريعة الإسلام كاملة، وكل مجتمع لا تتوافر فيه هذه المقوّمات كلها يعتبر (فراغا) بالقياس إلى ذلك الحكم، لا يملك أن يعيش فيه، ولا يصلح له، ولا يصلحه كذلك! ومثل هذا الحكم كل أحكام النظام الإسلامي) [في ظلال القرآن/٤/٢٠٠٧].
٦ - الحركة هي العنصر المكون لهذا المجتمع، فيقول: "إن الحركة هي العنصر المكوّن لذلك المجتمع. فالمجتمع المسلم وليد الحركة بالعقيدة الإسلامية" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٧].
٧ - الحركة المستمرة في المجتمع المسلم تفرز تلقائيًا أقدار الناس بحسب الابتلاء والصبر، فالمجتمع كله يرشحهم ويزكيهم، فيقول: "حتى يحكم الله بينهم وبين قومهم بالحق، ويمكّن لهم في الأرض - كما مكن للمسلمين أول مرة - فيقوم في أرض من أرض الله نظام إسلامي، ويومئذ تكون الحركة من نقطة البدء إلى قيام النظام الإسلامي قد ميزت المجاهدين المتحركين إلى طبقات إيمانية، وفق الموازين والقيم الإيمانية، ويومئذ لن يحتاج هؤلاء إلى ترشيح أنفسهم وتزكيتها، لأن مجتمعهم الذي جاهد كله معهم يعرفهم ويزكيهم ويرشحهم" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٨].
٨ - لا يقال: إن المجتمع بعد أن يستقر فإنه يحتاج إلى عدم تزكية النفس؛ لأن المجتمع في حالة حركة مستمرة، يستمر فيها إفراز مقامات الناس، فيقول: "ولقد يقال بعد هذا: ولكن هذا يكون في المرحلة الأولى، فإذا استقر المجتمع بعد ذلك؟ وهذا سؤال من لا يعرف طبيعة هذا الدين، إن هذا الدين يتحرك دائمًا ولا يكف عن الحركة، يتحرك لتحرير الإنسان" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٨].
٩ - المجتمع المسلم المعاصر كله مجتمع جاهلي كافر، فهو فراغ لا تعيش فيه الأحكام الفقهية أصلًا، فيقول: "وهذا المجتمع الجاهلي الحاضر يعتبر - بالقياس إلى طبيعة النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية - فراغًا لا يمكن أن يقوم فيه هذا النظام ولا أن تطبق فيه هذه الأحكام" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٩].
١٠ - يدعي المعرفة، وأنه هو وحده يعرف المخرج من هذه المتاهة، فيقول: "أنا أعرف نقطة البدء في هذه المتاهة، إنها هي افتراض أن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه مجتمع مسلم، وأن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية سيجاء بها لتطبق على هذا المجتمع الجاهلي بتركيبه العضوي الحاضر، وبقيمه وأخلاقه الحاضرة، هذه نقطة البدء في المتاهة، ومتى بدأ منها الباحث فإنه يبدأ في فراغ، ويوغل في هذا الفراغ، حتى يبعد في التيه، وحتى يأخذه الدوار، إن هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه ليس هو المجتمع المسلم، ومن ثم لن يطبق فيه النظام الإسلامي ولن تطبق فيه الأحكام الفقهية الخاصة بهذا النظام، لن تطبق لاستحالة هذا التطبيق الناشئة من أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية لا يمكن أن تتحرك في فراغ؛ لأنها بطبيعتها لم تنشأ في فراغ، ولم تتحرك في فراغ كذلك" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠٠٩].
١١ - الدين حاليًا لا يلبي احتياجات المجتمعات الجاهلية الكافرة؛ لأنه لا يعترف بشرعية وجودها أصلًا، ولا يشغل باله بها، فيقول: "كما أن ما لدينا من أحكام هذا الدين لا يطابق حاجات المجتمعات الجاهلية ولا يلبيها، ذلك أن هذا الدين لا يعترف ابتداء بشرعية وجود هذه المجتمعات الجاهلية ولا يرضى ببقائها. ومن ثم فهو لا يعني نفسه بالاعتراف بحاجاتها الناشئة من جاهليتها ولا بتلبيتها كذلك" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠١٠].
١٢ - لا بد أولًا وقبل كل شيء من محاربة العالم كله؛ لإنشاء المجتمع المسلم، وحينئذ ينشأ له فقه جديد، فيقول: "وهذه الحركة لا بد أن تواجه الفتنة والأذى والابتلاء، فيفتن من يفتن ويرتد من يرتد، ويصدق الله من يصدقه فيقضي نحبه ويستشهد، ويصبر من يصبر ويمضي في حركته حتى يحكم الله بينه وبين قومه بالحق، وحتى يمكن الله له في الأرض، وعندئذ فقط يقوم النظام الإسلامي، وقد انطبع المتحركون لتحقيقه بطابعه، وتميزوا بقيمه، وعندئذ تكون لحياتهم مطالب وحاجات تختلف في طبيعتها وفي طرق تلبيتها عن حاجات المجتمعات الجاهلية ومطالبها وطرق تلبيتها، وعلى ضوء واقع المجتمع المسلم يومذاك تستنبط الأحكام وينشأ فقه إسلامي حي متحرك - لا في فراغ - ولكن في وسط واقعي محدد المطالب والحاجات والمشكلات" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠١٠].
١٣ - لا بد من إخضاع الناس ودخولهم في هذا الدين أولًا، ثم بعدها ينشأ التشريع لهم، فيقول: "ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية، والحاجات الجاهلية، وأن يقولوا للناس - وللذين يستفتونهم بوجه خاص - تعالوا أنتم أولًا إلى الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفًا لأحكامه، - أو بعبارة أخرى - تعالوا أنتم أولًا فادخلوا في دين الله، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به، وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء، وتقرير ربوبيته - أي حاكميته وسلطانه- وحده في حياة الناس بجملتها، وتنحية ربوبية العباد للعباد، بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع العباد للعباد، وحين يستجيب الناس - أو الجماعة منهم - لهذا القول، فإن المجتمع المسلم يكون قد بدأ أولى خطواته في الوجود. وهذا المجتمع يكون حينئذ هو الوسط الواقعي الحي الذي ينشأ فيه الفقه الإسلامي الحي وينمو لمواجهة حاجات ذلك المجتمع المستسلم لشريعة الله فعلًا" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠١١].
١٤ - وكل هذا لا يعني أن الأحكام الشرعية غير مطبقة بالفعل، بل هي قائمة فعلًا، لكن المجتمع المسلم الذي تقوم فيه هو الذي ليس موجودًا ولا قائمًا، فيقول: "إن هذا لا يعني - بحال - أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلًا من الوجهة الشرعية، ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه - بل الذي لا تعيش هذه الأحكام إلا به - ليس قائمًا الآن فعلًا، ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقًا بقيام ذلك المجتمع، ويبقى الالتزام بها قائمًا في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي، ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية، وطواغيتها المتألهة، وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠١٣].
١٥ - وأخيرًا، فإن هذا يكشف لنا سر سعي سيدنا يوسف للإمارة في نظره، لأنه كان يعيش في مجتمع جاهلي، لا تنطبق فيه قاعدة عدم تزكية النفس، فيقول: "ولعل هذا البيان أن يكشف لنا عن حقيقة الحكم في موقف يوسف عليه السلام، إنه لم يكن يعيش في مجتمع مسلم تنطبق عليه قاعدة عدم تزكية النفس عند الناس وطلب الإمارة على أساس هذه التزكية، كما أنه كان يرى أن الظروف تمكن له من أن يكون حاكمًا مطاعًا لا خادمًا في وضع جاهلي" [في ظلال القرآن، ٤/٢٠١٣].
وبعد هذه التصور الصارخ العدواني الظالم، إليك التعقيب:
١ - ما زال كل ذلك الكلام منطلقًا ومبنيا ومستصحبًا وقائمًا على الأصل والركيزة الأولى، التي صنعت عقلية سيد قطب، ألا وهي قضية تكفير المجتمع، ورميه بالجاهلية التي هي شرك، والحكم بانقطاع هذا الدين عن الوجود، والحكم بحتمية الاصطدام به، ومحاربته، لصناعة مجتمع مسلم أصلًا.
ففي كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام: "وحين نستعرض وجه الأرض كله اليوم – على ضوء هذا التقرير الإلهي لمفهوم الدين والإسلام - لا نرى لهذا الدين وجودًا، إن هذا الوجود قد توقف منذ أن تخلت آخر مجموعة من المسلمين عن إفراد الله سبحانه بالحاكمية في حياة البشر" [العدالة الاجتماعية في الإسلام، ص١٨٣، ط: دار الشروق، القاهرة، سنة ١٤١٥هـ-١٩٩٥م].
وقال في كتاب معالم في الطريق: "إن وجود الأمة المسلمة يعتبر قد انقطع منذ قرون كثيرة" [معالم في الطريق، ص٨.].
فنحن أمام أطروحة تكفر المسلمين، بل وتحكم بوقوع كفرهم وتحققه منذ قرون مضت، ثم تأتي الخطوة الثانية وهي رفع أحكام الفقه؛ لانعدام المجتمع الذي يمكن أن تعيش فيه أصلًا.
٢ - هذه الأطروحة السابقة بكل مفرداتها في غاية الخطورة؛ لأن دعوى انقطاع الدين، وعموم الجاهلية، وانعدام الفقه وأحكامه وفروعه بالتبعية، فيها عدوان على الدين الإسلامي والرسالة المحمدية، التي جعلها الله تعالى خاتمة الرسالات، وجعلها رحمة للعالمين، وجعل هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، فجعلها سيد قطب أمة كفر وجاهلية وشرك منذ قرون.
٣ - كلامه نابع من جهل مطبق وغياب تام لطبيعة هذا الدين، وكيفية المعيشة به في مختلف الظروف والأحوال، فلقد عاش المسلمون بالإسلام ثلاث عشرة سنة في مكة وهي تعاديهم وتعادي الدين تمامًا، وعاش المسلمون بهذا الدين في الحبشة في وسط يخالفهم لكنه لا يعاديهم بل يرحب بهم، وعاش المسلمون بهذا الدين في المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا أقلية في وسط متعدد، فيه اليهود والأوس والخزرج وأكثرهم على غير الإسلام، وعاش المسلمون بهذا الدين في العهد المدني الثاني بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، والمسلمون حينئذ أكثرية، فحصلت التعددية، واتسع المسلمون لغيرهم، وانفتحوا عليهم، فقدم لنا هذا الدين النماذج الأربعة للمعيشة بالدين في أوساط مختلفة، وأجواء متغايرة، فيأتي هذا الفكر القطبي ليدعي أن دين زال أصلًا، وأنه قد انقطع.
٤ - رَميُ الفقهاء بالخمود والركود عدوانٌ كبير على تاريخ العلم في الأمة الإسلامية، وغيابٌ تام عن رصد حركة الفقهاء، وكيف رصدوا وتتبعوا وراقبوا وفتشوا ونقبوا عن كل نازلة أو كائنة أو حادثة أو واقعة طرأت في ديار المسلمين، ثم اجتهدوا في تصويرها وتكييفها وفحصها، حتى استخرجوا لها حكمًا شرعيًا؛ لكمال بصرهم بالشرع الشريف ومقاصده وأدواته، وقد جمع الشيخ محمد أبو المزايا الكتاني كتابًا اسمه: طبقات المجتهدين، جمع فيه نحو خمسة آلاف مجتهد، عبر طبقات الأمة، مما يدل على أن هذا الشأن لم ينقطع، ولم يغلق بابه في أي زمن، ولا جيل.
٥ - التعدي على مقام نبي الله يوسف، والادعاء بأنه عاش في زمن جاهلي، ترتفع فيه الأحكام الفقهية، ولا يخاطب هو بها؛ لأن الفقه وأحكامه لا تعيش في فراغ، جهل كبير بمقام نبي كريم، لا يحتكم إلى فقه سابق، بل يأتي إليه الوحي في كل نازلة بالبيان الإلهي.
٦ - سيدنا يوسف عليه السلام لم يطلب الإمارة، ولا سعى إليها، والاستدلال بقوله: {قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٥] غلطٌ كبيرٌ في فهم جهة الدلالة، وغياب عن سياق القرآن، وتحميل لدلالات القرآن وتصرفات الأنبياء لأوهام وأفهام حائرة في أذهانهم هم، فيسقطونها على تصرفات أنبياء الله ودلالات القرآن، فيستنطقون القرآن بما لم ينطق به، ويقولونه مالم يقله، ويجعلون تصوراتهم المسبقة حاكمًا وقائدًا، وهذا كله غلط عظيم.
٧ - مفتاح فهم الآية الكريمة: {ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ} [سورة يوسف، الآية ٥٥] هو العلم، حيث وصف الله تعالى يوسف بالعلم في عدد من الآيات المتتالية، ولما ظهر مقتضى علمه المبهر بتصريف شئون الزراعة وإدارة الأزمة في حادث المجاعة، شهد له الشعب المصري العريق في الزراعة بأنه أوتي فهمًا وعلمًا وخبرة يندر وجود نظير لها، فأرسل إليه الملك مرارًا يطلبه ويوسف يأبى، فلما قابله الملك عرض عليه من المناصب ما يشاء، فاكتفى يوسف بعد إلحاحهم بأن يكون وزيرًا أو مستشارًا للاقتصاد، فلم يطلب الإمارة أصلًا، ولم يسع إليها قط، بل دُعي وطُلِب إليها، وعُرضت عليه بإلحاح وكان يأبى، وسيأتي شرح ذلك بتفصيل وتطويل لتبديد الخطأ في فهم هذه الآية الكريمة، وإليك دراسة وافية حول قضية التمكين، من خلال عقل الأزهر الشريف، ومناهج الاستنباط عنده:
أ - عبر الله تعالى بكلمة التمكين مرات في حق المؤمن والكافر، وفي الأمم السابقة، وفى حق البشرية عمومًا، وحيث تكلم الله تعالى عن التمكين جعله منسوبًا إليه هو سبحانه، فنلاحظ أن الله تعالى في كل المواضع التي تكلم فيها عن التمكين جعلها تصرفًا إلهيًا، وليس تكليفًا بشريًا، إنه معنى يصنعه الله، وليس حكما تكليفيًا، فيقول سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: ١٠].
ومعنى التمكين هنا هو أن الله تعالى هيَّأ في هذا الكوكب الأرضي مجال الجاذبية، ودرجة الحرارة والطقس بطريقة معينة، وأوجد الغلاف الجوي والأشجار، وعملية البخر والسحاب والأمطار، وجريان الأنهار، ووجود الزروع والثمار، فسمى الله هذا الخلق الإلهي بالتمكين، حيث لم يجعلنا سبحانه نقيم على المريخ ولا على الزهرة ولا على القمر، إذ لم يوجد في تلك الكواكب والأجرام أمثال هذه العوامل، فما أجراه الله في هذا الكون من تمهيد وتصرف إلهي سماه تمكينًا للإنسان.
ب - بل جعل الله تعالى التمكين شيئًا يحدث مع غير المسلم: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} [سورة الأنعام: ٦]، فانظر مقدار النعم والثروات الطبيعية التي هيأها الله لهم، وجعل عندهم وفرة من الأمطار، فتوجد الغابات، وتنشأ الزراعة، وتوجد ثروة سمكية، ثم قال سبحانه: {وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ} [سورة الأنعام: ٦] ، فما زالت الثروات تتراكم عندهم، مما يعني وجود وفرة ورخاء، فهذا كله من صور التمكين، لكن هذا التمكين ليس مقيدًا ولا مرتبطًا بالإيمان، بدليل قوله سبحانه بعدها: {أَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ} [سورة الأنعام: ٦]، فهناك ثروات تملأ الأرض، وهناك برامج، وخطط عمل، وهناك تنفيذ، فيقع شيء اسمه التمكين، لكن هذا التمكين قد يوجد مع الإيمان، كما يوجد مع عدم الايمان، فهؤلاء قوم ليسوا بمسلمين، ولكن عبر الله تعالى عما آتاهم من تصرف وجاه ونفوذ دولي وأممي وسياسي في زمانهم بالتمكين، وأنه سبحانه هو الذي آتاهم ذلك بتصرف إلهى محض.
ويقول الله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [سورة الحج: ٤١].
ويقول أيضًا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: ٥٥].
التمكين الإلهي في القرآن ليس غاية سياسية، بل هو ثمرة للعلم والعمران، وهو ما يُبرٍزُ ضرورة تفنيد التأويلات المتطرفة التي تحصره في السيطرة، كأفكار سيد قطب التكفيرية، وفي المقابل، فإن الفهم الأزهري يُقدم مفهومًا مختلفًا للتمكين، ويبرزه كعطاء إلهي يعتمد على الإيمان والعمل الصالح.
إن فكرة التمكين في حق الأمم مثلها كمثل فكرة المحبة والمودة في حق الأشخاص، أي: لا يمكن أن نُكلف إنسانًا ونقول له: اصنع محبتك في قلوب الناس، بل نقول له: أحسن معاملة الناس، وخالقهم بخلق حسن، وأنصفهم من نفسك، وحينئذ يلقي الله محبتك في قلوبهم، وقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه فيحبه جبريل فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض» [صحيح البخاري، ٢/٦٢٩، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ط: جمعية المكنز الإسلامي، القاهرة، سنة ١٤٢١هـ].
فالذي نستطيع تكليف الإنسان به هو مجموعة من الأحكام الأخلاقية السلوكية التي يمكن أن يفعلها بطريقة ناجحة، فيوجد الله له القبول، أو تصدر عنه بطريقة صادمة، فتزيده بغضًا في قلوب الناس؛ لأنه متكلف ومتصنع ومتعالٍ، يفتخر على الناس بسلوكه الطيب.
فكيف إذا جاء إنسان ثم قال: سأسعى لإيجاد محبتي في القلوب، ويضع لذلك خططا وإجراءات، ويقاتل عنها، فكذلك فعلت التيارات في قضية التمكين.
وقد أمر الله تعالى الناس بعبادته وتوحيده، والإيمان به، ثم أمرهم بالعمران والحضارة والرخاء، وإكرام الإنسان، وبحفظ الأنفس والعقول والدماء، وتحرير العقول من الجهل، فإذا نحن كأمة قمنا بهذه الوظيفة بين الأمم مع احتكام الاقتصاد واستقرار نظامنا السياسي ونمو فكرنا التعليمي سيوقع الله لنا بين الأمم ما يسمى بالتمكين.
وفى الحقيقة فإننا عندما نغوص داخل النور القرآني الذي يتحدث عن التمكين، فإننا نجد أن ما سبق هو عُصارة عُصارة ما يمكن أن ينتجه العقل العلمي في الأزهر الشريف، المحتكم إلى الأصول والسنن الإلهية والقواعد الفقهية وآداب تحليل آيات القرآن وجمع الآيات التي وردت في نفس الموضوع على بصيرة.
فكرة الحاكمية هي الجوهر الفكري للتيارات المتطرفة.
بعض المنتسبين إلى الدين، رغم شغفهم بالقرآن، قد ينحرفون نحو التكفير والعنف.
مناظرة ابن عباس للخوارج في الفهم المغلوط منهج مهم للتصدي للأفكار المتطرفة.