تعد المرافق العامة المرآة التي تعكس وعي المجتمع، وأخلاق أفراده، ومدى إحساسهم بالمسؤولية والانتماء؛ فهل تخيلت يومًا أن تخريب مقعد في حديقة هو اعتداء مباشر على حقوق ملايين البشر؟
تعد المرافق العامة المرآة التي تعكس وعي المجتمع، وأخلاق أفراده، ومدى إحساسهم بالمسؤولية والانتماء؛ فهل تخيلت يومًا أن تخريب مقعد في حديقة هو اعتداء مباشر على حقوق ملايين البشر؟
لقد سبق الإسلامُ النظمَ الحديثة في ترسيخ ثقافة المحافظة على الممتلكات العامة، وربط بين صلاح الإنسان وصلاح البيئة التي يعيش فيها، ولهذه الثقافة العديد من الصور والتي منها:
لم يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - سلوك الصالحين مجرد أخلاق مستحبة، بل جعله جزءًا من الإيمان نفسه، فقال فيما رواه الإمام مسلم: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمان» [رواه مسلم برقم٥٧].
تأملوا هذا الحديث العظيم؛ فإماطة حجر من الطريق، أو إزالة قشرة موز، أو رفع زجاجة مكسورة قد تؤذي المارة، قد جعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جزءًا من الإيمان.
فكيف بمن يضع الأذى في الطريق، أو يتعمد إفساد المرافق، أو يترك القمامة في الأماكن العامة؟!
وفي صحيح مسلم يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان» [رواه مسلم برقم ٢٢٣]، ولم يقصد الإسلام بالطهارة طهارة الجسد فحسب، بل أراد طهارة الإنسان في سلوكه وبيئته ومحيطه؛ فالمسلم الحق لا يرضى أن يعيش في بيئة قذرة، ولا أن يترك خلفه منظرًا يؤذي الناس.
ومن القواعد الكبرى في الشريعة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضَررَ ولا ضِرارَ» [رواه ابن ماجه برقم ٢٣٤١]؛ فكل سلوك يؤدي إلى إتلاف الممتلكات العامة أو تعطيلها أو تلويثها هو نوع من الضرر المنهي عنه شرعًا، ومن يعبث بمرفق عام فإنه يضر بالطلاب في مدارسهم، والمرضى في مستشفياتهم، والمواطنين في طرقهم وحدائقهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰۤ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وهذه المرافق العامة أمانة في أعناقنا جميعًا؛ لأننا مستخلفون في هذه الأرض، ومسؤولون أمام الله عن كل نعمة أُتيحت لنا.
الوطن لا يُبنى بالكلمات والشعارات وحدها، بل يُبنى بالسلوك اليومي؛ فحين يحافظ المواطن على الممتلكات العامة، أو يزرع شجرة، أو يمتنع عن إلقاء القمامة في الشارع، فإنه يمارس أرقى صور الوطنية.
وإن الدول المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه بسبب كثرة الموارد فقط؛ وإنما لأنها نجحت في صناعة إنسان يشعر أن المقعد في الحديقة ملك له، وأن الطريق أمام بيته مسؤوليته، وأن المرفق العام جزء من بيته الكبير الذي يسمى "الوطن".
وإن العبث بالممتلكات العامة يحمّل الدولة أعباء مالية ضخمة؛ لإصلاح ما أفسده البعض، وكان الأولى أن تُوجَّه هذه الأموال لبناء مدارس أو مستشفيات جديدة أو مشروعات تنموية.
من المؤسف قيام بعض أفراد المجتمع بارتكاب بعض السلوكيات السلبية والتي تفسد المجتمع وتؤذي أفراده، مثل:
وهذه التصرفات ليست مجرد أخطاء فردية، بل هي اعتداء على المال العام، وإهدار لحقوق المجتمع كله.
يجب علينا جميعًا أن نحافظ على المرافق العامة؛ لأن المحافظة عليها تحقق فوائد عظيمة، منها:
وإن الأمم تُعرف من شوارعها ومدارسها وحدائقها، كما تُعرف من أخلاق أبنائها وسلوكهم.
لتحويل المحافظة على المرافق العامة من مجرد شعارات إلى ثقافة مجتمعية أصيلة، لا بد من تضافر الجهود وتكامل الأدوار بين الوعي الذاتي والرقابة القانونية؛ ويمكن تحقيق ذلك من خلال الخطوات التالية:
بتعزيز قيمة القدوة الحسنة؛ فالأب الذي يحافظ على الشارع يربي أبناءه على حب الوطن.
إن صيانة المرافق العامة ليست عملًا ثانويًا ولا سلوكًا تجميليًا، بل هي عبادة نتقرب بها إلى الله، وصورة من صور المواطنة الصادقة والانتماء الحقيقي؛ فلنجعل من شوارعنا ومدارسنا وحدائقنا رسالةً حيَّة ناطقة تقول للعالم: هنا أناسٌ فهموا أن الإيمان ليس كلمات تُقال، بل سلوك يُرى، وأن حب الوطن ليس شعارات تُرفع، بل أمانة تُصان.
حرمة إيذاء الناس مبدأ أصيل في الإسلام، يقوم عليه بناء المجتمع السلي
التمييز بين الوسائل المادية التي تعتمد على العقاب والمكافأة، وبين الوسائل الأدبية التي ترتقي بالنفس إلى مستوى الضمير والعقل والإيمان.
تعزيز الانتماء الوطني لدى الأفراد هو عملية متعددة الجوانب، تبدأ من مرحلة الطفولة وتستمر طوال حياة الإنسان
ينظر إلى العمل باعتباره وسيلة أساسية لبناء النظام الاجتماعي وتنظيم العلاقات الإنسانية