Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التعصب

الكاتب

أ.د/ عبد العظيم منصور

التعصب

التعصب في الإسلام هو دافع لوحدة الأمة وحماية الدين والوطن، حيث يُعتبر التعصب تمسكًا قويًّا بالشريعة والحقوق الإسلامية.

مفهوم التعصب عند الإمام محمد عبده

نحن لا نَعْرِضُ للتعصب في موضوع الأخلاق الإسلامية على أنه خُلُق مذموم بل نسوق هذا البحث عن التعصب عن قصدٍ مِنَّا، لأنه أصبح من السَّخَف الممقوتِ أن يَرمي أعداء الإسلامِ الإسلامَ والمسلمين بالتعصب فيسارِعُ المسلمون إلى دفع التعصب عن دينهم وكأنما هو رذيلة من الرذائل يبرأ منها الإسلام ولا تليق بالمسلمين، وما أكثرَ ما يتشدق به أعداء الإسلام عن جهل بحقيقته أحيانًا وعن قصد للنيل من الإسلام والمسلمين في أغلب الأحيان.

والتعصب كما يراه الإمام محمد عبده قيام بالعصبية، والعصبية من المصادر النسبية نسبة إلى العُصْبَة، وهي قوم الرجل الذين يُعَزِّزُون قوته ويدفعون عنه الضَّيم والعداء، فالتعصبُ وصف للنفس الإنسانية، تَصْدُر عنه نهضةٌ لحماية مَنْ يتصلُ بها والذودِ عن حقه، ووجوه الاتصال تابعة لأحكام النفس في معلوماتها ومعارفها، وهذا الوصف هو الذي شكَّل الله به الشعوب وأقام به بناء الأمم، وهو عقد الربط في كل أمة، بل هو المزاج الصحيح، يُوَحِّد المتفرق منها تحت اسم واحد، أو ينشئها بتقدير الله خلقًا واحدًا، كَبَدَن تَألَّف من أجزاءَ وعناصرَ تُدِيره روحٌ واحدة فتكون كشخص يَمتاز في أطواره وشئونه وسعادته وشقائه عن سائر الأشخاص، وهذه الوحدة هي مبعث المباراة بين أمة وأمة، وقبيل وقبيل، ومباهاة كل من الأُمَّتَيْنِ بما يتوفر لها من أسباب الرفاهية وهناء العيش، وما تجمعه قُواها مِن وسائلِ العِزَّة والمَنَعة، وسُمُوِّ المقام ونفاذ الكلمة.

والتنافس بين الأمم كالتنافس بين الأشخاص، أعظم باعث على بلوغ أقصى درجات الكمال في جميع لوازم الحياة بقدر ما تسعه الطاقة. ويستطرد الإمام محمد عبده إلى القول بأن التعصبَ روحٌ كليٌّ مَهْبِطُه هيئةُ الأمة وصورتُها وسائرُ أرواح الأفراد.

فإذا ألمَّ بأحد المشاعر ما لا يلائمه من أجنبي عنه، انفعل الروح الكلي وجاشت طبيعته لدفعه، فهو لهذا مثار الحمية العامة، وباعث النعرة الجنسية.

هذا هو الذي يرفع نفوس آحاد الأمة عن معاطاة الدنايا وارتكاب الخيانات فيم يعود على الأمة بضرر أو يؤول بها إلى سوء عاقبة.

وإنَّ استقامة الطباع ورسوخ الفضيلة في أمة تكون على حسب درجة التعصب فيها، والالتحام بين آحادها يكون كل منهم بمنزلة عضو سليم من بدن حَيٍّ، لا يجدُ الرأسُ بارتفاعه غِنَىً عن القَدَم ولا يَرى القدمان في تَطَرُّفِهِما انحطاطًا في رتبة الوجود، وإنما كل يؤدي وظائفه لحفظ البدن وبقائه.

وكلما ضعفت قوة الربط بين أفر اد الأمة بضعف التعصب فيهم استرخت الأعصابُ، ورثت الأطناب، ورقَّت الأوتار، وتداعى بناءُ الأمة إلى الانحلال كما تتداعى بِناءُ البِنيه البَدنية إلى الفناء بعد هذا يموت الروح الكلي، وتبطل هيئة الأمة وإن بقيت آحادها فما هي إلا كالأجزاء المتناثرة، إمَّا أن تتصلَ بأبدان أخرى بحكم ضرورة الكون، وإمَّا أن تبقى في قبضة الموت إلى أن ينفخ فيها روح النشأة الأخرى.

سنة الله في خلقه، إذا ضعفت العصبية في قوم رماهم الله بالفشل، وغفل بعضهم عن بعض، وأعقب الغفلة تقاطع في الروابط، وتبعه تقاطع وتدابر، فيتسع للأجانب والعناصر الغريبة مجال التداخل فيهم، ولن تقوم لهم قائمة من بعد حتى يعيدهم الله كما بدأهم بإفاضة روح التعصب في نشأة ثانية [الإسلام والمسلمون].

التعصب المحمود في الإسلام

وهكذا فالتعصب في نظر الإسلام إن هو إلا قَبْضٌ على الدين واستمساكٌ به ووقوفٌ عند ما حَدَّه المُشَرِّعُ الحكيم من أحكام تتناول أمور الدين والدنيا في الدماء والأعراض والأموال، وحفظُ حرمات الشريعة دون تضييعها وذلك على مستوى الفرد وعلى مستوى الأسرة وعلى مستوى الملك، ورَدُّ المسلمين إلى قانون واحد؛ بحيث لا تذهب بهم الأهواءُ كلَّ مذهبٍ، ولا تضطربُ أمامهم الطرق، ولا تنازعُهم الأغراضُ والشهوات ولا تسيطرُ على تصرفاتهم الأَثَرَةُ والأنانيةُ تُفَرِّقُ وحدتَهم، وتشتِّتُ جماعَتهم، ومحاربةُ أصحاب البدع والمنكرات والأخْذُ على أيديهم وجَرُّهم إلى حظيرةِ الدين ولزومِ جماعة المسلمين، من أجل التمكينِ للدين، وردِّ غوائلِ الطامعين.

كلُّ هذه الأمور وقد أريد بها تعزيزُ الولاية الإسلامية وبسطُ سلطانِ الدين في تضافرٍ وتساندٍ وتعاضدٍ من المسلمين، تُعتبر من أقدس الروابط بين المسلمين تعلو على جميع الاعتبارات أيًّا كان شكلُها وأيًّا كان نوعها وطبيعتها.

وفي مثل تلك الحالات فإن جميع دعاوى الذين يعترضون على المسلمين تعتبر مَضْعُوفَة الأثرِ منقوضةَ الأساس، ولا يمكن أن يُؤخذ على المسلمين أنَّ تَعصُّبَهم من أجل دينهم وتَضَافُرَهم للقضاء على كل من يريد النَّيلَ منهم هو خُلُقٌ غيرُ محمود بل هو خلق محمود لا يَقبل الدين الإسلامي سواه، ولا يرتضي إلا إياه.

التعصب في التاريخ الإسلامي

وإن مَنْ يتتبعُ تاريخ المسلمين الطويل يقرأُ في ضوئه الماضي ويأخذُ منه العبرة للحاضر ويخططُ على هديه للمستقبل يُدركُ مدى مسالمة المسلمين لأعدائهم وقت القدرة على الانتقام منهم لما سبق أن ارتكبوه في حقهم وما رَمَوْا به دينَهم، ويدركُ مدى ما كان من نتائجِ تَمَسُّكِ المسلمين بدينهم وتعصبِهم لأحكامه، ومعاملتهم لغيرهم على مقتضيات السماحة التي أمر الإسلام أبناءه أن يعامِلوا غيرهم على أساسها.

إنَّ التعصب لأحكام الإسلام بمعنى الاستمساكِ بها وعدمِ تعطيلها أو مجاوزتها إلى غيرها هو الضمانة الوحيدة لأمن المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، فبالتعصب سيأمن غيرُ المسلمين على عقائدهم وسيُتْرَكُ غيرُ المسلمِ حرًّا في اختيار عقيدة دينية يرتاح إليها ويطمئن لها دون أن يخضع في اختياره لضرب من ضروب القَسْر أو الإكراه، كما لن يكون لأحد أن يُكْرِهَه لترك عقيدة يدين بها ليدين بغيرها، بل سيكون اختياره وتركه خاضعًا للدليل والإقناع وحسبما يهديه إليه فكره، وتقوده إليه بصيرته، وسيأمن غيرُ المسلمين إذا تعصب المسلمون لدينهم على دمائهم وأعراضهم وأموالهم إلا ما يفرضه الإسلام عليهم، ولن يُكَلَّفوا فوق طاقتهم إلى غير ذلك من أمور الدين والدنيا، وهذا ما سار عليه المسلمون مع غيرهم وقت أن كان التعصب للإسلام دَيْدَنًا للمسلمين وشرطًا للانتماء إلى الدين .

صور التسامح في التاريخ الإسلامي

وإن ما يُشاهَد اليومَ مما يُشبه أن يكون تسامحًا دينيًا في علاقات الحكومات الإسلامية- ونجد ظواهر هذا التشريع في الإسلام في كتب الرحالة في القرن الثامن عشر- يرجع إلى ما كان في النصف الأول من القرن السابع من مبادئ الحرية الدينية، التي مُنِحَت لأهل الكتاب في مباشرة أعمالهم الدينية.

وروح التسامح في الإسلام قديم، تلك الروح التي اعترف بها المسيحيون المعاصرون أيضًا... وقد جاءت الأخبار في السنين العشر الأولى للإسلام بِمَثَلٍ للتسامح الديني للخلفاء إزاء أهل الأديان القديمة، وكثيرًا ما كانوا يوصون في وصاياهم للفاتحين بالتعاليم الحكيمة، ومن المُثُل لذلك: عهدُ النبي مع نصارى نجران الذي حوى احترام منشآت النصارى ثم هذه القواعد التي أعطاها لمعاذ بن جبل عند ذهابه إلى اليمن: «لا يزعج يهودي في يهوديته»، وفي هذه الدائرة العالية كانت عهود الصلح التي أعطيت للنصارى الخاضعين للدولة البيزنطية التي اندمجت في الإسلام وبموجبها كانوا -في مقابل دفع الجزية- يستطيعون مباشرة شئونهم الدينية من غير إزعاج لهم، وكما أن مبدأ التسامح كان جاريًا في الأعمال الدينية كذلك من جهة أخرى كان يُرَاعي فِقهيًّا، فيما يتعلق بالمعاملات المدنية والاقتصادية بالنسبة لأهل الكتاب مبدأُ الرعاية والتساهل، فظلم أهل الذمة وهم أولئك المُحْتَمون بِحِمَى الإسلام من غير المسلمين كان يُحْكَمُ عليه بالمعصية وتعدي الشريعة ففي بعض المرات عامل حاكم إقليم لبنان الشعب بقسوة عندما ثار ضد ظلم أحد عمال الضرائب فحكم عليه بما قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «مَن ظلم مُعَاهدًا وَكَلَّفَه فَوْقَ طَاقَتِهِ فَأَنا حَجِيْجُه يَوْمَ القِيَامَة» وفي عهدٍ حديثٍ من هذا ما رواه (بورتر) في كتابه خمس سنين في دمشق من أنه رأى بالقرب من بصرى "بيت اليهودي"، وحَكَى أنه كان في هذا الموضع مسجدٌ هدمه عمر؛ لأن الحاكم قد اغتصبه من يهودي ليبني عليه هذا المسجد. [العقيدة والشريعة ص ٤٦ – ٤٧].

هذا هو رأي أحد مشاهير المستشرقين في روح التسامح كما قررها الإسلام وعمل بها المسلمون في وقت تعصبهم لدينهم واستمساكهم بأحكامه، وتعلقهم بأهدافه، ولكنَّ آفة أعداء الإسلام هي ضيق صدورهم وتسلط شهوة الإنكار على عقولهم كلما اهتدوا إلى حقيقة الدين الإسلامي بأصوله السمحاء، فلا يلبثوا إلا أن يتصوروها على الصورة التي تهواها أنفسهم وتتجاوب مع بعضهم للإسلام والمسلمين.

وعلى هدي ما سبقت الإشارة إليه يمكن القول بأن العصبية التي يرضاها الإسلام ويطلب إلى المسلمين أن يكونوا عليها هي تلك الدافعة إلى التعاضد والتناصر في كل أمر يريدون حمل الناس عليه فرضه الدين وأوجبه على المسلمين، وفيمَا حكاه القرآن عن إخوة يوسف -عليه السلام- تبيان لمقصدنا من الكلام على العصبية في حين قالوا لأبيه: {قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ} [يوسف: ١٤] 

التعصب وحماية حقوق غير المسلمين

وفي الوقت الذي كان فيه المسلمون متعصبين لدينهم بل وفي تاريخ المسلمين الطويل لم يحدث أن تمتعت أقلية غير مسلمة على أرض غير إسلامية، بمثل ما تمتعت به أقليات عاشت على أرض الإسلام وبين المسلمين، فالمسلمون هم المسلمون ينظرون إلى غيرهم نظرة الإخاء الإنساني العالي فالكل عبيد الله مسلم وغير مسلم، الله ربهم وهم عباده، خلقهم الله للتعارف والتعاون وليس للتناكر والتباغض والتحاسد، وعلى هذا الأصل الجامع عامل المسلمون غيرَهم المخالفين لهم ولم يسبق أن وقف المسلمون في طريق غير أبنائه لمنع تقدمهم على طريق الحياة وفق استعداداتهم وقدراتهم وما تؤهله لهم إمكانياتهم الطبيعية والمكتسبة.

ويقينًا إن الأمم غير الإسلامية لم تسلك هذا المسلك مع أبناء الإسلام ولا في استطاعتها أن تسلكه في الحاضر بل وفي المستقبل على حد سواء لأنها مطالبة وفق مخطط مرسوم وسياسة مدروسة أن تنال من الإسلام والمسلمين كلما ملكت من أسباب القدرة ما يسمح لها بالكيد للإسلام باعتباره الرابطة الدينية القوية المقامة على العقيدة الصحيحة الكفيلة بإقامة وحده قوية وكتلة إسلاميه ليس من الميسور تمزيقه وفَصْمِ عُراها وقطع حبالها.

وما أبلغ ما عرضه الإمام محمد عبده في هذه الخصوصية بقوله ولكنَّا نعجب من أن بعضا من سُذَّجِ المسلمين مع بقائهم على عقائدهم وثباتهم في إيمانهم يسفكون الكلام في ذَمِّ التعصب الديني ... ولا يَعلم أولئك المسلمون أنهم بهذا يشقون عصاهم ويُفسدون شأنهم ويخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المارقين، يطلبون محو التعصب المعتدل وفي محوهِ محو الملَّة ودفعها الى أيدي الأجانب يستعبدونها مادامت الأرض أرضًا والسماء سماءً.

والله ما عَجَبُنَا مِن هؤلاء بأشد من العَجَبِ لأحوال الغربيين من الأمم الإفرنجية الذين يبذلون أقصى الجهد لنشر هذه الأفكار بين الشرقيين، ولا يخجلون من تبشيع التعصب الديني ورمي المتعصبين بالخشونة.. الإفرنج أشد الناس في هذا النوع من التعصب، وأحرصهم على القيام بدواعيه.. ومن القواعد الأساسية في حكوماتهم السياسية الدفاع عن دعاة الدين، والقائمين بنشره، ومساعدتهم على نجاح أعمالهم.. وإذا عَدَت عاديةٌ مما لا يخلو عنه المجتمع البشري على واحد ممن على دينهم ومذاهبهم في ناحية من نواحي الشرق سمعت صياحًا وعويلًا، تتلاقى أمواجه في جو بلاد المدنية الغربية، وينادي جميعهم: ألَا قد ألمَّت مُلِمَّةٌ، وحدثت حادثة مهمة، فأجمعوا الأمر، وخذوا الأهمية لتدارك الواقعة والاحتياط من وقوع مثلها حتى لا تنخدش الجامعة الدينية.

وتراهم على اختلافهم في الأجناس وتباغضهم، وتحاقدهم، وتنابذهم في السياسات، وترقُّب كل دولة منهم لعثرة الأخرى حتى توقع بها السوء .. ويتقاربون ويتألفون ويتحدون في توجيه قواهم الحربية والسياسية لحماية مَن يشاركهم في الدين وإن كان في أقصى قاصية من الأرض ولو تقطعت بينه وبينهم الأنساب الجنسية، أما لو فاض طوفان الفتن، وطَمَّ وجه الأرض، وغمر البسيطة دماء المخالفين لهم في الدين والمذهب، فلا ينهض فيهم عرق ولا يتنبه لهم إحساس، بل يتغافلون عنه ويذرونه.. ويذهلون عما أُودِعَ الفطرةَ البشريةَ من الشَّفَقَة الإنسانية والرحمة الطبيعية كأنما يعدون الخارجين عن دينهم من الحيوانات السائمة والهمل الرعية، وليس من نوع الإنسان الذي يزعم الأوربيون أنهم حُمَاتُه وأنصاره وليس هذا خاصًّا بالمتدينين منهم، بل الدهريون ومن لا يعتقدون بالله وكتبه ورسله يسابقون المتدينين في تعصبهم الديني، ولا يألون جهدًا في تقوية عصبيتهم، وليتهم يقفون عند الحق، ولكن كثيرًا ما تجاوزوه ..أمَا أنَّ شأن الإفرنج في تمسكهم بالعصبية الدينية لغريب . يبلغ الرجل منهم أعلى درجة في الحرية ... ثم لا تجد كلمة تصدر عنه إلا وفيها نفثة من روح بطرس الراهب داعية الحرب، الحرب الصليبية وهو فرنسي - بل لا ترى روحه إلا نسخة من روحه. [الإسلام والمسلمون ص ١٤٥ – ١٤٦]

التعصب وحماية الدين والشرع

وما دام الأمر كذلك فما أحوجَ المسلمين إلى التعصب لدينهم وجمع وحدتهم ومتفرقهم واتخاذ عقيدتهم مركزًا لتجمعهم وانطلاقهم والشعور بالتبعة الجسيمة التي يحملونه أمام الله وأمام المسلمين على تباعد الأقطار وبُعد الديار واختلاف الألوان وتباين اللهجات، بل وأمام البشرية جميعها باعتبارهم الأمناء على مواريث النبوة النابعة من السماء، والمسئولون عن قيادة البشرية والأخذ بيدها إلى ما فيه خيرها وخير أبنائها

أما المخالفون من المسلمين، فليس هناك من قول يمكن أن يقال لهم كلما أرادو من الإسلام نَيْلًا، أو للمسلمين كيدًا، أو كلما رَمَوا المسلمين بالتعصب {كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا} [الكهف: ٥].   

وحسبنا أن نتعصب لشرع منزل من عند الله يؤمن ببشريةٍ واحدةٍ كريمةٍ على الله، وحسبهم تعصبهم لدواعي الأهواء والأغراض والشهوات.

نداء إلامام محمد عبده إلي الأمة

وحسبنا أن نوجه إلى المسلمين نداء الإمام محمد عبده بقوله: "فيا أيتها الأمة هذه حياتكم فاحفظوها ودماؤكم فلا تريقوها وأرواحكم فلا تزهقوها، وسعادتكم فلا تبيعوها بثمن دون الموت، هذه هي روابطكم الدينية لا تغرنكم الوساوس ولا تستهوينكم النزهات، ولا تدهشكم زخارف الباطل.

ارفعوا غطاء الوهم عن باصرة الفهم واعتصموا بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها العربي بالتركي، والفارسي بالهندي، والمصري بالمغربي، وقامت لهم مقام رابطة النَّسب حتى إنَّ الرجل منهم ليألمُ لِمَا يُصِيبُ أخاه من عاديات الدهر وإن تناءت دياره وتقاصت أقطارُه، هذه صلة من أمْتَن الصِّلات ساقها الله إليكم، وفيها عزتكم ومَنَعَتُكم وسلطانكم وسيادتكم فلا تُوهنوها، ولكن عليكم في رعايتها أن تخضعوا لسلطان العدل، فالعدلُ أساس الكون وبه قوامه، ولا نجاح لقوم يزدرون العدل بينهم، وعليكم أن تتقوا الله وتلزموا أوامره في حفظ الذِّمم وتأدية الحقوق لأربابها، وحُسن المعاملة، وأحكام الألفة -المنافع الوطنية بينكم وبين أبناء أوطانكم وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة؛ فإن مصالحكم لا تقوم إلا بمصالحهم كما لا تقوم مصالحهم إلا بمصالحكم. وعليكم ألا تجعلوا عصبية الدين وسيلة للعدوان، وذريعة لانتهاك الحقوق، فإن دينكم ينهاكم عن ذلك، ويوعدكم عليه بأشد العقاب.

ولا تجعلوا عصبيتكم مقصورة على مُجَرَّدِ مَيل بعضكم لبعض، بل تضافروا به على مباراة الأمم في القوة والمنعة والشوكة والسلطان، ومنافستهم في اكتساب العلوم النافعة والفضائل والكمالات النفسية، اجعلوا عصبيتكم سبيلًا لتوحيد كلمتكم، واجتماع شملكم، وأخذ كل منكم بيد أخيه ليرفعه من هوة النقص إلى ذروة الكمال {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ} [المائدة: ٢].

ألا فتعصبوا لدينكم أيها المسلمون إن كنتم مؤمنين، فإنكم الحق الذي جاء به مُبَلِّغُه من عند الحق، وإقامةُ الحق أمانة في أيديكم، أخذَ الله عليكم العهد والميثاق أن تقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، وإماتةُ الباطل واجب فرضه الله عليكم، ومطاردةُ أولياء الشيطان وأعداءِ الإنسان في كل زمان ومكان فريضة إسلامية لا حجة للمسلمين في التَّنَصُّلِ منها، ولا عُذرَ لهم إنْ قَصَّرُوا في تأديتها.

الخلاصة

التعصبُ في الإسلامِ، كما يراهُ الإمامُ محمد عبده، ليس ضعفًا يُذم، بل قوة تُحمَد! رؤية ثاقبة تُعيد تعريف العصبية كسيف يحمي الحق، ودرعٍ يصون الأمة، وعدلٍ يُجَسِّد روح الإسلام، فإذا كان التعصب للباطل هدمًا، فالتعصب للحق بناءٌ يُقيم حضارةً تُحفظ فيها الدماءُ والأعراضُ، ويُصان فيها الدينُ والوطنُ.

موضوعات ذات صلة

يعنى العقاب من أجل انتهاك حرمات الله. 

هي من الخصال الذميمة التي تسقط الإنسان إلى الغي.

الظن يشغل كثيرًا من الناس ويأتي بمعاني كثيرة منها اليقين ومنها العلم ومنها الشك.

موضوعات مختارة