Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الـوسـطـيـة

الكاتب

أ.د/ محمد فتحي فرج بيومي

الـوسـطـيـة

الوسطية ليست مجرد مصطلح ديني أو شعار نظري، بل هي منهج متكامل للحياة، يحقق للإنسان التوازن بين حاجاته الروحية والمادية، ويجنّبه مظاهر الغلو والانحراف عن الفطرة.

مفهوم الوسطية بين الفلسفة والشريعة

الوسطية من التعريفات التي تعلمناها من مبادئ فلسفة الأقدمين أن الفضيلة هي: حد الوسط بين طرفين يمثل كلاهما رذيلة، والأمثلة على ذلك كثيرة.

فالشجاعة فضيلة تتوسط في موقعها بين التهور المذموم والجبن الممقوت وعلى هذا المنوال تسير معظم الفضائل إذا ما عرضناها بهذا الشكل، وحينما تعرض القرآن الكريم لوصف أمة الإسلام ينعتها بهذه الخصيصة المميزة فيقول تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة ١٤٣]، فوسطية هذه الأمة الإسلامية إنما تأتى من وسطية منهجها ونظامها فهو منهج وسط، لأمة وسط اختاره الله تعالى شعارًا مميزا لهذه الأمة التي هي آخر الأمم الكتابية ولهذه الرسالة التي ختم بها الرسالات السماوية، وبعث بها نبيه للناس جميعًا ليكون رحمة للعالمين.

ومن الأطراف المتقابلة أو المتضادة: الروحية والمادية، الفردية والجماعية، الثبات والتغير، الإسراف والتقتير، الواقعية والمثالية، وما إلى ذلك من المقابلات والنقائض.

الوسطية في شؤون الحياة اليومية

ويأتي التوازن هنا لكي يفسح المجال لكل طرف منهما بنصيبه العادل بلا إفراط ولا تفريط، فينال حظه بالقسطاس المستقيم، والإنسان بذاته عاجز عن إنشاء نظام متوازن يتمتع بهذه الوسطية وهذا الاعتدال؛ ومن ثم لا يخلو منهج أو نظام يصنعه بشر - فرد أو جماعة - من الإفراط أو التفريط، كما يدل على ذلك استقراء الواقع وقراءة التاريخ، فالقادر على ذلك وحده هو الله تعالى خالق البشر وخالق الكون كله، وانظر إلى آيات الله تعالى في القرآن الكريم تجد أوضح الأمثلة وأعظمها في هذا التوازن المبثوث في كل حنايا الكون قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن: ٧ - ٩]، وحينما ينجح في مجال الإنفاق يقول سبحانه: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء: ٢٩]، ويقول في معرض تزكية المعتدلين: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: ٦٧]، ويدخل في هذا الباب أيضًا التوسط والاعتدال في استهلاك الطعام والشراب.

نماذج قرآنية للتوازن والاعتدال

والقرآن الكريم ينبهنا إلى أمر بالغ الأهمية والوضوح، وهو الاعتدال وعدم التجاوز أو الإسراف في المأكل والمشرب، على الرغم من أنهما مما أحل الله تعالى للإنسان، حيث يقول سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: ٣١]، وقد ورد في الأثر أيضًا: «نَحْنُ قَوْمٌ لَا نَأْكُلُ حَتَّى نَجُوعَ وَإِذَا أَكَلْنَا لَا نَشْبَعُ»، وكما ورد كذلك: «صُومُوا تَصِحُّوا»، وورد أيضًا: «المَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ».

وبهذه الوسطية وهذا الاعتدال لا يترك الإنسان الدنيا لكي تستعبده ولا هو يطلقها طلاقا بائنا، فالله تعالى يقول: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: ٧٧]، وهو - سبحانه - القائل: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: ٤٦] هذا من جانب أما بقية الآية فيشير إلى الجانب الآخر حيث يقول تعالى: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: ٤٦].

والنبي صلى الله عليه وسلم وقد كانت حياته وأقواله وأعماله ترجمة حرفية للقرآن الكريم، يقول في معرض التوسط والاعتدال، حتى في العبادة: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلوا فِيهِ بِرِفْقٍ» ويقول أيضًا: «إنَّ المُنبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى»، وينسب للإمام على كرم الله وجهه قوله: «اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِأُخْرَاكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا».

وقد أورث كل ذلك وسطية غير محمودة في غير الإسلام: وسطية محمودة بين الروحية والمادية على الإجمال، تتفق مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، بحيث يجد المرء نفسه مدفوعًا لعمارة أرض الله.

ثم هو أيضًا يتجه بأشواقه العليا إلى موعودات الله له في الآخرة، ولا غرو أنه مخلوق من عناصر هذه الأرض، إلا أن الله تعالى قد شرفه بأن نفخ فيه من روحه؛ فهو إذن مركب من مادة وروح، وقد كفل لنا القرآن الكريم ما يشبع حاجات كل منهما، ومن ثم فقد أباح الله له شهوة الطعام، وشهوة الجنس، وشهوة الاستمتاع بطييبات الحياة، أباحها للإنسان بوضوح لا لبس فيه، بل دعاهم دعوة صريحة إلى هذا الاستمتاع بها في حدود مأ أحل الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: ٣٢]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: ١٧٢]، وقال: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: ٧٧].

وهذا الإشباع الغريزي في نطاق ما أحل الله، على جانب كبير من الأهمية: إذ أن كبت هذه الحاجات الفطرية كما قرر علماء النفس، لا يتمثل فقط في الامتناع عن إتيان العمل الغريزي الذي تدفع إليه الطاقة الشهوية في الإنسان، وإنما ينشا الكبت من استقذار العمل الغريزي، وعدم اعتراف، الإنسان في داخل نفسه بأنه لا يحق له أن يفكر في إتيان هذا العمل، وإنكاره للرغبة في إتيانه إطاعة للذات العليا التي تمثل سلطة الوالد أو الإله، أي إطاعة لقوة جبرية تحرم الفرد هذا الإحساس.

الصراع الداخلي وأثره النفسي

ومن هذا الصراع بين الرغبة الطبيعية، في الإشباع الفطري الحلال وبين الحرمان أو العيب من مجرد الحوار، في مثل هذه الموضوعات ينشأ الكبت الذي هو أصل لكل الاضطرابات النفسية والعصبية المعروفة، وعلى سبيل المثال، فإنه عندما يحس الفتى المراهق بالرغبة في الجنس الآخر لا يحتاج - في الإسلام - أن يستعيذ بالله من مجرد هذا الإحساس؛ لأن الإسلام يقرر له في صراحة تامة أن هذا أمر طبيعي لا خلاف عليه ولا نكران له؛ وعلى ذلك لا ينبغي له أن يكبت هذا الشعور بهذه الرغبة لكي يبدو طاهرًا في نظر الناس، ونظر نفسه، ونظر الله.

ولا يحتاج كذلك أن يشعر بالإثم من مجرد إحساسه بالرغبة الجنسية، ومن ثم تنتفي كل الاضطرابات النفسية والعصبية التي تنشأ من الشعور بالإثم، والتي قد تؤدى إلى الجريمة في حالات الشذوذ، وعلى الجانب الآخر، ينبغي التنويه إلى أن الإسلام لم يبح للفرد أن يطيع هذا الهاتف كيفما اتفق، وعلى أي وجه من الوجوه.

الموازنة بين الضرورة والضرر

وإنما قد وضع لذلك الحدود الشرعية التي يكون مباحا في إطارها، محرمًا ومجرمًا فيما وراءها؛ وعلى ذلك فإن الإلزام الخلقي يستبعد الخضوع المطلق مثلما يستبعد الحرية الفوضوية ويضع الإنسان في موضعه الحقيقي بين المادة الصرف والروح الصرف، فالمسألة الجنسية تتأرجح بين الضرورة والضرر، فهي ضرورة تؤدى بقدرها، وضرر ينبغي التحرز من المغالاة فيه، وقد نظمها الله - تعالى - في عالم الحيوان حيث تنتظم هذه الغريزة الفطرية وترتبط بمواسم معينة للنشاط الجنسي، حتى إذا تمت المهمة وحملت الإناث بذور الأجيال القادمة، صام كل من الذكر والأنثى صيامًا ينشأ من عدم توافر الرغبة في تلك الأثناء لا من ضبطها وتقييدها بإرادة الحيوان.

أما الآلية التي تفسر ذلك من الناحية الحيوية، فتتمثل في تغيرات فسيولوجية وكيميوحيوية على إثر الحمل هي التي تؤدى إلى النفور من إتيان هذه العملية تحت هذه الظروف بقدرة الله تعالى.

أما في حالة الإنسان فقد ترك الله له الاختيار، في ضوء من هداية الكتاب والسنة، وضوء العقل الذي منحه الله تعالى لكل إنسان وهو به مكلف ومسئول، ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن ممارستها بين الإقلال والإكثار كان جوابه صلى الله عليه وسلم: «إَنَّهُ مُخُّ سَاقَيْكَ وَنُورُ عَيْنَيْكَ، فَأَقْلِلْ مِنْهُ أَوْ أَكْثِرْ»، أما العلم الحديث فيقرر أن هذه العملية ضرورية ومهمة ليس فقط من كونها السبب المباشر في تعاقب الأجيال، ولكن ممارستها في حدود التوسط والاعتدال الذي يعتمد على عوامل كثيرة كالحالة الصحية والنفسية والغذائية وغيرها، هذه الممارسة المتوازنة هامة جدًا لصحة الجسم والنفس، بل والعقل أيضًا: ومن ثم فإن الإنسان؛ الذي تحرر من القيود التي خضع لها الحيوان، وصارت الأيام كلها موسمًا صالحًا لهذا النشاط تقع عليه مسئولية الاختيار، وهذه سنة الحياة.

وهذه التبعة تقتضي أن يقوم الإنسان بتنظيم مشاعره الجنسية، وضبطها بحيث تحقق أهدافها المرجوة، ولا تعود عليه بالضرر، فردًا أو جماعةً، فالسعيد السعيد من وعى ذلك وواءم بين مطالب المادة وأشواق الروح، على ما أوضحه القرآن الكريم في آياته المباركات من قيم حضارية باقية بقاء الإنسان، ويهدف ذلك كله إلى سعادة البشرية، تحقيقًا لآية الله في جمال الكون المطرد ولجعل الإنسان بحق خليفته على الأرض.

الخلاصة

الوسطية في الإسلام هي الميزان الذي يضبط حياة المسلم بين طرفي الإفراط والتفريط حيث تقوم على الاعتدال في السلوك والعبادة والمعاملات والتوازن بين الروح والمادة دون أن يلغي أحدهما الآخر، وهي امتثال للفطرة السليمة التي خلق الله الناس عليها كما أن هذه الوسطية تشمل إنفاق المال والتمتع بالمباحات وضبط الشهوات في حدود ما أباحه الله مما يحقق للإنسان السعادة النفسية والاتزان الأخلاقي، ويمنعه من الكبت والاضطرابات السلوكية، وتمنحه في المقابل طمأنينة العقل والجسد مع تحمُّل مسؤولية الاختيار في ضوء هداية الوحي والعقل السليم.

موضوعات ذات صلة

العبادة في الإسلام هي أقصى درجات التذلل والخضوع لله وحده.

المُسَاوَاة تعني أن يتساوى الناس جميعًا في الحقوق والواجبات.

الرحمة صفة عظيمة تعني التلطف بالغير والإحسان إليه ونزع الشر والسوء من النفس.

موضوعات مختارة