Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الأدب مع الله تعالى

الكاتب

هيئة التحرير

الأدب مع الله تعالى

إن أسمى منازل السالكين وأرقى مقامات العارفين هو لزوم الأدب مع الله -سبحانه وتعالى-، فالأدب مع الحق هو قطب الرحى الذي تدور عليه سائر السلوكيات، وهو في عمقه الباطني ثمرةٌ من ثمرات المعرفة وإشراقةٌ من إشراقات اليقين، إذ لا يتحقق العبد بجوهر مقام الإحسان إلا متى أشرق قلبه بنور الأدب مع الديان.

حقيقة الأدب مع الله تعالى

إن حقيقة الأدب مع الحق تتجلى في حُسن الانقياد التام لمراداته -سبحانه-، وهو إيقاع كل حركة وسكون في الظاهر والباطن على مقتضى شهود عظمته وإجلاله، مصحوبًا بدوام الحياء والمراقبة في كل الأنفاس، ولا ريب أن مبدأ هذا الأدب ينبثق من التوحيد الخالص الذي هو سدرة منتهى الآداب وأجلّها، فالأدب مع الله هو عين التوحيد، وأعلى مراتبه هي إفراد المعبود بالتذلل والتوجه كما قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُوا۟ بِهِۦ شَیۡءࣰاۖ﴾ [النساء: ٣٦]، وحيث إن القلب هو محل نظر الرب فإن قطب الأدب هو أدب القلوب، ومقتضاه أن يتوجه سر العبد بالكلية إلى مولاه محبَّةً وخوفًا ورجاءً، وتُعد أعظم الحجب وأشد الإساءة هي الالتفات إلى الأغيار أو الركون إلى السوى وهو المتفرد بالخلق والتدبير، وقد نبه أئمة السلوك إلى أن مدارج الطريق إلى الله تتفاوت بحسب الاستعداد، وأن باب الوصل مفتوح دائمًا، غير أن ولوج هذا الباب يتطلب الوقوف على عتبات العبودية بكامل الانكسار والأدب.

أقسام الأدب مع الله تعالى

يتنزل الأدب في معاملة الحق -جل جلاله- على ثلاث مراتب متداخلة يكمل بعضها بعضًا:

أولًا: أدب القلب (مقام السر والأساس)، وهو إمحاض التوحيد وإفراد المعبود بشراشر القلب محبَّةً وتعظيمًا، فمنتهى الإساءة أن يلتفت السر إلى الأغيار أو أن يركن إلى الأسباب غافلًا عن المسبب، وفي مقام الدعاء ينبغي أن يكون الطلب محض عبودية لا تشوُّفًا لحظوظ النفس الدنيوية، بحيث لا يتعلق السر بالمطلوب بل يكون غاية المراد هو الله ذاته.

ثانيًا: أدب اللسان (مقام النطق والذكر)، وهو أن لا يترجم اللسان إلا عما فيه تعظيمٌ وإجلالٌ للمولى، فلا ينطق إلا بما يوافق رضاه من جليل الذكر وتلاوة محكم التنزيل، وهذا يقتضي حضور القلب مع المذكور، فإن من انقضى عمره دون أن يذوق حلاوة الحضور في الذكر فقد ضيع حظه من الوصل، إذ الحضور في الذكر هو سِر الأدب ومفتاح الفتح.

ثالثًا: أدب الجوارح (مقام الظاهر والامتثال)، وهو انقياد الأركان طوعًا للأوامر واجتنابًا للنواهي، وأقبح الإساءة في هذا المقام هي المجاهرة بالمخالفة أو رد أمر الله اتباعًا للهوى، والاستعانة بنعم المنعم على معصيته.

تصحيح مفهوم حسن الخُلُق

لقد نبه العلماء إلى أن حسن الخُلُق لا يقتصر على معاملة الخَلق، بل هو أولًا وآخرًا معاملة للخالق - جل وعلا- ويتجسد في ثلاثة أركان:

  • تلقي أخبار الحق بتمام التصديق واليقين، والانقياد لها تسليمًا من غير شائبة تردد أو تأويل يعارض النص.
  • تلقي أحكامه الشرعية بالامتثال والتنفيذ، قيامًا بحق العبودية في السمع والطاعة بلا حظ من حظوظ النفس.
  • تلقي أقداره الكونية بشهود حكمة المُقدِّر، والرضا بما قسم، والتسليم المطلق لما يجريه الحق -سبحانه وتعالى- من أحكام في ملكوته بصبرٍ وسكينة.

المقام الجامع للأدب مع الله تعالى

من أعلى مقامات الأدب وأجمعها هو مقام المراقبة، وهي دوام علم العبد ويقينه باطلاع من أسمى مقامات السالكين وأجمعها لشتات الآداب هو مقام المراقبة، وهو دوام شهود العبد لاطلاع الحق -سبحانه- على ظواهره وبواطنه، وهذه المراقبة هي التحقيق الفعلي لجوهر الإحسان الوارد في حديث جبريل: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [متفق عليه]

العبد قد يخلو بنفسه بعيدًا عن أعين الخَلق، غير أن أدب العارفين يقتضي دوام استشعار المعية الإلهية لقوله تعالى:  ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَیۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [الحديد: ٤].

إن هذا الاستشعار الدائم يورث في القلب حياءً نورانيًا يعصم السالك من زلات الخلوات، مصداقًا لقوله جل شأنه: ﴿أَلَاۤ إِنَّهُمۡ یَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِیَسۡتَخۡفُوا۟ مِنۡهُۚ أَلَا حِینَ یَسۡتَغۡشُونَ ثِیَابَهُمۡ یَعۡلَمُ مَا یُسِرُّونَ وَمَا یُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِیمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ [هود: ٥].

الخلاصة

الأدب مع الله هو البرهان العملي لصدق العبودية والتوحيد، وهو الحصن المنيع للعبد في مسيرته الروحية، وإنما حُرم من حُرم لقلة أدبه، ومن عاش على الأدب في حياته عاش في كنف الرعاية الإلهية، فلنحرص على تحقيق مقام المراقبة في خلواتنا، ولنجعل أقوالنا وأفعالنا دائرة في فلك التعظيم والإجلال.

موضوعات ذات صلة

القرآن الكريم هو نعمة الله العظمى، وكلامه المعجز الذي يهدي البشرية.

الأدب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هو منهج حياة وشعيرة من شعائر الإيمان.

الإفتاء من أعظم المناصب الشرعية وأخطرها.

موضوعات مختارة