وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إنّ الإسلام دين الفطرة ونحن بذلك مؤمنون، وهو دين الله الخالد، وشريعته الخاتمة إلى أنْ تقوم الساعة، أبلغنا ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووجهنا فيما وجه إليه من فضائله ونظمه إلى تكوين الأسرة، وهدى إلى السبب المكون لها، وهو الزواج مبيّنًا أنّه من سنن المرسلين، يشهد لذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ﴾ [الرعد: ٣٨]، وقد لفت بذلك أنظارنا إلى أنّه - سبحانه و تعالى - حِين اقتضت حكمته أنْ يخلق الزوجين الذكر والأنثى، اقتضت كذلك أنْ يجعل اتصال أحدهما بالآخر فيما فطرهما عليه سببًا في وجود النوع الإنساني، وتكاثره لعمارة الكون والخلافة في الأرض، ومن أجل هذا شرع الزواج لبني الإنسان؛ تنظيمًا لهذا الاتصال وتلبية للفطرة التي فطرهم عليها، وارتفاعًا بنوعهم عن غيره من الأنواع، حتى لا يكون شبيهًا بمن عداه من أنواع الحيوان، في الاستجابة لهذه الفطرة الخلقية وتناولها بالشيوع والفوضى، ومن هنا كانت المنة على بني الإنسان بمثل قوله -سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]، وقوله -سبحانه و تعالى: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ﴾ [النحل: ٧٢]، ولا شك أنّ الزواج أمر أقرّته الأديان كلها، وأقرّته المجتمعات البشرية كلها من لدن آدم -عليه السلام - إلى يومنا هذا، وإذا كان اتصال أحد النوعين بالآخر فطرة فُطِرَا عليها فمن شأن الدين إقرار الفطرة وتنظيمها، وإبعادها عن مسالك الفساد وطبائع الحيوان، اعترافًا بقيمة الإنسان وتكريمًا له وتعاليًا بمنزلته، ولفتًا إلى ما ينبغي أنْ يتجه إليه في ترشيد سلوكه واستقامة أمره كله.
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - يرغب في الزواج ويحث عليه ويأمر القادرين على تكاليفه من أصحابه أنْ يتزوجوا، ومن قوله في ذلك: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [صحيح البخاري ٥/ ١٩٤٩ ت البغا]، وقال -صلى الله عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ، فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [ مسند أحمد ٧/ ١٨٤ ط الرسالة]، «مَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ» [المعجم الكبير للطبراني ١٠/ ١٢١]، والطول السعة والمقدرة، «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ» [مسند أحمد ٢٠/ ٦٣]، «من رزقَه اللهُ امرأةً صالحةً، فقد أعانَه على شَطْرِ دينِه، فليتَّقِ اللهَ في الشَّطْر الباقي» [المستدرك على الصحيحين ٣/ ٥٥٢ ط الرسالة]، وفي الحديث الشريف عن السيدة عائشة -رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوْلَادَكُمْ هِبَةُ اللهِ» [السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٧٨٨].
نفهم من كل ذلك أنّ المقصود من الزواج أمران:
أولهما: الإنجاب حتى قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: ما أتزوج إلا لأجل الولد، وهو في ذلك متأثر بفطرته وبنحو قوله -صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ» [مسند أحمد ٢٠/ ٦٣]، وقوله -صلى الله عليه وسلم: «سَوْدَاءُ وَلُودٌ خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ لَا تَلِدُ» [المعجم الكبير للطبراني ١٩/٤١٦]؛ ذلك لأنّ الإنسان مجبول على حب البقاء والتطلع إلى امتداد الأجل، وتحقيق الأمل، ولا يحقق رغبته في ذلك إلا ما يكون من أبنائه وأحفاده ﴿رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ﴾ [الفرقان: ٧٤]، وطبيعي أنْ يرى الإنسان في أبنائه ومن يجيء منهم امتداد أجله ودوام بقائه.
وثاني الأمرين: الإحصان والإعفاف، وبعبارة أخرى غض البصر وحفظ النفس عن ملابسة ما حرم الله، ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ﴾ [النور: ٣٠]، وفيما نقل من حديثه -صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلَّا لِيَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَبَارَكْ لَهَا فِيهِ» [مسند الشاميين للطبراني ١/ ٢٩]، هذان هما الأمران المهمان اللذان يُقصدان من الزواج، أو اللذان ينبغي أنْ يكونا أهم ما يقصد منه، وهذا كله ينادي بأنّ واجب المسلم أنْ يتزوج إذا تهيأت له الأسباب، وأنْ يحصل الولد النافع لنفسه وأهله ومجتمعه.
الزواج فطرة إنسانية، شرعها الله لتنظيم العلاقة بين الزوجين وحفظ النوع الإنساني وعمارة الأرض، كما يؤكد ترغيب النبي -صلى الله عليه وسلم -فيه، وبيّن مقاصده الأساسية وهي الإنجاب، وتحقيق العفاف، وغضّ البصر، وصيانة النفس.
الاستقرار الأسري والمودة والرحمة يبنيان أجيالًا سوية.
الزواج سكن وعفة واستقرار لبناء أسرة متماسكة.
تأهيل المقبلين يمنحهم مهارات لبناء علاقة مستقرة.