يا للعجب! كان شاعر الجاهلية والفروسية عنترة بن شداد ينشد موقفه
الأخلاقي في أبيات لا تزال تتردد عبر القرون:
وأَغُضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي * * * حَتَّى يُوَارِي جارَتي
مَأواهَا
إني امرؤٌ سَمْحُ الخليقةِ ماجدٌ * * * لا أتبعُ النفسَ اللَّجوجَ
هواها
يأبى هذا الفارس الجاهلي أن يتخلى عن مروءته، فيغض بصره عن جارته
حياءً وكرمًا، وهو لم يبلغ نعمة الإسلام بعد، فكيف بنا نحن المسلمين الذين بلغنا
خطاب السماء، ووصلتنا وصية المصطفى؟ أَفلا يكون المؤمن أجدر بهذا الخُلق وأولى؟
تأمل معي يا أخي في ملكوت هذه العدالة الإلهية التي لا تحابي أحدًا،
وانظر كيف تشرق أنوار الحق من بين طيات التاريخ؛ لتكشف لنا عن مشهد مهيب، تتجلى
فيه عظمة الحساب الرباني، حين يغضب لكرامة أوليائه، ففي موقف الصحابي الجليل سعد
بن أبي وقاص، رضي الله عنه، مع أهل الكوفة، نلمح نسقًا من العدالة لا يكتفي
بالعقوبة المادية، بل يمتد ليمس جوهر الروح وسر التوفيق.
لقد قام رجل يُدعى أسامة بن قتادة، فافترى على سعد كذبًا وبهتانًا،
فما كان من سعد إلا أن التجأ إلى حصن المظلومين الحصين، ورفع يديه بقلب منكسر
داعيًا: "اللهمَّ إن كان عبدُك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأطلْ عمرَه،
وأطلْ فقرَه، وعرضه للفـتن" [أخرجه البخاري (٧٥٥)، ومسلم (٤٥٣)]، فاستجاب
السميع البصير، وأذن لسهام الليل أن تخترق حجب الغيب، لتتحول حياة الرجل إلى آية
لمن يعتبر.
والشاهد المرعب هنا، والذي يجب أن تهتز له الضمائر، هو أن سقوط هذا
الرجل في قبيح الفعل - بتعرضه للجواري، وغمزه لهن في الطرقات - لم يكن مجرد انزلاق
خلقي عابر، بل كان هو (عين العقوبة)، لقد سلب الله عنه رداء الستر وجمال الحياء،
فصار التحرش في حقه خزيًا يرتكبه، وقيدًا يساق به، كأن الله يقول لنا: إن من أعظم
العقوبات أن يخلى بين العبد وبين دناءة نفسه، فيسقط من عين الله حتى لا يبالي في
أي واد هلك.
ففي ذلك بيان أن التحرش ليس فقط ذنبًا يرتكب، بل عقوبة
ربانية تصيب صاحبها، وإذلال يسلبه كرامته قبل أن توقعه في خزيه؛ وعجبًا لمن يشتري
خزي الآخرة بخزي الدنيا معًا!
- شاهد من حزم النبي - صلى الله عليه وسلم -
(حين يكون العرض أساس البنيان)
عَنْ أَبِي شَهْمٍ، قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فَمَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ
فَأَخَذْتُ بِكَشْحِهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَهُوَ يُبَايِعُ النَّاسَ، فَقَالَ لِي: " أَلَسْتَ صَاحِبَ الْجُبَيْذَةِ بِالْأَمْسِ؟
" قُلْتُ: لَا أَعُودُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَايَعَنِي [أخرجه أحمد (٢٢٥١١)، والنسائي في (السنن الكبرى) (٧٢٨٨)]، [الحاكم في
(المستدرك ٨١٣٤)].
وفي أنوار السيرة المحمدية مشهد يفيض هيبة وجلالًا، يكشف لنا عن ملمح
حازم من ملامح الشخصية النبوية في صيانة الحقوق وحراسة الأخلاق، ففي خبر أبي شهم،
رضي الله عنه، حين غلبته نفسه، فجذب امرأة جذبة، نجد أن عين النبوة التي كانت ترقب
بناء الأمة لم تغفل عن هذا المساس بكرامة الإنسان، فلما جاءَ الرجل من الغد، يبايع
النبي - صلى الله عليه وسلم - وسط جموعِ الناس، لم يمرر المصطفى - صلى الله عليه
وسلم - الأمر بغير حساب، بل واجهه بحقيقة فعله قائلًا: «أَلَسْتَ صَاحِبَ الْجَبْيذَةِ
بِالْأَمْسِ؟».
تأمل معي هذا الاستفهام التقريري المحاسب، الذي يقطر هيبة ويضع النقاط
على الحروف في وقت كانت فيه الدولة الوليدة في أمس الحاجة لكل يد تبايع وتناصر،
لكن منطق النبوة يعلمنا أن الأمة التي تستبيح نساءها في الطرقات هي أمة واهنة
البنيان، مهما كثر عددها، فلم يتساهل - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه صمتًا أو
تلطفًا، بل جعل من تلك الجذبة عائقًا أمام "البيعة"، التي هي أعظم ميثاق
بين العبد وربه، وبين المواطن ودولته، وكأن لسان حال المصطفى - صلى الله عليه وسلم
- يقول: إن اليد التي تمتد بالأذى للمرأة لا تصلح أن تمتد لبناء مجد الأمة.
إن هذا الحزم النبوي يرسخ حقيقة غائبة عن الكثيرين، وهي أن التحرش ليس
مجرد "زلة" تغتفر بمرور الوقت، بل هو جريمة تستوجب المواجهة المباشرة
والزجر العلني، مهما كانت المصلحة السياسية أو الاجتماعية تقتضي الحشد، فالحق
القديم لا يبطله شيء، وطهارة المجتمع تسبق كثرة العدد، وهكذا علمنا النبي - صلى
الله عليه وسلم - أن الرجوعَ عن الخطأ هو باب القبول الوحيد، حين قال الرجل:
"بلى يا رسول الله، لا أعود"، عندها فقط قبل المصطفى - صلى الله عليه
وسلم - بيعته، ليرسم لنا طريقًا واضحًا في التعامل مع هذا الجرم بمنتهى الصرامة
والوضوح.