Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التحرش جرح في جسد المجتمع وداء يطلب الدواء

الكاتب

هيئة التحرير

التحرش جرح في جسد المجتمع وداء يطلب الدواء

بين أنوار الشريعة وكوامن النفس البشرية، نغوص في هذا البيان حول جريمة التحرش، بوصفها جرحًا غائرًا في جسد المجتمع المسلم، حيث يمتزج التحليل الشرعي بالرؤية النفسية والاجتماعية، ليرسم لنا خريطة الإصلاح المنشود في مواجهة هذا الداء العضال، الذي يهدد سكينة النفوس وطهارة الفطرة.

المفهوم والمصطلح - ما التحرش؟

(التحرش) في أصله اللغوي مصدر للفعل (تحرش) به، أي: تعرض له ليهيجه [المعجم الوسيط]، وأصله من (الحرش) الذي يعني التهييج والإفساد والخدش والإغراء.

وهو في الاصطلاح العرفي المعاصر: الأفعال والأقوال ذات الطابع الجنسي التي يُتعرَّض بها للغير، سواء أكانت جسدية أم لفظية أم بصرية أم إلكترونية.

أنواع التحرش وصوره

لم يقتصر التحرش في عصرنا على صورة بعينها، بل تعددت أوجهه، وتشعبت مساراته، ومن ذلك:

  • التحرش البصري: حين تمتد العيون الآثمة لتتعدى حدودها، وتتحول النظرة من مجرد رؤية إلى اغتصاب بصري، يُشعر ضحيته بالامتهان والدنس، وقد صدق المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: «العينانِ تزنيانِ واللِّسانُ يزني واليدانِ تزنيانِ والرِّجْلانِ تزنيانِ ويُحقِّقُ ذلك الفَرْجُ أو يُكذِّبُه» [مسند الإمام أحمد (٨٨٤٣) ]، فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - النظر الحرام زنية العينين، وبهذا البيان النبوي الدقيق ارتفعت هذه الفعلة الشنيعة إلى مستوى الجريمة منذ مرحلتها الأولى.
  • التحرش اللفظي: وهو توجيه الكلمات البذيئة والإيحاءات القبيحة للنساء والبنات في الطريق، أو في المكان العام، ولذلك وقع نفسي مدمر، إذ يترك في النفس ندوبًا قد لا تبرأ بسهولة، وفي ذلك يقول - صلى الله عليه وسلم - محذرًا: «إنَّ من أكبرِ الكبائرِ استطالةَ المرءِ في عِرضِ رجلٍ مسلمٍ بغير حق.....» [أخرجه أبو داود (٤٨٧٧)]، وفي رواية: «إنَّ من أربى الربا الاستطالةُ في عِرِض المسلمِ بغيرِ حقٍّ» [أخرجه أبو داود (٤٨٧٦)].
  • التحرش الجسدي: وهو أشد الأنواع وأعنفها، ويشمل كل لمس أو تعدٍّ جسدي على المرأة، وقد حسم النبي - صلى الله عليه وسلم - القول في حكمه بقوله: «لأن يُطعَنَ في رأسِ أحدِكُم بمخيَطٍ من حديدٍ خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلُّ لَهُ» [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/٢١١) (٤٨٦)، والبيهقي كما في (الترغيب والترهيب) للمنذري (٣/٢٦)]، فحدة المخيط المنغرز في الرأس أهون عند الله من لمسة عابرة لا تحل، فكيف بالإمعان والإصرار؟
  • التحرش الإلكتروني: وهو الوليد الشيطاني في العصر الرقمي، الذي استوطن شاشات الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وبات يطارد الضحية في خلوتها وفي أمانها، ولم يعد التحرش يحتاج إلى وجود مادي، بل يكفي وجود رقمي آثم لإيقاع الأذى في نفوس البشر، إنه من المستجدات التي فرضها التقدم التكنولوجي، ويشمل إرسال الصور والفيديوهات الخادشة، والمحادثات الجنسية، والابتزاز الإلكتروني، والتهديد بنشر صور خاصة وغير ذلك، قال الله تعالى محذرًا: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یُحِبُّونَ أَن تَشِیعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِی ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡآخِرَةِۚ﴾ [النور: ١٩].

أسباب الانتشار

لا يمكن فهم ظاهرة التحرش فهمًا عميقًا، ولا وضع الحلول الناجعة لها، دون الغوص في أعماق أسبابها، فهي ظاهرة مركبة متشابكة الأسباب، تجمع بين العوامل الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإليك أهم هذه الأسباب بعد التحقيق والتدقيق:

أولها: ضعف الوازع الديني والأخلاقي، وهو العلَة الأم التي تتفرع منها سائر العلل؛ فحين يخلو القلب من مراقبة الله، ومن الإحساس بأن الله يبصره ويراه، تنفلت الجوارح من عقالها، وتصبح نزوة الشهوة هي الحاكم المطلق.

ولذلك من فقه النفوس، قبل أن نتحدث عن ملابس الضحية وسلوكها، وقبل أن نلقي اللوم على الآخرين حيث انكشاف العورات في الطرقاتِ، ننظر لأنفسنا أولًا، فهذه الفعلة لا تصدر إلا ممن انكشفت سوءة قلبه أولًا بذهاب حياء الباطن، وانخراق سياج الهيبة الإلهية في الوجدان، فالمتأمل بدقة في ظاهرة التحرش يدرك أن الجريمة لا تبدأ بمد اليد ولا بنطق اللسان، بل تبدأ حين تنكشف (سوأة القلب) بفقدان نور الإيمان، فالتحرش في حقيقته هو: ثمرة مرة لخراب الباطن، قبل أن يكون اعتداءً على الظاهرِ، فعندما قال - صلى الله عليه وسلم -: «العينانِ تزنيانِ واللِّسانُ يزني واليدانِ تزنيانِ والرِّجْلانِ تزنيانِ ويُحقِّقُ ذلك الفَرْجُ أو يُكذِّبُه» [مسند الإمام أحمد (٨٨٤٣) ] فارتفع بنا البيان النبويّ إلى ذروة التوفيق بين العقيدة والسلوك، حين يقرر - صلى الله عليه وسلم - مبدأَ يهز الوجدان هزًّا بإعلانه عن انكشاف سوأة السريرة، قائلًا: «لا يَزْنِي الزاني حين يَزْنِي وهو مؤمنٌ» [أخرجه البخاري (٦٨١٠)] فالمؤمن يستحيل أن يجمعَ في آن واحد بين نور الإيمان وبين ظلمة التحرش والاستطالة في أعراض المسلمين، فإذا غاب الإيمان الذي هو (عاصم الروح)، انكشفت سوأة القلب وأصبح المرء نهبًا لشهواته الدنيئة، لا يرقب في مؤمن ولا مؤمنة إلًّا ولا ذمة.

وثانيها: غياب التربية الأسرية السليمة، وما أخطر بيتًا لا يغرس فيه قيمة الحياء، ولا يُعلَم فيه الصبي أن للمرأة كرامةً مصونة، وأن ذاتها إنما هي أمانة عند الله يحاسب عليها، فالولد الذي يرى في بيته احترامَ المرأة يحمل هذه القيمة إلى الشارع والمجتمع.

وثالثها: طغيان ثقافة الإثارة في وسائل الإعلام والدراما، إذ باتت شاشات كثيرة تروج للعلاقات المحرمة وتجملها، وتقدم المتحرش في أحيان كثيرة بوصفه فاتحًا ذكيًّا، بل عرضه بطريقة فكاهية يستلذها المشاهد، لا مجرمًا حقيرًا، فلا بد أن يعي القائمون على الشأن الفني مسؤوليته في هذه المرحلة، ويدرك أن القيم التي يبثها اليوم ستحصد في شوارع الغد.

ورابعها: التفكك الاجتماعي، حين يختفي الجيران بجميع صورهم وأشكالهم من المشهد، وحين يصبح الشارع ساحة بلا رقابة وبلا ضمير جماعي، وحين تغيب لغة الغيرة بمعناها الإسلامي النبيل عن القاموس الاجتماعي، بل دور المجتمع في التصدي للتحرش، فالإسلام يحث المجتمع على الوقوف ضد الظلم، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَن رأى منكم مُنكرًا فليغيِّرْهُ بيدِهِ، فإن لم يستطعْ فبلسانِهِ، فإن لم يستطعْ فبقلبِهِ..» [أخرجه مسلم (٨٦)]، وهذا يشمل ضرورة الإبلاغ عن التحرش والمتحرشين، ومساندة الضحايا، وليس العيب فيهم والإساءة إليهم.

وخامسها: أزمة الفراغ والبطالة، التي تحول بعض الشباب إلى طاقة معطَلة؛ تجد منفذها في التحرش والإيذاء، بدل أن تصرف في بناء وإنجاز.

الآثار والأضرار

قد يبدو للناظر السطحي أن الكلمة العابرة أو النظرة الحائمة لا تخلف أثرًا يذكر، غير أن علم النفس المعاصر والتجربة الإنسانية يكذبان هذا الوهم تكذيبًا قاطعًا.

فمن الآثار النفسية: انهيار الشعور بالأمان، واضطراب النوم، والقلق المزمن، وأحيانًا الاكتئاب العميق لدى الضحايا، وكثيرًا ما تتحول المرأة المتحرش بها من إنسانة واثقة تسير في الفضاء العام بحرية وطمأنينة، إلى روح هاربة تتجنب الشوارع والمواصلات والأماكن العامة.

ومن الآثار الاجتماعية: تراجع مشاركة المرأة في الحياة العامة والمهنية، والعلاقات الاجتماعية، وانهيار الثقة بين طرفي المجتمع، وتشويه صورة الرجل المسلم الكريم في المحيط الإنساني، وهنا تكمن المأساة الكبرى: أن يدفع ثمن إجرام الفئة المنحرفة من رصيد كرامة المجتمع بأسره.

أماكن الانتشار

لم يعد التحرش ظاهرة تقتصر على زاوية مظلمة أو حارة مهجورة؛ بل إن وضح النهار لا يرتدعه، ولا ازدحام الناس يثنيه، فها هو يطل بوجهه في وسائل المواصلات العامة، وفي الأسواق والمجمعات، وأمام المدارس والجامعات، وفي أماكن العمل.

الحكم الشرعي

إن التحرش الجنسي حرام شرعًا، وكبيرة من كبائر الذنوب، وجريمة يعاقب عليها القانون، ولا يصدر إلا عن نفوس مريضة، وهو من أشد أنواع الاعتداء على الناس، إذ يستبيح أعراضهم ويتعدى على حرماتهم؛ ذلك أن العرض من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها.

وما أبلغ حديث الوداع وأشمله! فقد رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - صوته في أعظم مجمع عرفة في التاريخ الإسلامي وقال: «إنَّ دِماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم بينَكُم حَرامٌ، كَحُرمةِ يَومِكُم هذا، في شَهرِكُم هذا، في بَلَدِكُم هذا» [أخرجه مسلم (١٦٧٩)].

وقد أوصى - صلى الله عليه وسلم - صراحةً بكفالة حقوق المرأة حين دعا: «اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ اليتيمِ والمرأةِ» [أخرجه ابن ماجه ٣٦٧٨]، وفي ذلك إعلان رباني بأن من يُتحرش بها إنسانة تحت رعاية الله ووصايته، والاعتداء عليها اعتداء على ضمانة إلهية.

بل بلغ الوعيد الشرعي حدًا لا يُتصور حين قال - صلى الله عليه وسلم -: «وليزحمُ رجلٌ خِنزيرًا مُتلطِّخًا بطينٍ أو حَمأةٍ خيرٌ مِن أن يزحمَ مَنكِبُهُ مَنكِبَ امرأةٍ لا تحِلُّ لَهُ» [أخرجه الطبراني (٨/ ٢٠٥) (٧٨٣٠)]، فهل بعد هذا البيان من بيان؟

وأما المتحرشون أهل الكلام الفاحش، فقد وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - حالهم في الآخرة، فعن شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعَةٌ يُؤْذُونَ أَهْلَ النَّارِ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الْأَذَى، يَسْعَوْنَ بَيْنَ الْحَمِيمِ وَالْجَحِيمِ، يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَرَجُلٌ يَسِيلُ فُوهُ قَيْحًا وَدَمًا، فَيُقَالُ لَهُ: مَا بَالُ الْأَبْعَدِ قَدْ آذَانَا عَلَى مَا بِنَا مِنَ الْأَذَى؟ فَيَقُولُ: إِنَّ الْأَبْعَدَ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ كَلِمَةٍ قَذِعَةٍ خَبِيثَةٍ فَيَسْتَلِذُّهَا، كَمَا يَسْتَلِذُّ الرَّفَثَ» [أخرجه ابن المبارك في (الزهد) (٢/٩٤)، وابن أبي الدنيا في (الصمت) (٣٢٣) واللفظ له، والطبراني (٧/٣١١) (٧٢٢٦)]، فاللذة العابرة في الكلمة الخبيثة تتحول إلى صديد ودم يسيل بين لحيي صاحبها يوم الحساب.

شواهد التاريخ - أخلاق قبل الإسلام وبعده

  • شاهد من الجاهلية يُخجل:

يا للعجب! كان شاعر الجاهلية والفروسية عنترة بن شداد ينشد موقفه الأخلاقي في أبيات لا تزال تتردد عبر القرون:

وأَغُضُّ طَرفي ما بَدَت لي جارَتي * * * حَتَّى يُوَارِي جارَتي مَأواهَا

إني امرؤٌ سَمْحُ الخليقةِ ماجدٌ * * * لا أتبعُ النفسَ اللَّجوجَ هواها

يأبى هذا الفارس الجاهلي أن يتخلى عن مروءته، فيغض بصره عن جارته حياءً وكرمًا، وهو لم يبلغ نعمة الإسلام بعد، فكيف بنا نحن المسلمين الذين بلغنا خطاب السماء، ووصلتنا وصية المصطفى؟ أَفلا يكون المؤمن أجدر بهذا الخُلق وأولى؟

  • حين يغدو الذنب سوط عقاب

تأمل معي يا أخي في ملكوت هذه العدالة الإلهية التي لا تحابي أحدًا، وانظر كيف تشرق أنوار الحق من بين طيات التاريخ؛ لتكشف لنا عن مشهد مهيب، تتجلى فيه عظمة الحساب الرباني، حين يغضب لكرامة أوليائه، ففي موقف الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، مع أهل الكوفة، نلمح نسقًا من العدالة لا يكتفي بالعقوبة المادية، بل يمتد ليمس جوهر الروح وسر التوفيق.

لقد قام رجل يُدعى أسامة بن قتادة، فافترى على سعد كذبًا وبهتانًا، فما كان من سعد إلا أن التجأ إلى حصن المظلومين الحصين، ورفع يديه بقلب منكسر داعيًا: "اللهمَّ إن كان عبدُك هذا كاذبًا، قام رياءً وسمعةً، فأطلْ عمرَه، وأطلْ فقرَه، وعرضه للفـتن" [أخرجه البخاري (٧٥٥)، ومسلم (٤٥٣)]، فاستجاب السميع البصير، وأذن لسهام الليل أن تخترق حجب الغيب، لتتحول حياة الرجل إلى آية لمن يعتبر.

والشاهد المرعب هنا، والذي يجب أن تهتز له الضمائر، هو أن سقوط هذا الرجل في قبيح الفعل - بتعرضه للجواري، وغمزه لهن في الطرقات - لم يكن مجرد انزلاق خلقي عابر، بل كان هو (عين العقوبة)، لقد سلب الله عنه رداء الستر وجمال الحياء، فصار التحرش في حقه خزيًا يرتكبه، وقيدًا يساق به، كأن الله يقول لنا: إن من أعظم العقوبات أن يخلى بين العبد وبين دناءة نفسه، فيسقط من عين الله حتى لا يبالي في أي واد هلك.

ففي ذلك بيان أن التحرش ليس فقط ذنبًا يرتكب، بل عقوبة ربانية تصيب صاحبها، وإذلال يسلبه كرامته قبل أن توقعه في خزيه؛ وعجبًا لمن يشتري خزي الآخرة بخزي الدنيا معًا!

  • شاهد من حزم النبي - صلى الله عليه وسلم -

(حين يكون العرض أساس البنيان)

عَنْ أَبِي شَهْمٍ، قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فَمَرَّتْ بِي جَارِيَةٌ فَأَخَذْتُ بِكَشْحِهَا، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُبَايِعُ النَّاسَ، فَقَالَ لِي: " أَلَسْتَ صَاحِبَ الْجُبَيْذَةِ بِالْأَمْسِ؟ " قُلْتُ: لَا أَعُودُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَايَعَنِي [أخرجه أحمد (٢٢٥١١)، والنسائي في (السنن الكبرى) (٧٢٨٨)]، [الحاكم في (المستدرك ٨١٣٤)].

وفي أنوار السيرة المحمدية مشهد يفيض هيبة وجلالًا، يكشف لنا عن ملمح حازم من ملامح الشخصية النبوية في صيانة الحقوق وحراسة الأخلاق، ففي خبر أبي شهم، رضي الله عنه، حين غلبته نفسه، فجذب امرأة جذبة، نجد أن عين النبوة التي كانت ترقب بناء الأمة لم تغفل عن هذا المساس بكرامة الإنسان، فلما جاءَ الرجل من الغد، يبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - وسط جموعِ الناس، لم يمرر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الأمر بغير حساب، بل واجهه بحقيقة فعله قائلًا: «أَلَسْتَ صَاحِبَ الْجَبْيذَةِ بِالْأَمْسِ؟».

تأمل معي هذا الاستفهام التقريري المحاسب، الذي يقطر هيبة ويضع النقاط على الحروف في وقت كانت فيه الدولة الوليدة في أمس الحاجة لكل يد تبايع وتناصر، لكن منطق النبوة يعلمنا أن الأمة التي تستبيح نساءها في الطرقات هي أمة واهنة البنيان، مهما كثر عددها، فلم يتساهل - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه صمتًا أو تلطفًا، بل جعل من تلك الجذبة عائقًا أمام "البيعة"، التي هي أعظم ميثاق بين العبد وربه، وبين المواطن ودولته، وكأن لسان حال المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن اليد التي تمتد بالأذى للمرأة لا تصلح أن تمتد لبناء مجد الأمة.

إن هذا الحزم النبوي يرسخ حقيقة غائبة عن الكثيرين، وهي أن التحرش ليس مجرد "زلة" تغتفر بمرور الوقت، بل هو جريمة تستوجب المواجهة المباشرة والزجر العلني، مهما كانت المصلحة السياسية أو الاجتماعية تقتضي الحشد، فالحق القديم لا يبطله شيء، وطهارة المجتمع تسبق كثرة العدد، وهكذا علمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الرجوعَ عن الخطأ هو باب القبول الوحيد، حين قال الرجل: "بلى يا رسول الله، لا أعود"، عندها فقط قبل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بيعته، ليرسم لنا طريقًا واضحًا في التعامل مع هذا الجرم بمنتهى الصرامة والوضوح.

كيفية التصدي والعلاج

  • حسن الصلة بالله تعالى والإقبال على الله:

من أعظم أسباب الوقاية حسن الصلة بالله وعدم الاحتجاب عنه، قال تعالى: ﴿ٱتۡلُ مَاۤ أُوحِیَ إِلَیۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فمن فقَدَ أقوى رادع عن الفحشاء والمنكر وهو الصلة بالله تعالى فقد خسر خسرانًا مبينًا.

  • الوقاية الشرعية: الحجاب والالتزام:

إن من حكم الشريعة البالغة في حفظ الأعراض: الأمر بالحجاب والنهي عن التبرج؛ قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاۤءِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ یُدۡنِینَ عَلَیۡهِنَّ مِن جَلَٰبِیبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰۤ أَن یُعۡرَفۡنَ فَلَا یُؤۡذَیۡنَۗ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، ولا يعني هذا أن التبرج مبرر للتحرش، والمجرم هو المعتدي وحده، غير أن الحجاب أخذ بالأسباب الشرعية لحماية النفس وتقليل الفرص، وإلا فالمنتقبة نفسها تعاني بل الكبيرة والصغيرة غير المشتهاة تعاني من الذي في قلبه مرض، ذلك الذي لا يخلو منه مجتمع وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَیَطۡمَعَ ٱلَّذِی فِی قَلۡبِهِۦ مَرَضࣱ وَقُلۡنَ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا﴾ [الأحزاب: ٣٢]؛ حدثنا القرآن الكريم عن نموذج كان موجودًا في العصر النبوي, فما بالكم وقد طال الأمد وقست القلوب إلا من رحم الله؟!، فالتماسًا للبركة الربانية بالامتثال لأمر الله تعالى لا بد من حزام الأمان.

حزام الأمان في السيارة مثلًا لا يمنع كل قدر محتوم، لكنه بالقطع يقلل من وطأة الأثر عند الارتطام تقليلًا كبيرًا، وما رأينا عاقلًا يترك استعماله بحجة أنه لا يحمي في كل الحالات والظروف، وكذلك هو الشأن في القفل الذي يغلق به المرء باب دارهِ، فقد يكسره لص محترف تجرد من المروءة، لكنه في مقام الصيانة يصد ذلك المتردد الذي يقتنص فرصة سهلة؛ ليقع في الإثم، وهكذا هو الحجاب في جوهر معناه الروحي والاجتماعي، فهو ليس مجرد ستار مادي، بل هو ميثاق يضيق مسالك الجرأة على المرأة، ويحمي المجتمع من هوان الابتذال.

إن هذا الستر يقطع دابر الطمع في قلوب الذين يقتنصون الفرص، أما أولئك الذين يتجاوزون هذا الحصن الأخلاقي بالعدوان والتحرش، فهم فئة مريضة لم تخرج عن الأدب لأجل لباس المرأة أو زينتها، بل لأنها أنفس خربة تستهدف الإنسانية في ذاتها، وتتمرد على جلال الفطرة وسكينة الستر التي أرادها الله لعباده، وكأن لسان حالهم يبارز الخالق في حرماته، فلا يغرنك قول قائل: إن الأسباب لا تمنع الذئاب، فالأخذ بالسبب تعبد لرب الأرباب، وحماية لكيان الأمة من الانفلات.

ونقول ونكرر: ليس تبرج المرأة مبررًا للتحرش، ففرضًا أنك وجدت أحدهم خارج محله تاركًا خزينته بلا حراسة بنسيان أو حتى بإهمال منه، هل ذلك مبرر أن تكون لصًّا سارقًا؟ هذا لا يستقيم، وها هي قصة يوسف - عليه السلام - شاهدة خالدة، فلم تتبرج امرأة العزيز فحسب، بل غلقت الأبواب، وراودته عن نفسه، ومع ذلك ردها سيدنا يوسف قائلًا: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾، قال تعالى: ﴿وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِی هُوَ فِی بَیۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَیۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّیۤ أَحۡسَنَ مَثۡوَایَۖ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ * وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ﴾ [يوسف: ٢٣-٢٤].

فالرجل الذي يخاف الله لا تقنعه المغريات ولا تزلزله الإغراءات، وقد وعد النبي – صلى الله عليه وسلم - بأن من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة: «ورَجُلٌ دَعَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ فقال: إنِّي أخافُ اللهَ» [البخاري٦٦٠- مسلم١٠٣١]، ما أعظمها من مرتبة!

وقد كانت الشريعة سباقةً في رعاية هذا الشأن في السوق والمعاملة؛ إذ قال الإمام أبو يعلى: "وَإِذَا كان في أهل الْأَسْوَاقِ مَنْ يَخْتَصُّ بِمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ رَاعَى الْمُحْتَسِبُ سِيرَتَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَإِذَا تَحَقَّقَهَا مِنْهُ أَقَرَّهُ عَلَى مُعَامَلَتِهِنَّ، وَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ الرِّيبَةُ وَبَانَ عَلَيْهِ الفجور، منعه من معاملتهن، وأدّبه عَلَى التَّعَرُّضِ لَهُنَّ" [الأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ‏٣٠٦].

والنهي عن الخلوة غير المشروعة بين الجنسين من أقدم الوسائل الشرعية للوقاية؛ لأن الخلوة تضعف رادع الخوف، وتقوي وساوس الشيطان، وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم -: «أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» [أخرجه الترمذي (٢١٦٥)، وأحمد (١١٤)].

  • التربيةُ على غض البصر:

أمر الله المؤمنين بغض الأبصار في آية كريمة جاءت للرجال أولًا قبل النساء، إشارةً إلى أن مسؤولية البدء محمولة على الرجل أساسًا قال تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ﴾ [النور: ٣٠]، ﴿وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ یَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَیَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وما أعمق البيان النبوي حين ضمن - صلى الله عليه وسلم - الجنةَ لمن أمسك جوارحه، فقال: «اضمَنوا لي ستًّا أضمَنْ لكم الجنَّةَ: اصدُقوا إذا حدَّثْتُم، وأوفوا إذا وعَدْتُم، وأدُّوا إذا ائتُمِنْتُم، واحفَظوا فُروجَكم، وغُضُّوا أبصارَكم، وكُفُّوا أيديَكم» [أخرجه أحمد (٢٢٧٥٧)]

فغض البصر ثمن للجنة، وهو ضمان للإنسان من أن يقع في الزلل.

وانظر كيف راعت الشريعة هذا المعنى حتى في صفوف الصلاة، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا...» [صحيح مسلم (٤٤٠)]؛ وجاء في شرح الحديث: أن ذم آخر صفوف الرجال لقرب أصحابها من صفوف النساء، ولما قد يفضي إليه ذلك من انشغال القلب، فإذا كان هذا الاحتياط مرعيًّا في أقدس البقاع، وأشرف الأحوال فكيف بأسواقنا وشوارعنا؟!، أفليس المجال العام أحرى بمثله؟

دور المؤسسات التعليمية والأسرة

إن أول مدرسة يتعلم فيها الطفل احترام المرأة هي البيت؛ فالأب الذي يكرم أم أولاده، ويعلمهم العفاف بالقدوة قبل الكلام هو المؤسسة التعليمية الحقيقية الأولى، وعلى المدارس والجامعات أن تدرج ضمن مناهجها تعليم السلوك القويم، وآداب التعامل بين الجنسين، واحترام الحقوق المصونة.

وعلى المساجد والمنابر أن تحيي هذا الخطاب إحياءً حقيقيًّا، لا بمجرد الخطابة الموسمية، بل بالتعليم الممنهج الذي يغرس في النفوس قيمة العرض وحرمته، وعلى وسائل الإعلام والدراما أن تستشعر ثقل الأمانة، وأن ما تقدمه في الشاشات يشكل الخيال الجمعي للأجيال.

نتائج اجتناب التحرش وثمرات العفاف

كما أن للتحرش آثاره الأليمة، فإن للعفاف ثمرات ما أحلاها وما أبهاها:

  • فبالعفاف يُبنى المجتمع الآمن الذي يقبل فيه الجميع على مجالس العلم والعمل، دون أن تثقل كاهلهم المخاوف.
  • وبالعفاف تترابط الأسر وتنشأ على ثقافة الاحترام والمودة.
  • وبالعفاف يرتفع الإنسان إلى مرتبة (ملوك النفوس)، إذ حقيقة الرجولة ليست في الاعتداء، بل في ضبط النفس عند الهوى، وما ضبط النفس إلا دليل على قوة الإرادة لا ضعفها.

وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن العوض الإلهي عن اجتناب الشهوة المحرمة عظيم وقال: «إنك لن تدعَ شيئًا اتقاءَ اللهِ عزَّ وجلَّ إلا أعطاك اللهُ خيرًا منه» [أخرجه أحمد (٢٠٧٣٩)]، فاللذة الحرام لا تقارن بعوض الله الكريم.

  • كلمة أخيرة

إن الصورة ليست كلها مظلمة؛ فلا يزال في شبابنا كرام يأبون أن تهان أمامهم امرأة دون أن يمدوا يدًا؛ نصرةً لها، ولا يزال في شبابنا من يحملون المروءة والشهامة كأرقى ما تكون الفضيلة، فليكثر الله منهم، وليعل مكانهم، وليكن هؤلاء القدوة التي تقتفى.

أما التحرش، فليس قضيةَ المرأة وحدها، بل هو قضية المجتمع بأسره؛ قضية الرجل الذي يريد لأمه وأخته وابنته أن تمشي في الشارع آمنةً مطمئنة، وهي قضية الوطن الذي يقاس تقدمه بحجم الأمان الذي يتيحه لأضعف أفراده.

فلتسمع الكلمة الحق، ولترفع الأصوات بالإنكار، ولتتحرك مؤسساتنا التعليمية والدينية والإعلامية وكأنها أمام حريق مستعر؛ لأن الداء حريق فعلًا، وليس ثم وقت يضاع.

قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِیعُوهُ تَهۡتَدُوا۟ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِینُ﴾ [النور: ٥٤].

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصل اللهم على سيدنا محمد، حبيب القلوب، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الخلاصة

التحرش ثمرة مرة لخراب الباطن، قبل أن يكون عدوانًا على الظاهر، فالمتحرش في حقيقته عبد سلب عنه رداء التوفيق، فصار ذنبه هو عين عقوبته، ولن يستقيم حال المجتمع إلا بالجمع بين عمارة القلوب بمراقبة الله، وبين الأخذ بأسباب الوقاية وحزم القانون، صيانة للأعراض وحفظًا للكرامات.

موضوعات ذات صلة

 التحرش ظاهرة خطيرة تهدد كرامة الإنسان وسلامته النفسية والجسدية

التحرش بجميع أنواعه - اللفظي والجسدي والإلكتروني - ظاهرة اجتماعية مقلقة

خطبة: جرائمُ التحرشِ الإلكترونيّ

التحرش بجميع أنواعه - اللفظي والجسدي والإلكتروني - ظاهرة اجتماعية مقلقة

إن التمعن في ظلمات المسالك التي يخطها سلوك التحرش الإلكتروني يكشف عن هوة سحيقة تبتلع قِيَم العفة والاحترام

موضوعات مختارة