١ - ابن تيمية:
الحق
الذي لا مراء فيه أن ابن تيمية من فحول علماء الأمة ومفكريها الأفذاذ، وهو من أشدهم
غيرة على دينه وتراثه، ومن أوسعهم ثقافة وفقهًا،
وأجرأهم على نقد الخصوم دون هوادة أو مداراة.
ومنهجه في تناول قضايا العقيدة يقوم على المبادئ الآتية، التي تشكل أصول منهجه:
١- للتوحيد مفهومان.
أحدهما: المعنى القولي العلمي، الذي تشير إليه الآية الكريمة {قُلۡ
هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١].
الثاني: إفراده
بالقصد في العبادة كما تشير إليه سورة الكافرون.
٢- مذهب السلف أن
يثبتوا لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفوا عنه ما نفاه
عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف
ولا تعطيل، وقد أجروا المتشابه على ظاهره، لأن الظاهر في حقه تعالى غير الظاهر في حق
عباده.
٣- القول في الصفات
كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر.
٤- الاشتراك الاسمي بين الله وبعض خلقه لا يقتضي الاشتراك
في الحقائق، وتتحدد الفروق بالإضافة والتقييد.
٥- التأويل المفهوم من الآية الكريمة يحتمل أكثر من معنى،
والمراد به في المتشابه التغير.
[هذه المبادئ مستخلصة
من الرسالة التدمرية ص ٤، ۱۱، ۲۷، ۲۹، والإكليل ص ١٨ من مجموعة الرسائل الكبرى. وتفسير سورة الإخلاص
ص ١٠٥، ١٢٣، ومنهاج السنة النبوية
ج ١ ص ٢١٩]
وسنبين هذه الأصول
بشيء من التفصيل ثم نناقشه فيها:
في الأصل الأول:
أشار إلى مفهومَي
التوحيد، وهما وإن كانا متلازمين، إلا أنه قصد معنى لم يتنبه إليه كثير من الباحثين،
فتوحيد الألوهية محل إجماع بين جميع الطوائف المؤمنة من حيث هو حقيقة ثابتة، وإن اختلفوا
فيه من حيث تصور كل طائفة له، وذلك بحسب فهم كل منها لمعناه، فالفلاسفة يقصدون بتوحيد
الذات الإلهية معنى غير الذي يقصده المعتزلة، وهؤلاء يقصدون به معنى غير الذي يقصده
غيرهم، وكذلك الاتحادية من الصوفية، يقول في ذلك: (التوحيد، والتنزيه، والتشبيه، والتجسيم،
ألفاظ قد دخلها الاشتراك بسبب اختلاف الاصطلاحات، فكل طائفة تعني بهذه الأسماء ما لا
يعنيه غيرها، فالمعتزلة يريدون بالتوحيد والتنزيه نفي جميع الصفات، وبالتجسيم والتشبيه
إثبات شيء منها؛ حتى إن من قال بأن الله يُرى في الآخرة، أو أن له علما فهو مجسم، وكثير
من الطوائف المتكلمة بصفاته يريدون بالتوحيد والتنزيه نفي الصفات الخبرية أو بعضها،
وبالتجسيم والتشبيه إثباتها أو بعضها، والفلاسفة تعنى بالتوحيد ما تعنيه المعتزلة وزيادة
حتى إنهم يقولون: ليس له إلا صفة سلبية أو إضافية أو مركبة منهما، والاتحادية تعنى
بالتوحيد: أنه هو الوجود المطلق). [ابن تيمية: نقض المنطق ص ١٣٣ على القاهرة سنة ١٩٥١م وفي
أن تصوير ابن تيمية هنا النظرة كل فرقة إلى معنى التنزيه شيء من عدم الدقة.
ويرى ابن تيمية أن هؤلاء قد تنكبوا المنهج الصحيح في هذه
القضية، وليسوا سواء في البعد عن المنهج الذي ارتضاه.
وإذا كان قد وصفهم
بالزيغ فينبغي أن يكون في دائرة المنهج فقط، والفهم لمعنى "التوحيد" لا في
الحقيقة الثابتة المقررة، والمستكنة في القلب، ذلك لأن القول في الصفات بالإثبات أو
النفي، الدائر بين الجميع، لا يستلزم الكفر، كما قرر المحققون. [انظر: حاشية الكلنبوى
على العقائد العضدية ج ١ ص ٢٠٠ ط. إستانبول سنة ١٣٢٦هـ]
وأما النوع الثاني من نوعي التوحيد - وهو وحدانية العبادة والقصد والطلب -
فهو أخطر من توحيد "الذات"؛ لأنه يعني قصر العبادة على الله وحده، والقصد
إليه والطلب منه وحده، وأما ما يضاد ذلك فهو عين الشرك المنهي عنه.
ويظهر أن ابن تيمية هنا كان ينظر إلى الواقع الاجتماعي من
خلال أصول العقيدة، لأنه أكد كثيرًا على هذا النوع من التوحيد، ولا يمكن أن يكون هكذا
إلا إذا كان شاعرًا بما يتخلل المجتمعات الإسلامية من انحراف عن المسار الصحيح للعقيدة
الإسلامية، بحيث أصبحت الولاءات موزعة بين المتولَّهين المزعومين، ولا يبقى للمعبود
الحق إلا من استمسك بحبل الله المتين.
وهذا لا يظهر إلا
حين تضعف الأمة من جراء ما يعتري النفوس من ضعف ووهن. وكذلك الذين يتخذون وسائط تقربهم
إلى الله - ويتوسلون إليه بهم- هم داخلون في دائرة الشرك، إذا كانت تصرفاتهم من قبيل
الاعتقاد في هؤلاء الوسطاء.
الأصل الثاني:
لعل أظهر ما في تناول ابن تيمية لهذا الأصل، بيانه أن منهج
القرآن الكريم في حديثه عن الحق سبحانه وتعالى وعن صفاته العُلَى، قد فصل في الإثبات
وأجمل في النفي، بخلاف المناهج الأخرى فإنها سارت في طريق عكسي، إذ أجملت في الإثبات،
وفصلت في النفي، وبخاصة الفلاسفة والمعتزلة، بل قرر هنا أن غاية ما يفيده منهج الفلاسفة
ومن على شاكلتهم الذين بالغوا في التجريد، هو إثبات وجود مطلق لا حقيقة له عند التحصيل،
لأنه يرجع إلى وجود ذهني يمتنع تحققه في الأعيان، فقولهم هذا يستلزم غاية التمثيل وغاية
التعطيل، فهو - بمفهومهم - يماثل الممتنعات والمعروفات؛ كما أنهم يعطلونه عن الصفات
تعطيلًا يستلزم نفي الذات.
ومع تقديرنا لما يقصده ابن تيمية في هذا المقام، وهو محاربة
كل تصور يتجاوز المنهج القرآني حين يتناول الذات الإلهية وعلاقة الصفات بها، إلا أننا
- في نفس الوقت - لابد أن نفهم أن الذي دفعهم إلى ذلك هو "التنزيه" المطلق
لله رب العالمين، وإذا كانوا قد أخطأوا الوسيلة في ذلك فينبغي أن يبقى هذا الخطأ في
هذه الدائرة.
ويتصل بهذا الأصل ما قرره ابن تيمية عن مذهب السلف في الصفات
الإلهية إثباتًا ونفيًا، وكلامه في هذا الأصل –ظاهرًا- صحيح، فقد كان هذا منهج السلف،
إلا أن به عبارة تجعلنا نقف عندها كثيرًا، وهي قوله: إن السلف قد أجروا المتشابه على
ظاهره، وتعليله لذلك بقوله: لأن الظاهر في حق الله تعالى ليس كالظاهر في حقنا؛ لأن
هذا كلام فيه غموض كثير، والمستفاد من التفرقة بين معنيين للظاهر: أن هناك ظاهرًا درج
السلف على تفويض العلم بحقيقته إلى الله تعالى، بينما يرى "هو" أن الأمر
ليس كذلك، فإن كان يقصد أن معنى المتشابه في حق الله هو نفس معنى المتشابه في حق البشر-
وأن المغايرة بينهما هي مغايرة بالذات فقط - كان القائلون بالتجسيم والتشبيه كشأن من
يقول: إن يد محمد غير يد علي - وإن كانا يشتركان في الحقيقة-، وإن كان يقصد المغايرة
في الحقيقة عاد كلامه إلى التفويض الذي يقول به السلف، وهو يرفضه.
ونتساءل هنا: إذا
كان ابن تيمية قد فهم الظاهر على معنى مخالف، على اعتبار قيام المعارض العقلي الذي
ينفي المماثلة بين الله تعالى وبين خلقه، كما يشير إليه قوله تعالى: {لَيۡسَ
كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى:
١١]، فهل هذا الفهم يصح أن يجعل قاعدة كلية؟ أو هل
يظل فهم الناس بعده لمعنى الظاهر كما فهمه؟ والجواب بالنفي.
كذلك يمكن القول
بأن كلام ابن تيمية هنا لم يخل من بعض الغموض - كما ألمحنا - الذي قد يكون وراءه قصد
خاص، لا سيما وأن الرجل كان واسع الثقافة، ومن قراءاته في تراث من سبقه يكون قد تأثر
بأي درجة من درجات التأثر، لا سيما بالكرامية.
الأصل الثالث:
وهو أهم الأصول التي اعتمد عليها ابن تيمية في إثبات جميع
الصفات، فكما أن ذات الحق سبحانه وتعالى تخالف جميع الذوات فكذلك صفاته تخالف جميع
الصفات.
وهذا الأصل قد جعله يقر بما جاء به النص الصحيح قرآنًا أو
سنة، يقوم في مقام النعت لله، حتى ولو كان على سبيل الإضافة كيد الله، ووجه الله، وجنب
الله.
كما أنه لم يراع الاعتبارات الإنسانية التي راعاها منكرو
الصفات "المعطلة"، أو البساطة التي قال بها الفلاسفة الإسلاميون تقليدًا
للأفلاطونية المحدثة.
ولا شك في أن ابن تيمية أقام رفضه هنا لمناهج الآخرين على
أساس علمي لا على أساس عاطفي، يقول في ذلك: (القول في الصفات كالقول في الذات، فإن
الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فإذا كانت له ذات حقيقية
لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية، لا تماثل الصفات). [ابن تيمية : الرسالة
التدمرية ص ٢٧ مرجع سابق].
وعدم العلم بحقيقة
الصفات فرع عن عدم العلم بحقيقة الذات، ومن ثم يجب إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته
له رسوله صلى الله عليه وسلم دون التعرض لبيان الكيفية، وهذا الكلام مطرد في
جميع المسائل العقدية لدى ابن تيمية، ولا يترتب عليه أي مشكل إلا في الصفات التي سماها
بالخبرية وهي التي تدل عليها النصوص الموهمة للتشبيه، كما سنرى في الأصل الآتي.
وقد قرر هنا أن نفاة
الصفات أو نفاة بعضها لو طولبوا بإيجاد قانون مستقيم لهذا الفعل لما أمكنهم ذلك، فنفاة
جميع الصفات لابد أن ينتهي نفيهم إلى صفة إيجابية، حتى ولو كان ذلك في التصور الذهني،
كصفة واجب الوجود عند الفلاسفة، وصفة العالمية والقادرية عند جمهور المعتزلة، وصفات
المعاني عند غيرهم، وحتى عند الغلاة من الباطنية، وهم الذين يقولون: إنه لا موصوف ولا
لا موصوف، إذ هذه القضية تحتوى في مفهومهًا على معنى إيجابي في قوة قولنا: أنا أتوقف
عن الوصف وعن عدمه، وبهذا يكون هؤلاء جميعًا قد وقعوا فيما حاولوا الهروب منه، ومن
ثم لا يتحقق غرضهم، وهو بساطة الذات أو عدم مشابهتها للمخلوقات، فضلًا عما في ذلك من
التشبيه بالمعدومات). [نفس المصدر ص ٢٢]
وإذا كان ابن تيمية قد ذهب - كما سبق القول - إلى أن القول
في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر فإن كلامه هنا جاء ردًّا على نفاة الصفات الخبرية،
وعلى وجه أخص فيما يظن هو الأشاعرة ومن شايعهم، يقول في ذلك: (فإن كان المخاطب ممن
يقول بأن الله حى بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام،
مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك
مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم، فيقال له: لا فرق بين
ما نفيته وما أثبتّه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته ليست
مثل إرادة المخلوقين يقال لك: إن محبته كذلك، وإن قلت: إن له إرادة تليق به، قيل لك:
وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوقين محبة ورضا وغضب يليق بهم). [نفس المصدر، ويبقى
الفرق بينه وبين الأشاعرة من أهل السنة في أنه يجعل الإضافة صفة وأنها قديمة قدم الذات]
ويلاحظ أن ابن تيمية هنا يرى أنه قد كشف عن الخطأ الذي وقع
فيه هؤلاء جميعًا، وهو أنهم نظروا إلى الصفات الإلهية من منظور إنساني.
الأصل الرابع:
وهذا الأصل متصل باللغة كمدخل للعقيدة، إذ يقرر فيه أن اللفظ
إذا قطع عن الإضافة يكون من قبيل المشترك العام، يقول في ذلك: (وإذا كان من المعلوم
بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم،
فمعلوم أن هذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود
ذاك، بل وجود هذا يخصه ووجود ذاك يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في
مسمى الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد).
وقد ساق في هذا المقام شواهد
من القرآن الكريم، تتحدث عن صفة الحياة لله تعالى ولبعض عباده.
كما يعتبر أن ما قرره هنا قاعدة مطردة في جميع الأسماء والصفات،
وقد يفهم مما سبق أن المغايرة المترتبة على التخصيص بالإضافة أو التقييد، لا تعنى أكثر
من المغايرة بالذات والشخص مع الاتحاد في النوع والجنس، وهذا يؤدى إلى التشبيه الذي
يرفضه ابن تيمية والسلفيون قبله وبعده، وبالتالي فهو لم يحل الإشكال. غير أن الرجل
بين أن الوجود المطلق يكون في الذهن فقط، وأما الوجود الخارجي فهو للأفراد وحدها، كما
قرر أن المشترك الذهنى ليس من قبيل المتواطئ الذي تتساوى أفراده، كما يقول المناطقة،
بل من قبيل المشترك المشكك الذي تتفاوت أفراده. [منهاج السنة النبوية ج ٢ من ٦٥ من القاهرة سنة
١٣٢١هـ]
الأصل الخامس:
وهذا الأصل يحدد فيه ابن تيمية فهمه لمعنى الظاهر والمحكم
والمتشابه والتأويل. والظاهر لديه يعني: ما يفيده المعنى اللغوي للفظ، أي: الحقيقة
اللغوية.
ولم يرد بالظاهر ما تواضعت عليه أعراف القوم حين يستعملون
مفردات اللغة، وبخاصة بعدما استعجمت الألسنة ؛ فلم يقل مثلا: إن الظاهر من لفظ اليد
هو الجارحة، كما توهم المؤولون، ولكن ظاهرها هو حقيقتها اللغوية، وإذا كانت حقيقتها
اللغوية تفيد معنى غير الجارحة بحسب ما يحدده السياق اللغوي، فأعتقد أن الخلاف بينه
وبين المؤولين يكون خلافًا لفظيًّا؛ ذلك لأن لفظ اليد في حقيقته اللغوية، يراد به عدة
معان، إما القوة والطاقة، كما في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ
بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:
٤٧]، وإما الذلة كما في قوله تعالى:
{حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} [التوبة: ٢٩]،
وقد يراد بها النعمة كقول الشاعر:
له أياد علي سابغة أعد منها ولا أعددها
وقد يراد بها تأكيد الفعل للذات الفاعلة، كما يقال: هذا ما
قدمت يداك. [مختار الصحاح ص ٧٤١]٠
وأما إطلاق لفظ اليد على العضو المعروف، فمن قبيل الاستعمال
المجازي أو العرفي، وإذا كان لا يقر المجاز فمعنى هذا أنه لا يقصد بنزعته هذه سوى المحافظة
على معاني القرآن الكريم، عن أن تكون أداة يتلاعب بها المؤولون بالتلاعب بالألفاظ،
وبخاصة ما يتصل منها بمسائل العقيدة، وهذه غاية نبيلة، يسعى ابن تيمية إلى تحقيقها.
غير أنه لا يفوتنا أن نذكر هنا أن كثيرًا من علماء اللغة
يرون أن اللفظ إذا استعمل في غير ما وضع له، واشتهر به بين الناس، صار في قوة الحقيقة
إن لم يكن هي. [السهيلي:
نتائج الفكر ص ٢٣٨]. ومعنى هذا أن الظاهر في عرف الناس غير ثابت، وإذا
كان الأمر كذلك فإن القول بأخذ ألفاظ القرآن على ظاهرها قد يوهم التشبيه، وهو ما حمل
المؤولين على صرف اللفظ عن هذا الظاهر.
ويبقى الفارق بين ابن تيمية وبين المؤولين هو الفارق بين
من ينظر إلى اللغة من حيث وضعها الأصلي وبين من ينظر إليها في وجودها الاجتماعي، لأنها
لا تعمل في فراغ، وطرق استعمالاتها لا تقف عند نمط محدد.
وأما المحكم لدى ابن تيمية فيطلق ويراد به ثلاثة معان، يقابل كل منها نوعًا من المتشابه،
فهو إما:
١- المنزل من قبل الله حقيقة، ويقابله ما يلقيه الشيطان في
قلوب بعض العباد، فيرفعه الله وينسخه من قلوبهم كما تشير إليه الآية الكريمة: {وَمَاَ أَرۡسَلۡنَا
مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ
فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ
ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} [الحج: ٥٢].
٢ - التنزيل الباقي، ويقابله المنسوخ الذي رفع حكمه.
٣ - التمييز وبيان المعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة عن
غيرها، حتى لا تشتبه بها [الاكليل: ص ٧و٨ مرجع سابق]. وهذا النوع هو المقصود، غير أنه لم يبين ماهية التشابه المقابل
لهذا النوع، وإن كان يفهم منه أنه أراد به ما يحتمل أكثر من معنى، كضمير الجمع، والمشترك
اللفظي، وبعض المتواطيء [نفس المصدر] ، وإحكام هذا النوع يكون ببيان المقصود به في الخارج وتعيينه.
وأما حديثه عن
التأويل، فقد جاء مخالفًا لما استقر عليه من يرى أنه صرف اللفظ عن ظاهره لمعنى
يحتمله.. إلخ؛ إذ يرى أن الصحيح أن له معنيين:
أحدهما: تفسير الكلام ببيان معناه.
وثانيهما: هو نفس المراد بالكلام.
فإن كان طلبًا فتأويله هو: نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا
كان تأويله نفس الشيء المخبر به.
وإذا طبقنا فهم ابن
تيمية لمفهومي التأويل، وبخاصة النوع الثاني، على بعض المسائل الاعتقادية فسيتبين لنا
أن جميع ما تواضع عليه أكثر الطوائف من أنه من قبيل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله
تعالى . . ليس كذلك في رأي ابن تيمية، وينحصر المتشابه لديه في كيفية الحقائق من أمور
الألوهية والأمور السمعية عمومًا. فهذا مما لا يعلم حقيقته إلا الله، وتأويلها هو حصولها
في الخارج.
على أننا نتساءل:
إذا كان ابن تيمية يرفض التأويل بمعنى إخراج اللفظ عن ظاهره لمعنى يحتمله، ويرى أن
هذا الموقف هو الذي يمثل منهج السلف، فهل يرى الإمساك عن الخوض في حقيقته، ويفوض العلم
به إلى الله تعالى، مع إمرار نصوص المتشابه كما جاءت دون تعمق وبحث؟
المدقق فيما صرح به هنا يرى خلاف ذلك، ويرى - أيضًا - أنه
أراد تطويع المنهج السلفي لفهمه الخاص. ومما يدل على ذلك أننا إذا ذهبنا إلى قواميس
اللغة التي يتمسك بظاهرها لَتَبَيَّن لنا أن كلامه صحيح في بعضها وغير صحيح في بعضها
الآخر، ولنضرب لذلك مثلًا ببعض الألفاظ:
١ - لفظ العين، تطلق ويراد بها: حاسة البصر - عين الماء - عين الشمس -
الدينار - المال الخالص - نفس الشيء كقولنا: هذا الشيء هو هو - الإكرام، [مختار الصحاح ص ٤٦٦] وهذه الدلالات كلها على معانيها من قبيل الدلالات الظاهرة،
فأى المعاني يقصد ابن تيمية إطلاقها على الله تعالى؟ ولا شك في أن الأمر محصور هنا
بين المعنى الأول والأخير، فإن أراد الأول كان مجسمًا، وإن كان يقصد المعنى الثاني
لم يكن هناك خلاف بينه وبين المؤولين، ويكون تمسكه برفض التأويل لا معنى له.
٢ - لفظ الساق: يطلق ويراد به في اللغة المعاني الآتية: ساق القدم - ساق
الشجر – الشدة؛ كما في قولهم قامت الحرب على ساق، وكما في قوله تعالى: {يَوۡمَ
يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ} [القلم:
٤٢] - ساقة الجيش [نفس المصدر] مؤخرته، فأي المعاني يقصد؟:
لا شك في أن الأمر دائر بين المعنى الأول وبين كونه كناية
عن الشدة، فإن كان الأول كان مجسمًا - كما قلنا في لفظ "العين"-، وإن كان
الثاني كان مؤولًا بالمعنى الذي يقصده الخصم، وليطلق على نفسه ما شاء من الألقاب: المبين
– المفسر- الموضح، مادام الخلاف فيها لا يغير من الأمر شيئًا.
ويتصل بهذه المسألة موقفه من تقسيم اللغة إلى حقيقة وإلى
مجاز وإنكاره للثاني، لأن التقسيم إلى هذا وذاك - في نظره - يستلزم أن تكون الألفاظ
قد وضعت أولًا لمعانٍ، ثم عند التطبيق إن استعمل اللفظ فيما وضع له كانت دلالته على
المعنى دلالة حقيقية، وإلا فدلالته مجازية.
وهو يرى أن اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة له ولا
مجاز، لأن الاصطلاح على دلالة لفظ معين على معنى معين أمر تعارضه الفطرة، ومن ثم كان
يرفض الأمور الاصطلاحية عمومًا، ويرى أنها من قبيل التحكم، وهذا ما لا نوافقه عليه.
والعجيب أن ابن تيمية يورد هنا قوله تعالى: {فَوَجَدَا
فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ
عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} [الكهف: ٧٧]، ويرى أن لفظ الإرادة قد يستعمل في الميل الذي يكون معه شعور
وهو ميل الإنسان، وفي الميل الذي لا شعور معه، وهو ميل الجمادات، ولم يعترف بالفرق
بين الاستعمالين [الإيمان ص ٤٣ ط القاهرة ١٣٢٥هـ]، مع أن أدنى نظر يقر بالفرق بينهما، فإذا لم يعترف به كان مكابرًا، وإذا اعترف
به كان رده لتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز لا معنى له، وبالتالي عاد رفضه للتأويل لا
معنى له كذلك.
وقد اشتمل القرآن الكريم على ألفاظ تدل على التصرف في استعمالها
بحسب ما يقتضيه المقام، وهو صور من صور البيان المشرق الذي تميز به هذا الكتاب العزيز،
فقد وضع المحسوس مكان المعقول كالآية التي معنا، ووضع الحاضر مكان المضارع كما في قوله
تعالى: {وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ
عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ
حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} [الأعراف: ٥٠]، ووضع المضارع مكان الماضي كقوله تعالى: {وَإِذۡ
تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ
زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى
ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا
زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ
إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا} [الأحزاب:
٣٧]، وهذا كله لا يعني وحدة الحقيقة اللغوية في دلالتها
على المعنى. [انظر في
ذلك: أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني ص ٢٨٤، وتلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف
الرضى (ت ٤٠٦ هـ ) ص ٢١٥ ط . القاهرة سنة ١٩٥٥م]
وقد طبق ابن
تيمية منهجه هذا، وهو إنكار المجاز وإنكار التأويل - بناء عليه -، وحمل الألفاظ كلها
على ظاهرها، لأن الظاهر في حق الله تعالى ليس كالظاهر في حقنا . . على جميع النصوص
الموهمة للتشبيه بجانب الذي ذكرناه آنفًا، بالإضافة إلى اشتراط التنزيه ومنعه قياس
الغائب على الشاهد.
من ذلك: أنه طبقه
في مفهوم الجهة، حين تعرض لآية الاستواء على العرش الذي يفيد بظاهره المكان، وكذلك
حديث النزول، وما في معناه.
والغريب أن ابن تيمية الذي يتمسك بمذهب السلف، يقرر في أكثر
من موضع أن هؤلاء لم يتكلموا في هذه المسائل، لا نفيًا ولا إثباتًا.
في الختام:
وفي ختام حديثي عن العقيدة لدى الشيخ ابن تيمية أقول: كان
الرجل ممتلئًا غيرة وحماسًا على دينه، وقد ساءه جدًّا تصرفات أصحاب المذاهب الأخرى،
حتى غدا كل مذهب يدعي لنفسه أنه على حق وأن ما سواه ليس كذلك، فحاول الرجوع إلى أصول
المنهج السلفي، ولكن لا بالمناداة بالتفويض في المشكل، ولقد كان الأجدى للعقيدة السلفية
أن تظل بعيدة عن هذا التعمق الذي شابه كثير من الغموض مما قد يطفيء نورها من القلوب،
وأن ينظر إلى ما أشكل منها بمنظور الإيمان والتسليم، لا بذلك التفسير الظاهري، الذي
لعله تجاوز المنهج السلفي في صورته النقية، وهذا كل ما يؤخذ على هذا الإمام العظيم.
وقد كان بوسعنا أن نستكمل صورة المنهج السلفي لدى من أتى
بعد ابن تيمية مرورًا بابن قيم الجوزية والذهبي وابن رجب الحنبلي، وابن عبد الهادي،
ومحمد بن عبد الوهاب، وحتى عصرنا الحاضر، غير أن ما ذكرناه كان كافيًا في رسم معالم
هذا المنهج لدى السلف، وقد قصدنا بهم في هذا البحث المحافظين على النص الصحيح، من العمل
بمحكمه والتفويض في متشابهه، ثم السلفية الحقيقية كما مثلها مذهب الإمام أحمد، ثم السلفية
المدعاة، كما مثلها ابن حامد وأبو يعلى وابن الزاغوني، ومن سار على منهجهم من الغلاة
في تمسكهم بالظاهر، وإعراضهم عن منهج الدراية والرواية، وهم الذين جاءوا مع الإمام
أحمد أو بعده وادعوا الانتساب إلى مذهبه، ممن ذكرناهم آنفًا ، ثم السلفية المتأخرة
لدى ابن تيمية مع بيان مدى ما في منهجه ومنهج تلاميذه والمنتسبين إلى رأيه من قرب أو
بعد عن السلفية الحقيقية التي ظهرت لدى الإمام أحمد.