Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السلفية

الكاتب

أ. د / محمد عبد الستار نصار

السلفية

السلفية هي توجه فكري إسلامي يركز على التمسك بالقرآن والسنة بفهم السلف الصالح، رافضة التأويلات العقلية المتأخرة، وقد نشأت كرد فعل على الخلافات الفكرية، وتعتمد السلفية الحقيقية على التسليم للنص المتشابه وتفويض علم معناه إلى الله سبحانه وتعالى، أما السلفية المعاصرة التي اتخذت من التشدد منهجًا ومالت إلى التفسير الظاهري للنصوص، فهي بعيدة كل البعد عن المنهج السلفي الأصيل، الذي تجسد في الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

مفهوم السلفية

المعنى اللغوي لكلمة سلف: تفيد هذه الكلمة من حيث معناها اللغوي "الماضي"، وفي ذلك تقول معاجم اللغة العربية:

سلف يسلف، أي: مضى، والقوم السلّاف أي: المتقدمون، وسلف الرجل: آباؤه، والجمع أسلاف، وسُلَّاف. [الصحاح في اللغة والعلوم: المجلد الأول ص ٦٠٣-٦٠٤ نشر دار الحضارة العربية - ط أولى بيروت سنة ١٩٧٤م].

 ويلاحظ هنا أن الزمن هو الذي يحدد هذا المعنى اللغوي، ويقابله لفظ: الخلف؛ وهو يعني بالضرورة عكس ما يعنيه معنى السلف. وقد شاع في ثقافتنا الإسلامية هذان المعنيان اللغويان. فإذا كان الأول منهما يفيد معنى "التقدم" الزمني، فإن الثاني يفيد معنى "التأخر" بالنسبة للأول.

وقد جاء في القرآن الكريم - بعد ذكر بعض الرسل عليهم السلام - قوله تعالى في المعنى الثاني: {فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا} [مريم: ٥٩].

معنى (السلف) في اصطلاح العلماء:

يقصد به لدى العلماء: ذلك الاتجاه المحافظ على ظاهر النص، الممسك عن التأويل، المُفَوِّضُ للمعنى فيما أُشكَل من ظاهر الكتاب والسنة، المُثْبِتُ لله تعالى من الصفات ما أثبته لنفسه وما أثبته له الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم- مع التنزيه، من غير تشبيه وتمثيل، أو تأويل وتعطيل.

والمتأمل في هذا التعريف الاصطلاحي يلاحظ أنه يمثل ظاهرة غير مرتبطة بالزمان، وهي: الارتباط الوثيق بما أتى به ظاهر هذين المصدرين العظيمين: الكتاب والسنة، وهذه يمكن إدراكها في كل زمان منذ عصر النبوة حتى يومنا هذا، في دائرة الإسلام.[بل في الأديان السابقة كذلك، فقد ظهر في اليهودية والمسيحية، النصيون والعقليون، كما قرر كتّاب المقالات ومؤرخو العقائد، انظر: الشهرستاني: الملل والنحل ط القاهرة سنة ١٩٥٦م ج ا ص ٢١٥ ويقول ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ) في ذلك: ثم ورد في القرآن الكريم آيٌ قليلة، توهم التشبيه، مرة في الذات وأخرى في الصفات، فأما السلف فغلّبوا أدلة التنزيه؛ لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه، وقضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها، ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل، وهذا معنى قول كثير منهم: اقرأوها كما جاءت، أي: آمنوا بأنها من عند الله. المقدمة، مطبعة محمد عاطف. القاهرة، دون تاريخ ص ٤٦]

 والمعارف التي يتعامل بها أصحاب هذا الاتجاه إنما ترتكز على المأثور والموروث، وهي معارف مستمدة من الوحي، ولا تتطلع إلى ما سوى ذلك؛ اكتفاءً بهذه المعارف.

منهج القرآن الكريم في تقرير العقائد

من الظواهر النفسية، التي يخضع لها المجتمع، الذي يتلقى دينًا جديدًا، أن المرحلة الأولى لنزول هذا الدين، يغلب عليها طابع التسليم والانقياد لظاهر النص الديني، دون إخضاعه لمقاييس العقل، وبخاصة ما يتعلق منها بأمور العقيدة، مما لا مجال للعقل فيه، وقد جاء الإسلام على فترة من الرسل، كما صرح القرآن الكريم.[المائدة١٩- القصص٤٦- السجدة٣]

ولا يتبادر إلى الذهن أن العقل البشري، وما في طبعه من تطلع إلى الغوص وراء معرفة علل الأشياء وحقائقها، قد تنازل عن طبعه هذا، وترك مكانه للتسليم المطلق لظاهر النص، ولكنه توارى وراء هذا التسليم والإذعان، حتى تتاح له سوانح تجعله يظهر من جديد، ويكون ذلك - غالبًا - في مرحلة تالية لمجيء هذا الدين.

وقد تلقى المسلمون الأوائل - حين نزل عليهم القرآن الكريم أحكامه الاعتقادية- تلقي المذعن المستسلم، الذي لا يبحث - كثيرًا - فيما وراء ظاهر "النص" فيما أشكل فهمه؛ لإيمانهم بأن هذا "المشكل" ليس في مقدور البشر فهمه، وأمَّا ما يوحي به ظاهره - من المماثلة والتشبيه - فإن ذلك ينفيه قوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١].

فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن وجود الرسول صلى الله عليه وسلم بين ظهراني المسلمين أزال عنهم الشكوك والأوهام، وأن نور الصحبة قد جعلهم مطمئنين إلى صدق إيمانهم بما جاء به ظاهر النصوص المتشابهة، مع تفويض علم حقائقها إلى الله تعالى، فإن ذلك كله كفيل بأن يجعل التسليم والإذعان أمرين مقبولين.

وإذا كان هذا شأن الصحابة - رضوان الله عليهم - والقرآن الكريم يتنزل بمثل هذه النصوص، وأن حالهم كان كما ألمحنا، فإن هذا لا يعني أبدًا نسبتهم إلى التجهيل؛ أي: أنهم كانوا جهلاء بمفهوم هذا النوع من النصوص، كما فهم الإمام ابن تيمية [ردد هذا القول في كثير من كتبه، وانظر بصفة خاصة كتابه: نقض المنطق، القاهرة سنة ١٩٥١م ص ١٢٩، وقد تابعه في ذلك تلميذه ابن قيم الجوزية، انظر كتاب: مختصر الصواعق المرسلة، ط. المطبعة السلفية بمكة سنة ١٣٤٨هـ ص٩٥]؛ لأن التجهيل معناه: أن ننفي عنهم علم شيء كان في مقدورهم أن يعلموه، ولم يقل عاقلٌ أبدًا: إن النصوص المتشابهة من قبيل المقدور على فهم حقائقها، وإلا فما الفرق بينها – حينئذٍ- وبين النصوص المٌحْكَمَة؟، والآية الكريمة التي تحدثت عن نوعي الآيات القرآنية . . يفيد سياقها أن اتباع المتشابه، والجري وراء تأويله، ومحاولة تفهمه، إنما يوقع من يفعل ذلك في "زيغ"؛ قد يخرج به عن الملة، كما هو صريح قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ} [آل عمران: ٧] .

 إن ظاهر الآية الكريمة يقرر أن الراسخين في العلم يقولون: (آمنا به)، أي: كنصٍّ إلهيٍّ، نفهم منه ما يليق بذاته - سبحانه وتعالى - ، مع تفويض علم حقيقته إليه - جل شأنه - ، ولو كان "المتشابه" واقعًا في دائرة العلم بحقيقته لكان مقتضى السياق أن يقول هؤلاء الراسخون: علمناه، بدلًا من قولهم: آمنا به، وهذا هو ما انتهى إليه من قبلُ جمهور المفسرين الأَثبات حين تعرضوا لتفسير هذه الآية الكريمة.

ولعلنا نلمح من خلال نظرنا الدقيق لهذه الآية الكريمة أنها تتحدث عن فَرْقٍ صراحةً بين العلم كمدرك عقلي، والإيمان كمدرك قلبي، وقد التقى مؤرخو الأديان مع تلك الحقيقة؛ القائلة بالفرق بين "العقيدة" و"المعرفة"، فقرر (جوستاف لوبون): أن المعتقد هو إيمان ناشئ عن مصدر لا شعوري، يحمل الإنسان على اليقين بصحة عقيدةٍ ما أو مذهبٍ على سبيل الإجمال، وأنه لا عمل للعقل في تكوين هذا المعتقد، كما يقرر أنه متى استعان المرء في تحقيق صحة هذا المعتقد بالتأمل والتجربة، انقلب المعتقد إلى معرفة؛ لأنها اقتباس شعوري عقلي، قائم على الاختبار والتأمل. [الآراء والمعتقدات ص ٧-٨ من الترجمة العربية ط ثانية - القاهرة سنة ١٩٤٦م]

وقد جاء في القرآن الكريم ما يقرر الفرق بين "الإيمان" أو "المعتقد" وبين "المعرفة"؛ وذلك في حديثه عن أهل الكتاب، وأنهم كانوا قبل مجيء سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ونزول القرآن الكريم، يعرفون ما جاء في كتبهم من بشارة بهذا النبي الكريم وكتابه العظيم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، قال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: ٨٩].

ولا ينبغي أن يفهم مما ذكرنا أن الإيمان يضاد العقل؛ لأن الإسلام قد عُني ببناء عقائده على أساس عقلي صحيح، ولكنه في نفس الوقت يضع إطارًا لقضايا عقدية، لا يستطيع العقل أن يصل إلى حقائقها أو كنهها، ولعل حقائق الأمور الغيبية - ومنها حقائق المتشابه - داخلة في هذا الإطار.

ثم أضاف القرآن الكريم إلى هذا التوجه العقلي في عرض الأصول الاعتقادية أنه اتخذ القرآن منهجًا متميزًا، فلم يسق قضاياه سوقًا جافًّا مجردًا، بل ساقها في إطارٍ يستنهض كل المدارك الإنسانية، واتخذ من الكون والنفس مادة ثرية؛ يسوق منها أدلته على صدق ما قدم من قضايا، وكذب ما عليه الخصوم، وقد سلك سلف الأمة - رضوان الله عليهم أجمعين - مسلك هذا الكتاب الكريم حين تناولوا مسائل العقيدة، وكذلك السلفيون من بعدهم، وسنوضح ذلك بعد إلقاء نظرةٍ؛ ترينا كيف كانت تتلقى مسائل العقيدة حين نزول القرآن الكريم، وهذه النظرة تتعلق بالناحية المنهجية.

العقيدة في عصر نزول القرآن الكريم

كيف تلقى المسلمون أصول العقيدة في عصر نزول القرآن الكريم:

يقول تقي الدين المقريزي في ذلك: اعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم- رسولًا إلى الناس جميعًا، وصف لهم ربهم - عز وجل- بما وصف به نفسه الكريمة، في كتابه العزيز الذي نزل به على قلبه الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى، فلم يسأله من العرب بأسرهم قرويّهم وبدويّهم عن معنى شيءٍ من ذلك كما كانوا يسألونه عن أمر: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغير ذلك؛ مما لله فيه أمر ونهى، ولو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنقل؛ كما نقلت الأحاديث الواردة عنه - صلى الله عليه وسلم- في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم والفتن، ونحو ذلك مما تضمنته كتب الحديث ومعاجمها ومسانيدها وجوامعها. [انظر: الخطط ج ٤ ص ١٨٠ - ١٨١ نقلًا عن تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية للشيخ مصطفى عبد الرازق ط القاهرة سنة ١٩٥٩م ص ٢٧٣].

ويعزز ما نقلناه عن المقريزي ما ذكره الأثبات من المؤرخين لهذه الحقبة، من ذلك ما ذكره الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ} [الأنعام: ٩٠] قال: والمراد بـ"هُدَاهُم": طريقتهم، والإيمان، وتوحيده، وأصول الدين. [الزمخشري: الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل. ط. دار الريان للتراث. القاهرة سنة ٩٨٧ ١م، ج ٢، ص ٤٣].

والناظر هنا ينتهي إلى أن القرآن يدعو إلى اتخاذ المنهج القويم الذي اتخذه أنبياء الله من قبلُ؛ حين قرروا قضايا العقيدة، بطريقة سهلة، في متناول جميع الاستعدادات البشرية.

ومما سبق يتبين لنا أن المسلمين الأوائل - في عصر نزول القرآن الكريم - كانوا يتلقون مسائل الاعتقاد كما جاء بها الوحي، وكانوا - أيضًا - لا يمدون في حبل الجدل مع خصوم هذا الدين - بفضل توجيهات القرآن الكريم - ، كما كانوا يرون أن التناظر والتجادل في الاعتقاد - بغير علم- يؤدى إلى الانسلاخ من هذا الدين؛ لأنه - حينئذٍ - يكون متناولًا لقضايا لا يستطيع العقل إدراكها أو الحكم عليها؛ لأنه معزول عنها، وبالضرورة لن يصل إلى الحق فيها، كأحكام المتشابه، وعلاقة الصفات بالذات، والقدر، وغير ذلك مما رأيناه لدى المخالفين.

ولا شك في أن القرآن الكريم قد قطع السبيل؛ الذي يؤدى إلى الاختلاف في الدين، حتى تظل وحدة المسلمين قائمة، ولأنه من جانب آخر يعني بالجانب العملي التطبيقي، الذي يجسد الإسلام في واقع الأمة.  وأما الكلام النظري - وهو إطار علم الكلام بالمعنى الاصطلاحي - فإنه ينحو إلى النظر الفلسفي العقلي، الذي لا تحتاج إليه الأمة، وبخاصة في أول عهدها.

تقرير العقائد في عصر الخلفاء الراشدين

لم يختلف المسلمون في هذا العصر كثيرًا عن عصر النبوة، غير أنه حدث من الاجتهادات ما كان له تأثير - فيما بعد - في مجال العقيدة، من ذلك: الاجتهاد في تفسير وفاة الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ حتى قال بعضهم: لم يمت ولكنه رفع كما رفع عيسى عليه السلام. ولعله كان لهذا القول - فيما يرى بعض كتاب المقالات - أثر في أقاويل بعض الشيعة من القول بالرجعة، [الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص ١٣٣] كما ظهر اختلافهم في تعيين من يخلفه، وانبثق عن هذا الخلاف أمر الإمامة، وهو أمر خطير، وقد قرر الشهرستاني أنه أعظم خلاف بين الأمة؛ إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان. [الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص ١٣٣]

ولقد كان عصر عمر بن الخطاب رضي الله عنه امتدادًا لعصر أبي بكر -رضي الله عنه-؛ من حيث الأخذ على أيدي الخارجين على كل ما كان متبعًا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا كان الخليفة الأول قد حارب المرتدين ومانعي الزكاة؛ حفاظًا على وحدة الأمة، واستمساكًا بما قرره الإسلام، فإن الخليفة الثاني قد أخذ على يد كل من تطاوعه نفسه لإحداث فتنة داخل الجماعة، من ذلك: ما تحدثنا به بعض الكتب من أن ابن الخطاب -رضي الله عنه- استقدم صبيغ بن عسل وضربه - حين قدم المدينة ليسأل عن متشابه القرآن -، ثم نفاه إلى البصرة، وأمر بعدم مجالسته، وحرمه من عطائه، حتى صلح حاله فعفا عنه. [ابن حجر الإصابة ط القاهرة سنة ١٣٢٩هـ ج٣ ص١٩٨]

 وقد يتبادر هنا سؤال هو: كيف يستقيم تحذير القرآن الكريم من الخوض فيما أشكل فهمه من متشابه القرآن الكريم، وكذا ما جاء في بعض الأحاديث من ترك المراء في الدين، بالإضافة إلى ما فعله عمر، مع أن بعض هؤلاء قد يكون طالبًا لمعرفة الحق في هذا التشابه؟ وكيف يطالبون بسكوت ألسنتهم مع حيرة عقولهم وقلوبهم؟

 ونبادر فنقول: لو كان المسئول عنه في مقدور العقل الإجابة عليه، أو جاء نص صريح بالأمر ببيانه لكان ذلك نقضًا للبلاغ الذي أمر به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولَكَانَ من فعل ذلك من الصحابة - ولو كان ابن الخطاب - رافضًا لبيان الحق فيما يسأل عنه، ولكنَّ السؤال هنا عن أمورٍ استأثر الله بعلمها، وليس للعقل دخل في ذلك، وليس له قدرة على معرفتها؛ لأنها فوق طاقته ومقدوره كما سبق القول.

ويمكن أن يضاف إلى ما تقدم، ما ذكره الشيخ محمد عبده في تعليله لوحدة المسلمين في عصر نزول القرآن الكريم وفي خلافة أبي بكر وعمر؛ حيث بين أن المسلمين كانوا في هذه الحقبة مشغولين بتطبيق أحكام الدين العملية، وأما القضايا النظرية المتصلة بالعقيدة فقد كان يكفيهم تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر، ولم يكن لديهم من الفراغ ما يجعلهم ينقطعون لمناقشة قضايا العقيدة، على النحو الذي ظهر من بعد لدى علماء الكلام، يقول في ذلك: مضى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المرجع في الحيرة، والسراج في ظلمات الشبهة، وقضى الخليفتان بعده في مدافعة الأعداء وجمع كلمة الأولياء، ولم يكن للناس من الفراغ ما يخلون فيه مع عقولهم ليبتلوها بالبحث في مباني عقائدهم ... ثم كان الناس يفهمون إشارات الكتاب ونصوصه، يعتقدون بالتنزيه، ويفوضون فيما يوهم التشبيه، ولا يذهبون وراء ما يفهمه ظاهر اللفظ. [رسالة التوحيد الطبعة السادسة القاهرة سنة ١٣٥١ ه ص ٩. وقد خالف السيد محمد رشيد ناشر الرسالة الأستاذ الإمام في هذا التصوير لمذهب السلف، فقد ذهب - متابعة منه لرأى ابن تيمية في هذا المقام - إلى أن السلف كانوا يأخذون في الصفات الإلهية بمعاني الألفاظ في اللغة مع تنزيهه سبحانه وتعالى عن مشابهة شيء، من خلقه. وهذا الفهم يوقع في محظور خطير، هو أن المماثلة بين الحق سبحانه وبين عباده تكون منفية بالذات لا بالحقيقة].

والذي نريد أن ننتهي إليه في هذا المقام، أن أصول العقيدة -التي كانت مصونة من قبلُ- بدأت الأهواء تتدخل في فهمها وتكييفها، وظهر في بعض المسائل - مثل مسألة التحكيم في الخلاف الذي وقع بين علي ومعاوية - رضى الله عنهما - غلبة الجانب السياسي على الجانب الإيماني، مما كان سببًا في بداية اختلاف الأمة.

ويضاف إلى ذلك ظهور بعض العقائد التي تذكي روح الخلاف في أواخر عصر الصحابة؛ كعقيدة القدر التي قال بها كل من: معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري، ومفادها: إنكار إضافة الخير والشر في الأفعال الإنسانية إلى "القدر"، ويرون أن مناط التكليف المقتضي للثواب والعقاب يحدد مسئولية الفرد عن جميع أفعاله الاختيارية، وإلا أصبح الثواب والعقاب نوعًا من الظلم، وقد كان في ذلك ما يوسع شقة الخلاف. وهذا القول في ذاته يكون محل قبول لو وضع في إطاره الصحيح، ولكن أصحابه كانوا يبالغون في قدرة الإنسان على الاستقلال في أفعاله الاختيارية؛ إلى الحد الذي يفهم منه أن ذلك يقلل من عموم قدرته -تعالى- على جميع المقدورات، ومنها مقدور الإنسان نفسه، بل إن مؤرخي العقائد ينسبون إلى بعض أصحاب هذا القول، أنهم صرحوا بأن الله - سبحانه – لا يقدر على الفعل الذي يقدر عليه الإنسان، ولا يعلمه إلا بعد وقوعه. [انظر: د/ محمد عبد الستار نصار. العقيدة الإسلامية، أصولها وتأويلاتها ج ١ ص ١٤٢-١٤٣ ط. القاهرة سنة ١٩٨٩م ومن الحق أن نذكر هنا أن أصحاب هذ الاتجاه، قد اعتمدوا على نصوص قرآنية، تبين مسئولية الإنسان عن أفعاله. كقوله تعالى: {كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِینَةٌ} [المدثر: ٣٨]، وقوله: {وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰۤئِرَهُۥ فِی عُنُقِهِۦۖ} [الإسراء: ١٣]، وقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَیۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ} [البقر: ٢٨٦]؛ غير أن المبالغة في فهم هذه النصوص بما يجعل الإنسان موجدًا لأفعاله استقلالًا - كما ذكرت كتب الفرق عنهم - هو محل مؤاخذة على هؤلاء]


ويبدو للناظر في حياتنا الفكرية والروحية أن نظرية رد الفعل قد انتقلت من مجالها الطبيعي إلى المجال الإنساني النظري.

لقد رأى مؤرخو الفرق الإسلامية أن القول بالجبر جاء كرد فعل للقول بالاختيار، لقد قال به الجعد بن درهم وجهم بن صفوان؛ حين استشعروا أن القول بالاختيار فيه تقليل من قدرة الله تعالى المطلقة وإرادته التامة. [غير أن الشيخ محمد زاهد الكوثري يرى أن ظهور القول بالقدر-على الوجه الذي ذكرنا- كان كرد فعل للقول بالجبر. وليس هناك خلاف في الواقع، ودقة التأريخ لظهور هاتين الفكرتين هي التي تحدد سبق إحداهما على الأخرى، انظر: مقدمة تبين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري لابن عساكر (ت ٥٧١هـ). ط دمشق سنة ١٣٤٧هـ ولابد من أن نقرر هنا أن أصحاب هذا الاتجاه اعتمدوا على ظاهر بعض النصوص القرآنية، مثل قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا} [التوبة: ٥١] وما في حكمها من الآيات التي تؤكد هذا المعنى، من هنا تسقط دعاوى الذين يزعمون تأثر أصحاب الاتجاهين بمؤثرات خارجية؛ وبخاصة ما ذكره (جولدزيهر) في كتابه العقيدة والشريعة في الإسلام ص ٩٨ ط. القاهرة سنة ١٩٧٩م]

وبدأت المسائل والاختلافات في الظهور، وجاءت معالجتها بمناهج مختلفة في النظر والاستدلال، على نحو يختلف عما كان عليه الأمر في عهد الصحابة الأولين، وبدأ يظهر جليًّا أن العقيدة الإسلامية في وضوحها وبساطتها التي كانت عليها حين نزول القرآن الكريم، وفي خلافة أبي بكر وعمر، قد تبدلت شيئًا فشيئًا مع تبدل حال الجماعة الإسلامية ،وتدخل الأهواء في تفسير الوقائع السياسية، ومحاولة تبرير ذلك بالنصوص الشرعية، فإذا أضفنا إلى ذلك انفتاح الجماعة الإسلامية في ثقافتها على الأفكار الأخرى لدى الأمم التي دخل الإسلام بلادها فاتحًا، وهي أفكار ذات طابع عقدي في الغالب، لبان لنا أن ظهور اتجاه "نَعَضُّ على الموروث بالنواجذ" في مواجهة ما استحدث داخل الجماعة ، من تيارات تكاد تعصف بالعقيدة الإسلامية ووحدة الأمة السياسية، كان أمرًا طبيعيًّا، وذلك على يد الإمام العظيم أحمد بن حنبل(٢٤١هـ) الذي يعدّ – بحق - الصوت المنادى بعودة العقيدة الإسلامية إلى صفائها ونقائها، كما كانت عليه حين نزول القرآن الكريم وعصر السلف العظيم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

السلفية كما يمثلها مذهب الإمام أحمد

لقد راج المذهب الاعتزالي في أيام العباسيين قبل عصر المتوكل، لما فيه من مظاهر البحث العقلي المعتمد على المنطق والجدل، فمالت إليه الطباع وكثر أنصاره، بل أصبح المذهب الرسمي للدولة - إذا صح هذا التعبير- ، حتى حملت المعتزلة الناس على الإيمان به، إن طوعًا، وإن كرهًا، وكان أظهر القضايا التي دار حولها الخلاف "قضية خلق القرآن"؛ التي امتحن فيها الإمام أحمد ومن كان على مثل رأيه؛ إذ كانوا يعتبرون أنفسهم الممثلين الحقيقيين للدين الصحيح، ولسلف الأمة في الحفاظ عليه، وقد عبر عن هذا المعنى عبد الله بن المبارك، فقال: الكذب للروافض، والخصومة للمعتزلة، والدين لأهل الحديث، ثم أنشد:

أيهـا الطالب علمًا   *  ايت حماد بن زيد

فخـذ العــــلم بحلمٍ  * ثــم قيـده بقيــد

 ودع البــدعة من*   آثار عمرو بن عبيد[السيوطي: صون المنطق ص٦٠ ]

لقد أثيرت في هذا العصر مسائل كثيرة متصلة بالعقيدة، اصطرع الجدل فيها بين أرباب الفرق المتباينة، ولم تكن الدوافع وراء هذا الجدل الانتصار للعقيدة الصحيحة، بقدر ما كانت انتصارات للآراء والمذاهب، إذ لو كان الأمر بخلاف ذلك، لتعين الحق في أحد هذه الفرق، غير أن كل فرقة كانت تدعي أنها وحدها على الحق، وأن ما سواها هو الخارج عليه، ويدرك هذا من ينظر في أمهات الكتب الكلامية.

لقد كان الإمام أحمد - ومن قبله الإمام مالك (١٧٩هـ)- يكره المراء في الدين، والجدال فيما ليس تحته عمل، ويرى أن الحقائق العظيمة التي جاء بها القرآن الكريم، وبينتها السنة المطهرة، ليس على المسلم إلا الخضوع لها، والعمل بموجبها، كما كان يرى أن الجدل في الدين يورث الخصومات، ويضعف العمل، ويطفيء جذوة الإيمان في القلوب، غير أن ما كان يضطرب به المجتمع الإسلامي من آراء حول العقيدة وأصولها، جعل الإمام أحمد ينزل الساحة على كره منه، متخذًا المنهج الصحيح الذي يربط واقع الأمة الذي يحياه بماضيها التالد، يوم كان سلفها الأولون - كذلك - يعضون على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالنواجذ، ومن ثم نراه يتعرض لأمور العقيدة بالبيان والإيضاح، مطبقًا منهج السلف أصدق تطبيق، وهذا ما نراه في المسائل الآتية:

رأيه في الإيمان:

 يرى أن الإيمان يزيد وينقص، لأنه ينتظم: النطق باللسان، واطمئنان الجنان، والعمل بالأركان، ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام إذا ارتكب ذنبًا، فإن تاب رجع إلى الإيمان، ولا يخرجه من الإسلام إلا الشرك بالله العظيم، أو برد فريضة من فرائضه جاحدًا لها، فإن تركها تهاونًا أو كسلًا كان في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. [ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ): مناقب الإمام أحمد ص ١٦٨ ط. القاهرة سنة ١٣٤٩هـ].

ولا شك في أن تقرير حقيقة الإيمان على هذا النحو، كان ردًّا واضحًا على جميع الفرق المعاصرة له، والتي ذهبت في تقرير الإيمان مذاهب شتى، فهو رد على الجهمية الذي يرون أنه "مجرد المعرفة" وإن لم يصحبها عمل، ورد على من يزعم أن العمل جزء من حقيقة الإيمان، وأن مرتكب الكبيرة يخرج من حظيرة الإيمان، غير أنه لا يكون كافرًا، بل هو في منزلة بين الإيمان والكفر، كما ذهب إلى ذلك المعتزلة، كما كان نقضًا لمن يرى أن مرتكب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا، بل منافق، أو يسمى كافرًا كما تقول الخوارج.. إلخ.

والفرق واضح بين مفهوم الإيمان لدى الإمام أحمد، وبين مفهومه لدى المعتزلة، فهما وإن اتفقا على أن العمل جزء من حقيقة الإيمان، إلا أنه يرى - والحق معه - أن مرتكب الكبيرة دون الشرك لا ينتفي عنه وصف الإيمان؛ بل يكون مؤمنًا عاصيًا، وأمره في الآخرة مفوض إلى الله تعالى، تحقيقًا لقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا} [النساء: ٤٨]. كما أن فيه ردًّا على الخوارج، الذين يزعمون أن العمل جزءٌ من حقيقته، وأن مرتكب الكبيرة كافر، ويرى أن هذا مخالف لما جاء به القرآن الكريم، وبينته السنة الصحيحة. وكذا كان ردًّا على الجهمية الذين أَخْلُوا حقيقة الإيمان من الأعمال، الأمر الذي به يمكن أن يصبح الدين معه مجرد معارف باهتة، لا تدفع إلى عمل، ولا تحض على فضيلة.

ومما سبق يظهر جليًّا كيف كانت السلفية على يد "ابن حنبل" مظهرًا من مظاهر المنهج الأصيل؛ الذي يعتمد أول ما يعتمد على الكتاب والسنة، وفهمهما الفهم الدقيق، في مواجهة آراء ومعتقدات أثرت عليها اجتهادات لم تعد أصيلة في فهمها لهذين الأصلين العظيمين.

رأى الإمام أحمد في القدر والفعل الإنساني:

يعني بالقدر: الرضا والقبول بما قضى به الحق من خيرٍ أو شرٍ، والتسليم بأمره، والصبر تحت حكمه، وسنده في ذلك كله ما جاء في قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ} [التوبة: ٥١] وما في حكمها من الآيات والأحاديث الصحيحة.

وإذا كان التسليم المطلق لأمر الله تعالى فيما يصيب المؤمن، هو ما ينبغي أن يكون المنهج الصحيح، فما ذاك إلا لأن قضية "القدر" من المستغلقات التي لا يعلم مفتاحها إلا الله عز وجل، وأن الناظر فيها كالناظر في شعاع الشمس، كلما ازداد نظرًا ازداد حيرة كما يقول أبو حنيفة رضي الله عنه، وأن هذه المسألة قد استصعبت على الناس فأنى يطيقونها. إنها مسألة مقفلة قد ضل مفتاحها، فإن وجد مفتاحها علم ما فيها، ولم يفتح إلا بمخبر عن الله تعالى بما عنده، وبما يتضمنه ذلك من بينة وبرهان. [انظر: الشيخ أبو زهرة: أحمد بن حنبل ص ١٢٩ ط. دار الفكر العربي. القاهرة بدون تاريخ].

وأما الفعل الإنساني، فقد أيقن الإمام أحمد أن ما يصدر عن الإنسان من فعل اختياري، فإنما هو بإقدار الله عليه، وإرادته له، وهو هنا يخالف القدرية الذين يذهبون إلى أن الإنسان مستقل في خلق أفعاله على الوجه الذي ذكرناه آنفًا، كما أنه يؤكد هنا قضية في غاية الأهمية، قررها القرآن الكريم وغفل عنها بعض الناس - ومنهم القدرية - وهي: الفرق الواضح بين الأمر والنهي والإرادة، والسخط والرضا، والثواب والعقاب، وكلها ألفاظ ورد بها القرآن الكريم، والسنة المطهرة الصحيحة، ولكن دلالات كل منها محددة، وإن كان لمعاني بعضها علاقة ببعضها الآخر، فالله - سبحانه - يأمر بالخير ويرضاه، ويريده ويثيب عليه، وينهى عن الشر ولا يرضاه ويسخطه، ويعاقب عليه، فهو كما قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ} [النحل: ٩٠] وعلمه عز وجل شامل للمعلومات جميعها. وقدرته - جل شأنه - قادرة على المقدورات جميعها، وإرادته عامة لجميع المرادات، وإذا قيل بخلاف عموم هذه الصفات لكان في كونه - سبحانه - ما لا يعلمه وما لا يريده وما لا يقدر عليه، فيكون متصفًا بأضداد تلك الصفات المطلقة، وهو نقص لا يليق بذاته.

وما وقع "القدرية" فيما وقعوا فيه إلا من جراء عدم فهمهم للعلاقة بين صفات الحق، وبخاصة: العلاقة بين الإرادة والأمر، حيث ذهبوا إلى أن الله لا يريد المعاصي ولا يقدر عليها؛ لأنه لا يأمر بها، فالإرادة والأمر عندهم متلازمان.

وهذا الفهم الخاطئ لبعض قضايا العقيدة في نظر الإمام أحمد، وفي القضية التي معنا، جعله يذم "القدرية"، ويقبح طريقتهم، غير أنه لا يجادلهم؛ لأنه يرى أن كل أمر ثبت بالقرآن الكريم والسنة الصحيحة لا يحتاج إلى دليل إضافي.

 لقد كان يرى أن الخوض في هذه الأمور من البدع التي ابتدعها علماء الكلام، وكان يكتب لبعض أصحابه: (لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب أو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابه، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود). [ابن الجوزي مناقب الإمام أحمد ص ١٥٩].

مذهبه في الصفات:

 تعد مسألة الصفات الإلهية وعلاقتها بالذات أكبر المسائل التي شغلت بال المتكلمين، بل والفلاسفة المسلمين بعد ذلك، ومما لا شك فيه أن التوسع فيها قد حول مسار البحث لدى الكثيرين، بحيث أضحى قضايا فلسفية ميتافيزيقية أكثر منه مسائل اعتقادية، ولا مراء في أن الفكر الوارد؛ والذى أصبح مزاحمًا للفكر الإسلامي الأصيل - وبخاصة في عصر المأمون والمعتصم - قد أثمر تلك الطرائق التي تناولت مثل هذه المسألة، والتي اختلفت الأنظار حولها اختلافًا كثيرًا، وكانت الاستجابة لهذا الفكر بالإيجاب أو بالسلب، مؤسسة على مدى تأثير "الموروث" في ذهن الباحثين وقلوبهم.

 لقد كان مذهب الإمام أحمد رضي الله عنه هو مذهب السلف قبله، فهو يثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في القرآن الكريم وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن القرآن قد فصل في حديثه عن الصفات الإلهية في جانبها الإيجابي، وأطلق عليها لفظ "الأسماء" ووصفها بالحسنى، وذلك في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [الأعراف: ١٨٠]. وأما في جانبها السلبي فقد ذكر مثل قوله تعالى على سبيل الإجمال: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١].

وأما عن العلاقة بين أسماء الله تعالى وبين الذات فلم يتحدث عنها القرآن الكريم، ولا ذكرتها السنة الصحيحة؛ لأنها لا تعني الجانب العملي للحياة الإسلامية في شيء، ثم إنها من مجال فوق مستوى الإدراك العقلي.

وقد اهتدى العقل المسلم الصحيح أن المسألة هكذا ينبغي أن تفهم، ولم تستوقفه في ذلك الاعتبارات الإنسانية التي لاحظها نفاه الصفات - مثلًا - حين تعرضوا لها بالبحث والتحليل؛ لأن الخالق سبحانه وتعالى لا يمكن أن يشارك شيئًا من مخلوقاته في حقيقة ذاته، ولا في حقيقة أسمائه.

ومن ثم ندرك لماذا فهم المسلمون الأوائل ومن سار على طريقتهم؛ أمثال الإمام أحمد، ومن شايعه في عصره وبعده - أصول العقيدة في هذا الإطار الصحيح، فالمغايرة التامة بين الله وبين مخلوقاته تمثل للمتدين صمام الأمان؛ الذي يقيه خطر الوقوع في التشبيه.

وصاحب الاتجاه المحافظ - كالإمام أحمد - يرى أن إحداث أمر ليس من الدين ولم يشتغل به أحد من السلف الصالح كمثل الصفات الإلهية وعلاقتها بالذات . . يعد من الابتداع في الدين المنهي عنه، وكأن الرجل ينظر بعين إلى الدين ومنهج تناول قضاياه ومسائله، وينظر بعين أخرى إلى المجتمع الإسلامي وموجبات وحدته واعتصامه.

 وفي ضوء هذا لا تقبل دعاوى أصحاب التنزيه، التي حملت أصحابها على الخوض في أمور ما كان للعقل أن ينتهي فيها إلى يقين، بل إن عكس ذلك هو الذي حدث؛ حيث تفرقت الأمة -بفضل هذا الإيغال- طرائق قددًا.

ولنا أن نستشهد بما ذكره الأشعري، في تصويره لمفهوم التوحيد عند المعتزلة، لننتهي إلى نتيجة محددة في هذا السياق، يقول في ذلك: (أجمعت المعتزلة على أن الله تعالى واحد، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). وقد كان هذا القدر كافيًا لو وقف عنده هؤلاء، وهو قول يعبر عن حقيقة التوحيد الإسلامي بالمعنى الصحيح، المرتكز على الكتاب والسنة، غير أنهم - تحت تأثير الثقافة الواردة من علوم الأوائل - زادوا فقالوا: (ليس بجسم ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم ولا دم، ولا شخص ولا جوهر ولا عرض، ولا له عمق، ولا اجتماع ولا افتراق، ولا بذي لون، ولا رائحة، ولا مجسة، ولا بذي حرارة، ولا رطوبة، ولا يبوسة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا يتحرك، ولا يسكن، ولا يتبعض) [مقالات الإسلاميين للأشعري (ت ٣٣٠) ج١ ص ٢١٦ ط. القاهرة سنة ١٩٥٤م]. إلى غير ذلك من الأوصاف السلبية؛ التي تؤكد مذهبهم وفهمهم لمعنى (التنزيه الإلهي).

وقد يُسَلَّم للمعتزلة تلك النظرة في مواجهة المشبهة والمجسمة، من أمثال: مقاتل بن سليمان ، ومن بعده الكرامية ومن شايعهم، ولكنه لا يُسَلَّم للعقل المسلم الناظر في الكتاب والسنة نظرةً صحيحةً عميقةً؛ لأن الصفات الإلهية في هذين المصدرين العظيمين تمجد الحق – سبحانه - وتنزهه بالصفات الإيجابية : التي تثبت له كل كمال وجلال - على سبيل التفصيل -، والنافية عنه كل ما لا يليق - على سبيل الإجمال -، بخلاف منهج هؤلاء، المعتزلة وأمثالهم ممن توسعوا في النفي، وأجملوا في الإثبات، وهذا مخالف تمامًا لمنهج القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وهما معًا أساس منهج ابن حنبل والذين معه.

وحتى لا يكون الخلاف بالإجمال والتفصيل بين الاتجاهين من قبيل الخلاف العرضي، فإنا نقول: لقد تحدث القرآن الكريم عن الله - تبارك وتعالى - باعتبارات مختلفة، تحدث عنه باعتبار ذاته، فوصفه بأنه: الأول والآخر، والظاهر والباطن، والقيوم، والواحد، والحيّ، والمتعال، والغنيّ، والقهار، والعظيم، إلى آخر تلك الأوصاف الذاتية، كما تحدث عنه باعتبار صلته بالمخلوقات، فوصفه بأنه: الخالق، البارئ، المصور، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، المدبر، الحكيم، إلى غير ذلك من الأوصاف التي تبين أنه الذي لا قوة في الكون إلا قوته، ولا سلطان غير سلطانه، كما تحدث عنه باعتبار صلته بالإنسان، فوصفه بأنه: الرحمن، الرحيم، الغافر، العفو، التواب، الحليم، الصبور، الرؤوف، الودود، إلى غير ذلك من الأوصاف التي تجيء بهذا المعنى، كما تحدث عن صلة الإنسان وعلاقته به، فوصفه بأنه: المهيمن، الهادي، الوكيل، الرزاق، الوهاب، المجيب، المعطى، المغني، إلى غير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن صلة العبد به صلة احتياج. [محمد البهي: الجانب الإلهي في التفكير الإسلامي ص ٢٩-٣٠ ط القاهرة سنة ١٩٦٢]

وعند الموازنة بين المنهجين يتضح لنا البون الشاسع بينهما، فعلى الرغم مما في منهج المعتزلة من جفاف لا يرضي القلب والوجدان، فليس فيه مقنع للعقل أيضًا، لأن غايته - في رأيهم - نفي ما لا يليق بذات الحق سبحانه، وأما منهج القرآن الكريم فيظهر عظمة الله وجلاله وتفرده، سواء أكان الأمر متعلقًا بذاته العلية أم بصلته بالكون، أم بصلته بالإنسان المخاطب بهذا المنهج المتفرد.

ومع الوضوح الظاهر الذي ليس فيه غموض في منهج الإمام أحمد، يلمح الباحث بعض الأفكار التي تدل على عمق تفكيره، فقد ذهب إلى أن أسماء الله المختصة هي أزلية قبل أن يوجد ما تشتق منه، ويقرأ في ذلك ما جاء في آخر سورة الحشر، ولا يفرق بين ما يسمى بصفات الذات وصفات الفعل، وتخريج هذه الصفات على أن الحق سبحانه وتعالى موصوف بها في الأزل قبل أن يوجد ما تتعلق به من الأفعال، كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة.. إلخ، يقول في ذلك: (من قال: إن الله لم يكن موصوفًا حتى وصفه الواصفون فهو بذلك خارج عن الدين، ويلزم من ذلك ألا يكون واحدًا حتى وحده الموحدون، وذلك قول فاسد). [أبو الفضل التميمي: عقيدة الإمام أحمد. ج ٢ ص ٢٩٣ بذيل طبقات الحنابلة]

 ومن الطبيعي أن يلازم هذ المنهج النصي في تحصيل المعارف الاعتقادية، الذي يمثله الإمام أحمد خير تمثيل - الإعراض عن اصطلاحات المناهج الأخرى، التي تنحو في ذلك منحى مخالفًا، ومن ثم كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى، ويرى أن هذا كلام محدث، ولا يذهب مذهب المخالفين الذين يرون المغايرة بينهما من حيث المفهوم، وعدم المغايرة من حيث المصادق، ولكنه يرى أن الاسم هو علم على المسمى؛ اتباعًا للنص كما في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ} [الأعراف: ١٨٠]. [أبو الفضل التميمي: عقيدة الإمام أحمد. ج ٢ ص ٢٩٣ بذيل طبقات الحنابلة]

 

أما منهج الإمام أحمد في تناول النصوص الموهمة للتشبيه فيتمثل في أنه: استخدم منهج المحدثين بدقة - وهو أحد أعلامهم - حين تناول الأحاديث التي توهم التشبيه، فمن هذه الأحاديث ما رواه عبد الرحمن بن عائش رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؛ يا محمد؟ فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ يَا رَبِّ، فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ».[رواه الدرامي والطبراني]

ولما سئل الإمام أحمد عن هذ الحديث قال: (أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة). [انظر: ابن الجوزي: دفع شبهة التشبيه ص ٢٩، ٣٠ ط. القاهرة سنة ١٣٤٥هـ وقد ذكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ) في كتابه الأسماء والصفات جميع طرق الأحاديث التي وردت في الصورة، وانتهى إلى الترجيح أن يكون ذلك في المنام. انظر: ص ٣٠٠ ط. دار التراث العربي، بيروت، مع كتاب فرقان القرآن للشيخ سلامة العزامي رضي الله عنه. – ٤٠٩].

لقد سئل الإمام أحمد عن "نعيم بن حماد" وهو أحد رواة أحاديث "الصورة" فقال: (حديثه منكر مجهول). وفي هذا الموقف إشارة إلى أنه لم يقف في رد الحديث عند نمط معين، إذا لزم منه محال، فقد يكون الخلل آتيًا فيه من إحدى الجهتين: السند أو المتن، أو منهما معًا، ومن هذا نستنبط أن منهجه في تقرير العقائد كان مصحوبًا بالنظر العقلي الصحيح، وبخاصة في طرق إثبات نصوص السنة، ولم يقف عند الظاهر الذي قال به بعض المنتسبين إليه، فوقعوا في التشبيه قبل أن ينظروا إلى مدى ما في الآثار من ضعف، وتخريجها على قواعد الرواية والدراية.

وبهذا يمكن أن نقول: إن منهج الإمام أحمد في العقيدة كان يعتمد على النصوص الصحيحة دون غيرها، وأن ما خالف ذلك مما ينسب إليه ليس بصحيح.

وأما في المتشابه من آي القرآن الكريم: فإن منهجه كان غاية في الوضوح والدقة في نفس الوقت، فلم يؤول النصوص المتشابهة تأويل المحرفين، ولم يجرها على ظاهرها بالمفهوم الإنساني كما فعل المشبهة، بل كان يمر عليها كما جاءت دون تعمق أو بحث، اعتمادًا منه على قصور العقل الإنساني عن إدراك الكيفيات.

حقائق الصفات الإلهية:

وكان يشعر بالحرج الشديد - حين ينتهي الأمر إلى الإيمان بما جاء به ظاهر النص - عندما يعلم أن هذا منهج قوم - هم المشبهة والمجسمة - عندما يحاولون تحديد مدلول الألفاظ، فيصرح بأن "اللفظية" شر من "الجهمية"، يعني بذلك: أن حمل اللفظ على ظاهره دون تفويض شر من تأويل المؤولين، ومعنى هذا أن الألفاظ التي يعبر بها النص الديني المتصل بذات الحق - سبحانه - أو بصفة من صفاته، أو بفعل من أفعاله - لها معان مرادة له تعالى، ولا يمكن أن نخاطب بها إلا من خلال ألفاظ نتعامل بها نحن البشر، حتى لا نكلف بما لا نفهم، غير أن الفهم - في نظره - لا يتجاوز إثباتها إلى بيان كيفيتها، وذلك حتى تظل المعاني الإلهية بمعزل عن أن تنزل إلى مستوى المعاني الإنسانية، وعلى هذا فغاية المؤمن ذي العقل الرشيد أن يثبت أن لله يدًا، أو وجهًا كما أثبت الحق لنفسه في قرآنه، ولكن لا بالمعنى الإنساني.

ولنا أن نتساءل: إذ كانت الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني للدلالة على الحقيقة، وأن ما خالف ذلك يكون من قبيل الدلالة المجازية، كما يرى اللغويون والأصوليون، فإن دلالة لفظ "الوجه" مثلا على معنى يخالف الصورة يكون نوعًا من الدلالة المجازية، وهذا نوع من التأويل، وإذن فكيف نصف منهج السلف قبل الإمام أحمد، والسلفية التي يمثلها، ومن سار على نهجه من بعده بأنهم غير مؤولين؟ هذا ما سنبينه.

الإمام أحمد والتأويل:

 ليس بيد الباحث - في حدود الطاقة - نصوص موثوقة النسبة إلى الإمام أحمد في هذا المقام، وما ذكره العلماء منسوبًا إليه فيه اختلاف كثير، وسنذكر ما قيل عنه، ثم نحاول بقدر اجتهادنا استخلاص موقفه؛ اعتمادًا على منهجه العام.

ذكر (ابن حزم) أنه روي عن الإمام أنه قال في قوله تعالى: {وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا} [الفجر: ٢٢] أن معناه: مجيء الأمر لا مجيء الذات. [ابن حزم (ت ٦ه٤م) الفصل ج ٢ ص ١٢٢ ط. القاهرة سنة ١٣٢١ هـ] وهذا يعني أن الإمام يجيز التأويل - وهو هنا مجاز بالحذف - عندما يتعين، واستند في هذا على ما جاء عنه أنه قال: (احتجوا عليَّ يوم المناظرة فقالوا: تجيء يوم القيامة سورة البقرة وتجيء سورة تبارك، فقلت في ذلك: إنما هو الثواب).

وقد ذكر (ابن تيمية) أن الإمام أحمد كان يتكلم فيما يحتمل معاني كثيرة، ويرجح بعضها على بعض بالأدلة، في جميع مسائل العلم الأصولية والفرعية. [ابن تيمية (ت ٧٢٨) تفسير سورة الإخلاص دار الطباعة المحمدية ط سنة ١٣٩٥هـ] ومعلوم أن الترجيح لا يكون إلا عندما يوجد النص المُشْكِل وله أساس يقوم عليه، ولا يمكن أن نعفي النظر العقلي منه، لأنه يكون مترتبًا على النظر في الأدلة المتعارضة، ويذكر الرازي في ذلك حكاية عن الإمام الغزالي أن الإمام أحمد أول بعض الأحاديث الصحيحة. [الرازي (ت ٦٠٦): أساس التقديس ص٨١ ط القاهرة سنة ١٩٣٥].

ومما سبق ندرك أن منهجية الإمام أحمد كانت منهجية نصية في أصل مبناها، وذلك إذا لم يترتب على الأخذ بالظاهر محال وإلا فاللجوء إلى التأويل أمر تفرضه الضرورة العقلية، ولكن بالقدر الذي تجيزه اللغة ويدركه العقل.

غير أن هناك فريقًا آخر من المنتسبين إلى الإمام أحمد، يرون أنه لم يقل بالتأويل، ولكن يظهر من موقفهم هذا أنهم أرادوا أن يجعلوا منه سترًا لمنهجهم الرافض للتأويل، حتى لو ترتب على هذا الرفض محال، ومن ثم رأينا ابن حزم يصفهم بالأصدقاء الجهلاء أو أنهم كانوا غير فاهمين لمنهج إمامهم؛ يقول في ذلك: (وأما ما ينقل عنه مما يخالف هذا فهذا تخرص من صديق جاهل، أو سوء فهم لمذهب هذا الإمام). [ابن حزم: الفصل ج ٢ ص ١٢٥ مرجع سابق]. وقد ردد ابن الجوزي هذا القول، دفاعًا عن منهج صاحبه. [ابن الجوزي: دفع شبهة التشبيه ص ٨ مرجع سابق].

والدليل على صحة تصوير منهج الإمام أحمد هنا، كما ذكره ابن حزم وابن الجوزي، لا كما ذكره الآخرون، أن هناك نصوصًا لا يمكن حملها على ظاهرها، مثل قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ} [الحديد: ٤] فإن المعية بالذات هنا مستحيلة، وقد أجمع السلف والخلف على تأويلها إلا من لا يعقل. [الشنقيطي: استحالة المعية بالذات ص ٩١ ط. القاهرة سنة ١٣٤٩هـ]

 إن القول بالمعية بالذات يترتب عليه محالان:

الأول: لو كانت معيته -عز وجل- بذاته لكان ذلك لازمًا لجميع الخلائق، في أي زمان وفي أي مكان، وللزم اتصافه بصفات الحوادث، المنفية بالدلائل القطعية.

الثاني: عند التسليم بالمعية بالذات لكل مخلوق يلزم تعدد الذات العلية بتعدد الخلائق، وهذا محال لما يترتب عليه من انقسام في الذات.

وأما أولئك الذين صوروا مذهبه على غير صورته؛ ممن يدعون انتسابهم إليه - فليس معهم من دليل سوى أنهم جعلوا الدعوى دليلًا، فكأن لسان حالهم يقول: الدليل على أن المعية بالذات هي قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ} [الحديد: ٤]. ومن المعلوم أن الدعوى محل النزاع لا تكون دليلًا، ولا جزءًا من دليل كما يقول المحققون.

ومن المؤكد والمقطوع به لدى الأثبات من العلماء أن الإمام أحمد، وإن أقر التأويل في بعض المواقف وبالعذر الذي يقتضيه، حتى لا يترتب على عدم الأخذ به محال - كما ذكرنا - إلا أن التأويل لم يكن منهجًا عامًّا عنده، وفي هذا دلالة ظاهرة على أنه كان ينظر إلى القضية موضوع البحث، بعين النقل أولًا، فإذا كانت هناك ضرورة عقلية لتفسير النص تفسيرًا عقليًّا فلا مناص من ذلك، ونأخذ من هذا أن الذين ادعوا التمسك بمنهجه، ممن أجروا النصوص على ظاهرها دون أي تصرف عقلي فيها قد عارضوا منهجه الصحيح.

قضية خلق القرآن

هذه المشكلة تتصل بمسألة الصفات الإلهية، ومنهج الإمام في تناولها يتصل بمنهجه العام، وهو الرفض لكل ما لم يرد به نص صحيح من الكتاب والسنة، ولما كانت هذه القضية من هذا القبيل، فقد رفض الإمام أحمد الخوض فيها؛ لولا أن خصومه حملوه على ذلك، ومما لا شك فيه أنه كان يحرص على اعتصام الأمة بحبل الله المتين حتى لا ينفرط عقدها، وهذا يجعلنا نحكم باطمئنان أن الرجل كان أبعد نظرًا وأوسع فقهًا من خصومه، وإن كانوا من أولي الأمر؛ إذ ماذا يجدي الخلاف حول قِدم القرآن الكريم أو حدوثه؟ وهل هذا ما جاء القرآن الكريم من أجله؟ وهل الخلاف الذي يكون مبعثه فهمًا خاطئًا للفظ من ألفاظ هذا الكتاب العزيز يتعادل مع ما تجني الأمة من جراء ذلك من فرقة وشتات، وتفرق وتحزب؟ إن هذه المعاني كلها كانت تدور في خلد هذا الإمام.

وسنشير بشيء من التركيز الشديد إلى هذه المشكلة ورأى الإمام فيها فنقول:

يطلق لفظ (القرآن) ويراد به معنيان:

المعنى الأول: كلام الله تعالى القديم القائم بذاته تعالى، أي الصفة النفسية التي تثبت له سبحانه وتعالى معنى يليق بكماله، وتنفي عنه ما يضاد ذلك.

المعنى الثاني: القراءة والكتابة، أي الأصوات والحروف، التي عبر عنها الإمام البخاري بقوله: (فعل العبد بالقرآن).

وهو بالمعنى الأول قديم عند من يقول بقدم الصفات وإثباتها للذات، وأما بالمعنى الثاني ففيه الخلاف الذي سنبين رأى الإمام فيه، وقد لا يستبين موقفه هنا حتى نعرف رأى خصومه، ونبين دوافعهم إلى ذلك.

لقد قال المأمون في رسالته: إن جمهور الرعية والعامة لا نظر لهم ولا روية، وهم أهل جهالة وعمى عن حقيقة هذا الدين وقواعد التوحيد، ولذا فقد أجمعو على أن القرآن غير مخلوق، فساووا بينه وبين الله تعالى في القدم. [الطبري (ت ٢١٠هـ) تاريخ الأمم والملوك ج ١ ص ٢٨٤ عن القاهرة سنة ١٣٣٦هـ.] ويلاحظ على هذه الرسالة المسحة الاعتزالية بالنظر إلى الصفات واعتبارها مغايرة للذات، ومن ثم نفوها حتى لا يتعدد القدماء، غير أن المغايرة عند التحقيق ليست مغايرة حقيقية، وإنما مغايرة اعتبارية، وليست في الواقع ونفس الأمر.

ورأى الإمام في القضية واضح، فحين سئل ماذا تقول في القرآن؟ قال: كلام الله. قيل له: أمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله لا أزيد عليها. قيل له: ما معنى قوله تعالى سميع بصير؟ قال: هو كما وصف نفسه، قيل له: فما معناه؟ قال: لا أدرى، هو كما وصف نفسه. [نفس المصدر ص ٢٨٨].

وهذه الإجابة التي رد بها الإمام على سائله، إسحق بن إبراهيم رئيس شرطة المأمون، هي ذاتها ما رد بها على عبد الرحمن بن إسحق مناظره من قبل المعتصم. وقد عبر عن هذا المعنى نفسه في رده على الخليفة المعتصم، حين قال له: ويحك ما تقول؟ فيقول: يا أمير المؤمنين: أعطوني شيئًا من كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى أقول به. [ابن الجوزي مناقب الإمام أحمد ص ٣٢٢].

وبعد أن رفعت عنه المحنة في عهد المتوكل، وسأله عن حقيقة الأمر لم يزد شيئًا على ما رد به على خصومه، اللهم إلا ما استدل به من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، مما يدل على كراهيته الشديدة أن يخوض المسلمون فيما لا ينفعهم، وأن يضربوا الكتاب بعضه ببعض، ثم ما ذكره من أقوال الصحابة والتابعين في ذلك.

وقد ذكر ذلك أبو نعيم صاحب (حلية الأولياء) [ج ٩ من ٢١٦ من القاهرة سنة ١٩٣٨م] والذهبي في كتابه: (تاريخ الإسلام) وقد علق على هذه الرسالة بقوله: ورواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنه أملاها على ولده.

وإذا كان الإمام أحمد يعلم أن خصومه لا يقصدون بالقرآن الكريم المعنى القديم اتساقًا مع مذهبهم في نفي زيادة الصفات على الذات - كما أشرنا قبلًا -، وإنما يريدون به (الحروف والأصوات) فهل يعني أن الإمام كان يقول بقدمها؟

الظاهر من كلام المنصفين له والمدافعين عنه في هذا المقام أنهم فهموا من موقفه العام أنه لا يقول بذلك، مثل: البخاري [انظر خلق الأفعال ص ١٥٤ (ضمن مجموعة تحت عنوان عقائد السلف تحقيق الدكتورين على سامي النشار وعمار الطالبي) ط. منشأة المعارف بالإسكندرية سنة ١٩٧١م]، وابن قتيبة [انظر الاختلاف في اللفظ من ١٢]، وأخيرًا الشيخ محمد زاهد الكوثري [انظر مقالات الكوثري من ٢٠ من القاهرة سنة ١٣٧٣هـ].

وأما المتقولون عليه - وما أكثرهم - فهم جماعة يدعون نسبتهم إلى هذا الإمام، غير أنهم تقولوا عليه بما لم يقله، ولا يتحمل وزر هذا التقول، ولقد كان عبدالله بن الإمام أحمد هو الواجهة التي توارى خلفها هؤلاء، وقد جمعت أقوالهم في كتاب أطلقوا عليه اسم (كتاب السنة)، ونسبوه إلى الإمام برواية ابنه عنه، ويشكك الشيخ الكوثري في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد، ونحن نكاد نقطع بعدم صحة هذه النسبة، لأن كثيرًا مما جاء فيه لا يتفق مع ما عرف عن منهج هذا الإمام، من ذلك ما جاء فيه: أن عبد الله سأل أباه عن حكم من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟، فقال الإمام أحمد: (هم جهمية)، ومن ذلك أيضًا: ما قاله عبدالله لأبيه: (سألت أبي عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى أتكلم بصوت؟ فقال أبي: تكلم بصوت) هذه الأحاديث نرويها كما جاءت، ثم ذكر الحديث: «إِذَا تَكَلَّمَ اللَّهُ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ». [انظر: كتاب السنة المنسوب إلى الإمام أحمد من ٢٩، وقد ذكر الكوثري أن أحاديث الصوت فيها مقال، وقد جمع الحافظ أبو الحسن المقدسي هذه الأحاديث وبين ضعفها، وقد سئل الإمام أحمد عن أحد رواة هذه الأحاديث فقال: كان يخلط في حديثه (انظر الكوثري التعليق على السيف العقيل ص ٦٤]

 ولعل أوضح دليل على أن هذه الروايات لا تمثل رأى الإمام أحمد، تمثيلًا حقيقيًّا هو كثرة الاضطراب فيها، ويرى بعض الباحثين في تعليل ذلك أن الإمام عندما رأى غلو الرواة بعد المحنة نهى أصحابه عن الخوض في الكلام، كما نهاهم عن كتابة فتاويه في الفقه، وقطع رواية الحديث قبل وفاته بسنين فدخل في الروايات عنه ما دخل من الأقوال البعيدة عن العلم، إما من سوء الضبط، أو سوء الفهم، أو تعمد الكذب، وأن من طالع في طبقات ابن أبي يعلى تراجم أبي العباس أحمد بن جعفر الاصطخري، وأبى بكر المروذي، والأثرم ومسدد وحرب بن إسماعيل، يجد فيها من الروايات المعزوة إليه بطرقهم ما يكون مصداقًا لهذا القول. [الشيخ زاهد الكوثري التعليق على الاختلاف في اللفظ لابن قتيبة من ٤٢].

رأى الإمام أحمد في الرؤية

هذه مسألة قد أثيرت على يد المعتزلة، وهي: حكم رؤية الله تعالى بالأبصار في الآخرة، وقد نفاها المعتزلة؛ لأنها تستلزم الجسمية، وهي عندهم لا تغاير (العلم) بمعنى الإدراك القلبي الذي لا يستلزم وسائط مادية، وأولوا النصوص التي تخالف هذا المعنى؛ اتساقًا مع منهجهم العام الذي يقدم التأويل على الأخذ بالظاهر، إذا كان في الأخذ به ما يصادم العقل في نظرهم٠

وأما الإمام فيرى - اتساقًا مع منهجه أيضًا - الأخذ بظاهر ما جاء في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، مع نفي المماثلة، ويفوض أمر الحقائق إلى الله تعالى، يقول في ذلك: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة، كما روى الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه، وكما ثبت من الأحاديث الصحاح، فقد روى حديث الرؤية، قتادة عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، وما رواه الحكم بن أبان، عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على ظاهره. كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وربه - عز وجل -، والكلام فيه بدعة نؤمن به، ولا نناظر فيه أحدًا). [ابن الجوري مناقب الإمام أحمد ص ۱۷۲ مرجع سابق]

 والأهم في نظر الإمام هو إثبات الوقوع والتحقق، لا إثبات الكيفيات؛ لأنها من قبيل المغيبات التي لا مجال للعقل فيها، وهذا لب المنهج السلفي كما يمثله هذا الإمام العظيم.

ولا شك في أن هذا الموقف الواضح من آيات وأحاديث (الرؤية) كان يمثل اتجاهًا صحيحًا يرضي العقل والقلب معًا؛ لأن الإثبات مع نفي المماثلة يؤكد هذا المعنى، وكأنه بهذا الموقف قد خالف ما ذهب إليه المعتزلة من نفيها لنفي لوازمها، وخالف كذلك موقف الحشوية من المشبهة والمجسمة؛ الذين أجازوا عليه الملامسة والمصافحة، وأن المسلمين المخلصين يعانقونه - تعالى الله عن ذلك - في الدنيا والآخرة، إذا بلغوا حدًّا من الرياضة والإخلاص يؤهلهم لذلك [الشهرستاني: الملل والنحل ج١ ص ٩٦ مرجع سابق].

وفي بيان الأسباب وراء إثبات الإمام أحمد ومن شايعه عدم التأويل يقول الشهرستاني: (إنما توقفنا في تأويل هذه الآيات، وما في حكمها من الأحاديث لأمرين:

أحدهما: المنع الوارد في التنزيل، فنحن نحترز عن الزيغ.

وثانيهما: أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق، وهو يؤدى إلى الظن، لا إلى اليقين، وهذا غير جائز لا في صفات الله، ولا في غيرها من أمور العقيدة). [الملل والنحل ج١ ص ٩٥ مرجع سابق]

هذا هو منهج الإمام أحمد، طبقناه على أظهر قضايا العقيدة، وبخاصة التي ظهر فيها الخلاف واضحًا، وقد ظهر منه أنه المنهج المرتبط بصحيح النص الديني، مع اللجوء إلى النظر العقلي بعض الأمور عندما يقتضي الموقف ذلك، كما رأينا في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ} [الحديد: ٤] . وذلك في مقابلة منهج العقليين من المعتزلة، ومن شايعهم ممن قدموا العقل على النص، وكذلك منهج الحشوية الذين أخذوا بظاهر كثير من النصوص دون التصرف فيها، وبخاصة المرويات الحديثية دون نقدها سندًا ومتنًا، فوقعوا في التشبيه والتجسيم كما ذكرنا. ض

وينشأ هنا سؤال: إذا كان هذا المنهج يمثل الوسطية الإسلامية في حينه - بل في كل حين - فهل ظل المنتسبون إلى السلفية محتفظين به هكذا؟ هذا ما سيجيب عليه من يمكن وصفهم بأنهم خارجون على المنهج السلفي من المتقدمين.

ونقصد بهم ذلك النفر الذين ادعوا نسبتهم إلى المدرسة السلفية، بعد مؤسسها، ذكر منهم ابن الجوزي ثلاثة نفر هم: أبو عبد الله بن حامد، والقاضي أبو يعلى، وابن الزاغوني، ومن شايعهم، ثم ذكر أنهم صنفوا كتبًا شانوا بها المذهب، وقد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله عز وجل خلق آدم على صورته؛ فأثبتوا له صورة ووجهًا زائدًا على الذات، وعينين وفمًا ولهوات وأضراسًا، وأضواءً لوجهه هي السبحات، ويدين وأصابع وكفًّا وخنصرًا وإبهامًا وصدرًا وفخذًا وساقين ورجلين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس، وقالوا: يجوز أن يَمسّ وَيُمَسّ، وقال بعضهم: ويتنفس، ثم إنهم يرضون العوام بقولهم: (لا كما يعقل). [ابن الجوزي دفع شبهة التشبيه ص ٦ وقد سبق إلى بيان عوار هؤلاء البيهقي، انظر مقدمة كتابه الأسماء والصفات]

إن السبب الذي وصل بهؤلاء إلى هذا التصوير الغريب في هذه المسألة، والتي وقعوا فيها في التشبيه والتجسيم، وإن تبرأوا من ذلك، أنهم أهملوا العقل، الذي به يثبت الأصل وهو: معرفة الله تعالى، كما تجاوزوا مذهب الإمام أحمد، فلم يمروا النصوص كما جاءت دون التعرض لها، كما هو لب منهجه، ومع التنزيه التفويض فيما يوهمه الظاهر، ولكنهم حملوها على هذا الظاهر، وبهذا أدخلوا في المنهج السلفي - كما ظهر لدى الإمام أحمد - ما ليس منه، حتى أصبح لا يقال عن حنبلي إلا مجسم، وصدق فيهم قول بعض أئمتهم المعتدلين: لقد شان هؤلاء المذهب شينًا قبيحًا، لا يغسل إلى يوم القيامة. [ابن الجوزي دفع شبهة التشبيه ص ٨ مرجع سابق]

وأما أوجه الخطأ التي وقع فيها هؤلاء، فقد جاءت على سبعة أوجه، ذكرها ابن الجوزي فقال:

 الأول: أنهم سموا الأخبار التي ذكروها أخبار صفات؛ والحقيقة أنها إضافات وليس كل مضاف صفة، فقد قال سبحانه: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي} [الحجر٢٩ ، سورة "ص" ٧٢]، وليس لله صفة تسمى روحًا فقد ابتدع من سمى المضاف صفة.

 الثاني: أنهم قالوا: هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، ثم قالوا: نحملها على ظاهرها، فكيف يتفق هذ مع تفويض علمها إليه تعالى؟ وهل ظاهر الاستواء إلا القعود، وظاهر النزول إلا الانتقال؟

الثالث: أنهم أثبتوا لله تعالى صفات، وصفات الحق - جل جلاله - لا تثبت إلا بما تثبت به الذات من الأدلة القطعية.

الرابع: أنهم لم يفرقوا في الإثبات بين خبر مشهور كقوله صلى الله عليه وسلم: «يَنزِلُ تعالى إلى السَّماءِ الدُّنيا» وبين حديث لا يصح كقوله صلى الله عليه وسلم: «رَأيتُ رَبى في أحْسنِ صُورة»، بل أثبتوا بهذا صفة، وبهذا صفة.

الخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع وبين حديث موقوف، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا.

السادس: أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع، ولم يتأولوها في موضع، كقوله عز وجل: «ومِن أتأنى يَمشِى أتَيتُهُ هَرْوَلة» قالوا: ضرب مثلًا للإنعام.

السابع: أنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحس، فقالو: ينزل بذاته، وينتقل ويتجول، ثم قالوا: لا كما نعقل، فغالطوا من يسمع، وكابروا الحس والعقل معا. [نفس المصدر]

والناظر في التراث السلفي يرى أن ما ألف فيه في قضايا العقيدة قد تضخم، وفي نفس الوقت قد فقد التحقيق العلمي في جزء منه، كما يلاحظ أن فكرة رد الفعل قد تحكمت -إلى حد كبير- في بعض هذه المؤلفات.

بعض من ألفوا في العقيدة قبل الإمام أحمد وبعده:

ونشير هنا إلى بعض من ألفوا في العقيدة على مذهب السنة والجماعة، أو السلف قبل الإمام أحمد وبعده، سواء أكان انتسابه إلى هذا المذهب صحيحًا أم غير صحيح، وسننبه إلى بعض المؤلفات التي أخذت طابعًا حشويًّا، شان المذهب، كما قال ابن الجوزي.

فمن الذين ألفوا في العقيدة على مذهب السلف قبل الإمام أحمد: ابن المبارك - يحيى بن سعيد القطان - ابن أبي شيبة - يحيى بن يحيى - نعيم بن حماد - عبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري - ابن راهويه - ومؤلفات هؤلاء، ما بين كتب أو رسائل في تأكيد المنهج السلفي، والرد على المخالفين من الجهمية وغيرهم.

وأما الإمام فقد نسبوا إليه كتاب الرد على الجهمية والزنادقة وفي تقديري أن هذه النسبة غير صحيحة. 

وأما الذين ألفوا بعده في إظهار العقيدة السلفية والرد على خصومها فمنهم: البخاري في كتابه خلق أفعال العباد - ابن قتيبة في كتابه الاختلاف في اللفظ - والأثرم في كتابه السنة - أبو داود السجستاني في كتابه السنة - أحمد بن عمرو الشيباني في كتابه السنة- عثمان بن سعيد الدارمي في كتابيه الرد على الجهمية والرد على بشر المريسي - عبدالله بن أحمد بن حنبل في الكتاب المنسوب إليه السنة - أحمد بن على المروزي في كتابه السنة - محمد بن يحيى بن منده في كتابه التوحيد - أبو العباس بن سريج في كتابه التوحيد - الخلال في كتابه السنة - ابن خزيمة في كتابه التوحيد - محمد بن إبراهيم العسال في كتابه السنة - سليمان بن أحمد الطبراني في كتابه السنة - ابن حبان في كتابه السنة - ابن بطة العكبري في كتابه الإبانة - اللالكائي في كتابه السنة - أبو ذر الأنصاري في كتابه السنة، وهؤلاء جميعًا كانوا من علماء المشرق الإسلامي، وأما علماء المغرب فمنهم: أبو عمرو الطلمنكي في كتابه الأصول، ابن عبد البر في عدة مؤلفات. [انظر المقدمة عقائد السلف مرجع سابق]

وكثرة هذه المؤلفات تدلنا على أن حركة التأليف في العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة - مع التفاوت الذي أشرنا إليه - لم تكن تلقائية، بقدر ما كانت تحركها مسألة رد الفعل التي أشرنا إليها، بدليل أن بعضها قد أخذ هذا العنوان الرد، وبخاصة لدى الدارمي.

ولما كانت هذه الكتب ليست جميعها على منهج الرواية والدراية، الذي التزمه العقلاء من أنصار المنهج السلفي، فقد جاء بعضها خارجًا عن روح هذا المنهج، وقد خص بعض الباحثين فريقًا من هؤلاء بهذا التجاوز، وبالوقوع في التشبيه والتجسيم، ومن هؤلاء: حماد بن سلمة، وابن أبي العوجاء، ونعيم بن حماد، وخشيش بن أصرم، وقد كتب هؤلاء في التوحيد بما لا يليق، وكذلك كتاب السنة المنسوب لعبد الله ابن الإمام أحمد، والسنة للخلال، وأبى الشيخ، والعسال، وأبى بكر بن أبي عاصم، والطبراني، والسنة والجماعة لحرب بن إسماعيل، والتوحيد لابن خزيمة وابن منده، والصفات للحكم بن معبد الخزاعي، والنقض لعثمان بن سعيد الدارمي، والشريعة للآجري، والإبانة لأبى نصر السجزي وابن بطة، وإبطال التأويلات لأبى يعلى، وذم الكلام، والفاروق للهروي الأنصاري. [انظر مقدمة الشيخ زاهد الكوثري لكتاب الأسماء والصفات للبيهقي من ١-٢]

 وما كان لهذه المؤلفات التي تجاوز أصحابها منهج الدراية والرواية، أن تظل بمعزل عن نقدها وإبداء الرأي فيها، وفي الأمة من العلماء الأثبات من يعض على الأصول بالنواجذ، ويدرك الغاية من المنهج السلفي الحقيقي، ويدرك أيضًا مخالفة أصحاب هذه المؤلفات لحدود هذا المنهج وطبيعته؛ ومن ثم رأينا أصحاب التوجه السلفي المستنير بالفعل حين تفرض الضرورة ذلك يؤلفون كتبًا في تقويم هذه المؤلفات، ومن هؤلاء: الخطابي - ابن فورك - الحليمي - الإسفراييني، وكانت مؤلفات هؤلاء متوجهة لنقد الحشوية من المنتسبين لأهل الحديث من المتقدمين، كما ظهرت مؤلفات لنقد متوسطيهم لدى كل من ابن الجوزي في كتابه دفع شبهة التشبيه، والفخر الرازي في كتابه أساس التقديس، كما وجدت مؤلفات لمتأخري أهل السنة كشفت زيف المتأخرين من المشبهة، وذلك في (نجم المهتدي) لابن القرشي، و(إيضاح الدليل) لبدر الدين ابن جماعة وغيرهما. [انظر د/ محمد نصار. المدرسة السلفية ص ٥٧٥ تعليق على القاهرة سنة ١٩٧٩م]

 ومن هنا نستنتج أن السلفية الحقيقية والسلفية المدعاة أصبحتا تيارين؛ تصحح أولاهما ثانيتهما، منذ الإمام أحمد وحتى عصر ابن تيمية.

السلفية لدى المتأخرين (ابن تيمية)

 ١ - ابن تيمية:

الحق الذي لا مراء فيه أن ابن تيمية من فحول علماء الأمة ومفكريها الأفذاذ، وهو من أشدهم غيرة على دينه وتراثه، ومن أوسعهم ثقافة وفقهًا، وأجرأهم على نقد الخصوم دون هوادة أو مداراة.

ومنهجه في تناول قضايا العقيدة يقوم على المبادئ الآتية، التي تشكل أصول منهجه:

١- للتوحيد مفهومان.

أحدهما: المعنى القولي العلمي، الذي تشير إليه الآية الكريمة {قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: ١].

 الثاني: إفراده بالقصد في العبادة كما تشير إليه سورة الكافرون.

٢- مذهب السلف أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وينفوا عنه ما نفاه عن نفسه، وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل، وقد أجروا المتشابه على ظاهره، لأن الظاهر في حقه تعالى غير الظاهر في حق عباده.

٣- القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر.

٤- الاشتراك الاسمي بين الله وبعض خلقه لا يقتضي الاشتراك في الحقائق، وتتحدد الفروق بالإضافة والتقييد.

٥- التأويل المفهوم من الآية الكريمة يحتمل أكثر من معنى، والمراد به في المتشابه التغير.

[هذه المبادئ مستخلصة من الرسالة التدمرية ص ٤، ۱۱، ۲۷، ۲۹، والإكليل ص ١٨ من مجموعة الرسائل الكبرى. وتفسير سورة الإخلاص ص ١٠٥، ١٢٣، ومنهاج السنة النبوية ج ١ ص ٢١٩]

 وسنبين هذه الأصول بشيء من التفصيل ثم نناقشه فيها:

في الأصل الأول:

 أشار إلى مفهومَي التوحيد، وهما وإن كانا متلازمين، إلا أنه قصد معنى لم يتنبه إليه كثير من الباحثين، فتوحيد الألوهية محل إجماع بين جميع الطوائف المؤمنة من حيث هو حقيقة ثابتة، وإن اختلفوا فيه من حيث تصور كل طائفة له، وذلك بحسب فهم كل منها لمعناه، فالفلاسفة يقصدون بتوحيد الذات الإلهية معنى غير الذي يقصده المعتزلة، وهؤلاء يقصدون به معنى غير الذي يقصده غيرهم، وكذلك الاتحادية من الصوفية، يقول في ذلك: (التوحيد، والتنزيه، والتشبيه، والتجسيم، ألفاظ قد دخلها الاشتراك بسبب اختلاف الاصطلاحات، فكل طائفة تعني بهذه الأسماء ما لا يعنيه غيرها، فالمعتزلة يريدون بالتوحيد والتنزيه نفي جميع الصفات، وبالتجسيم والتشبيه إثبات شيء منها؛ حتى إن من قال بأن الله يُرى في الآخرة، أو أن له علما فهو مجسم، وكثير من الطوائف المتكلمة بصفاته يريدون بالتوحيد والتنزيه نفي الصفات الخبرية أو بعضها، وبالتجسيم والتشبيه إثباتها أو بعضها، والفلاسفة تعنى بالتوحيد ما تعنيه المعتزلة وزيادة حتى إنهم يقولون: ليس له إلا صفة سلبية أو إضافية أو مركبة منهما، والاتحادية تعنى بالتوحيد: أنه هو الوجود المطلق). [ابن تيمية: نقض المنطق ص ١٣٣ على القاهرة سنة ١٩٥١م وفي أن تصوير ابن تيمية هنا النظرة كل فرقة إلى معنى التنزيه شيء من عدم الدقة.

ويرى ابن تيمية أن هؤلاء قد تنكبوا المنهج الصحيح في هذه القضية، وليسوا سواء في البعد عن المنهج الذي ارتضاه.

 وإذا كان قد وصفهم بالزيغ فينبغي أن يكون في دائرة المنهج فقط، والفهم لمعنى "التوحيد" لا في الحقيقة الثابتة المقررة، والمستكنة في القلب، ذلك لأن القول في الصفات بالإثبات أو النفي، الدائر بين الجميع، لا يستلزم الكفر، كما قرر المحققون. [انظر: حاشية الكلنبوى على العقائد العضدية ج ١ ص ٢٠٠ ط. إستانبول سنة ١٣٢٦هـ]

وأما النوع الثاني من نوعي التوحيد - وهو وحدانية العبادة والقصد والطلب - فهو أخطر من توحيد "الذات"؛ لأنه يعني قصر العبادة على الله وحده، والقصد إليه والطلب منه وحده، وأما ما يضاد ذلك فهو عين الشرك المنهي عنه.

ويظهر أن ابن تيمية هنا كان ينظر إلى الواقع الاجتماعي من خلال أصول العقيدة، لأنه أكد كثيرًا على هذا النوع من التوحيد، ولا يمكن أن يكون هكذا إلا إذا كان شاعرًا بما يتخلل المجتمعات الإسلامية من انحراف عن المسار الصحيح للعقيدة الإسلامية، بحيث أصبحت الولاءات موزعة بين المتولَّهين المزعومين، ولا يبقى للمعبود الحق إلا من استمسك بحبل الله المتين.

 وهذا لا يظهر إلا حين تضعف الأمة من جراء ما يعتري النفوس من ضعف ووهن. وكذلك الذين يتخذون وسائط تقربهم إلى الله - ويتوسلون إليه بهم- هم داخلون في دائرة الشرك، إذا كانت تصرفاتهم من قبيل الاعتقاد في هؤلاء الوسطاء.

الأصل الثاني:

لعل أظهر ما في تناول ابن تيمية لهذا الأصل، بيانه أن منهج القرآن الكريم في حديثه عن الحق سبحانه وتعالى وعن صفاته العُلَى، قد فصل في الإثبات وأجمل في النفي، بخلاف المناهج الأخرى فإنها سارت في طريق عكسي، إذ أجملت في الإثبات، وفصلت في النفي، وبخاصة الفلاسفة والمعتزلة، بل قرر هنا أن غاية ما يفيده منهج الفلاسفة ومن على شاكلتهم الذين بالغوا في التجريد، هو إثبات وجود مطلق لا حقيقة له عند التحصيل، لأنه يرجع إلى وجود ذهني يمتنع تحققه في الأعيان، فقولهم هذا يستلزم غاية التمثيل وغاية التعطيل، فهو - بمفهومهم - يماثل الممتنعات والمعروفات؛ كما أنهم يعطلونه عن الصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات.

ومع تقديرنا لما يقصده ابن تيمية في هذا المقام، وهو محاربة كل تصور يتجاوز المنهج القرآني حين يتناول الذات الإلهية وعلاقة الصفات بها، إلا أننا - في نفس الوقت - لابد أن نفهم أن الذي دفعهم إلى ذلك هو "التنزيه" المطلق لله رب العالمين، وإذا كانوا قد أخطأوا الوسيلة في ذلك فينبغي أن يبقى هذا الخطأ في هذه الدائرة.

ويتصل بهذا الأصل ما قرره ابن تيمية عن مذهب السلف في الصفات الإلهية إثباتًا ونفيًا، وكلامه في هذا الأصل –ظاهرًا- صحيح، فقد كان هذا منهج السلف، إلا أن به عبارة تجعلنا نقف عندها كثيرًا، وهي قوله: إن السلف قد أجروا المتشابه على ظاهره، وتعليله لذلك بقوله: لأن الظاهر في حق الله تعالى ليس كالظاهر في حقنا؛ لأن هذا كلام فيه غموض كثير، والمستفاد من التفرقة بين معنيين للظاهر: أن هناك ظاهرًا درج السلف على تفويض العلم بحقيقته إلى الله تعالى، بينما يرى "هو" أن الأمر ليس كذلك، فإن كان يقصد أن معنى المتشابه في حق الله هو نفس معنى المتشابه في حق البشر- وأن المغايرة بينهما هي مغايرة بالذات فقط - كان القائلون بالتجسيم والتشبيه كشأن من يقول: إن يد محمد غير يد علي - وإن كانا يشتركان في الحقيقة-، وإن كان يقصد المغايرة في الحقيقة عاد كلامه إلى التفويض الذي يقول به السلف، وهو يرفضه.

 ونتساءل هنا: إذا كان ابن تيمية قد فهم الظاهر على معنى مخالف، على اعتبار قيام المعارض العقلي الذي ينفي المماثلة بين الله تعالى وبين خلقه، كما يشير إليه قوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، فهل هذا الفهم يصح أن يجعل قاعدة كلية؟ أو هل يظل فهم الناس بعده لمعنى الظاهر كما فهمه؟ والجواب بالنفي.

 كذلك يمكن القول بأن كلام ابن تيمية هنا لم يخل من بعض الغموض - كما ألمحنا - الذي قد يكون وراءه قصد خاص، لا سيما وأن الرجل كان واسع الثقافة، ومن قراءاته في تراث من سبقه يكون قد تأثر بأي درجة من درجات التأثر، لا سيما بالكرامية.

 الأصل الثالث:

وهو أهم الأصول التي اعتمد عليها ابن تيمية في إثبات جميع الصفات، فكما أن ذات الحق سبحانه وتعالى تخالف جميع الذوات فكذلك صفاته تخالف جميع الصفات.

وهذا الأصل قد جعله يقر بما جاء به النص الصحيح قرآنًا أو سنة، يقوم في مقام النعت لله، حتى ولو كان على سبيل الإضافة كيد الله، ووجه الله، وجنب الله.

كما أنه لم يراع الاعتبارات الإنسانية التي راعاها منكرو الصفات "المعطلة"، أو البساطة التي قال بها الفلاسفة الإسلاميون تقليدًا للأفلاطونية المحدثة.

ولا شك في أن ابن تيمية أقام رفضه هنا لمناهج الآخرين على أساس علمي لا على أساس عاطفي، يقول في ذلك: (القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فإذا كانت له ذات حقيقية لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقية، لا تماثل الصفات). [ابن تيمية : الرسالة التدمرية ص ٢٧ مرجع سابق].

 وعدم العلم بحقيقة الصفات فرع عن عدم العلم بحقيقة الذات، ومن ثم يجب إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم دون التعرض لبيان الكيفية، وهذا الكلام مطرد في جميع المسائل العقدية لدى ابن تيمية، ولا يترتب عليه أي مشكل إلا في الصفات التي سماها بالخبرية وهي التي تدل عليها النصوص الموهمة للتشبيه، كما سنرى في الأصل الآتي.

 وقد قرر هنا أن نفاة الصفات أو نفاة بعضها لو طولبوا بإيجاد قانون مستقيم لهذا الفعل لما أمكنهم ذلك، فنفاة جميع الصفات لابد أن ينتهي نفيهم إلى صفة إيجابية، حتى ولو كان ذلك في التصور الذهني، كصفة واجب الوجود عند الفلاسفة، وصفة العالمية والقادرية عند جمهور المعتزلة، وصفات المعاني عند غيرهم، وحتى عند الغلاة من الباطنية، وهم الذين يقولون: إنه لا موصوف ولا لا موصوف، إذ هذه القضية تحتوى في مفهومهًا على معنى إيجابي في قوة قولنا: أنا أتوقف عن الوصف وعن عدمه، وبهذا يكون هؤلاء جميعًا قد وقعوا فيما حاولوا الهروب منه، ومن ثم لا يتحقق غرضهم، وهو بساطة الذات أو عدم مشابهتها للمخلوقات، فضلًا عما في ذلك من التشبيه بالمعدومات). [نفس المصدر ص ٢٢]

وإذا كان ابن تيمية قد ذهب - كما سبق القول - إلى أن القول في بعض الصفات كالقول في بعضها الآخر فإن كلامه هنا جاء ردًّا على نفاة الصفات الخبرية، وعلى وجه أخص فيما يظن هو الأشاعرة ومن شايعهم، يقول في ذلك: (فإن كان المخاطب ممن يقول بأن الله حى بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم، فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وما أثبتّه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته ليست مثل إرادة المخلوقين يقال لك: إن محبته كذلك، وإن قلت: إن له إرادة تليق به، قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوقين محبة ورضا وغضب يليق بهم). [نفس المصدر، ويبقى الفرق بينه وبين الأشاعرة من أهل السنة في أنه يجعل الإضافة صفة وأنها قديمة قدم الذات]

ويلاحظ أن ابن تيمية هنا يرى أنه قد كشف عن الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء جميعًا، وهو أنهم نظروا إلى الصفات الإلهية من منظور إنساني.

الأصل الرابع:

وهذا الأصل متصل باللغة كمدخل للعقيدة، إذ يقرر فيه أن اللفظ إذا قطع عن الإضافة يكون من قبيل المشترك العام، يقول في ذلك: (وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود ذاك، بل وجود هذا يخصه ووجود ذاك يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد).

وقد ساق في هذا المقام شواهد من القرآن الكريم، تتحدث عن صفة الحياة لله تعالى ولبعض عباده.

كما يعتبر أن ما قرره هنا قاعدة مطردة في جميع الأسماء والصفات، وقد يفهم مما سبق أن المغايرة المترتبة على التخصيص بالإضافة أو التقييد، لا تعنى أكثر من المغايرة بالذات والشخص مع الاتحاد في النوع والجنس، وهذا يؤدى إلى التشبيه الذي يرفضه ابن تيمية والسلفيون قبله وبعده، وبالتالي فهو لم يحل الإشكال. غير أن الرجل بين أن الوجود المطلق يكون في الذهن فقط، وأما الوجود الخارجي فهو للأفراد وحدها، كما قرر أن المشترك الذهنى ليس من قبيل المتواطئ الذي تتساوى أفراده، كما يقول المناطقة، بل من قبيل المشترك المشكك الذي تتفاوت أفراده. [منهاج السنة النبوية ج ٢ من ٦٥ من القاهرة سنة ١٣٢١هـ]

الأصل الخامس:

وهذا الأصل يحدد فيه ابن تيمية فهمه لمعنى الظاهر والمحكم والمتشابه والتأويل. والظاهر لديه يعني: ما يفيده المعنى اللغوي للفظ، أي: الحقيقة اللغوية.

ولم يرد بالظاهر ما تواضعت عليه أعراف القوم حين يستعملون مفردات اللغة، وبخاصة بعدما استعجمت الألسنة ؛ فلم يقل مثلا: إن الظاهر من لفظ اليد هو الجارحة، كما توهم المؤولون، ولكن ظاهرها هو حقيقتها اللغوية، وإذا كانت حقيقتها اللغوية تفيد معنى غير الجارحة بحسب ما يحدده السياق اللغوي، فأعتقد أن الخلاف بينه وبين المؤولين يكون خلافًا لفظيًّا؛ ذلك لأن لفظ اليد في حقيقته اللغوية، يراد به عدة معان، إما القوة والطاقة، كما في قوله تعالى: {وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: ٤٧]، وإما الذلة كما في قوله تعالى: {حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ} [التوبة: ٢٩]، 

وقد يراد بها النعمة كقول الشاعر:

له أياد علي سابغة أعد منها ولا أعددها

وقد يراد بها تأكيد الفعل للذات الفاعلة، كما يقال: هذا ما قدمت يداك. [مختار الصحاح ص ٧٤١]٠

وأما إطلاق لفظ اليد على العضو المعروف، فمن قبيل الاستعمال المجازي أو العرفي، وإذا كان لا يقر المجاز فمعنى هذا أنه لا يقصد بنزعته هذه سوى المحافظة على معاني القرآن الكريم، عن أن تكون أداة يتلاعب بها المؤولون بالتلاعب بالألفاظ، وبخاصة ما يتصل منها بمسائل العقيدة، وهذه غاية نبيلة، يسعى ابن تيمية إلى تحقيقها.

غير أنه لا يفوتنا أن نذكر هنا أن كثيرًا من علماء اللغة يرون أن اللفظ إذا استعمل في غير ما وضع له، واشتهر به بين الناس، صار في قوة الحقيقة إن لم يكن هي. [السهيلي: نتائج الفكر ص ٢٣٨]. ومعنى هذا أن الظاهر في عرف الناس غير ثابت، وإذا كان الأمر كذلك فإن القول بأخذ ألفاظ القرآن على ظاهرها قد يوهم التشبيه، وهو ما حمل المؤولين على صرف اللفظ عن هذا الظاهر.

ويبقى الفارق بين ابن تيمية وبين المؤولين هو الفارق بين من ينظر إلى اللغة من حيث وضعها الأصلي وبين من ينظر إليها في وجودها الاجتماعي، لأنها لا تعمل في فراغ، وطرق استعمالاتها لا تقف عند نمط محدد.

وأما المحكم لدى ابن تيمية فيطلق ويراد به ثلاثة معان، يقابل كل منها نوعًا من المتشابه، فهو إما:

١- المنزل من قبل الله حقيقة، ويقابله ما يلقيه الشيطان في قلوب بعض العباد، فيرفعه الله وينسخه من قلوبهم كما تشير إليه الآية الكريمة: {وَمَاَ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ} [الحج: ٥٢].

٢ - التنزيل الباقي، ويقابله المنسوخ الذي رفع حكمه.

٣ - التمييز وبيان المعنى، وهو تمييز الحقيقة المقصودة عن غيرها، حتى لا تشتبه بها [الاكليل: ص ٧و٨ مرجع سابق]. وهذا النوع هو المقصود، غير أنه لم يبين ماهية التشابه المقابل لهذا النوع، وإن كان يفهم منه أنه أراد به ما يحتمل أكثر من معنى، كضمير الجمع، والمشترك اللفظي، وبعض المتواطيء [نفس المصدر] ، وإحكام هذا النوع يكون ببيان المقصود به في الخارج وتعيينه.

 وأما حديثه عن التأويل، فقد جاء مخالفًا لما استقر عليه من يرى أنه صرف اللفظ عن ظاهره لمعنى يحتمله.. إلخ؛ إذ يرى أن الصحيح أن له معنيين:

أحدهما: تفسير الكلام ببيان معناه.

وثانيهما: هو نفس المراد بالكلام.

فإن كان طلبًا فتأويله هو: نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبرًا كان تأويله نفس الشيء المخبر به.

 وإذا طبقنا فهم ابن تيمية لمفهومي التأويل، وبخاصة النوع الثاني، على بعض المسائل الاعتقادية فسيتبين لنا أن جميع ما تواضع عليه أكثر الطوائف من أنه من قبيل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى . . ليس كذلك في رأي ابن تيمية، وينحصر المتشابه لديه في كيفية الحقائق من أمور الألوهية والأمور السمعية عمومًا. فهذا مما لا يعلم حقيقته إلا الله، وتأويلها هو حصولها في الخارج.

 على أننا نتساءل: إذا كان ابن تيمية يرفض التأويل بمعنى إخراج اللفظ عن ظاهره لمعنى يحتمله، ويرى أن هذا الموقف هو الذي يمثل منهج السلف، فهل يرى الإمساك عن الخوض في حقيقته، ويفوض العلم به إلى الله تعالى، مع إمرار نصوص المتشابه كما جاءت دون تعمق وبحث؟

المدقق فيما صرح به هنا يرى خلاف ذلك، ويرى - أيضًا - أنه أراد تطويع المنهج السلفي لفهمه الخاص. ومما يدل على ذلك أننا إذا ذهبنا إلى قواميس اللغة التي يتمسك بظاهرها لَتَبَيَّن لنا أن كلامه صحيح في بعضها وغير صحيح في بعضها الآخر، ولنضرب لذلك مثلًا ببعض الألفاظ:

١ - لفظ العين، تطلق ويراد بها: حاسة البصر - عين الماء - عين الشمس - الدينار - المال الخالص - نفس الشيء كقولنا: هذا الشيء هو هو - الإكرام، [مختار الصحاح ص ٤٦٦] وهذه الدلالات كلها على معانيها من قبيل الدلالات الظاهرة، فأى المعاني يقصد ابن تيمية إطلاقها على الله تعالى؟ ولا شك في أن الأمر محصور هنا بين المعنى الأول والأخير، فإن أراد الأول كان مجسمًا، وإن كان يقصد المعنى الثاني لم يكن هناك خلاف بينه وبين المؤولين، ويكون تمسكه برفض التأويل لا معنى له.

٢ - لفظ الساق: يطلق ويراد به في اللغة المعاني الآتية: ساق القدم - ساق الشجر – الشدة؛ كما في قولهم قامت الحرب على ساق، وكما في قوله تعالى: {يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ} [القلم: ٤٢] - ساقة الجيش [نفس المصدر] مؤخرته، فأي المعاني يقصد؟:

لا شك في أن الأمر دائر بين المعنى الأول وبين كونه كناية عن الشدة، فإن كان الأول كان مجسمًا - كما قلنا في لفظ "العين"-، وإن كان الثاني كان مؤولًا بالمعنى الذي يقصده الخصم، وليطلق على نفسه ما شاء من الألقاب: المبين – المفسر- الموضح، مادام الخلاف فيها لا يغير من الأمر شيئًا.

ويتصل بهذه المسألة موقفه من تقسيم اللغة إلى حقيقة وإلى مجاز وإنكاره للثاني، لأن التقسيم إلى هذا وذاك - في نظره - يستلزم أن تكون الألفاظ قد وضعت أولًا لمعانٍ، ثم عند التطبيق إن استعمل اللفظ فيما وضع له كانت دلالته على المعنى دلالة حقيقية، وإلا فدلالته مجازية.

وهو يرى أن اللفظ الموضوع قبل الاستعمال لا حقيقة له ولا مجاز، لأن الاصطلاح على دلالة لفظ معين على معنى معين أمر تعارضه الفطرة، ومن ثم كان يرفض الأمور الاصطلاحية عمومًا، ويرى أنها من قبيل التحكم، وهذا ما لا نوافقه عليه.

والعجيب أن ابن تيمية يورد هنا قوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} [الكهف: ٧٧]، ويرى أن لفظ الإرادة قد يستعمل في الميل الذي يكون معه شعور وهو ميل الإنسان، وفي الميل الذي لا شعور معه، وهو ميل الجمادات، ولم يعترف بالفرق بين الاستعمالين [الإيمان ص ٤٣ ط القاهرة ١٣٢٥هـ]، مع أن أدنى نظر يقر بالفرق بينهما، فإذا لم يعترف به كان مكابرًا، وإذا اعترف به كان رده لتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز لا معنى له، وبالتالي عاد رفضه للتأويل لا معنى له كذلك.

وقد اشتمل القرآن الكريم على ألفاظ تدل على التصرف في استعمالها بحسب ما يقتضيه المقام، وهو صور من صور البيان المشرق الذي تميز به هذا الكتاب العزيز، فقد وضع المحسوس مكان المعقول كالآية التي معنا، ووضع الحاضر مكان المضارع كما في قوله تعالى: {وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} [الأعراف: ٥٠]، ووضع المضارع مكان الماضي كقوله تعالى: {وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا} [الأحزاب: ٣٧]، وهذا كله لا يعني وحدة الحقيقة اللغوية في دلالتها على المعنى. [انظر في ذلك: أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني ص ٢٨٤، وتلخيص البيان في مجازات القرآن للشريف الرضى (ت ٤٠٦ هـ ) ص ٢١٥ ط . القاهرة سنة ١٩٥٥م]

 وقد طبق ابن تيمية منهجه هذا، وهو إنكار المجاز وإنكار التأويل - بناء عليه -، وحمل الألفاظ كلها على ظاهرها، لأن الظاهر في حق الله تعالى ليس كالظاهر في حقنا . . على جميع النصوص الموهمة للتشبيه بجانب الذي ذكرناه آنفًا، بالإضافة إلى اشتراط التنزيه ومنعه قياس الغائب على الشاهد.

 من ذلك: أنه طبقه في مفهوم الجهة، حين تعرض لآية الاستواء على العرش الذي يفيد بظاهره المكان، وكذلك حديث النزول، وما في معناه.

والغريب أن ابن تيمية الذي يتمسك بمذهب السلف، يقرر في أكثر من موضع أن هؤلاء لم يتكلموا في هذه المسائل، لا نفيًا ولا إثباتًا.

في الختام:

وفي ختام حديثي عن العقيدة لدى الشيخ ابن تيمية أقول: كان الرجل ممتلئًا غيرة وحماسًا على دينه، وقد ساءه جدًّا تصرفات أصحاب المذاهب الأخرى، حتى غدا كل مذهب يدعي لنفسه أنه على حق وأن ما سواه ليس كذلك، فحاول الرجوع إلى أصول المنهج السلفي، ولكن لا بالمناداة بالتفويض في المشكل، ولقد كان الأجدى للعقيدة السلفية أن تظل بعيدة عن هذا التعمق الذي شابه كثير من الغموض مما قد يطفيء نورها من القلوب، وأن ينظر إلى ما أشكل منها بمنظور الإيمان والتسليم، لا بذلك التفسير الظاهري، الذي لعله تجاوز المنهج السلفي في صورته النقية، وهذا كل ما يؤخذ على هذا الإمام العظيم.

وقد كان بوسعنا أن نستكمل صورة المنهج السلفي لدى من أتى بعد ابن تيمية مرورًا بابن قيم الجوزية والذهبي وابن رجب الحنبلي، وابن عبد الهادي، ومحمد بن عبد الوهاب، وحتى عصرنا الحاضر، غير أن ما ذكرناه كان كافيًا في رسم معالم هذا المنهج لدى السلف، وقد قصدنا بهم في هذا البحث المحافظين على النص الصحيح، من العمل بمحكمه والتفويض في متشابهه، ثم السلفية الحقيقية كما مثلها مذهب الإمام أحمد، ثم السلفية المدعاة، كما مثلها ابن حامد وأبو يعلى وابن الزاغوني، ومن سار على منهجهم من الغلاة في تمسكهم بالظاهر، وإعراضهم عن منهج الدراية والرواية، وهم الذين جاءوا مع الإمام أحمد أو بعده وادعوا الانتساب إلى مذهبه، ممن ذكرناهم آنفًا ، ثم السلفية المتأخرة لدى ابن تيمية مع بيان مدى ما في منهجه ومنهج تلاميذه والمنتسبين إلى رأيه من قرب أو بعد عن السلفية الحقيقية التي ظهرت لدى الإمام أحمد.

الخلاصة

السلفية هي توجه فكري في الإسلام يركز على التمسك بما جاء في القرآن والسنة بفهم السلف الصالح، مع رفض التأويلات العقلية التي ظهرت لاحقًا، ونشأت السلفية كرد فعل على الخلافات الفكرية والانقسامات التي ظهرت في الأمة بعد عصر الصحابة، خاصة مع دخول الفلسفة والمنطق إلى الفكر الإسلامي، والسلفية الحقيقية تعتمد على التسليم للنصوص وتفويض ما أشكل منها إلى الله تعالى، ويُعد الإمام أحمد ابن حنبل أبرز ممثلي المنهج السلفي الأصيل، حيث رفض الجدل العقلي الزائد وتمسك بالنصوص الصحيحة فقط، لكن مع مرور الزمن ظهرت تيارات سلفية متشددة حملت النصوص على ظاهرها الحسي، فوقع بعضها في التشبيه والتجسيم، مما شوه صورة المنهج الأصلي، وقد مثّل ابن تيمية مرحلة متأخرة من السلفية، حيث حاول الجمع بين النص والعقل، لكنه اتجه أحيانًا إلى تفسير ظاهري للنصوص مع رفض المجاز اللغوي؛ هناك فرقٌ بين السلفية الحقيقية (التي تعتمد التفويض والتنزيه) والسلفية المدعاة (التي تميل إلى التشبيه والتجسيم)، وأن هذا الخلاف أدى إلى انقسام داخل التيار السلفي نفسه، وظهور تيارات متشددة شوهت صورة المنهج الأصيل.

موضوعات ذات صلة

الجيل الأول من المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم الذين عاشوا في عصر النبوة ونقلوا الدين بفهم نقي وسليم.

السلفيون أنواع ومدارس: فمنهم أهل جمود وتقليد، ومنهم من ينظر إلي فقه الواقع الجديد، ومنهم من سلفه المذاهب والتيارات النصية الحرفية.

مذهب فقهي أسسه داود بن علي الظاهري في القرن الثالث الهجري، يقوم على التمسك بظاهر نصوص الكتاب والسنة، ورفض القياس والتقليد.

موضوعات مختارة