Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الديانة الشنتوية والتحولات السياسية والعقدية في اليابان

الكاتب

هيئة التحرير

الديانة الشنتوية والتحولات السياسية والعقدية في اليابان

الديانة الشنتوية لم تكن يومًا بمعزل عن حركة الدولة وتوجهاتها، بل كانت أداةً لصناعة المقدس وربط المصير السياسي والاقتصادي والاجتماعي بالإرادة الإمبراطورية، لقد كان العامل السياسي هو المُحرِّك الرئيس الذي تجاوز تأثيره، فامتزجت الديانة بالدولة، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من الفعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي في معظم مراحل التاريخ الياباني، وقد تم كل ذلك بمباركة الرهبان.

ارتباط الديانة الشنتوية والتاريخ الياباني

لقد عُدَّ تدوين تاريخ اليابان مُتزامنًا مع خَلْق الآلهة لليابان، وانسحب ذلك على منع تدريس المجتمع البدائي الياباني في المدارس اليابانية قبل الحرب العالمية الثانية، مما أخفى تمامًا شكل المجتمع الياباني القديم عن ذهن اليابانيين أنفسهم [ابيناغا، سوبورو. (٢٠١٦). تاريخ الثقافة اليابانية ترجمة علاء زين العابدين]، وهذا بطبيعة الحال سبَّب فصلاً نهائيًّا بين الماضي والحاضر، لتُكرِّس سلطة الإمبراطور وجودها ووجود الإله الراعي والحامي لليابان، وأصبحت المدارس هي البوابة الرئيسة لـ أدلجة العقول وتغيير المسارات الفكرية للإنسان الياباني.

وبحسب تفسيرات دولة شنتو، كانت المهمة السماوية للإمبراطور وشعبه منذ بداية الحرب العالمية الثانية هي غزو العالم، وكان الدليل على ذلك ثلاثة نصوص قدمتها دولة الشنتو، كان فحواها يؤكد أن إمبراطور اليابان ليس لليابانيين وحدهم، بل هو إمبراطور العالم أجمع، وهذا هو السبيل الوحيد لإنقاذ العالم والبشرية (Cater)، وفي سياق متصل، تذكر الكتب المقدسة حُكْمَ أباطرة اليابان التاريخيين للعالم، ما دعم ورسم توجهات أباطرة اليابان بعد صنع مزيج بين الشنتوية والدولة، وهي كانت نتيجة لاجتياح الصين وكوريا وبلدان أخرى متاخمة في شرق آسيا.

تخلي الإمبراطور الياباني عن الألوهية وأثره على الديانة الشنتوية

لكن ذلك تغيَّر بعد خسارة اليابان في الحرب العالمية الثانية؛ إذ أجبرت الولايات المتحدة الإمبراطور (هيروهيتو) على التخلي عن ألوهيته عام ١٩٤٥، بعد أن عُدَّ - منذ اليوم الأول الذي تمت فيه كتابة (كوجيكي و نيهونشوكي) - إلهًا ينحدر من نَسْل (Amaterasu) (إله الشمس [Shaw, D. (٢٠٠٥). The Way I forward? - Shinto and a ٢١st Century Japanese Ecological Attitude] 

ثم أطلق الإمبراطور خطابًا تاريخيًّا سُمِّي بـ (خطاب الاستسلام)، وكان فحواه الآتي: "لقد وافقت إمبراطوريتنا على أحكام الإعلان المشترك بوتسدام، وقد بدأ العدو في استخدام نوع جديد وإجرامي من القنابل، تمتلك قوة تدميرية لا تُقدَّر، مُسبِّبةً موت الضحايا الأبرياء. هل نستمر بالقتال؟ إن ذلك سوف يؤدي فقط إلى انهيار ومحو الأمة اليابانية، وأيضًا سوف يؤدي إلى انقراض الحضارة الإنسانية، ولا نستطيع إلا أن نعبر عن عميق شعورنا بالأسى نحو الأمم الحليفة في شرق آسيا، الذين تعاونوا مع الإمبراطورية من أجل تحرير شرق آسيا، فلتستمر الأمة بأجمعها كعائلة واحدة، من جيل إلى جيل، ويجب توحيد القوى لبناء المستقبل" [حبيب، البدوي. (٢٠١٣). تاريخ اليابان السياسي بين الحربين العالميتين]

وبذلك تمكَّنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من احتلال اليابان، وإخضاع أكبر قوة عسكرية في الشرق، لكن ذلك جرى بعد مباركة السلطة الإمبراطورية، التي حافظت على كيانها دون المحافظة على سلطاتها المطلقة، وعلى الرغم من إعلان إله اليابانيين/ الإمبراطور استسلام بلاده في الحرب العالمية الثانية، إلا أن العديد من الضباط والجنود المنتشرين في الجزر والبلدان القريبة من اليابان لم يعلنوا استسلامهم، إيمانًا منهم بأن الإله غير قابل للهزيمة.

الولاء المقدس في الديانة الشنتوية وقصة هيرو أونودا

كان ذلك نسخة لما حدث مع الملازم (هيرو أونودا)، الذي كان قد أُرسِل عام ١٩٤٤ إلى جزيرة (لوبانغ) الصغيرة في الفلبين، بأوامر تتمثل بإبطاء تقدم القوات الأمريكية والقتال مهما كانت التكلفة، وفي شهر شباط من عام ١٩٤٥، تقدمت القوات الأمريكية بقوة كاسحة واحتلَّت الجزيرة، لكن (أونودا) وثلاثة من رجاله تمكَّنوا من الاختباء في الأدغال وعدم الاستسلام، مع شن هجمات بأسلوب حرب العصابات، وقَتْل جنود أمريكيين، حتى سبَّبوا إزعاجًا كبيرًا للقوات الأمريكية، التي عَمدَت إلى التعاون مع الحكومة اليابانية وإطلاق منشورات عبر الطائرات تؤكد انتهاء الحرب، لكن (أونودا) على عكس الآخرين لم يُصدِّق تلك المنشورات، واعتبرها فخًّا أمريكيًّا، ثم في عام ١٩٥٢م جرت محاولة أخيرة لسحب الجنود المُختبئين، فألقت القوات اليابانية آلاف المنشورات تحمل صور الجنود اليابانيين وخطابًا شخصيًّا للإمبراطور، لكن (أونودا) رفض تصديق ذلك مرة أخرى، في حين كان العام ١٩٧٤ زمن إعادة (أونودا)، جرى ذلك بعد أن أصبح الأخير أسطورة يابانية، ما حَدَا بالمغامر الشاب (نوريو سوزوكي) لإيجاده في أدغال (لوبانغ)، وهو ما حدث فعلاً. لكن الأغرب من ذلك هو شعور (أونودا) بالاكتئاب أكثر من وجوده في الأدغال ونضاله من أجل قضية يعتبرها كبيرة، ليَحزِم أمتعته ويُهاجر إلى البرازيل، حيث توفي هناك [مانسون، مارك. (٢٠١٨). فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف ترجمة الحارث النبهان] .

وتؤكد هذه القصة المثيرة أن ولاء الجندي للإمبراطور مبني على ولاء مُقدَّس، إذ يصعب إيجاد ولاء مُطلق للإنسان من دون أهلية مُقدَّسة، تُؤسِّس لمفهومي الفداء والتضحية، وهو ما كان يحصل مع الجنود والطيارين اليابانيين، حيث كانوا يَصدمون طائراتهم بالسفن الحربية الأمريكية، إلى أن أطلقت القوات الأمريكية قنابلها الذرية وأخضعت اليابان إلى الأبد.

تخلي الدولة اليابانية عن ديانة الشنتو وترسيخ العلمانية وحرية الدين

وبعد ذلك، أُجبِرَت السلطات اليابانية على إلغاء الرعاية الحكومية للديانة الشنتوية، كما أُجبِرَت على إعلان الحرية الدينية لليابانيين، وبذلك لم تَعُد الشنتوية ديانة دولة، بل أصبحت كحال الديانات الأخرى، التي بدأت ممارساتها تظهر للسطح ثانية [Burns, J. (١٩٧١). Shintoism. Hawaii] 

تبيَّن ذلك في الدستور الجديد بعد الحرب العالمية الثانية، الذي أسَّس نظامًا سياسيًّا جديدًا، مع الحفاظ على وجود الإمبراطور بـ سلطة تشريفية لها رمزية تعتلي هَرَم السلطة، وكانت أبرز بنود الدستور الياباني الجديد في سياق الدين هما المادتان (٢٠) و (٨٩)، إذ تتفرع الأولى لثلاثة أحكام، هي كالآتي:

١. حرية الدين مكفولة للجميع، ولا يجوز لأي منظمة دينية أن تحصل على أي امتيازات من الدولة، ولا تُمَارس أي سلطة سياسية.

٢. لا يجوز إجبار أي شخص على المشاركة في أي عمل ديني، أو احتفال، أو طقوس، أو ممارسة.

٣. يجب على الدولة وأجهزتها الامتناع عن تدريس وتعليم الدين، أو القيام بأي نشاطات دينية.

فيما أشارت المادة (٨٩) من الدستور الجديد إلى عدم إنفاق أو تخصيص أي أموال أو ممتلكات لصالح المؤسسات والمنظمات الدينية، فضلاً عن المؤسسات التعليمية والخيرية التي لا تخضع لسيطرة السلطة العامة للدولة (Kipara).

ولكن على الرغم من حسم الدستور الجديد للمسألة بشكل نهائي، إلا أن الإمبراطور (هيروهيتو) كان قد نشر بيانًا في عام ١٩٤٦ أكد فيه أن: "الروابط بيننا وبين شعبنا قائمة على أساس المودة والثقة المتبادلة، وإنهم لا يستندون إلى مجرد أساطير" [Burns, J. (١٩٧١). Shintoism. Hawaii]

الديانة الشنتوية بين دهاء السياسة وحكمة القيادة

في هذه المرحلة وقعت الديانة الشنتوية يعني ذلك أن الإمبراطور قام بجهود مُضنية في سبيل الحفاظ على الأسرة الحاكمة والحفاظ على المجتمع الياباني من الانهيار، إذ يرتبط المجتمع الياباني في تلك الحقبة الزمنية بالإمبراطور ارتباطًا وثيقًا، ولا يمكن تعريف اليابان إلا بوجود إمبراطور يحكمها أو يُشرِف عليها، كما تُعَدُّ خطوة الاستسلام إقدامًا سياسيًّا حكيمًا، فضَّل من خلاله تخفيف هزيمة بلاده وإيقاف هدر الأرواح، كذلك لا يمكن إهمال دهاء السياسة الأمريكية، التي عرفت جيدًا أن هزيمة شعب يُضحِّي بحياته من أجل إلهه الإمبراطور غير ممكنة إلا بطلب من الإمبراطور نفسه؛ فعلى ما يبدو أن قنابل الولايات المتحدة الذرية كانت رسائل سياسية تهدد الإمبراطور بحياته قبل أن تهدده بحياة اليابانيين أنفسهم.

الموقف الإسلامي من أدلجة الشنتوية وتحدي الألوهية السياسية

يتفق الإسلام مع المقال في ملاحظة أن الدين (في صورته المحرّفة) يمكن أن يُستغل كأداة سياسية لـ "صناعة المخلوق المقدس" وربط المصير الاقتصادي والاجتماعي بالإرادة الحاكمة، كما حدث في اليابان حيث كانت الشنتوية وسيلة لـ أدلجة العقول وشرعنة التوسع الإمبراطوري وغزو العالم، إن هذا التوظيف للدين لخدمة أهداف دنيوية وسياسية يتعارض مع المفهوم الإسلامي الذي يجعل الدين خالصاً لله تعالى.

المخالفة العقدية الكبرى من المنظور الإسلامي هي عقيدة تأليه الإمبراطور (هيروهيتو)، واعتباره سليل إله الشمس، مما رسخ ولاءً مقدسًا ومطلقًا تجاوز حد المنطق (كما في قصة هيرو أونودا الذي رفض الاستسلام).

يؤكد الإسلام أن الألوهية لله وحده، وأي ادعاء أو قبول للألوهية البشرية هو شرك عظيم، والولاء المطلق يجب أن يكون لله، ثم للوطن والقيادة في حدود الشريعة، وليس للطاعة العمياء المُطلقة.

في المقابل، يُثني الإسلام على الإقرار الدستوري الياباني بالحرية الدينية (المادة ٢٠) وفصل الدين عن سيطرة الدولة المالية (المادة ٨٩) الذي حدث بعد الحرب، هذه المبادئ، خاصة عدم إجبار أحد على ممارسة دينية، تتوافق مع مبدأ حرية الاعتقاد الإسلامي.

وبرغم أن الإسلام يرفض أصول الشنتوية الشركية وتأليه البشر، فإنه يُؤكد على احترام الإطار القانوني الذي يكفل التعايش السلمي وحقوق الأقليات، ويُقر بضرورة التضحية الحكيمة لإنقاذ الأرواح، كما فعل الإمبراطور بتخليه عن ألوهيته لحماية الأمة من الانهيار.

ومع هذا التباين العقدي الجذري، فإن الإسلام يُرسخ مبادئ التعايش السلمي والإنساني:

١.    الاحترام والحقوق: يوجب الإسلام العدل والإحسان والبر في التعامل مع المخالفين في العقيدة، وحفظ حقوقهم وكرامتهم. {لا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ} [الممتحنة: ٨] 

٢.    لا إكراه في الدين: يُرسخ القرآن مبدأ حرية الاعتقاد: {لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ} [البقرة: ٢٥٦] 

٣.   الحوار والتفاهم: يأمر الإسلام باللجوء إلى الحوار بالتي هي أحسن كوسيلة للتعامل مع الآخرين، مؤكداً أن الاختلاف العقدي لا يُبيح التصادم أو الصراع الحضاري. {وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ} [العنكبوت: ٤٦] ، مع التأكيد على أن الإسلام هو الدين الخاتم والناسخ لكل ما سبقه، وهو رسالة الله النهائية إلى البشرية.

الخلاصة

كانت الشنتوية في اليابان أداة سياسية لربط الإرادة الإمبراطورية بمصير الدولة، مُكرِّسةً سلطة الإمبراطور الألوهية ومشروعية "غزو العالم" حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أجبر الإمبراطور هيروهيتو على التخلي عن ألوهيته بعد القصف الذري، مُطلقًا "خطاب الاستسلام" الذي كشف عن حكمة سياسية لإنقاذ الأمة. وتُؤكِّد قصة الملازم أونودا على عمق "الولاء المُقدَّس" للإمبراطور، الذي كان ركيزة الفداء والتضحية في الجيش. بعد الهزيمة، فرض الدستور الجديد علمانية الدولة وإلغاء الرعاية الحكومية للشنتوية وترسيخ الحرية الدينية، تاركًا للإمبراطور سلطة شرفية رمزية لحفظ كيان الأسرة والمجتمع.

موضوعات ذات صلة

تحولت الشنتوية من عقيدة طبيعية قائمة على عبادة الكامي إلى أيديولوجيا دولة مُسيّسة (نظام التينو) لخدمة تبجيل الإمبراطور.

تُؤسِّس الشنتوية، كديانة وضعية في اليابان، لقداسة الأرض والسلالة الإمبراطورية المُنحدِرة من إلهة الشمس (Amaterasu).

الممارسات الكهنوتية أصبحت آليات للسيطرة على الممارسات الدينية في الديانة الشنتاوية.

موضوعات مختارة