Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الانقسامات في الديانة الجينية صراع الزهد والطقوس بين ديجامبرا وسويتامبرا

الكاتب

هيئة التحرير

الانقسامات في الديانة الجينية صراع الزهد والطقوس بين ديجامبرا وسويتامبرا

الانقسامات الجوهرية في الديانة الجينية بعد وفاة مؤسسها مهافيرا، أحد أهم أسباب نشوء فرقتي الديجامبرا والسويتامبرا، وطوائفهما المتعددة، بجانب العديد من الخلافات العقدية والطقوسية.

جذور الخلاف في الديانة الجينية والتحول من الوحدة إلى الانقسام

تميزت الديانة الجينية خلال حياة مؤسسها مهافيرا (فرد همانا) بحالة من التماسك التنظيمي والوحدة العقدية؛ إذ كانت تمثل فرقة واحدة تلتف حول تعاليمه المباشرة، ورغم ظهور بعض التباينات في وجهات النظر، إلا أنها لم تكن سوى خلافات يسيرة وغير عميقة الجذور، وسرعان ما كانت تلتئم بفضل سلطة المؤسس الروحية وحضوره المباشر.

إلا أن رحيل مهافيرا شكل فجوة قيادية وعقدية كبرى، حيث غاب المرجع الذي يحسم التأويلات، مما أدى إلى حدوث انقسام خطير شطر الجينية إلى فرقتين رئيسيتين، هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل كان انعكاسًا لتباين الرؤى حول كيفية ممارسة الزهد، ومدى الالتزام بحياة التقشف التي عاشها المؤسس في أواخر أيامه مقابل حياته الأولى، هذا التشظي هو النتيجة الطبيعية للمرجعية البشرية وغياب المرجعية الإلهية المحفوظة؛ مما جعل التأويل البشري هو المحرك الأساسي لنشوء المذاهب المتصارعة.

فرقتا الديجامبرا والسويتامبرا الأقطاب الكبرى في الديانة الجينية

انقسمت الجينية إلى قطبين متنافرين في المظهر والمخبر:

  • فرقة الديجامبرا (Digambara): يُعرفون لغة بـ أصحاب الزي السماوي، ومعناه الذين اتخذوا من الفضاء والسماء كساءً لهم. هؤلاء يمثلون الجناح الأصولي المتشدد الذي يميل إلى إنكار الذات والتقشف المطلق، يرى أتباع هذه الفرقة أن حياة مهافيرا في مرحلة النسك التام هي النموذج الوحيد الواجب الاتباع؛ ولذا فهم يمارسون العُري التام ويرفضون ارتداء أي خيط، معتبرين أن اللباس ارتباط بالدنيا يمنع النجاة، يغلب على هذه الفرقة طبقة الكهان والرهبان والمتنسكين الذين نذروا أنفسهم للزهد الصارم.
  • فرقة السويتامبرا (Svetambara): يُطلق عليهم أصحاب الزي الأبيض، ويمثلون طبقة العامة والمعتدلين في المجتمع الجيني؛ هؤلاء يتخذون من حياة مهافيرا الأولى (حين كان يعيش في كنف والديه متمتعًا بالخدم والملذات واللباس) نبراسًا لهم، يرتدون الثياب البيضاء ويطبقون مبادئ الجينية العامة دون الدخول في غلو التقشف البدني، ويسعون لفعل الخير والابتعاد عن إزهاق أرواح ذوي الحياة، مع الحفاظ على نمط حياة مدني معتدل [انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، ص ٧٤٣].

الأسباب الستة الكبرى للانشطار المذهبي في الديانة الجينية

إن تعمق الخلاف بين الفرقتين يعود لستة أسباب محورية شكلت وجدان كل منهما:

١- العلاقة بالدنيا والاحتياجات المادية: ترى الديجامبرية أن النجاة الدائمة والمعرفة الكاملة لا تتحقق إلا بقطع الصلة بالدنيا تمامًا؛ فهم يرفضون اللباس، ويحرمون استخدام الأواني، ويأكلون مرة واحدة فقط في اليوم بوضع الطعام على أكف أيديهم، بينما السويتامبرية يبيحون اللباس والفراش والعصا والأكل في الأواني مرتين يوميًا.

٢- قضية نجاة المرأة: في واحدة من أغرب الفروق، ترى الديجامبرية أن المرأة لا يمكنها نيل الخلاص (النجاة) في جسدها الحالي؛ بسبب وجود جراثيم صغيرة في إبطها تموت بحركتها، ولدنس الحيض، ولأنها لا تستطيع العيش عارية تمامًا [انظر: مقارنة الأديان، أديان الهند الكبرى: الهندوسية والبوذية والجينية، ص ١٢٢]، ويرون أن نجاة روحها معلقة بدخولها في قالب رجل في دورة حياة قادمة، بينما ترفض السويتامبرية هذا التصور وتؤمن بنجاة المرأة في قالبها النسائي.

٣- طبيعة العارف الكامل: اختلفوا في حالة الولي أو العارف؛ فالديجامبرية يزعمون أنه لا يشعر بالجوع أو المرض في حياته الدنيا، بينما يرى السويتامبرية أنه بشر يلحقه ما يلحق البشر من عوارض بدنية.

٤- الخلاف حول ميلاد المؤسس: ترى السويتامبرية أن مهافيرا استُل جنينًا من رحم امرأة برهمية ثم أُلقي في رحم أمه تريسالا، وهو ما تنكره الديجامبرية تمامًا.

٥- زواج مهافيرا: تؤكد السويتامبرية زواجه احترامًا لوالديه، بينما تزعم الديجامبرية أنه هجر الدنيا منذ مطلع حياته ولم يتزوج قط.

٦- أزمة الكتب المقدسة: تتبادل الفرقتان الاتهام بالتحريف؛ فالديجامبرية تعتمد كتاب تاتوارثا سوترا كمرجع وحيد، بينما ترفض السويتامبرية ذلك وتعتبر كتبها الخاصة مدونة من قبل ٥٠٠ عالم في بلدة فالابهي عام ٤٥٣م [انظر: مقارنة الأديان، أحمد شلبي، ص ١٢٢].

التشريح الطائفي لفرقة الديجامبرا

انقسمت فرقة الديجامبرا إلى عدة طوائف تتباين في طقوسها:

  • طائفة بيسا بانثا: أتباع بيسا بانشا، يعبدون أصنام الجينات والمعلمين والآلهة الأخرى، ويقدمون لها الفواكه والأنوار والزعفران، ويمارسون عبادتهم جلوسًا، وهم أكثر اعتدالًا وأقل تشددًا في الزهد [انظر: دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، محمد الأعظمي، ص ٦٦٤- ٦٦٥]
  • طائفة تيرا بانثا: نشأت عام ١٦٨٣م في شمال الهند، وهم أكثر صرامة؛ إذ يعبدون تماثيل الجينات فقط، ويؤدون العبادة قيامًا، ويوزعون القرابين (أرز، صندل، لوز) على الفقراء.
  • طائفة تارانا بانثا: أسسها تارانا سفامي (١٤٤٨ - ١٥١٥م)، وتتميز بمعارضة عبادة الأصنام والتمييز الطبقي، وتكتفي بقراءة الكتب المقدسة في معابدها الخاصة، وهي طائفة قليلة العدد.
  • طائفة جومانا بانثا: ظهرت في القرن الثامن عشر بمدينة جايبور، وتشدد على طهارة السلوك، وتمنع إضاءة الشموع أو المصابيح في المعابد، وتمنع تقديم العروض المادية.
  • طائفة توت بانثا: نشأت كمحاولة توفيقية فاشلة بين بيسا بانثا وتيرا بانثا، فانتهى بها الأمر كطائفة مستقلة وصغيرة جدًا في ولاية ماديا براديش [المصدر السابق].

التنظيم الطائفي لفرقة السويتامبرا

أما السويتامبرية (الشيفتامبرا) فقد تشظت هي الأخرى إلى طوائف:

  • طائفة مرتيبوجاكا: هم عُبّاد التماثيل، ويمثلون أغلبية الفرقة، يبالغون في تقديس الأصنام وتزيينها بالملابس الفاخرة والجواهر والزهور، ويقيمون في مراكز حضرية كبيرة.
  • طائفة ستاناكفاسي: نشأت عام ١٦٥٣م، وتعرف بالباحثين، يتميز أتباعها بوضع قماش أبيض على أفواههم طوال الوقت، ويعارضون عبادة الأصنام، وزيارة مواقع الحج الجاينية الشهيرة مثل (باليتانا أو ساميد شيخارجي)، والمهرجانات التقليدية، معترفين بـ ٣١ كتابًا مقدسًا فقط، وقد تأسست تأييدًا لمنهج لونكا شاها الرافض للأصنام.
  • طائفة ترا بانثا (المنشقة): تأسست عام ١٧٦٠م إثر خلافات مع ستاناكفاسي، أكدت هذه الطائفة على عبادة الأصنام والحج، وتشددت في طقس وضع قطعة القماش البيضاء على الفم كنوع من التكفير عن الذنوب، وتقيم مهرجانًا سنويًا لمناقشة مشكلاتها وحلها [انظر: دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، محمد الأعظمي، ص ٦٦٤- ٦٦٥].

التباين المنهجي والاتفاقات الطقوسية بين الفرق الجينية

عند النظر في الخريطة الكلية، نجد تداخلًا معقدًا؛ فغالبية طوائف الديجامبرية تتفق على عبادة الأصنام وتقديم الطعام لها وإضاءة الشموع، باستثناء جومانا بانثا التي تحرم الشموع، وتارانا بانثا التي تحرم الأصنام، أما في السويتامبرية، فنجد انقسامًا حادًا بين طوائف عُبّاد الأصنام (المرتيبوجاكا وترا بانثا) وبين الرافضين لها (ستاناكفاسي).

هذا التناقض الطقسي يمتد ليشمل صور العُري الملاحظة في المطارات والمحطات في الهند، والتي تمثل فرقة الديجامبرا، مقابل صور الرهبان الذين يغطون أفواههم بالثياب البيضاء ويمثلون السويتامبرا، إن هذا التنوع ليس دليلًا على الثراء الفكري، بل هو دليل على ضياع الأصل العقدي والنص المقدس، حيث اضطر مرشدون مثل كند كند سوامي وديواردي لتدوين ما بقي في ذاكرتهم بعد قرون من وفاة المؤسس، وكل هذا نتيجة طبيعية للاجتهادات البشرية المتضاربة.

المنظور الإسلامي للانقسامات في الديانة الجينية

يُقدم الإسلام معيارًا نقديًا لهذه الحالة من التشتت والضياع العقدي:

  • حفظ الدين: يُبين الإسلام أن تفرق الجينية هو نتيجة الوضع البشري الذي لا عصمة فيه، قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ} [الأنعام: ١٥٩] 
  • بخلاف الإسلام الذي تكفل الله بحفظه قال تعالى: {إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ} [الحجر: ٩].
  • الرد على الوثنية: يُدين الإسلام عبادة الأصنام وتقديم القرابين لها، ويعتبره شركًا مخرجًا من الفطرة، فالله هو المعبود وحده الذي لا شريك له.
  • مقام المرأة: ينسف الإسلام فرية الديجامبرا حول عدم نجاة المرأة؛ فالجنة جُعلت للمؤمنين والمؤمنات، والتفاضل بالتقوى لا بالجنس أو الجسد.
  • فطرة الستر: يرفض الإسلام دعوى العُري السمائية، فالحياء والستر من الإيمان، والتعري انتكاس للفطرة الإنسانية السوية.
  • الوسطية المنضبطة: يرفض الإسلام تعذيب النفس المهلك مثل الصيام عن الكلام ١٢ عامًا أو إهلاك الجسد، ويشرع الوسطية التي تبيح الطيبات وتنهى عن المحرمات.

الخلاصة

تجسد الانقسامات في الديانة الجينية أزمة "المرجعية البشرية" بعد غياب المؤسس "مهافيرا"؛ حيث تشظت الديانة إلى قطبين متنافرين: الديجامبرا التي تتبنى الأصولية المتشددة والزهد المطلق (العُري التام)، والسويتامبرا التي تمثل تيار الاعتدال والتدين المدني، وتتجذر هذه الخلافات في ست قضايا جوهرية تشمل طبيعة الاحتياجات المادية، وأهلية المرأة للخلاص، والشكوك حول النصوص المقدسة، مما أدى لولادة طوائف فرعية متصارعة حول مشروعية عبادة الأصنام وطقوس التقشف، وتكشف هذه الحالة عن تباين جذري مع الرؤية الإسلامية التي ترفض الوثنية، والغلو، وتعذيب الذات، وتؤكد على توحيد الله -سبحانه وتعالى-، والوسطية المنضبطة، والعدالة بين الجنسين في الثواب الأخروي.

موضوعات ذات صلة

تُعد الجينية ديانة وضعية هندية قديمة، تتمحور فلسفتها حول الزهد المتشدد ورياضات النسك الشاقة بغية التحرر من التناسخ.

العلاقة التاريخية والعقدية بين الجينية والهندوسية، توضح كيف تحولت الهندوسية إلى مزيج من المعتقدات المتداخلة بفعل تأثرها بتعاليم مهافيرا.

نشأت البوذية في آسيا نسبةً إلى مؤسسها بوذا، الذي يعني اسمه المستنير أو العالم.

موضوعات مختارة