الانقسامات الجوهرية في الديانة الجينية بعد وفاة مؤسسها مهافيرا، أحد أهم أسباب نشوء فرقتي الديجامبرا والسويتامبرا، وطوائفهما المتعددة، بجانب العديد من الخلافات العقدية والطقوسية.
الانقسامات الجوهرية في الديانة الجينية بعد وفاة مؤسسها مهافيرا، أحد أهم أسباب نشوء فرقتي الديجامبرا والسويتامبرا، وطوائفهما المتعددة، بجانب العديد من الخلافات العقدية والطقوسية.
تميزت الديانة الجينية خلال حياة مؤسسها مهافيرا (فرد همانا) بحالة من التماسك التنظيمي والوحدة العقدية؛ إذ كانت تمثل فرقة واحدة تلتف حول تعاليمه المباشرة، ورغم ظهور بعض التباينات في وجهات النظر، إلا أنها لم تكن سوى خلافات يسيرة وغير عميقة الجذور، وسرعان ما كانت تلتئم بفضل سلطة المؤسس الروحية وحضوره المباشر.
إلا أن رحيل مهافيرا شكل فجوة قيادية وعقدية كبرى، حيث غاب المرجع الذي يحسم التأويلات، مما أدى إلى حدوث انقسام خطير شطر الجينية إلى فرقتين رئيسيتين، هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل كان انعكاسًا لتباين الرؤى حول كيفية ممارسة الزهد، ومدى الالتزام بحياة التقشف التي عاشها المؤسس في أواخر أيامه مقابل حياته الأولى، هذا التشظي هو النتيجة الطبيعية للمرجعية البشرية وغياب المرجعية الإلهية المحفوظة؛ مما جعل التأويل البشري هو المحرك الأساسي لنشوء المذاهب المتصارعة.
انقسمت الجينية إلى قطبين متنافرين في المظهر والمخبر:
إن تعمق الخلاف بين الفرقتين يعود لستة أسباب محورية شكلت وجدان كل منهما:
١- العلاقة بالدنيا والاحتياجات المادية: ترى الديجامبرية أن النجاة الدائمة والمعرفة الكاملة لا تتحقق إلا بقطع الصلة بالدنيا تمامًا؛ فهم يرفضون اللباس، ويحرمون استخدام الأواني، ويأكلون مرة واحدة فقط في اليوم بوضع الطعام على أكف أيديهم، بينما السويتامبرية يبيحون اللباس والفراش والعصا والأكل في الأواني مرتين يوميًا.
٢- قضية نجاة المرأة: في واحدة من أغرب الفروق، ترى الديجامبرية أن المرأة لا يمكنها نيل الخلاص (النجاة) في جسدها الحالي؛ بسبب وجود جراثيم صغيرة في إبطها تموت بحركتها، ولدنس الحيض، ولأنها لا تستطيع العيش عارية تمامًا [انظر: مقارنة الأديان، أديان الهند الكبرى: الهندوسية والبوذية والجينية، ص ١٢٢]، ويرون أن نجاة روحها معلقة بدخولها في قالب رجل في دورة حياة قادمة، بينما ترفض السويتامبرية هذا التصور وتؤمن بنجاة المرأة في قالبها النسائي.
٣- طبيعة العارف الكامل: اختلفوا في حالة الولي أو العارف؛ فالديجامبرية يزعمون أنه لا يشعر بالجوع أو المرض في حياته الدنيا، بينما يرى السويتامبرية أنه بشر يلحقه ما يلحق البشر من عوارض بدنية.
٤- الخلاف حول ميلاد المؤسس: ترى السويتامبرية أن مهافيرا استُل جنينًا من رحم امرأة برهمية ثم أُلقي في رحم أمه تريسالا، وهو ما تنكره الديجامبرية تمامًا.
٥- زواج مهافيرا: تؤكد السويتامبرية زواجه احترامًا لوالديه، بينما تزعم الديجامبرية أنه هجر الدنيا منذ مطلع حياته ولم يتزوج قط.
٦- أزمة الكتب المقدسة: تتبادل الفرقتان الاتهام بالتحريف؛ فالديجامبرية تعتمد كتاب تاتوارثا سوترا كمرجع وحيد، بينما ترفض السويتامبرية ذلك وتعتبر كتبها الخاصة مدونة من قبل ٥٠٠ عالم في بلدة فالابهي عام ٤٥٣م [انظر: مقارنة الأديان، أحمد شلبي، ص ١٢٢].
انقسمت فرقة الديجامبرا إلى عدة طوائف تتباين في طقوسها:
أما السويتامبرية (الشيفتامبرا) فقد تشظت هي الأخرى إلى طوائف:
عند النظر في الخريطة الكلية، نجد تداخلًا معقدًا؛ فغالبية طوائف الديجامبرية تتفق على عبادة الأصنام وتقديم الطعام لها وإضاءة الشموع، باستثناء جومانا بانثا التي تحرم الشموع، وتارانا بانثا التي تحرم الأصنام، أما في السويتامبرية، فنجد انقسامًا حادًا بين طوائف عُبّاد الأصنام (المرتيبوجاكا وترا بانثا) وبين الرافضين لها (ستاناكفاسي).
هذا التناقض الطقسي يمتد ليشمل صور العُري الملاحظة في المطارات والمحطات في الهند، والتي تمثل فرقة الديجامبرا، مقابل صور الرهبان الذين يغطون أفواههم بالثياب البيضاء ويمثلون السويتامبرا، إن هذا التنوع ليس دليلًا على الثراء الفكري، بل هو دليل على ضياع الأصل العقدي والنص المقدس، حيث اضطر مرشدون مثل كند كند سوامي وديواردي لتدوين ما بقي في ذاكرتهم بعد قرون من وفاة المؤسس، وكل هذا نتيجة طبيعية للاجتهادات البشرية المتضاربة.
يُقدم الإسلام معيارًا نقديًا لهذه الحالة من التشتت والضياع العقدي:
تجسد الانقسامات في الديانة الجينية أزمة "المرجعية البشرية" بعد غياب المؤسس "مهافيرا"؛ حيث تشظت الديانة إلى قطبين متنافرين: الديجامبرا التي تتبنى الأصولية المتشددة والزهد المطلق (العُري التام)، والسويتامبرا التي تمثل تيار الاعتدال والتدين المدني، وتتجذر هذه الخلافات في ست قضايا جوهرية تشمل طبيعة الاحتياجات المادية، وأهلية المرأة للخلاص، والشكوك حول النصوص المقدسة، مما أدى لولادة طوائف فرعية متصارعة حول مشروعية عبادة الأصنام وطقوس التقشف، وتكشف هذه الحالة عن تباين جذري مع الرؤية الإسلامية التي ترفض الوثنية، والغلو، وتعذيب الذات، وتؤكد على توحيد الله -سبحانه وتعالى-، والوسطية المنضبطة، والعدالة بين الجنسين في الثواب الأخروي.
تُعد الجينية ديانة وضعية هندية قديمة، تتمحور فلسفتها حول الزهد المتشدد ورياضات النسك الشاقة بغية التحرر من التناسخ.
العلاقة التاريخية والعقدية بين الجينية والهندوسية، توضح كيف تحولت الهندوسية إلى مزيج من المعتقدات المتداخلة بفعل تأثرها بتعاليم مهافيرا.
نشأت البوذية في آسيا نسبةً إلى مؤسسها بوذا، الذي يعني اسمه المستنير أو العالم.