Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

عقيدة الألوهية في الديانة الجينية

الكاتب

هيئة التحرير

عقيدة الألوهية في الديانة الجينية

تبرز الديانة الجينية كأنموذج فريد لتحولات الفكر البشري ومكابداته بين ذروة التجريد الفلسفي وبين الوقوع في حبال الوثنية المحدثة التي صاغها الخيال البشري بعيدًا عن نور النبوة الخالص.

أطوار عقيدة الألوهية في الديانة الجينية

لقد مرت الديانة الجينية بمرحلتين مفصليتين تجاه الإيمان بالإله؛ ففي فجر نشأتها، وتحت وطأة التعاليم التي أرساها فَرْدَهْمَانَا (الملقب بمَهَافِيرا)، نجد مسارًا لا يعترف في بدايته بوجود إله يُعبد بالمعنى المعروف في الأديان السماوية، وهذا ما دفع طائفة من الباحثين إلى وصم الديانة الجينية بالإلحاد، متكئين في ذلك على حجج، منها دراسة فَرْدَهْمَانَا مع الزنادقة والملاحدة وتأسيسه ديانة ملحدة في نظرهم، وأنه لم يلزم أتباعه بعبادة إله معين، بيد أننا، وبروح الإنصاف العلمي والتحقيق الأزهري المستنير، نجد فريقًا آخر من المحققين ينفي صفة الإلحاد عن فَرْدَهْمَانَا، ويقرأ موقفه في سياق الثورة الفكرية ضد تسلط طبقة البراهمة الهندوس، الذين احتكروا الوساطة بين الخلق والخالق عبر طقوس وقرابين أثقلت كاهل البشر، فما أُشيع عن إلحاده يجب أن يُفهم في ضوء تلك الثورة ضد سلطة البراهمة ورموزهم، ولم يكن ذلك الصراع متعلقًا بمبدأ وجود إله من عدمه، لاسيما مع غياب أي نص صريح ينكر فيه فَرْدَهْمَانَا مبدأ الألوهية، غير أن الثابت تاريخيًا من خلال المراجع أن مَهَافِيرا أنكر آلهة الهندوسية ولم يقر بها في حياته، ولكن بعد موته انتقلت الجينية إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة إثبات الإله؛ فآمنت بآلهة الهندوسية، وعبدت فَرْدَهْمَانَا إضافة إلى ثلاثة وعشرين جِينًا سبقوه إلى مرتبة المنتصر، فأصبح المعبد الجيني يضم في الأساس أربعة وعشرين تمثالًا للآلهة من الجينات [انظر: مشكلة التأليه في فكر الهند الديني، عبد الراضي محمد عبد المحسن، ص ٩٥-١٠٥].

عقيدة التير شنكر عند الجينية حين يتحول المنتصر إلى إله

ويطلق الأتباع على هؤلاء الرسل الآلهة اسم (تير شنكر)، وهم الذين يعتقد فيهم الجينيون الألوهية، وقائمة هؤلاء الرسل تضم: ١- رشبو ديو (Rashabhdew)، ٢- أجت ناث (Ajatnath)، ٣- شنبونات (Shanbhunath)، ٤- نندان (Nanadan)، ٥- سمت ناث (Samatinath)، ٦- بدم (Padam)، ٧- سبارشو (Saparishnath)، ٨- جندرا (Chandra)، ٩- سيدي ناث (Sabadhinath)، ١٠- شيتل ناث (Sheetalnath)، ١١- شريانس (Sariyans)، ١٢- شري باسوديو (Shri Basodew)، ١٣- شري تمل ناث (Shri Bimal Nath)، ١٤- أننت ناث (Anant Nathjee)، ١٥- شري درهام تات (Shri Dharamnath)، ١٦- شانتي ناث (Shanti Nath)، ١٧- كنت ناث (Kanthnath)، ١٨- ارائات (Arahnath)، ١٩- مالي ناث (Mali Nath)، ٢٠- مني سوامي (Muni Swami)، ٢١- نامي ناث (Nami Nath)، ٢٢- ينام نات (Yanam Nath)، ٢٣- پارس ناث (Paras Nath)، وأخيرًا ٢٤- مَهَافِيرا أو فَرْدَهْمَانَا (Mahabir) وهو خاتم (تير شنكر) [انظر: فصول في أديان الهند، محمد الأعظمي، ص ١٥٢-١٥٤]. ومما يثير العجب والأسى في آنٍ واحد، أن هذه الآلهة في المعتقد الجيني ليست بقوة واحدة، بل هي كائنات تأكل كالبشر، وتشرب مثلهم، وتغني وتنساق وراء عواطفها، وتسعى إلى الخلاص الذي يفرض عليهم المرور بدورة الحياة البشرية [انظر: قصة الديانات، سليمان مظهر، ص ١٦٣].

تعدد الآلهة في العقيدة الجينية وملامح الشخصيات المؤلَّهة

لم يتوقف نهم التأليه عند الرسل الأربعة والعشرين، بل اتسع ليشمل طيفًا واسعًا من الكائنات التي صاغتها المخيلة الشعبية. فالناظر في عدد آلهة الجينية يرى أنها كثيرة، بل ربما تساوت أو فاقت آلهة الهندوسية، ومن هذه الآلهة: (ياكساس (Yaksas، وتعود صور أصنامهم إلى عام ٧٨٣ ميلادي، وهم ليسوا كالجينات، فقد مروا بمراحل الولادة والموت، وتم تعيينهم من قبل (إندرا) - وهو إله الرعد الذي يسبب الأمطار لدى الهندوس- للاعتناء بالكائنات الحية، وتنتشر تماثيلهم في المعابد، حيث يحتل الذكور الجانب الأيمن والإناث الجانب الأيسر، ويُعتقد أنهم يسكنون في الجبال والأشجار أو على التلال، ويُعبدون لجلب النعم؛ فبعضهم يقدم الأطفال، وبعضهم يقدم الثروة أو الشفاء من المرض. وكذلك نجد (تشاك ريش وار) (Chakreshware) المخصصة للألوهية، ولونها ذهبي وتحمل الأسلحة الواقية من إندرا.

ومن الشخصيات المؤلَّهة أيضًا (بَالُهْبَالي) (Balhubali)، وهو أصغر أبناء روشا بداف، الذي ترك الملك وسلك طريق التقشف حتى نبتت الشجيرات حول جسده، فرفعوه إلى رتبة التقديس، وله تمثال مهيب في ولاية كارناتاكا يبلغ طوله سبعة وخمسين قدمًا، وهناك (أمبيكا ديفي) (Ambika Devi) الملقبة بـالأنبا، ولها أربعة أذرع، وتعد معجزة عند القرويين؛ لأن أوانيها تحولت إلى ذهب، و(بادمافاتي) (Padmavati) ذات اللون الذهبي ومقعدها الثعبان، و(سراس فاتي ديفي)  (Sarasvati Devi)  إلهة المعرفة التي تحمل الكتاب والمسبحة والآلة الموسيقية، و(لا كسمي ديفي) (Laxmi Devi) إلهة الثروة المحاطة بالأفيال والذهب، و(ماني بهدرا ديف)  (Manibhadra Dev) الملك الذي ترك الدين والوعظ فعبدته الجماهير، ويُصوّر أحيانًا بقطعة قماش على فمه صيانةً للحياة .

عجائب التأليه في الديانة الجينية ومنح صفات الربوبية للمخلوقات

وتستمر سلسلة الآلهة لتشمل (غنتا كارنا) (Ghantakarna) الذي يُعبد لحماية البشر من الطبقية ولحماية الفتيات من اللصوص، و(شري شاندرا برابھو) (Shri Chandra Prabhu) الذي أصبح جبل إقامته مركزًا للحج، و(بمو ميل لجي) (Bhomiyaji) الذي يُعبد على هيئة جبل ذي طاقة توجه المسافرين، و(بَهَا أَرْ فِيا) (Bhairava) الذي يوضع عند مداخل المعابد لتحقيق الرغبات المادية كالأكل والمال، كما نجد (بهاجفان ديفا) أو (Rishabh Adinath) وهو أول ملك أسس الزواج وحكم لآلاف السنين ثم عاش صامتًا، ويُقدم له عصير قصب السكر كقرابين.

وكذلك (بارش فناث) (Parshvanath) الملقب بالثعبان لإنقاذه الناس من الكوبرا والغرق، و(شنتيناه) (Shantinath) الخبير في الشفاء من الأمراض، و(مايند هاري جن شاندرا) (Manidhari Jinchandra) الذي زعموا أن في جبهته جوهرة ماني وأنه غير ليلة القمر، فأقاموا له معبدًا في دلهي لا تستطيع حتى الفيلة رفع جثته من مكانه وأخيرًا (برشيفا يا كشا) (Parshva Yaksha) ذو وجه الفيل ورأس الكوبرا والأذرع الأربعة.

موقف الإسلام من عقيدة التأليه عند الجينية

لنعرض هذه الفلسفات على مشكاة الوحي المحمدي ونور القرآن الكريم، إن الإسلام جاء ليحرر العقل البشري من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فبينما تتخبط الجينية في تأليه بشر يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويخضعون لدورات الولادة والموت، يقرر القرآن العظيم الحقيقة المطلقة: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، إن تجربة فَرْدَهْمَانَا والبحث عن الصفاء هي في جوهرها نداء فطري، لكنها لما انقطعت عن سماء الوحي، انتهت بسجود لتماثيل من نسج الخيال لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا.

 الإسلام لا يرفض الزهد، لكنه زهد عمارة لا زهد هروب، ونبينا - صلى الله عليه وسلم – قال: «فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» [صحيح البخاري:١٩٧٥] .

أما تأليه الصالحين برسم التماثيل وطلب الرزق والذرية منها، فهو المنزلق الذي حذرنا منه القرآن حين قال: {ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [التوبة: ٣١]، إن الإله الحق في العقيدة الإسلامية هو الخالق الصمد، الغني عن العالمين، الذي لا يفتقر لمادة ولا يحتاج لمرور بزمان، وما هذه الأرباب الجينية إلا أوهام جسدتها المخاوف البشرية، فجاء الإسلام ليرفع الإنسان من ذل السجود للصنم إلى عز السجود للخالق الأحد.

الخلاصة

إن الغوص في تفاصيل عقيدة الإله عند الجينية، من التير شنكر إلى الياكساس، يكشف لنا عن مأساة العقل البشري حين يبتكر آلهته من نسيج خياله المحدود، ويمنحها صفات قاصرة تحت مسمى القداسة، لقد صنعوا آلهة تأكل وتغني وتمرض وتطلب النجاة كالبشر، بينما الفطرة السوية تبحث عن الخالق العظيم الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

إن هذا العرض يثبت أن تعدد الآلهة ليس إلا صدىً لتعدد رغبات البشر ومخاوفهم المادية، وهو ما حسمه الإسلام بكلمة التوحيد العظمى لا إله إلا الله، إن الحق سبحانه هو المخلص الحقيقي، والتقرب إليه يكون باتباع شرعه المُنزل، لا بتعذيب الجسد أو نصب الأوثان، فالحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة، والحمد لله الذي جعلنا من أمة التوحيد، التي تعرف قدر ربها، وتنزل البشر منازلهم دون إفراط بتأليههم أو تفريط بقدرهم، وتبقى كلمة الله هي العليا في كل زمان ومكان.

موضوعات ذات صلة

تُعد الجينية ديانة وضعية هندية قديمة، تتمحور فلسفتها حول الزهد المتشدد ورياضات النسك الشاقة بغية التحرر من التناسخ.

تبين عقيدة قهر العواطف في الديانة الجينية وفلسفة الجمود الوجداني التي تنشدها.

العلاقة التاريخية والعقدية بين الجينية والهندوسية، توضح كيف تحولت الهندوسية إلى مزيج من المعتقدات المتداخلة بفعل تأثرها بتعاليم مهافيرا.

موضوعات مختارة