وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
لا تكتمل دراسة أي دين أو فلسفة من منظور إسلامي بالوصف والمقارنة فحسب، بل لابد أن تتبعها محاكمة عقدية تزن ما جاء فيه بميزان التوحيد الخالص الذي جاءت به جميع الرسل، فبعد هذا العرض المفصل لتاريخ وعقائد وشرائع الديانة الطاوية، ومقارنتها بغيرها، يتضح جليًا مخالفتها لمَا جاءت به الرسل، هذه المخالفة ليست هامشية أو في الفروع، بل هي في الأصول الكبرى التي يقوم عليها الإيمان، ومنها: حقيقة الإله، ومصير الإنسان، وطريق الخلاص، ويتجلى النقد الإسلامي في نقاط محكمة، كل منها يمثل قطيعة تامة مع المنظور الطاوي.
أول وأعظم المخالفات أن الطاوية تجعل الـ (طاو) هو المبدأ الأول الذي صدرت عنه الكائنات 'تلقائيًا' وبلا إرادة، وهذا إنكار لخالق الوجود الـمُدبر الـمُختار سبحانه وتعالى، فبدلًا من الإله الواعي الحكيم الذي يخلق بما يشاء ويميت ويحيي، تقدم الطاوية مبدأً غامضًا (الطاو) وآليةً طبيعيةً عمياء (تفاعل الين واليانغ) كمصدر للكون، وهذا إنكار صريح لتوحيد الله تبارك وتعالى، والإقرار بأن الله تعالى وحده هو الخالق الرازق المدبر.
الإسلام يؤكد أن النظام البديع في الكون دليل على مشيئة وعلم خالق حكيم، لا على تدفق تلقائي. قال تعالى {إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ * ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ} [آل عمران: ١٩٠-١٩١]
يأتي بعد ذلك أعظم انحراف، وهو القول بوحدة الوجود: وهو قول كفري يرفع الفوارق بين الخالق والـمخلوق، ويجعل الله -عز وجل- هو عين الوجود، وحدة الوجود، التي هي جوهر العقيدة الطاوية (الاتحاد مع الطاو)، تُصادم قوله تعالى: {لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ} [الشورى: ١١]، فهي تزعم أن الحقيقة واحدة، والله والكون شيء واحد. وهذا شرك أكبر مخرج من الملة، لأنه:
١- ينفي استقلال الله وعلوه على خلقه.
٢- يجعل المخلوقات أجزاء من الإله أو ظلًا له.
٣- يلغي المسؤولية الأخلاقية (فالشر والخير من مظاهر الطاو).
الإسلام يقرر أن الله {ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ} [الأنعام: ١٠٢] وهو سبحانه، {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ} [طه: ٥]، مميزًا تمامًا عن مخلوقاته.
بينما يجعل الإسلام الإيمان باليوم الآخر ركنًا من أركان الإيمان، فالطاوية لا تؤمن بيوم القيامة كما أخبرت عنه الأنبياء، بل تجعل الغاية هي 'الخلود' أو 'التناسخ' أو 'الفناء في المطلق'، هذا تكذيب لصريح القرآن في قوله تعالى: {زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: ٧]، إنكار البعث يعني:
على المستوى العملي، تتعارض الطاوية مع روح الإسلام، إن دعوة الطاوية إلى ترك العمل والتدخل في مجريات الطبيعة، والاعتزال السلبي، تُصادم هدي الإسلام الذي يدعو إلى العمل وعمارة الأرض والأخذ بالأسباب مع التوكل على الله فلسفة الوو وي (اللّافعل) التي تمجد السلبية والانسحاب من العالم، تتناقض مع تكليف الإنسان في الإسلام بِالِاسْتِخْلَافِ وَالْعِمَارَةِ. قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا} [هود: ٦١] ، ونهى الإسلام عن الرهبانية المبتدعة. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» [صحيح البخاري:٣٩]، فالإسلام دين الاعتدال والوسطية، يأمر بالعمل والتوكل، لا بالكسل والانسحاب.
في جوانبها الشعبية، تعتمد الطاوية الشعبية على السحر واستحضار الأرواح والتمائم الورقية، وهذا من كبائر الذنوب وذرائع الشرك في الإسلام؛ إذ إن الاعتقاد بنفع هذه الأشياء أو ضرها من دون الله يقدح في عقيدة الإنسان ، السحر في الإسلام كفر، قال تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ} [البقرة: ١٠٢] ، والتمائم (العزائم والخرز وغيرها) إن اعتقد أنها تنفع أو تضر بذاتها فهي شرك أصغر، وقد تصل إلى الشرك الأكبر؛ التوحيد يقتضي أن يتوجه العبد بالاستعانة والدعاء والاستشفاء إلى الله وحده.
لا يقف موقف الإسلام عند النقد، بل يقدم البديل الكامل والشامل:
يتمثل جوهر النقد الإسلامي للطاوية في كشف بطلان مفهوم "الطاو" كخالق، وإثبات التوحيد لله جل جلاله الإله المختار المدبر، مع تفنيد عقيدة "وحدة الوجود"، التي تمحو الفوارق بين الخالق والمخلوق، وتصادم نصوص الوحي، كما يرفض الإسلام فلسفة "الوو وي" السلبية التي تعطل عمارة الأرض، مؤكداً على اقتران الإيمان بالعمل، والمسؤولية الأخلاقية، والجزاء الأخروي؛ وبذلك يقدم الإسلام التوحيد الخالص كبديل شامل يحرر العقل من أوهام التناسخ والسحر، ويربط العبد بخالقه يقينًا وعملًا.
تُعد الشرائع الطاوية مزيجًا معقدًا بين الفلسفة الروحية والممارسات الشعبية القائمة على السحر والعرافة.
يعتبر التصوف في الديانة الطاوية الوسيلة المعرفية العليا لبلوغ الحقائق المطلقة.
تحتل الطاقة الكونية (تشي) مكانة مركزية في الشرائع الطاوية، فهي الـواحد المتولد عن الطاو، وأصل كل مظاهر الحياة.