Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الانتشار الجغرافي للميثرائية قديمًا وفي العصر الحديث

الكاتب

هيئة التحرير

الانتشار الجغرافي للميثرائية قديمًا وفي العصر الحديث

يمتد المسار التاريخي للميثرائية من مهدها الإيراني إلى أقاصي الإمبراطورية الرومانية، كاشفًا عن شواهدها المادية المعاصرة، مع تحليل دقيق لموقف الإسلام من جذورها وأثرها المحدود في بعض الممارسات  

المكانة التاريخية للديانة الميثرائية

لم تكن الميثرائية مجرد عقيدة عابرة في التاريخ، بل شكلت منظومة دينية وفلسفية عميقة الجذور، امتدت من سهول إيران إلى أعماق أوروبا، تاركة وراءها معابد ونقوشًا وأسرارًا لا تزال تثير فضول الباحثين حتى اليوم. يتتبع هذا المقال الجغرافيا المقدسة لهذا الإله "ميثرا"، مستعرضًا أماكن وجوده القديمة، وكيف انتقلت طقوسه السرية من الشرق إلى الغرب، ثم يتناول السؤال الأهم: هل لا تزال لهذه الديانة آثار أو أتباع في عالمنا المعاصر؟ وكيف نظر الإسلام إلى هذه المعتقدات عند انتشاره في البلدان التي كانت تؤمن بها؟

مسارات الانتشار الجغرافي للميثرائية

انطلقت الميثرائية من موطنها الأصلي في إيران، لتشق طريقها نحو آسيا الصغرى عبر شواطئ دجلة والفرات، ومع حلول القرن الثاني قبل الميلاد، كانت قد بدأت بالتقدم نحو أوروبا، وكان من عوامل انتشارها المبكرة وجود المجوس الذين وفدوا إلى هذه المناطق مع توسع الفتوحات الفارسية [من أذربيجان إلى لالش، ص ٥٥]، غير أن عبادة الإله "مهر" (ميثرا) تحديدًا كانت قوية بين جميع التيارات الدينية الإيرانية السائدة في أرمينيا قبل ظهور المسيحية، لدرجة زُعم معها أن هذا الموروث الأرميني قد أثر في تطور الديانة الميثرائية الرومانية اللاحقة، ويؤكد الاسم الدقيق للمعبد الأرميني قبل ظهور المسيحية، "مهين"، هذا الانتشار؛ فهو مشتق من مفردة إيرانية وسيطة تعود إلى "ماثريانة" أو "مثردانة" الإيرانية القديمة.

ويوجد دليل أدبي على أن الديانة الميثرائية كانت ديانة سرية حتى قبل الرومان، وتحديدًا خلال القرن الأول قبل الميلاد في الأناضول، فيخبرنا المؤرخ بلوتارخ أن قراصنة كيليكيا، الذين هاجمهم القائد الروماني بومبيوس في عام ٦٧ قبل الميلاد، كانوا يضحون بأضحيات غريبة ويقومون بطقوس تكريسية غامضة للإله ميثرا على جبل يسمى أوليمبوس في ليكيا [ديانات الأسرار والعبادات الغامضة في التاريخ ص ٨٢]، وانتشرت العبادة بشكل خاص في الأماكن التي غزاها الإيرانيون، ووصلت إلى وادي الفرات حيث استقرت لفترة طويلة، حتى إن كثيرًا من الكتاب اليونان والرومان تحدثوا عن هذا الإله كـ"إله أشوري".

في القرن الأول قبل الميلاد، وصلت الميثراوية إلى الرومان، وظل الأرستقراطيون المحليون يبجلون ميثرا في الجزء الغربي من إيران، كما كان يعبده الملوك والنبلاء في المناطق الحدودية الواقعة بين العالم اليوناني-الروماني [الدولة الأشكانية (الإيرانية) الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ص ۱۱۸]، ويؤكد دليل أدبي آخر على أن ديانة ميثرا في الأناضول كانت ديانة أسرار، فعندما زار تريداتيس ملك أرمينيا روما في عام ٦٦ ميلادية ليقسم الولاء للإمبراطور نيرون، يذكر بليني الأكبر أنه أشرك الإمبراطور في وجبة مقدسة، كما يقول ديو كاسيوس أنه أقسم بإلهه ميثرا، وهكذا انتقلت الديانة السرية من الإمبراطورية الفارسية إلى ملوك الأناضول، ومنهم إلى الإمبراطورية الرومانية حوالي عام ١٠٠ ميلادية، حيث انتشرت انتشارًا واسعًا.

الشواهد الأثرية على انتشار الميثرائية

يوجد أكثر من أربعمائة موقع في العالم الروماني وجدت بها معابد لميثرا أو أشياء مقدسة ترتبط به، ولا شك أن العدد الأصلي يفوق ذلك بكثير، ففي روما وحدها كان يوجد حوالي مئة مكان مقدس لميثرا، وعلى الأقل خمسة عشر موقعًا في أوستيا، ميناء روما القديم [ديانات الأسرار والعبادات الغامضة في التاريخ، ص ٨٣].

وكان لمنطقة "حوران" في سوريا نصيب وافر من هذا الانتشار، دلت على ذلك المنحوتات النافرة والمعابد التي عثر عليها في قرية "سيع"، فقد عثرت بعثة جامعة "برنستون" الأمريكية برئاسة "هنري بتلر" على بلاطة حجرية من البازلت تمثل الإله "ميثرا" إله النور عند الفرس، يظهر النحت الإله جالسًا بشكل جانبي على ثور، بينما ينقل الغراب الواقف على نهاية وشاح "ميثرا" ما يمليه عليه إله الشمس بأن يضحي بالثور، يضع ميثرا يده اليسرى على رأس الثور، بينما تغرز الأخرى سكينًا في كتفه. وتوجد حيوانات مصاحبة كالكلب الذي يلعق دم الثور، والأفعى والعقرب اللذين يرسلهما "أهريمن" (مبدأ الشر) ليعاكسا الخير، يقابله "أهورا مازدا" (مبدأ الخير)، هناك طيور على الجوانب تبدو جائعة فوق ميثرا، الذي يحمل وشاحًا حول الرقبة يتطاير إلى الوراء، ويرتدي سروالًا يصل إلى القدمين [المصدر من هناوفي نحت آخر لـ"ميثرا" من روما، يتكرر التكوين نفسه مع الحيوانات المرافقة، لكن على الزوايا العلوية يركب إلها الشمس والقمر على عربتين تجرهما حيوانات مثل الخيول والغزلان، وفي الفاتيكان يوجد تصوير آخر، لكن من دون الظهور الإلهي للشمس والقمر، كما مثل الإله على المسكوكات كأحد الآلهة المهمة. وتؤكد المصادر أن هذه العبادة دخلت إلى روما لأول مرة عام ٦٠ ميلادية، ثم انتشرت في القرن الثاني.

يمكن تتبع الانتشار الميثراوي عبر المواقع التالية:

  • إيطاليا: روما، أوستيا، كامبانيا، أكيليا.
  • جزر صقلية: باليرمو، سراقوسة، وكتانيا.
  • أوروبا الوسطى: على تخوم الراين في النمسا وألمانيا، وفي الأقاليم الدانوبية (بانيا، ميسا، داشا).
  • غرب أوروبا: فرنسا (دالماتا، وادي الرون، أكيتانيا)، تراشا، بلجيكا.
  • بريطانيا: في لندن وفي الشمال في هارديان.
  • سواحل المتوسط: على طول السواحل الآسيوية والإفريقية، خاصة في مقاطعة نوميديا قديمًا (الجزائر حاليًا)، حيث وجدت نقوش وآثار وبقايا معابد في مدن مثل سكسيدة (روسكباد)، تيديس، لومباز، تيمقاد، وقسنطينة. لكن الملاحظ أن حضورها كان محصورًا في الموانئ البحرية الكبيرة، خاصة في الأقاليم الآسيوية.

الميثرائية في العصر الحديث

هنا يرد تساؤل جوهري: هل الميثرائية موجودة الآن وأين؟

في مفاجأة أثرية، عام ٢٠١٧م، أصبح معبد للإله ميثرا في جنوب شرقي تركيا، ويعود عمره إلى ما قبل ١٨٠٠ سنة، مركزًا لجذب علماء الآثار والسائحين، اكتشف المعبد تحت قلعة زرزيفان في ديار بكر، وهو في حالة جيدة للغاية؛ مقارنة بالمعابد الأخرى المكتشفة سابقًا في أنحاء الإمبراطورية الرومانية، يُعتقد أن هذه المعابد جرى تصميمها وفقًا لحركة النظام الشمسي، ويقول البعض إن لها مجالها المغناطيسي الخاص، وهو ما قد يفسر الشعبية التي تحظى بها بين ممارسي رياضة اليوغا، الذين يزورونها على أمل استخلاص القوى الكامنة فيها، ويتطرف البعض فيعتقد أن هناك أبوابًا تشكل نوافذ على عوالم أخرى في تلك المعابد، كل هذا الغموض جلب نحو ٣٥٢ ألف زائر إلى الموقع عام ٢٠١٧، ووصل العدد إلى مليون زائر في عام ٢٠١٩م، حتى إن الفنادق كانت محجوزة بالكامل لأشهر قادمة [المصدر من هنا]، ولا شك أن هذا الجذب السياحي جعل بعض المخدوعين بتأثير الأفلاك يقصدون بقايا المعابد الميثراوية استجلابًا للوهم، متأثرين بأساطير وخرافات قديمة.

وفي سياق متصل، نشرت صحيفة "اليوم السابع" في ١٤ فبراير ٢٠٢٣ خبرًا عن العثور على بقايا ملاذ مخصص للمعبود ميثراس في إسبانيا أثناء عمليات التنقيب في "فيلا ديل ميترا" بمدينة كابرا، اكتشف فريق من علماء الآثار من جامعات مالقة وكارلوس الثالث وقرطبة بقايا معبد يعود للقرن الثاني الميلادي، مع مرحلة بناء ثانية في أواخر القرن الثالث، الحرم عبارة عن غرفة مستطيلة الشكل (٧,٢ × ٢,٥ متر)، تتميز بمدخل ضيق, يؤدي عبر درجات إلى الداخل؛ حيث مقعدان حجريان على طول الجدران, كان يستخدمهما المصلون للجلوس وأداء الطقوس, والمشاركة في الولائم على شرف ميثراس، احتوت الأرضية على طبقة متفحمة, كشفت عن بقايا خنازير وطيور وأرانب، مما يشير إلى أن الطهي كان يتم خلال تلك الولائم الطقسية.

وفي تطور سياحي مشابه لعام ٢٠٢٤م، تم وضع معبد ميثرا في غازي عنتاب التركية كمزار سياحي رسمي [المصدر من هنا].

موقف الإسلام من الميثرائية

من المعلوم أن الفتح الإسلامي وصل إلى كثير من المناطق التي كانت تدين بالميثرائية, وتقدس الإله ميثرا، وجاء الإسلام، كأساس عقائدي، ليدعو إلى توحيد الله, وينبذ أي شكل من أشكال الشرك. وقد أكدت النصوص الإسلامية على مبدأ التوحيد الذي يتعارض جوهريًّا مع الميثرائية كديانة تعددية وثنية.

عندما وصلت الفتوحات الإسلامية، شهدت بلاد فارس تغيرات جذرية في المعتقدات، وانتشرت القيم الإسلامية في المناطق التي كانت تأوي الميثرائية، مما أدى إلى تراجع تأثيرها بشكل ملحوظ واستبدالها بالثقافة الإسلامية، ورغم هذا الانتشار، ظل تأثير الميثرائية ملحوظًا في بعض الممارسات والمعتقدات التي تسربت لاحقًا إلى بعض الأفكار المنتسبة للإسلام، وإن كان بشكل محدود، فقد ظهرت بعض البقايا الميثرائية في الفلسفات الشرقية، والحركات الباطنية كالإسماعيلية، وفي التصوف الإسلامي الفارسي؛ حيث تم دمج بعض المفاهيم الروحية المتعلقة بالنور, والدخول في حالات من التأمل. كما ظهرت دعوى القول بأن للدين ظاهرًا وباطنًا على طريقة الباطنية، وهي فكرة قد تكون مستمدة من الميثرائية التي تعتمد الغموض والسرية في ممارساتها.

ومما يُظهر تأثير الميثرائية على متصوفة فارس تأثرهم بفكرة الصراع بين القوّتين في الإنسان، وتغلب الخير حينًا ونوازع الشر أحيانًا أخرى، وفكرة أن العالم يفيض عن ذاته كما تفيض الشمس بالنور [التصوف عند الفرس، إبراهيم الدسوقي شتاء، ص ١٧٠-١٤]، كما أن فكرة وحدة الوجود، أو تكوين علاقة مع الحق تتوحد من خلالها الروح مع الله، التي يروج لها غلاة المتصوفة، قد تكون نابعة من تأثرهم بالأفكار الميثرائية، فمن طقوس الميثرائية تناول "العشاء الرباني"؛ المتمثل في وجبة الخبز والخمر، وهي مائدة مقدسة, يأكل منها المنتسب مع الإله "ميثرا"؛ ليشترك معه في موته وقيامته، كما سبق بيانه.

ولعل هذا الفكر تسرب من بقايا الميثرائية التي تقدس الشمس، وتأثير الميثرائية في بلاد فارس على بعض المسلمين، وإن كان محدودًا، فإنه يجسد تفاعل الثقافات والديانات، في الوقت الذي أسس الإسلام الصحيح وجوده الراسخ.

أما في بلاد الرافدين، فلما جاء المسلمون فاتحين ومبشرين بدين جديد؛ يدعو إلى الحق والعدل والمساواة والإيمان بالله وحده، كانت هذه المنطقة حلقة وصل بين الثقافات العربية الإسلامية والفارسية والهندية واليونانية. ويلاحظ أن بعض الطقوس كطقوس عاشوراء المتمثلة في إيلام الجسد، تتشابه شكليًّا مع ممارسات الميثرائية؛ التي تعتقد تطهير الإنسان عبر الإيلام والإيذاء [مسيحيون وشيعة، مقاربات في اللاهوت والتراث والثقافة، ص ٤٤٢]، وذلك بتقديم القرابين البشرية للآلهة كما سبق بيانه. غير أن هذا التشابه الشكلي لا يعني تأثرًا مباشرًا بالضرورة.

وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المنطقة على مر العصور، إلا أن التأثير الإسلامي لا يزال جزءًا مهمًّا من تراثها وهويتها، وموقف الإسلام من الميثرائية هو موقف رافض؛ حيث تتناقض المبادئ التوحيدية للإسلام مع المعتقدات التعددية للميثرائية، كما يتضح أن تاريخ الانفتاح الإسلامي وتوسع الثقافة الإسلامية ساهم في طمس كثير من آثار الميثرائية، وإن وجدت بعض الرواسب والأفكار؛ فإنها تكاد تكون محدودة لدى فئات قليلة، مما يعكس التغيرات الدينية والثقافية العميقة التي شهدتها المناطق التي ظهرت فيها الميثرائية, ووصلت إليها الفتوحات الإسلامية.

الخلاصة

تجلت الميثرائية كديانة انتشارية كبرى عبرت من إيران إلى روما، مخلفةً وراءها إرثًا أثريًّا تحول اليوم إلى مقاصد سياحية عالمية، ومع اندثارها أمام المد المسيحي ثم الإسلامي، ظل موقف الإسلام ثابتًا برفضه القطعي لتعدد الآلهة، مستوعبًا بعض التفاعلات الثقافية والرمزية المحدودة في الفلسفة والتصوف، دون أدنى مساس بجوهر عقيدة التوحيد.

موضوعات ذات صلة

بين وهج تيجان الملوك وظلمة أساطير القدماء؛ يبرز ميثرا لغزًا تاريخيًّا شقّ طريقه من قلب فارس ليحمي أباطرة روما. 

خيطٌ ذهبيّ يربط تيجان الملوك بأسرار الأساطير؛ ميثرا حامي الأباطرة ورمز النور العابر للزمان.

لغزٌ شرقي طوع فيالق الروم؛ ميثرا الذي سكب أسرار فارس في قلب صلابة الغرب.

موضوعات مختارة