من المعلوم أن الفتح الإسلامي وصل إلى كثير من المناطق التي كانت تدين
بالميثرائية, وتقدس الإله ميثرا، وجاء الإسلام، كأساس عقائدي، ليدعو إلى توحيد
الله, وينبذ أي شكل من أشكال الشرك. وقد أكدت النصوص الإسلامية على مبدأ التوحيد
الذي يتعارض جوهريًّا مع الميثرائية كديانة تعددية وثنية.
عندما وصلت الفتوحات الإسلامية، شهدت بلاد فارس تغيرات
جذرية في المعتقدات، وانتشرت القيم الإسلامية في المناطق التي كانت تأوي
الميثرائية، مما أدى إلى تراجع تأثيرها بشكل ملحوظ واستبدالها بالثقافة الإسلامية،
ورغم هذا الانتشار، ظل تأثير الميثرائية ملحوظًا في بعض الممارسات والمعتقدات التي
تسربت لاحقًا إلى بعض الأفكار المنتسبة للإسلام، وإن كان بشكل محدود، فقد ظهرت بعض
البقايا الميثرائية في الفلسفات الشرقية، والحركات الباطنية كالإسماعيلية، وفي
التصوف الإسلامي الفارسي؛ حيث تم دمج بعض المفاهيم الروحية المتعلقة بالنور,
والدخول في حالات من التأمل. كما ظهرت دعوى القول بأن للدين ظاهرًا وباطنًا على
طريقة الباطنية، وهي فكرة قد تكون مستمدة من الميثرائية التي تعتمد الغموض والسرية
في ممارساتها.
ومما يُظهر تأثير الميثرائية على متصوفة فارس تأثرهم بفكرة
الصراع بين القوّتين في الإنسان، وتغلب الخير حينًا ونوازع الشر أحيانًا أخرى،
وفكرة أن العالم يفيض عن ذاته كما تفيض الشمس بالنور [التصوف عند الفرس، إبراهيم
الدسوقي شتاء، ص ١٧٠-١٤]، كما أن فكرة وحدة الوجود، أو تكوين
علاقة مع الحق تتوحد من خلالها الروح مع الله، التي يروج لها غلاة المتصوفة، قد
تكون نابعة من تأثرهم بالأفكار الميثرائية، فمن طقوس الميثرائية تناول "العشاء
الرباني"؛ المتمثل في وجبة الخبز والخمر، وهي مائدة مقدسة, يأكل منها
المنتسب مع الإله "ميثرا"؛ ليشترك معه في موته وقيامته، كما سبق
بيانه.
ولعل هذا الفكر تسرب من بقايا الميثرائية التي تقدس الشمس، وتأثير
الميثرائية في بلاد فارس على بعض المسلمين، وإن كان محدودًا، فإنه يجسد تفاعل
الثقافات والديانات، في الوقت الذي أسس الإسلام الصحيح وجوده الراسخ.
أما في بلاد الرافدين، فلما جاء المسلمون فاتحين ومبشرين
بدين جديد؛ يدعو إلى الحق والعدل والمساواة والإيمان بالله وحده، كانت هذه المنطقة
حلقة وصل بين الثقافات العربية الإسلامية والفارسية والهندية واليونانية. ويلاحظ
أن بعض الطقوس كطقوس عاشوراء المتمثلة في إيلام الجسد، تتشابه شكليًّا مع ممارسات
الميثرائية؛ التي تعتقد تطهير الإنسان عبر الإيلام والإيذاء [مسيحيون وشيعة،
مقاربات في اللاهوت والتراث والثقافة، ص ٤٤٢]، وذلك
بتقديم القرابين البشرية للآلهة كما سبق بيانه. غير أن هذا التشابه الشكلي لا يعني
تأثرًا مباشرًا بالضرورة.
وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها المنطقة على مر العصور، إلا أن
التأثير الإسلامي لا يزال جزءًا مهمًّا من تراثها وهويتها، وموقف الإسلام من
الميثرائية هو موقف رافض؛ حيث تتناقض المبادئ التوحيدية للإسلام مع المعتقدات
التعددية للميثرائية، كما يتضح أن تاريخ الانفتاح الإسلامي وتوسع الثقافة
الإسلامية ساهم في طمس كثير من آثار الميثرائية، وإن وجدت بعض الرواسب والأفكار؛
فإنها تكاد تكون محدودة لدى فئات قليلة، مما يعكس التغيرات الدينية والثقافية
العميقة التي شهدتها المناطق التي ظهرت فيها الميثرائية, ووصلت إليها الفتوحات
الإسلامية.