Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

السانغوما في ديانة الزولو: دراسة في نشأة العرافة ووظيفتها بين التقديس الاجتماعي والتأثيم الديني

الكاتب

هيئة التحرير

السانغوما في ديانة الزولو: دراسة في نشأة العرافة ووظيفتها بين التقديس الاجتماعي والتأثيم الديني

بين صرير عظام العرافة وتراتيل الأجداد، تقبع حيرة الإنسان الأفريقي أمام لغز الغيب، في رحلة تبحث عن اليقين وسط ضجيج الطقوس وسكينة التوحيد الخالص.

العرافة في السياق الأفريقي

السانغوما (Sangoma) وجمعه إيزانغوما  (Izangoma)  لفظ يطلق في ثقافة الزولو على العراف الذي يُعتقد أنه يتصل بعالم الأرواح والأجداد، فيتلقى منهم علومًا لا يصل إليها الناس العاديون [Berglund, Axel-Ivar, Zulu Thought-Patterns and Symbolism, Indiana University Press, ١٩٧٦, p. ١٨٥] [بيرغلوند، أكسل إيفار، أنماط الفكر الزولوي والرمزية، مطبعة جامعة إنديانا، ١٩٧٦، ص ١٨٥]، وهو ليس مجرد معالج، بل هو مؤسسة اجتماعية ودينية متكاملة، تجمع في شخص صاحبها بين وظائف الكاهن والطبيب النفسي والمستشار الأسري أحيانًا، وقد نشأت هذه المؤسسة في سياق رؤية كونية تقوم على الاعتقاد بأن العالم المنظور ليس كل الوجود، بل وراءه عالمًا غير منظور هو عالم الأرواح والأسلاف، وأن بين العالمين اتصالًا وتأثيرًا متبادلًا.

التحديد الاصطلاحي بين السانغوما وإنيانغا

يقع كثير من الدارسين في خلط بين وظيفتي السانغوما وإنيانغا (Inyanga)، وشتان ما بينهما في الأصل والوظيفة والمنهج، فإذا كان السانغوما عرافًا روحيًّا يستمد علمه من عالم الأجداد عبر الرؤى والأحلام، فإن الإنيانغا معالج تقليدي يعمل في ميدان الطب الشعبي مستخدمًا الأعشاب والنباتات والجذور، ويورث مهنته كابرًا عن كابر، أو يتلقاها بالتعلم والتلمذة لا بالدعوة الروحية [Ngubane, Harriet, Body and Mind in Zulu Medicine, Academic Press, ١٩٧٧, p. ٩٢-٩٥] [نغوباني، هارييت، الجسد والعقل في الطب الزولوي، مطبعة أكاديميك، ١٩٧٧، ص ٩٢-٩٥].

والتمييز بين الوظيفتين دقيق في الثقافة الزولوية، فالإنيانغا طبيب تقليدي يُشخّص الأعراض الجسدية ويصف لها العقاقير المناسبة، أما السانغوما فيُشخّص الأسباب الكامنة وراء المرض، وهي عنده دائمًا ذات طابع روحي: غضب جد، أو انتهاك حرمة، أو تقصير في تكريم سلف، وقد يجتمع الأمران في شخص واحد، فيكون سانغوما وإنيانغا معًا، لكن هذا ليس بلازم.

الاختيار والدعوة في نظرية "المرض الروحي"

لعل أبرز ما يميز مؤسسة السانغوما أن صاحبها لا يختار مهنته بملء إرادته، بل يُختار لها اختيارًا، تدور في ثقافة الزولو نظرية متكاملة تقوم على ما يسمونه "الدعوة" أو "النداء" (Ukubizwa) [Berglund, Zulu Thought-Patterns, p. ١٩٥] [بيرغلوند، ص ١٩٥]، ومقتضاها أن الأجداد هم الذين ينتقون من يشاءون ليكون وسيطًا بينهم وبين الأحياء، وتتم هذه الدعوة بطريقة دراماتيكية عبر ما يسمونه "المرض الروحي" (Ukufa Kwabantu) الذي لا يستجيب للعلاج الطبي التقليدي.

وأعراض هذا المرض معروفة في ثقافة الزولو: صداع مزمن لا يزول، آلام متفرقة في الجسد لا تفسير لها، كوابيس متكررة يظهر فيها الأجداد، أحلام مزعجة بثعابين أو حيوانات مفترسة، نوبات بكاء أو ضحك لا سبب لها، رغبة في العزلة والانفراد [Krige, Eileen Jensen, The Social System of the Zulus, Longmans, Green and Co., ١٩٣٦, p. ٣٠٥] [كريغي، إيلين جنسن، النظام الاجتماعي للزولو، لونجمانز، جرين وشركاه، ١٩٣٦، ص ٣٠٥].

ولا يشفى هذا المرض إلا إذا استجاب الشخص للدعوة، وخضع لتدريب طويل وشاق تحت إشراف سانغوما كبير، وإن هو أبى واستمر في المقاومة، اشتد عليه المرض وربما قضى عليه، وفي هذه النظرة ما يشبه فكرة "الانتخاب" أو "الاصطفاء" الموجودة في ثقافات دينية أخرى، لكنها هنا تلبس لباسًا مرضيًا يجعل الاختيار الإلهي يبدو كأنه قدر لا مفر منه.

التدرج في التكوين ومراحل الإعداد والتأهيل

إذا تأكد سانغوما كبير من أن الشخص مدعو حقًا، تبدأ رحلة التحول الطويلة التي تسمى "أوكواثاسا" (Ukuthwasa) . وهي رحلة تمتد شهورًا أو سنوات، تمر خلالها بمراحل محددة:

المرحلة الأولى: التطهير والقبول

يُقدم الشخص الذي يُدعى (إثواسا Ithwasa) طقسًا من طقوس التطهير، تذبح فيه ذبيحة، ويُعلن فيها قبوله للدعوة أمام الأجداد والمجتمع.

المرحلة الثانية: العزلة والتعليم

يُعزل المتدرب في مكان خاص، ربما في كوخ منفرد، ويتلقى خلالها تعليمًا مكثفًا في:

  • تفسير الأحلام والرؤى
  • التعرف على الأعشاب واستخداماتها
  • تعلم الرقص الروحي (Ukusina) الذي يدخله في حالة نشوة
  • فهم لغة العظام والأصداف [Ngubane, Body and Mind, p. ١٠٥] [نغوباني، ص ١٠٥]

المرحلة الثالثة: التخرج والاعتراف

تختتم الرحلة بحفل كبير (Ukuphuma Kwethwasa) يُعترف فيه بالمتخرج سانغوما كامل الأهلية، يذبح ثور أو ماعز، ويرتدي العراف الجديد ملابس خاصة وخرزًا معينًا، ويؤدي رقصة النصر أمام المجتمع المحتفل.

أدوات العرافة: العظام والأصداف ورموزها

تتعدد أدوات العرافة عند السانغوما، لكن أشهرها "عظام العرافة" (Amathambo) التي تلقى على الأرض فيقرأ منها العراف رسائل الأجداد، وهذه العظام ليست مجرد قطع عادية، بل لها دلالات رمزية متفق عليها في الثقافة الزولوية:

  • عظام الحيوانات المختلفة: لكل حيوان دلالته، فالضبع يرمز للخطر، والثعلب للدهاء، والثور للقوة والبركة.
  • الأصداف البحرية (Amagobongo) : ترمز للعالم الآخر وللاتصال بعالم الأرواح.
  • الأحجار الكريمة والملونة: ترمز للقوى الروحية المختلفة.
  • قطع العاج والخشب النادر: ترمز للأجداد أنفسهم [Berglund, Zulu Thought-Patterns, p. ٢٣٥-٢٤٠] [بيرغلوند، ص ٢٣٥-٢٤٠].

يلقي السانغوما هذه القطع على الأرض، ثم يقرأ الرسائل بناءً على:

  • المواقع النسبية للقطع (أيها قريب من أي)
  • الجانب الذي سقطت عليه (الوجه أو الظهر)
  • الترتيب الهندسي المتكون
  • تداخلات القطع مع بعضها

وهذه القراءة تحتاج إلى خبرة طويلة وتأويل متقن؛ لأن العظام لا تتكلم لغة واحدة، بل تترك للمفسر مجالًا واسعًا للتأويل والاستنباط، وهذا ما يجعل مهنة السانغوما فنًّا لا علمًا محضًا.

الوظيفة الاجتماعية للكهانة: بين العلاج والوساطة

يؤدي السانغوما في مجتمعه وظائف متعددة تتجاوز مجرد العرافة:

أولًا: التشخيص الروحي

عندما يصاب شخص بمرض، أو تعترضه مصيبة، أو يعاني من عقم، يُستدعى السانغوما ليشخص السبب الروحي الكامن، وبعد إلقاء العظام، يقرر أي الأجداد غاضب، وأي تقليد عائلي أهمل، وأي طقس يجب أن يقام لاسترضاء الأرواح [Hammond-Tooke, W. D., The Bantu-Speaking Peoples of Southern Africa, Routledge, ١٩٧٤, p. ٣٣٠] [هاموند-توك، دبليو. دي.، شعوب البانتو الناطقة في جنوب أفريقيا، روتليدج، ١٩٧٤، ص ٣٣٠].

ثانيًا: تحديد العلاج

بعد التشخيص، يصف السانغوما العلاج المناسب، وهو غالبًا ما يكون:

  • ذبيحة محددة (نوع الحيوان ولونه وحجمه)
  • طقوس تطهير معينة
  • أعشاب معينة تؤخذ بطريقة محددة

ثالثًا: الوساطة الاجتماعية

في كثير من النزاعات العائلية، يُستشار السانغوما باعتباره حكيمًا محايدًا يملك سلطة روحية تمكنه من التوسط بين الأطراف المتنازعة.

رابعًا: الحفاظ على التقاليد

بما أن السانغوما هو وصي على أسرار الأجداد، فهو بطبيعة الحال حافظ للتقاليد والقيم والعادات التي تتناقل شفاهًا عبر الأجيال.

موقف الإسلام: في نقد الكهانة وتقويمها

إذا كان الباحث الموضوعي يصف الظاهرة كما هي، فإن الباحث المسلم لا يكتفي بالوصف، بل يقوّم الظاهرة بميزان الشرع الحنيف. وموقف الإسلام من مؤسسة السانغوما وما يماثلها من أشكال العرافة والكهانة موقف حاسم لا لبس فيه:

أولًا: تحريم الكهانة والعرافة

صنف النبي ﷺ إتيان الكهان والعرافين من كبائر الذنوب التي تمس العقيدة، فقال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [صحيح مسلم :٢٢٣٠]، بل جعل التصديق بما يقولونه كفرًا بالوحي المحمدي: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» [أخرجه أبو داود في سننه، ١٣٥].

ثانيًا: إغلاق باب ادعاء علم الغيب

تقوم العرافة على ادعاء معرفة الغيب، أو علم ما سيحدث في المستقبل، وهذا من خصائص الربوبية التي استأثر الله بها وحده، يقول تعالى: ﴿قُل لَّا یَعۡلَمُ مَن فِی ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَیۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ [النمل: ٦٥]،  ويقول: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَیۡبِ فَلَا یُظۡهِرُ عَلَىٰ غَیۡبِهِۦۤ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]. 

ثالثًا: إعادة تفسير مصدر التلقي

يعتقد العراف أنه يتلقى معلوماته من أرواح الأجداد، لكن التفسير الإسلامي يرى أن المصدر الحقيقي لهذه المعلومات ليس أرواح الأموات، بل الجن والشياطين الذين يتلبسون بالإنس ويوهمونهم بأنهم على صلة بأسلافهم. وهذا ما أشار إليه القرآن: ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالࣱ مِّنَ ٱلۡإِنسِ یَعُوذُونَ بِرِجَالࣲ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقࣰا﴾ [الجن: ٦].

رابعًا: تجريم الذبائح لغير الله

تقديم الذبائح للأجداد (وهو جوهر طقوس السانغوما) يعتبره الإسلام شركًا أكبر، لأن الذبيحة عبادة، والعبادة لا تصرف إلا لله وحده، يقول تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِی وَنُسُكِی وَمَحۡیَایَ وَمَمَاتِی لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِینَ * لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣]. 

ومع هذا الحسم في الحكم على الفعل، يبقى باب الدعوة مفتوحًا بالحكمة والموعظة الحسنة. فكثير من أتباع هذه الممارسات هم ضحايا تربية وتقاليد، ولم تبلغهم حجة الإسلام على وجهها الصحيح. ومن لم تبلغه الدعوة، أو بلغته مشوهة، فهو من أهل الفترة الذين يمتحنون يوم القيامة امتحانًا خاصًا، كما قرر ذلك علماء أهل السنة والجماعة.

الخلاصة

تتجلى مؤسسة السانغوما كبنية أنثروبولوجية تدمج نداء الروح بشقاء الجسد لفك شفرات الغيب، لكنها تظل نموذجًا لانحراف الفطرة نحو الأوهام حين تضل طريق الوحي، ومن هنا يبرز التوحيد كضرورة وجودية تعيد توجيه الطاقة الفطرية نحو الخالق مباشرة، مخلصةً العقل من قيود الخرافة ووسائط البشر.

ومن هنا تأتي أهمية الدعوة الإسلامية التي تسد هذه الحاجة بالتوحيد الخالص، وتقطع الطريق على الوسائط الموهومة بين الله وخلقه، وتفتح باب الدعاء المباشر: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِی عَنِّی فَإِنِّی قَرِیبٌۖ أُجِیبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [البقرة: ١٨٦].

موضوعات ذات صلة

في ثقافة الزولو، لا يرحل الموتى بل يتحولون إلى رقيب غائب.

بين أصل القصب وتسابيح الفطرة، تولد قصة الخلق لدى الزولو.

شعب الزولو وتاريخهم العريق، وأسرار ديانتهم التقليدية بين الإله أونكولونكولو وتقديس الأجداد.

موضوعات مختارة