Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الاستعارة المرشحة

الكاتب

أ. د/ عبد العظيم إبراهيم المطعني

الاستعارة المرشحة

تُعد الاستعارة المرشحة من أبرز الأساليب البلاغية التي تعكس عمق التعبير وجمال التصوير في اللغة العربية، ويهدف هذا البحث إلى توضيح مفهومها وأهميتها من خلال أمثلة دقيقة وتحليل علمي مبسط. وسنكتشف معًا كيف ترتقي الاستعارة المرشحة بالنصوص إلى أعلى مراتب البيان.

تعريف الاستعارة المرشحة لغة واصطلاحًا

الترشيح لغة: هو التقوية. [اللسان، مادة: رشح].  

وأما اصطلاحًا، فإن كل الأقوال فيه تُجمع على شيءٍ واحد، هو: أن يذكر في الكلام ما يناسب المشبه به، وهو المستعار في أسلوب الاستعارة.

والترشيح وصف عارض للاستعارة، ولا يدخل في عناصرها الأولية المكونة لها، وهو ليس بلازم فيها.

وكان ممن وضع لها تعريفًا فخر الدين الرازي؛ حيث قال: "هي التي قرنت بما يلائم المستعار منه، وهي أن يراعي جانب المستعار، ويولي ما يستدعيه، ويضم إليه ما يقتضيه". [نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز ص: ٩٢]، وكذلك قال الحلبي في تعريفها. [حسن التوسل ص: ١٣٤].

الفرق بين الاستعارة المرشحة وأنواع الاستعارة الأخرى

وجمهور البلاغيين يسمون الاستعارة التي قرنت بما يناسب المشبه به (اللفظ المستعار): الاستعارة المرشحة، أو الاستعارة الترشيحية. [مفتاح العلوم (ص: ١٧٦)، المصباح (ص: ٢٦٦)، شروح التلخيص (٤/ ١٣٠)، المطول للسعد (٣٧٨)، الأطول لعصام الدين (٢/ ١٤٢)، البرهان في علوم القرآن (٣/ ٤٢٨)، خزانة الأدب للحموي (٤٩)، معترك الأقران في إعجاز القرآن (١/ ٢٨١)].

وهي: أقوى أنواع الاستعارة، وأكثرها مبالغة؛ لأن الاستعارة تقوم على تناسي التشبيه، وذكر ما يلائم المشبه به (اللفظ المستعار) يساعد على تناسي التشبيه؛ لذلك قالوا في بيان قيمة الاستعارة المرشحة: "وأجل الاستعارات الاستعارة المرشحة". [تحرير التحبير لابن أبي الأصبع ص: ٩٩].

أمثلة قرآنية توضح الاستعارة المرشحة

ومن أمثلتها في القرآن الكريم، قوله تعالى: {أولَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} [البقرة: ١٦].

استعار الاشتراء للاختيار والاستبدال، أي: استبدلوا الضلالة بالهدى؛ لأنه لا بيع ولا شراء على الحقيقة، وهي استعارة تصريحية؛ لذكر المشبه به "الاشتراء"، تبعية؛ لجريانها في الفعل، وقد ذكر في هذه الاستعارة ما يلائم المشبه به، وهو نفي الربح في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ}؛ لأن الربح والتجارة يلائمان المشبه به، وهو الاشتراء.

وفي بيان هذا يقول الإمام الزمخشري: حيث إن شراء الضلالة بالهدى وقع مجازًا في معنى الاستبدال، فما معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثمة مبايعة على الحقيقة؟

قلت: هذا من الصنعة البديعة، التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهو أن تُساق كلمة مساق المجاز ثم تُقفَّي بأشكال لها وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلامًا أحسن منه ديباجة، وأكثر ماء ورونقًا، وهو المجاز المرشح، وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن في أذني قلبه خطلًا، وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك دومًا لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين وادعوا لهما الخطل؛ ليمثلوا البلادة تمثيلًا يلحقها ببلادة الحمار. [الكشاف ١/ ١٩٢ - ١٩٣].

يعني: أن هذا الترشيح يبعد المشبه عن جنسه، وينسي السامع أصله، وفي هذا مبالغة في إثبات المعنى المجازي المراد.

ومن الاستعارة المرشحة في القرآن الكريم قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ} [البقرة: ٢٧]

فالنقض: هو الفسخ وفك التركيب، وإيقاعه على العهد من أجل تشبيه العهد بالحبل المبرم، وقوله تعالى: {مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ} أي: من بعد إحكام برمه وتوثيقه، ترشيح للاستعارة؛ لأنه من ملائمات المشبه به، وهو الحبل، ففي هذا الترشيح زيادة تناسٍ للنسبية، حتى لكأن العهد صار حبلًا فعلًا، وقد استعير "النقض" - كذلك- لعدم الوفاء بموجب العهد، إخراجًا للمعنوي المعقول في صورة المادي المحسوس؛ اعتناء به، وتنويها ببشاعته، وهي استعارة تصريحية تبعية.

ومثلها الاستعارتان في قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ} و{يُوصَلَ}. وكل هذه الاستعارات يرشح بعضها بعضًا؛ لأنه لا نقض، ولا حبل، ولا قطع، ولا وصل على الحقيقة في الأمور المعنوية.

أهمية الاستعارة المرشحة في البلاغة والتأثير البياني

والاستعارات المرشحة، لها ورود ملحوظ في آيات الذكر الحكيم، وهي- كما تقدم- من أبلغ الاستعارات ومن أعلاها شأنًا، للمبالغة في إثبات المعنى المجازي المراد، عن طريق تناسي التشبيه، وصيرورة المشبه من جنس المشبه به.

الخلاصة

الاستعارة المرشحة ليست مجرد صورة بلاغية، بل هي أداة تعبيرية ترفع من مستوى النص، وتعمق تأثيره في المتلقي، من خلال ترشيح المعاني وربطها بملائمات المشبه به، تبرز الاستعارة المرشحة كأقوى أنواع الاستعارة وأكثرها قدرة على إقناع القارئ وإبهاره. والأمثلة القرآنية خير شاهد على براعة هذا الأسلوب، حيث تذوب الحدود بين الحقيقة والمجاز ليبقى المعنى نابضًا بالحياة، إذا أردت أن تلامس قمة البلاغة، فاجعل الاستعارة المرشحة حاضرة في كتاباتك.

موضوعات ذات صلة

الاستعارة الأصلية من أبرز أساليب البيان في البلاغة العربية

الاستعارة التصريحية هي أحد أنواع الاستعارات في علم البلاغة

الإطلاق في البلاغة نافذة تفتح أمام القارئ عالمًا من الدقة والتمييز بين الصور البيانية

موضوعات مختارة