ومن أمثلتها في القرآن الكريم، قوله تعالى: {أولَٰٓئِكَ
ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ
وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ} [البقرة: ١٦].
استعار الاشتراء للاختيار والاستبدال، أي:
استبدلوا الضلالة بالهدى؛ لأنه لا بيع ولا شراء على الحقيقة، وهي استعارة
تصريحية؛ لذكر المشبه به "الاشتراء"،
تبعية؛ لجريانها في الفعل، وقد ذكر في هذه الاستعارة ما يلائم المشبه به، وهو نفي
الربح في قوله تعالى: {فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ}؛ لأن الربح والتجارة
يلائمان المشبه به، وهو الاشتراء.
وفي بيان هذا يقول الإمام الزمخشري: حيث إن شراء الضلالة
بالهدى وقع مجازًا في معنى الاستبدال، فما
معنى ذكر الربح والتجارة كأن ثمة مبايعة على الحقيقة؟
قلت: هذا من الصنعة البديعة، التي تبلغ بالمجاز
الذروة العليا، وهو أن تُساق كلمة مساق المجاز ثم تُقفَّي بأشكال لها
وأخوات، إذا تلاحقن لم تر كلامًا أحسن منه ديباجة، وأكثر ماء ورونقًا، وهو المجاز المرشح، وذلك نحو قول العرب في البليد: كأن في أذني قلبه خطلًا،
وإن جعلوه كالحمار، ثم رشحوا ذلك دومًا لتحقيق البلادة، فادعوا لقلبه أذنين وادعوا
لهما الخطل؛ ليمثلوا البلادة تمثيلًا يلحقها ببلادة الحمار. [الكشاف ١/
١٩٢ - ١٩٣].
يعني: أن هذا الترشيح يبعد المشبه عن جنسه، وينسي
السامع أصله، وفي هذا مبالغة في إثبات المعنى المجازي المراد.
ومن الاستعارة المرشحة في القرآن الكريم قوله
تعالى: {ٱلَّذِينَ
يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ} [البقرة: ٢٧]
فالنقض: هو الفسخ وفك التركيب،
وإيقاعه على العهد من أجل تشبيه العهد بالحبل المبرم، وقوله تعالى: {مِنۢ بَعۡدِ
مِيثَٰقِهِۦ}
أي: من بعد إحكام برمه وتوثيقه، ترشيح للاستعارة؛ لأنه من ملائمات المشبه به، وهو الحبل،
ففي هذا الترشيح زيادة تناسٍ للنسبية، حتى لكأن العهد صار حبلًا فعلًا، وقد استعير
"النقض" - كذلك- لعدم الوفاء بموجب العهد، إخراجًا للمعنوي المعقول في
صورة المادي المحسوس؛ اعتناء به، وتنويها ببشاعته، وهي استعارة تصريحية تبعية.
ومثلها الاستعارتان في قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ} و{يُوصَلَ}. وكل هذه الاستعارات يرشح
بعضها بعضًا؛ لأنه لا نقض، ولا حبل، ولا قطع، ولا وصل على الحقيقة في الأمور
المعنوية.