Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

خذ بفتواه

الكاتب

أ.د/ علي جمعة عضو هيئة كبار العلماء

خذ بفتواه

الفتوى ليست رأيًا عابرًا ولا اجتهادًا شخصيًّا، بل صناعة علمية دقيقة لها أصولها وضوابطها، ومن هنا جاءت القاعدة الجليلة: خذ بفتواه ولا تلتفت إلى تقواه لتضع حدًّا للخلط بين العلم والتدين.

الفرق بين علم الدين والتدين العملي

من العبارات الشائعة في كتب الفتوى قولهم: "خذ بفتواه ولا تلتفت إلى تقواه" وهي قاعدة جليلة تنبه على الفرق بين علم الدين وبين التدين العملي، وأن علم الدين هو علم كسائر العلوم له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ... إلخ.

وهو يحتاج أيضًا إلى أركان العملية التعليمية، التي لا يتم العلم إلا بها، وهي الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج والجو العلمي، وأن طريق التعلم له درجات مختلفة كدرجات التعليم العام، ثم التعليم الجامعي، ثم الدراسات العليا بدرجاتها المختلفة، وله أيضًا أساليبه المختلفة للتمكن منه، بعضها نظري، وبعضها تطبيقي، وبعضها حياتي وعملي، كما أن أداءه يختلف من رسالة علمية إلى كتابٍ مقرر، إلى بحث في مجلة محكَّمة، إلى بحث للمناقشة أو كمحور في مؤتمر للجماعة العلمية يخبر فيه صاحبه تلك الجماعة بنتائج.

وسيظل أمر الجماعة العلمية دائمًا مختلفًا تبعًا للمنح الربانية، والعطايا الصمدانية، والمواهب التي يمنحها الله لكل شخص يتميز بها على الآخرين، وسيظل أمر التخصص العام مراعى والتخصص الدقيق مطلوب، وسيظل هناك فارق بين من ينجح في تحصيل الدروس ولا ينجح في الحياة، ومن ينجح فيها، ومن وصل إلى مرتبة الحُجة والمرجعية، ولا يحسن التعامل مع الحياة أو يحسن التعامل معها كما قال شوقي في أواخر قصيدة "كتابي":

وكم مُنجِبٍ في تلقي الدروس * * * تلقَّى الحياةَ فلم ينجِبِ

وكل هذه المعاني نراها في كل مجال، ولعل أقرب مجال ينطبق عليه ما ينطبق على علم الدين هو مجال الطب، وعلم الطب، انظر إلى كل ما ذكرناه، وكأننا نتكلم عن علم طب الأبدان، في حين أنني كنت أؤكد على علم حفظ الأديان، وكل ذلك يختلف عن حق الناس في رعاية صحتها والوقاية من الأمراض والعلاج منها، ومبادئ الحياة الصحية الصحيحة التي يتمناها كل إنسان، بل هي من حقه، كما يختلف علم الدين عن التدين الذي هو لازم لكل إنسان ويحتاجه كل أحد من الناس، بل يحتاجه الناس على مستوى الفرد والجماعة والأمة.

الخلط بين الفتوى والرأي وأثره في الثقافة العامة

على الرغم من وضوح الفرق بين علم الدين والتدين، أو علم الطب ومراعاة الصحة العامة، إلا أن هذا الفرق غير معترف به في غالب ثقافتنا، ونرى خلطًا ضارًّا له صور منتشرة في جميع القطاعات لم ينجُ منه إلا من رحم الله - وهم قلة في ثقافتنا السائدة - وأرجو الله أن يفتح البصائر بهذه الدعوى لمراجعة جد مهمة لمواقف كثير من علمائنا ومفكرينا بشأن موقفهم من هذه البدهية.

إننا نرى ما يؤكد أنه ليس هناك اعتراف بالفرق بين علم الدين والتدين، من ذلك أن أستاذ العلوم أو الزراعة أو الصحافة أو الهندسة أو الطب صار يتكلم في شأن الفقه، ويناقش الفتوى التي صدرت ممن تخصص وأمضى حياته في المصادر وإدراك الواقع، وما هذا إلا لأنه مثقف ديني، أو لأنه لا يعرف، أو لم يقتنع بالفرق بين علم الدين وبين التدين، ويرى أن الأمر مباح ومتاح للجميع.

وكذلك نرى عدم إدراك لمعنى الفتوى؛ حيث يتم الخلط بينها وبين السؤال أو الرأي والذي يكون حظ السؤال الجواب، وحظ الرأي إبداؤه ثم مناقشته، فالفتوى مثل حكم القاضي لا يتتبعه القاضي بعد صدوره وليس قابلًا للنقاش، ولكن هو قابل للاستئناف عند محكمة أعلى أو للنقض أو الإبرام عند محكمة أكبر، وعلى ذلك فعدم الرضا بالفتوى يتطلب فتوى من جهة أعلى، ولا يتطلب اعتراضًا من هنا أو من هناك، وعدم الرضا بأمر الطبيب، لا يعني إهمال الأمر، بل يستلزم الاستشارة ممن هم أكثر منه مرجعية أو علمًا أو خبرة، ولا يحق لأحد من الناس أن يناقش الطبيب في رأيه ويكتفي بذلك لرفض الطب والجلوس بلا علاج.

إن كثيرًا من الناس يفزع إذا ما نبهناه إلى هذا المثال ويبادر برفضه ويدعي أن ذلك حجرًا على الرأي أو على حريته، والأمر لا يتعلق برأي ولا بحرية بقدر ما يتعلق بمنهج للفكر المستقيم يجب اتباعه بدلًا من هذه المهزلة السخيفة بأن يهرف كل أحد بما لا يعرف.

وكذلك نرى أن السؤال عندما يوجه لطلب معلومة يعتقد السائل والسامع أن الإجابة فتوى، ومرة سأل سائل عن معلومات عن زوجات النبي ﷺ فأجبناه فاعتبر ذلك إفتاء منا، وعندما لم نجبه اعتبر ذلك رفضًا للقيام بواجب الفتوى، وهناك أسئلة عن أوضاع سياسية يبدي فيها الرأي، والحكم الشرعي يكون على الفعل البشري المجرد، فلا يفرق صاحبنا بين هذا وذاك، ويتكلم ولو على صفحات الجرائد السيارة ويحدث بلبلة عند المتلقي، أسأل الله ألا تكون مقصودة، وألا يكون ذلك المنهج يراد منه تحويل علم الفتوى إلى نطاق الآراء القابلة للنقاش بدون اتباع ما تستلزمه هذه الصناعة من ترتيب، وما تحتاجه من نظام، وما تقوم به من علم.

التخصص العلمي وأهمية الرجوع إلى أهل الاختصاص

أما الجزء الثاني من المقولة: "ولا تلتفت إلى تقواه" فليس بمجرد محافظة الإنسان على صحته صار طبيبًا، ولا بمجرد التزام الإنسان بدينه صار عالمًا، بل يحتاج الأمر إلى الأكاديمية التي نطالب الجميع وفي جميع المجالات أن يعودوا إليها، وأن ينتهي نظام الهواة، وأن يبقى العِلم - والعلم وحده سندًا للتخصص الدقيق، وأن نقضي على (أبو العريف) الذي يعيش فينا، ومن أمثال العامة التي تمثل حكمة التاريخ وتجارب البشرية" "أعط العيش لخبازه ولو أكل نصفه".

الخلاصة

إن إدراك الفرق بين العلم والتدين وبين الفتوى والرأي هو أساس المنهج السليم في التفكير الشرعي، وبالالتزام بهذه القاعدة يظل العلم سندًا للتخصص، وتبقى الفتوى مرجعًا موثوقًا يحفظ للناس دينهم وعقولهم.

موضوعات ذات صلة

بيانُ الحكمِ الشرعيّ في مسألةٍ معينةٍ، يقدّمهُ المفتي للمستفتي.

استنباط الأحكام الشرعية في ضوء قواعد مقررة.

ظاهرة تبدأ بالنية الطيبة، لكنها قد تنحرف عن المنهج الصحيح حين يغيب العلم، وتغلب العاطفة.

عرفه بـ "قبول القول من غير دليل" وآخرون بـ "العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة". وينقسم التقليد إلى نوعين: مذموم وسائغ.

ظاهرة التدين بالحماس تعني انخراط الأفراد في الممارسات الدينية بشكل مفرط ومتعجل.

موضوعات مختارة