Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الحاسب الآلي واستخداماته في علوم السنة

الكاتب

أ.د/ أحمد معبد عبد الكريم

الحاسب الآلي واستخداماته في علوم السنة

يُعد الحاسب الآلي أداةً أساسية في دعم الدراسات العلمية المعاصرة، حيث يسهم بشكل كبير في تحليل البيانات وتطوير الأبحاث، كما أن استخدامه في علوم السنة يوفر وسائل فعّالة لفهم النصوص، وتوثيقها بأساليب دقيقة ومبتكرة.

تعريف إجمالي بالحاسب الآلي

الحاسب الآلي، ويسمى أيضًا الحاسوب، يعد ثمرة من ثمرات التقنية الحديثة، التي يمكن تسخيرها لخدمة الإنسان، ومساعدته على التقدم والنماء العلمي والعملي في مختلف الأبحاث والتخصصات، ويبدو أن تسميته بالحاسب أو الحاسوب مأخوذة من الحساب، وهو استعمال العدد، يقال: حسب المال ونحوه، حسابًا: عده وأحصاه، وقدره[ينظر المفردات للراغب الأصفهاني، والمعجم الوسيط / مادة "حسب"]، فكأن استعماله الأصلي، هو في إنجاز العمليات الحسابية المتعددة، وخاصة التي لو باشرها الإنسان يدويًا استغرقت منه وقتًا وجهدًا كبيرًا جدًّا بالمقارنة مع إنجاز الحاسب لها بغاية السرعة والدقة، ولذا سمي "الحاسوب" إشارة إلى المبالغة في السرعة والدقة المتناهيتين في ذلك، كما يلاحظ هذا في الآلة الحاسبة المتداولة حاليًا بين أيدينا.

تكوين جهاز الحاسب الآلي

تكوين جهاز الحاسب الآلي لكي نستطيع بيان استخدامات الحاسب في علوم السنة، فإننا نحتاج إلى فكرة مبسطة عن أجزائه، ووظائفها العملية، وقد سألت عددًا من المشتغلين بهندسة الحاسب وتشغيله وصيانته فأفادوني بما خلاصته: أن جهاز الحاسب يتكون - بصفة عامة - من عدة أجزاء لكل منها وظيفة أو أكثر، وتتناسق مع بعضها البعض في تأدية الأغراض المطلوبة، وذلك على النحو التالي:

١- الشاشة: وهي عبارة عن صندوق مركب على قاعدة ثابتة، وله واجهة زجاجية مثل واجهة جهاز "التلفاز"، ويظهر عليها ما يراد استرجاعه والاطلاع عليه من المعلومات أو الصور أو غيرها، وللشاشة مقاسات مختلفة.

٢- لوحة المفاتيح: وهي مجموعة أزرار بعضها مكتوب عليه بعض الوظائف التي يطلبها الباحث من الجهاز بالضغط على هذا الزر، وباقي المجموعة مكتوب على كل منها أحد حروف الهجاء العربية والإنجليزية وبعض علامات الترقيم والتشكيل وتستعمل في كتابة بعض ما يطلب إدخاله في الحاسب أو استرجاعه منه، وهذه الأزرار مرصوصة أفقيًا في لوحة مستطيلة، متصلة بالجهاز بواسطة أسلاك.

٣- الفأرة (Mouse): وهي عبارة عن زر كبير منقسم إلى قسمين متحركين يضغط عليهما معا أو على أحدهما وبينهما عجلة صغيرة متحركة، وبتحريك العجلة يتم تحريك مؤشر على الشاشة لتحديد المطلوب من الحاسب عمله، ثم يضغط الباحث على أحد قسمي الزر أو كلاهما معًا لإعطاء الأمر للحاسب بتنفيذ ما وُضع عليه المؤشر على الشاشة من الأعمال المطلوبة.    

٤- السماعتان على جانبي الشاشة وكل منهما متصلة بالجهاز، ويسمع منهما صوت ما هو مسجل في الحاسب من صوتيات كالقرآن الكريم والأذان للصلاة وغير ذلك، كما يسمع منهما ما يوجد على الأقراص من صوتيات (CD) المدمجة

٥- وحدة المعالجة المركزية: وهي الجزء الأكبر من الحاسب، وتتكون مما يلي:

(أ) وحدة الأقراص المدمجة: وهي عبارة عن الجزء الأعلى من وحدة المعالجة وفيها يدخل القرص المدمج (cd) الذي يراد عرض محتوياته على شاشة الجهاز، أو إدخال تلك المحتويات للتخزين في الحاسب.

(ب) وحدة الأقراص المرنة أو اللينة (disk): وتوجد أسفل وحدة الأقراص المدمجة السابقة وهي عبارة عن مكان يدخل فيه القرص المرن الذي يراد عرض محتوياته أو تخزينها في الحاسب.

(جـ) وحدة التخزين الثابتة (القرص الصلب) ((hard disk: وهي وعاء تخزين وحفظ المعلومات المطلوب تخزينها، وبرامج تشغيل الحاسب، وتتسع لتخزين آلاف الكتب والمجلدات.

(د) اللوحة الأم: وهي تقوم بالتوزيع الكهربائي على أجزاء الجهاز، وتنظم عرض المعلومات المخزنة، بواسطة المعالج والذاكرة الأساسية.

(هـ) المُعالِج (processor) وهو منظم عرض المعلومات الحسابية والعقلية المخزنة أو المدخلة في الحاسب.

(و) وحدة تنظيم القراءة والكتابة لما هو مخزون أو مدخل في الحاسب (ram).

(ز) وحدة الذاكرة الأساسية (ROM) وهي المنظم العام لمكونات جهاز الحاسب.

(ح) وحدة إخراج الصوت.

(ط) وحدة إخراج الصورة.

٦- يلحق بالجهاز طابعة تكمل الاستفادة به، بحيث إذا احتاج الباحث إلى طبع شيء مما هو مخزون في الجهاز أو الموجود على القرص المدمج، فإنه يستطيع بواسطة بعض مفاتيح التشغيل إعطاء أمر للطبع فتقوم الطابعة بمهمة طباعة المطلوب في الحال.

٧- وحدة "الفاكس" للتعامل مع "الإنترنت"

٨- وحدة التحويل لاستقبال القنوات التلفازية والفضائية.

أهمية الحاسب الآلي وسبب الاعتماد عليه

لم يقتصر استعمال الحاسب الآلي على المجالات الحسابية والإحصائية التي استمد اسمه منها، وإنما استعمل في ذلك، وفي غيره مثل حفظ، وتخزين وتصنيف المعلومات المتعددة المتعلقة بالأغراض العلمية والعملية، وسائر الأنشطة البشرية، ثم استرجاع المطلوب من هذه المخزونات بسرعة ودقة، وذلك ما يحقق توفيرًا هائلًا للوقت والجهد والتكاليف، مع دقة النتائج طبقًا لما هو مخزون، أو مستمد من الأقراص المدمجة، ومن هنا جاءت فكرة استخدام هذا الحاسب في خدمة الحديث وعلومه، وذلك على النحو التالي:

النشأة والتطور لاستخدامات الحاسب في الحديث وعلومه

يرجع الاتجاه إلى استخدام الحاسب في مجال الحديث وعلومه إلى ما قبل أربعين سنة تقريبًا من الآن، وقد عاصرت بنفسي كلا من النشأة والتطور، وذلك خلال عملي بقسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض، حيث شاركت في عدة لجان علمية، ولقاءات عملية مع المختصين في الحاسب الآلي، والمشتغلين باستخداماته في مجال الحديث وعلومه، لكني للأسف لم أدون من الوقائع والتطورات إلا القليل، ثم وجدت فيم كتبه الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي [كان أستاذًا ورئيسًا لقسم الثقافة الإسلامية بكلية التربية - بجامعة الملك سعود بالرياض - وأصله كما سمعت منه من بلاد الهند، ثم يسر الله تعالى له الحصول على الجنسية السعودية، وكذلك الحصول على جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية، وقد درس بكلية الشريعة بمكة المكرمة ثم بكلية التربية بالرياض، واستقر به المقام بها حتى الآن، ورسالته للدكتوراه من جامعة كمبردج سنة ١٩٦٦م والتي طبعها معربة بعنوان "دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه" في جزأين تعتبر من أحسن ما كتب في هذا الموضوع]، ما يفيد مع الإيجاز في تحديد نشأة استخدام الحاسب في مجال الحديث وعلومه، ودوافعه الأولى وتطور استعماله، وذلك لأنه مع اختصاصه بدراسة علوم الحديث، فإنه يجيد الإنجليزية تحدثًا ومحاضرة وتأليفًا، وهذا مما ساعده في أسفاره الخارجية، ومكنه من التعرف على الحاسب الآلي وهو باللغة الإنجليزية قبل أن يصدر الجهاز المعرب، ثم كان فعلًا من السابقين إلى استخدام الحاسب المعرب في هذا المجال، بل هو الأول حسب علمي ومعاصرتي، وحسبما يقرر هو بنفسه حيث يقول: إن مئات الألوف من خيار هذه الأمة أفنوا أعمارهم في خدمة السنة النبوية، وقد خلقهم الله سبحانه وتعالى لهذا الشأن فوهبهم قوة الذاكرة الخارقة، ورزقهم الإخلاص، وسخر لهم العلم، وطوع لهم الزمن وبارك في أعمارهم وأعمالهم، فكانت نتيجة ذلك مكتبة حديثية زاخرة، قل نظيرها، وقد تفنن هؤلاء في هذا المجال على نحو ما نراه مسطرا في مثل كتاب "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة" للشريف/ محمد بن جعفر الكتاني (ت١٣٤٥هـ) رحمه الله، فما نجد هؤلاء الأسلاف تركوا وسيلة كانت في متناول أيديهم إلا سخروها واستعملوها [ينظر مقدمة تحقيقه لسنن ابن ماجه أولى ثمرات استخدامه للحاسب (الكمبيوتر) في التحقيق والفهرسة ١/ ٥] (في نشر السنة وتيسير سبل العلم بها).

ثم يقول: ومرت الأيام وشغلت الأجيال المتأخرة في أمور أخرى وقل اهتمامها بالعلم على وجه العموم، وبالسنة على وجه الخصوص، وفقدت الأمة من مقوماتها الشيء الكثير، حتى صارت فريسة للاستعمار، فجمعت الأمة الإسلامية البقية الباقية من مقوماتها، وهبت للدفاع عن دينها، ونفسها وكرامتها، وجاهدت لاسترجاع ما فقدت، وحاولت التخلص من الاستعمار وأعوانه، فما كان من الاستعمار إلا أن جند جيشًا من المستشرقين، وممن انحرف عن جادة الحق من المسلمين للقضاء على فكرة مقاومة الاستعمار فكريًا وثقافيًا، إذ كان قد أثبت تفوقه عسكريًا، ولم يبق عليه إلا أن يقضي على مصادر منعة الأمة الإسلامية، ومقاومة بقائها، ومن هنا كان لابد من القضاء على السنة النبوية، وإبعاد الأمة عنها. [ينظر: المصدر السابق ١/ ٦]

ثم يقول الدكتور الأعظمي: وكان من نتيجة هذا التخطيط ظهور متنبئ في القارة الهندية، وبروز بعض الكتاب مثل "الجكرألوي" و"غلام أحمد برويز" و"توفيق صدقي" وأمثال "أبي رية" في مصر؛ الذي ألف كتابًا في الطعن في السنة النبوية وسمى كتابه "أضواء على السنة" أو "دفاع عن السنة المحمدية"، وادعى من خلال ذلك أن الذين لا يقبلون كلامه ونتائجه، هم في الواقع بعيدون عن المنهج العلمي المتبع في البحوث الموضوعية التي تعد في نظره شيئًا جديدًا لم يألفه الناس في المجتمع الإسلامي؛ لأن نبع (هذا المنهج) الأصيل وجذوره العميقة في تربة الغرب.

يقول الدكتور الأعظمي: وفي هذا الجو، قررت أن أكتب بحثًا عن بعض جوانب السنة في إحدى أعرق الجامعات الغربية - وهي جامعة "كمبردج" بإنجلترا، ويقول: والله يعلم أن ذلك لم يكن بهدف الحصول على الشهادة، بل كان إظهارًا للوجه الحقيقي للسنة النبوية، وتفنيدًا لكتابات الجهلة عنها، ووضعها في مكانها الذي تستحقه، بكشف مغالطات هؤلاء المغرضين وأباطيلهم. [يقصد رسالته السابق الإشارة إليها عند التعريف به]

ثم يذكر الدكتور الأعظمي: أنه في أيام وجوده في لندن لتقديم بحثه هذا (سنة ١٣٨٤هـ - ١٩٦٤م) عرف لأول مرة استعمال الحاسب (الكمبيوتر) في دراسة الكتب الدينية اليهودية والمسيحية، وأن الأمر كان في بدايته، وأنه لما علم ذلك لم يفكر في ذلك الوقت أن يتجه في هذا الاتجاه، لكي يستخدم الحاسب بدوره في خدمة السنة النبوية [ينظر مقدمة تحقيق سنن ابن ماجه ٠٦/١]؛ لكن ظهر بعد ذلك دافع جديد جعل له رغبة قوية في استعمال الحاسب في خدمة السنة، وخلاصة هذا الدافع يذكره بقوله: إنه كان هناك احتفال بمرور اثنى عشر قرنًا على ولادة الإمام البخاري - رحمه الله - وذلك بمدينة "شيكاغو" في الولايات المتحدة الأمريكية في (سنة ١٣٩٥هـ - ١٩٧٥م) أي بعد تسع سنوات من معرفته باستعمال الحاسب في دراسة الكتب الدينية اليهودية والمسيحية، وذكر الدكتور الأعظمي أنه في هذا الاحتفال تكلم أحد المدعوين من المستشرقين عن استعمال (الكمبيوتر) في دراسة السنة النبوية، قال: وشممت من كلامه إذ ذاك، أن الهدف من ذلك هو اختلاق الشبهات والأخطاء أكثر من خدمة السنة النبوية نفسها، قال: ورددت عليه على الفور، وقلت: السنة النبوية مستعدة لمقابلة كافة التحديات بشرط واحد، وهو أن يكون البحث نزيهًا [ينظر: الموضع السابق]، ومن ذلك يظهر لنا أن علماء الدين غير الإسلامي هم الذين سبقوا إلى الاستفادة من الحاسب في دراسة كتبهم المقدسة، وذلك قبل (٣٩) عامًا من الآن (سنة ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م) وكان الحاسب حينذاك بغير اللغة العربية.

ثم جاء بعدهم بسنوات، تسجيل المستشرقين على لسان أحدهم سبقهم لنا أيضًا إلى استعمال الحاسب في دراسة السنة النبوية بمنهجهم الخاص، لتسقط ما يريدون من أغراض ظاهرها البحث العلمي الدقيق، وباطنها البحث عن ثغرات وتشكيكات في حقيقتها واهية.

ثم ذكر الدكتور الأعظمي أنه في (سنة ١٣٩٧هـ -١٩٧٧م) ابتعث من المملكة السعودية للتدريس في بعض المراكز الإسلامية بالولايات المتحدة الأمريكية لفترة قصيرة، وهناك في مدينة "أنديا وبولس" وُجِدَت جمعية ثقافية اشترت جهاز "كمبيوتر" وكان من أهداف هذه الجمعية استعماله في دراسة السنة النبوية، وتحمس القائمون عليها والشباب المتردد على الجمعية لذلك، وكانوا يتطلعون إلى تحقيق نتائج كبيرة في ذلك.

ويذكر الدكتور الأعظمي أن هذه كانت بداية صلته هو المباشرة باستعمال هذا (الكمبيوتر)، ومن وقتها (سنة١٣٩٧هـ) أصبحت عنده رغبة قوية في الاستفادة من هذا الجهاز سريع الاستحضار. [ينظر: المصدر السابق]

وعلى ذلك يمكن القول: إن بداية استعمال طلبة العلم المسلمين للحاسب في دراسة السنة النبوية كانت بواسطة بعض شباب المسلمين المغتربين وغيرهم، وذلك بصورة نشاط ثقافي خاص، تحت رعاية بعض الجمعيات الثقافية في بعض مدن الولايات المتحدة الأمريكية منذ (٢٧) سنة من الآن (سنة١٤٢٤هـ)، وكان الحاسب حينذاك بغير اللغة العربية، ثم يذكر الدكتور الأعظمي أنه بعد عودته في هذه السنة (١٣٩٧هـ) إلى الرياض بدأ فعلًا بتجارب مبسطة في مركز الحاسب الآلي بكلية الهندسة بجامعة الملك سعود بالرياض، لكن عدم وجود حاسب باللغة العربية في ذلك الوقت جعله ينتظر فترة حتى حصل على جهاز حاسب باللغة العربية، وكان ما يزال قليل الاستعمال[ينظر مقدمة تحقيق سنن ابن ماجه ٠٧/١]، ولكن بحكم وجودي حينذاك في الرياض عرفت أن انتظار الدكتور الأعظمي للحصول على حاسب باللغة العربية لم يكن طويلًا، حيث لا يزيد على سنة واحدة تقريبًا أي سنة [١٣٩٨هـ]، وبمجرد حصوله على الحاسب شرع في العمل، بحيث يمكن القول: إن سنة ١٣٩٨هـ كانت بداية استخدام الحاسب الآلي المعرب في دراسة السنة النبوية بواسطة أحد المختصين في الحديث، هو الدكتور الأعظم، في كلية التربية بالرياض عاصمة المملكة العربية السعودية [لأنه في مقدمة فهارس سنن ابن ماجه الطبعة الثانية. سنة ١٤٠٤ه يقول: بدأت العمل منذ ست سنوات، فهارس ابن ماجه٣/١١]، وفي ذلك يقول الدكتور الأعظمي: ومنذ ذلك الحين أخذت أحاول تطوير قدراتي، وأدخل التغيير تلو التغيير على خطة بحثي وبرامج عملي، حتى انتهينا بحمد الله من المرحلة الأولى من البرامج اللازمة لمشروع استعمال هذا الجهاز في خدمة السنة النبوية، وكان من أولى ثمراتها - يعني المرحلة الأولى - هذا الكتاب (سنن ابن ماجه) وفهارسه، فقد استُعمِل (الكمبيوتر) في تخريج أغلب الأحاديث الموجودة في الكتاب - يعني من الكتب الأخرى المشتركة معه في تخريجها - كما استعمل في وضع كافة الفهارس لهذا الكتاب [ينظر مقدمة تحقيق سنن ابن ماجه ١/٧، وسيأتي بيان إجمالي عن هذه الفهارس]، وقد صدرت الطبعة الأولى لسنن ابن ماجه هذا بتحقيق وفهرسة الدكتور الأعظمي بواسطة الحاسب سنة ١٤٠٣هـ.

ثم صدرت الطبعة الثانية (سنة ١٤٠٤هـ - ١٩٨٤م)، والمشروع الذي أشار الدكتور الأعظمي إليه كان يشمل كما سيأتي ثمانية كتب أخرى غير سنن ابن ماجه، تحقق وتخرج وتفهرس بواسطة الحاسب ثم تطبع، وهذه الكتب هي:(الصحيحان وسنن أبي داود والترمذي والنسائي والدارمي وموطأ الإمام مالك).

وقد ذكر الدكتور الأعظمي أنه بمناسبة اقتطاف الثمرة الأولى لهذا المشروع وهي طبعة سنن ابن ماجه هذه، فإنه بهذا الجهد يسجل سبق جامعة الملك سعود بالرياض ممثلة في شخصه إلى استخدام الحاسب الآلي في مجال دراسة السنة النبوية، وأن ذلك السبق ليس على جامعات المملكة العربية السعودية وحدها، بل هو سبق على جامعات العالم كلها، حسب علمه [ينظر مقدمة فهارس ابن ماجه ٣/ ٩ - ١٠].

كما أشار الدكتور الأعظمي إلى الصعوبات التي واجهته، فذكر أنه قَلَّ من كان يعرف أن هناك حاسبًا آليًّا باللغة العربية، وبالتالي لم يكن متداولًا، ولأمحل اهتمام بتصنيعه من الشركات العالمية التي تصمم وتنتج وتطور الأجهزة حسب حالة الطلب وكثرة الإقبال على ما ينتج منها كما هو معلوم، وأنه لذلك كانت إمكانات الحاسب العملية في هذا المجال محدودة أو بنص عبارة الدكتور الأعظمي "بدائية" وبذلك كان تطويع الحاسب حينذاك من الناحية الفنية لتلبية احتياجات قواعد الهجاء والكتابة العربية والضبط بالشكل، وعلامات الترقيم، وأنه رغم ذلك استمر يعمل به في التحقيق والتخريج والفهرسة، في حدود إمكانات الجهاز المتاحة مع مشاورة من له خبرة في هذا المجال الناشئ، وتنقل في سبيل ذلك بين الرياض مقر المشروع، وبين بعض بلاد أوروبا وأمريكا [وكذلك الشام ومصر حسب ما ذكر لي بعض من عمل مع الدكتور حينذاك من المساعدين المصريين]، واستغرق في مرحلته الأولى خمس سنوات، تم خلالها إدخال وتخزين كل من: مسند الإمام أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن النسائي، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن ابن ماجه، وفهارسها الآتي تفصيلها، وبطباعة سنن ابن ماجه وفهارسها أنهى الدكتور الأعظمي المرحلة الأولى من مشروع جامعة الملك سعود المسمى "مشروع استعمال الحاسب الآلي في خدمة السنة النبوية" [ينظر مقدمة تحقيق سنن ابن ماجه١/٧، ومقدمة الفهارس ٩/٣-١٢].

ومن يطالع سنن ابن ماجة هذه التي تعد ثمرة أولى من ثمار المشروع، يجد أنها تقع في (٤) أجزاء، كل جزء منها في مجلد، يزيد على (٤٠٠) صحيفة، ويجد أن نص الكتاب محقق مخرج الأحاديث مع بعض التعليقات يقع في مجلدين فقط، الأول والثاني، في حين تقع الفهارس في مجلدين كاملين (الثالث والرابع) رغم ترك كثير من الألفاظ دون فهرسة [ينظر مقدمة الفهرس ٣/٩-١٣]، وهذه الفهارس عبارة عن فهرس معجمي للألفاظ الأساسية في كتاب السنن، مثل: أرض، وسماء، وأعتق، ونحوها، فيذكر اللفظ المفهرس في بداية السطر حسب ترتيبه الهجائي، بصورته الواقعة في الكتاب، وليس بحسب أصله اللغوي، فيذكر "باع" مثلًا في حرف الباء بعدها ألف، و"عاد" في حرف العين بعدها ألف، وهكذا، ثم يذكر عقب اللفظة العبارة التي وردت اللفظة فيها، ثم يذكر عقبها رقم الحديث الذي ذكرت فيه، مثال ذلك قوله في حرف الباء "بائع" ناس يغدو فبائع نفسه... حديث رقم (٢٧٧).

معنى هذا أن المفهرس جرد الكلمة من الحرف الزائد في أولها فقط عند ترتيبها هجائيًا، وأن اللفظة جاءت في الحديث بوجودها "فبائع"، وأن الحديث الذي ذكرت فيه في سنن ابن ماجه برقم (٢٧٧) حسب ترقيم هذه الطبعة فقط، وبالتالي لا يستفيد من هذا الفهرس إلا من لديه هذه الطبعة، ويعتبر هذا الفهرس هو أكبر فهارس الكتاب حيث يستغرق نحو مجلد من الفهارس البالغ مقدارها مجلدان كما أسلفت، ويميز عن فهرس أوائل الأحاديث مطلقًا؛ أو أوائل الأحاديث القولية من ناحية الزيادة الهائلة في عدد الأحاديث التي يدلنا على وجودها في سنن ابن ماجه بمجرد معرفة لفظة أساسية فيها، ولو لم تكن في أول ألفاظ الحديث.

في حين بلغ فهرس أوائل الأحاديث القولية في الفهرس نفسه (٤٥) صحيفة فقط (ج٤ / ٢٦١-٣٠٦)، وقبل صدور هذه الطبعة لم يكن متاحًا إلا فهرس واحد كهذا عمله الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في آخر طبعته المتداولة لسنن ابن ماجه (ج٢ /١٤٥٤- ١٥١٦) أي (٦٢) صحيفة سماه "مفتاح السنن"، وبذلك يعتبر الفهرس الأول الذي استغرق مجلد من ثمرات عمل الحاسب الآلي الذي استخدمه الدكتور الأعظمي في ذلك، كما مر، كما عمل فهرسًا آخر للألفاظ الشائعة التي تكررت في الكتاب وبيان عدد مرات تكرارها، وكذلك التي ذكرت مرة واحدة فقط، فابتدأ بها، ثم ذكر الباقي مرتبًا حسب عدد مرات التكرار من الأقل إلى الأكثر.

مثال ذلك: ذكر في هذا الفهرس أن لفظ "صلاة" تكرر في كتاب ابن ماجه (٤٦٤) مرة، ولفظ "يوم" تكرر (٤٦٢) مرة ولفظ "رجل" تكرر (٥١٩) مرة، وهذا أكثر الألفاظ تكرارًا في الكتاب، ثم عمل فهرسًا آخر لهذه الألفاظ المفردة والمكررة على الترتيب الهجائي لسهولة الوصول إليه، لكنه في هذين الفهرسين لم يذكر مواضع تلك الألفاظ في السنن، وبالتالي أصبح الوصول إلى مواضعها في السنن متوقفًا على الرجوع إلى نسخة الفهرس المخزونة في الحاسب نفسه، حيث لم يكن القرص المدمج (CD) مستعملًا في هذا الوقت، وقد كان يمكن طباعة تحديد مواضع تلك الكلمات في السنن، غير أنها كانت ستزيد مجلدات الطبعة، وبالتالي سترتفع التكاليف، ويرتفع تبعًا لها ثمن بيع النسخة.

وعمل أيضًا فهرسًا للآيات القرآنية، وفهرسًا لأسماء الصحابة المخرج لهم في السنن مرتبين هجائيًا، مع ذكر أرقام الأحاديث لكل صحابي، وهذا له أهمية بالغة في التخريج ودراسة الأسانيد، وعمل فهرسًا للأعلام الذين ورد ذكرهم أثناء متن الحديث مرتبين هجائيًا مع ذكر أرقام الأحاديث التي ورد فيها كل منهم، وكذلك فهرس الأماكن، وفهرس الآثار المروية عن الصحابة والتابعين وغيرهم، وفهرس الأبيات الشعرية أيضًا.

وكل هذه الفهارس التي بلغت عشرة أنواع، لم نكن نحن المشتغلين بعلوم السنة، وبخاصة التخريج ودراسة الأسانيد، لم يكن متاحًا لنا منها حينذاك إلا فهرس أوائل الأحاديث القولية الذي ألحقه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي بطبعته لسنن ابن ماجه كما قدمت، والإحالات على سنن ابن ماجه المتضمنة في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي لجماعة المستشرقين، وهي قليلة جدًا بالمقارنة بفهرس الألفاظ السابق ذكره، والذي استغرق مجلدًا كاملًا من مجلدي الفهرس.

والمشتغلون بعلوم السنة والمستفيدون منها استدلالًا ولغة وبلاغة وغير ذلك؛ كل هؤلاء لا تخفى حاجتهم المستمرة إلى مثل تلك الفهارس التي أنجزها الدكتور الأعظمي بواسطة الحاسب، بل إنه رغم ضعف إمكانيات الحاسب حينذاك في مجال اللغة العربية كما تقدم، فإنه - كما يقول الدكتور الأعظمي - كان يستطيع فهرسة كل حرف من الكتاب المخزون فيه [ينظر مقدمة فهرس ابن ماجه ٣/٩] مع السرعة والإتقان، في حين تحتاج مثل هذه الفهارس لو أريد عملها بغير الحاسب جهدًا ووقتًا وعددًا من العاملين وكلفة تفوق الوصف.

ورغم أن طبعة الدكتور الأعظمي هذه لسنن ابن ماجه عند صدورها (سنة١٤٠٣هـ) قد وجهت إليها بعض انتقادات من بعض طلاب العلم المشتغلين بالحديث، سواء من جهة منهج التحقيق أو من جهة الفهرسة، إلا أن العمل في تحقيق وتخريج وفهرسة هذا الكتاب بواسطة الحاسب الآلي يعد فعلًا في وقته عملًا رائدًا ومتميزًا عما سبقه، ويمثل أنموذجًا عمليًا لثمرات استعمال الحاسب الآلي في خدمة علوم السنة وتيسيرها.

ثم إن جهود الدكتور الأعظمي في السبق إلى استعمال وتطوير الحاسب في خدمة السنة وإن لم يظهر منها إلا كتاب ابن ماجه هذا، إلا أنه قرر أنه أنجز من المشروع السابق ذكره جهودًا أخرى فقال: المخزون من الأحاديث النبوية في الحاسب الآلي عندي حاليا هو:

١- مسند الإمام أحمد بن حنبل بكامله.

٢- وصحيح البخاري.

٣- وصحيح مسلم.

٤- وسنن النسائي.

٥- وسنن أبي داود.

٦- وسنن الترمذي.

٧- وسنن ابن ماجه.

ثم ذكر أنه يرغب في صنع معجم شامل لهذه الكتب مع إضافة:

٨- الموطأ.

٩- وسنن الدارمي في المجموعة. [ينظر: مقدمة فهرس ابن ماجه ٣/٩]

ثم قال الدكتور الأعظمي: وبعد، فإنني أعرف أكثر من غيري، وأعترف أيضًا بأن هناك بعض جوانب النقص في البحث، وهناك مجال للتطوير والتحسين، ولكن هذا ما توصلت إليه حتى الآن (سنة ١٤٠٤هـ) وأنا جاد في هذا السبيل، ماض على هذا الدرب، مضحيًا بكل ما أملك، ثم طلب من الله تعالى التوفيق والسداد، ومن القراء لكتاب سنن ابن ماجه بتحقيقه وفهرسته الدعاء والنصح والمشورة والنقد البناء الذي من شأنه أن يسهم في خدمة الموضوع. [مقدمة فهرس ابن ماجه ٣/١٢]

ثم بعد ذلك عمل الدكتور الأعظمي محاضرة عامة بكلية التربية جامعة الملك سعود — وقد سمعتها — حيث كنت إذ ذاك أعمل بكلية أصول الدين بالرياض، ولدي تسجيل صوتي لهذه المحاضرة، التي بين فيها مسيرته في استخدام الحاسب في التحقيق والتخريج، وأعلن فراغه من إدخال وتخزين الكتب السبعة السابق ذكرها في الحاسب، وعرض بواسطة جهاز عرض على شاشة نماذج لطرق استرجاع ما هو مخزون من تلك الكتب حسب طلب الباحث بمجرد الضغط على بعض مفاتيح تشغيل الحاسب.

قد أعلن الدكتور الأعظمي أيضًا في تلك المحاضرة أنه مستمر في العمل والتطوير والتغلب على الصعوبات الفنية في الحاسب، سواء في الإدخال أو الاسترجاع لما هو مخزون، أو الفهرسة، حتى ينتهي من تحقيق وفهرسة باقي كتب المشروع التسعة التي سبق ذكرها، ثم طباعتها كما صنع في سنن ابن ماجه، وأنه لابد من التسليم بوقوع بعض الأخطاء لأن هذا شأن الجهد البشري مهما كانت مساعدات الحاسب الآلي وإمكاناته، ولكن لم يخرج الدكتور الأعظمي حتى الآن من هذا المشروع شيئًا غير الثمرة الأولى، وهي سنن ابن ماجه التي صدرت طبعتها الثانية (سنة ١٤٠٤هـ)، وقد قابلته قريبًا وسألته عن سبب هذا التوقف الطويل فأشار إلى أن كثرة من دخلوا المجال غيره، مع وجود أشغال علمية خاصة لديه، جعلاه يترك المجال لغيره، فنسأل الله تعالى لنا وله التوفيق والسداد.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بعد إعلان الدكتور الأعظمي هذا عما أنجزه من المشروع السابق، اتجهت إلى المشروع نفسه مؤسسة خاصة تجارية وهي شركة صخر العالمية، وكان مقرها حينذاك (الكويت) وبدأت بصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وهكذا بقية الكتب التسعة، إلا أنها لم تخرج هذه المجموعة إخراجًا طباعيًا كما كان اتجاه الدكتور الأعظمي، الذي نفذ أنموذجه في سنن ابن ماجه، وساعد هذه المؤسسة على تغيير طريقة الإخراج ما حدث بعد عمل الدكتور الأعظمي من تطور في إمكانات الحاسب الآلي وانتشار أجهزته بالعربية، في الأوساط التعليمية والعلمية، وانتشار النسخ من المخزون على الأقراص المرنة (Disk) فأصبح تداول هذه الكتب على هذه الأقراص أيسر من تداولها مطبوعة.

وقد جاء مندوبون عن الشركة المذكورة إلى قسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض، وعرضوا علينا ما تم إنجازه من تلك الموسوعة في هذا الوقت وهو الصحيحان، وذلك بتخزين كل واحد منهما في الحاسب حسب برامج متعددة ثم نسخ ذلك على الأقراص المرنة (الدسكات)، وبينوا الاستخدامات المتعددة للحاسب في سرعة استرجاع وعرض كل ما في الصحيحين متنًا وإسنادًا ورواة بأنواعهم من الصحابة فمن دونهم؛ بحيث يمكن الاستفادة من ذلك في علمي التخريج ودراسة الأسانيد في أقصر وقت وبأدق طرق البحث، وأيسرها.

وبعد أن أتمت الشركة تخزين وبرمجة الكتب التسعة، وظهرت الأقراص المدمجة (CD) خزنت الموسوعة كلها على قرص واحد، وأصبح متداولًا حتى الآن، ومتميزًا عن غيره مما ظهر بعده.

ثم بعد شروع الدكتور الأعظمي في مشروعه السابق بنحو سنتين وصلت إلى قسم السنة وعلومه بكلية أصول الدين بالرياض رسالة من المعهد الإسلامي في "لندن" أعرب فيها القائمون عليه عن رغبتهم في التعاون مع القسم بالمشورة والمساهمة في نشاطهم في استخدام الحاسب الآلي في دراسات علوم السنة النبوية، وذكروا أنهم قد بدأوا منذ فترة سابقة في هذا المجال وفرغوا فعلًا من إدخال وتخزين الكتب الستة في الحاسب وبرمجتها في الاسترجاع بحسب المسانيد، وبحسب ألفاظ المتن أول لفظة منه، مع عمل دراسات عن تلك الكتب باللغة الإنجليزية لتيسير الإفادة من مخزونها لغير الناطقين بالعربية، ولم تكن إمكانات القسم العلمية في ذلك الوقت تسمح بالتعاون والتواصل العلمي مع هذا المركز، وبالتالي لم يصلنا شيء بعد ذلك من جهوده أو حتى أخباره.

لكنه كان يعد في ذلك الوقت القريب من وقت شروع الدكتور الأعظمي في مشروعه، يعد بدوره خطوة مبكرة في استعمال الحاسب في نشر المصادر الأصلية لعلوم السنة، وتيسير تداولها والاستفادة منها لا سيما في الأوساط غير العربية بحكم وجود هذا المركز في لندن عاصمة إنجلترا.

ثم بعد ذلك بعدة سنوات ظهرت مساهمة علمية جامعية في كلية الحديث بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، حيث قام أحد طلاب الدراسات العليا وهو الدكتور عبد القادر أحمد المصري الجنسية - رحمه الله - بإنجاز رسالته للدكتوراه في موضوع "استخدام الحاسب الآلي لبناء موسوعة للسنة النبوية"، وفي هذا الوقت كان الحاسب المعرب قد تحسنت إمكاناته أكثر من السابق، مما جعل الدكتور عبد القادر يركز في رسالته على الجانب التطبيقي لاستعمال الحاسب في تخزين وتصنيف النصوص الحديثية، في حدود المادة العلمية التي اختارها لبحثه، وقد ساعده على ذلك ما عرفته منه - رحمه الله - من أنه كانت له خبرة سابقة في استخدام الحاسب في غير علوم السنة، وبمجموع خبرته الحديثية والتقنية قام بجمع أحاديث "باب المياه" من (٣٧) كتابًا من كتب السنة الأصلية، ورتب الأحاديث في الباب ترتيبًا زمنيًا بحسب تواريخ وفيات مؤلفي تلك الكتب، وطبق على ما جمعه الجانبين الأساسيين في استخدام الحاسب، وهما:

١- جانب إدخال المعلومات وتخزينها في الحاسب، وترتيبها حسب البرامج المختلفة.

٢- جانب استرجاعها من الحاسب للاستفادة المتنوعة بها.

وبذلك أثبت الدكتور من خلال رسالته هذه إثباتًا عمليًا أن الحاسب الآلي أصبحت له كفاءة كبيرة ليس في تخزين النصوص الحديثية فقط، ولكن في إصدار أنواع متعددة من تصنيف المادة المخزونة فيه، تارة بالتبويب على الموضوع، وأخرى على مسانيد الصحابة، وثالثة على الألفاظ المفردة في أي موضع تقع من متن الحديث، ورابعة على الأعلام، وخامسة على الأماكن أو غير ذلك حسب حاجة الباحث.

ولم أعرف من سبق الدكتور عبد القادر - رحمه الله - إلى عمل رسالة علمية محكمة في هذا المجال، فيعد بحثه هذا أيضًا خطوة رائدة في تطبيق استخدامات الحاسب في دراسة السنة النبوية وتيسير تصنيفها على الباحثين في مختلف المجالات، وقد سعى - رحمه الله - إلى تطبيق موضوع هذه الرسالة في إخراج موسوعة حديثية مكونة من كل ما يمكن الحصول عليه من مصادر السنة الأصلية؛ مطبوعة ومخطوطة وذلك بتمويل ورعاية مؤسسة "اقرأ" السعودية، ولكن تعثر المشروع، ثم توفى - رحمه الله - دون إنجاز شيء من الموسوعة.

- وبعد هذه الخطوات الرائدة على طريق استخدامات الحاسب الآلي في الدراسات الحديثية داخل البلاد العربية وخارجها، تعدد الداخلون في هذا المجال، سواء الأفراد أو الأقسام المختصة في الجامعات الإسلامية أو المراكز التابعة للجامعات مثل مركز السنة والسيرة التابع لجامعة قطر، وهو من أقدم المراكز إنشاءً، ومركز السنة والسيرة التابع للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ووزارة الشئون الإسلامية بالمملكة العربية السعودية، وكذلك المراكز الخاصة الخيرية مثل المكنز الإسلامي بالقاهرة، وقد أصدر مجموعة مكونة من الكتب السبعة الأصول التي هي الكتب الستة وموطأ الإمام مالك مطبوعة في عدة مجلدات مع فهارس، ومخزنة أيضًا على قرص مدمج (CD) يستعمل بواسطة الحاسب، ويمكن الباحث من تخريج ما يحتاجه من مشتملات تلك الكتب السبعة متنًا وإسنادًا مع عدد من المميزات العلمية في ترتيب وفهرسة محتوى هذه الكتب السبعة وربطها ببعض النسخ الخطية.

أما المراكز الخاصة التجارية فهي الآن صاحبة القدر الأكبر من الإصدارات، والموسوعية، وقد ساعدها على ذلك التطور السريع في الحاسبات المعربة، وبرامج التخزين والتشغيل، فأصبحت هناك إمكانيات هائلة في تلك الأجهزة لخدمة علوم السنة كمًّا وكيفًا، بمختلف الطرق والوسائل المرئية والمسموعة، والمكتوبة، ومن أهم الاستخدامات والثمرات ما يلي:

(أ‌) حفظ التراث المخطوط من كتب السنة والمتفرق في مكتبات العالم: حيث أصبح الآن يمكن أخذ صورة للكتاب المخطوط صفحة صفحة وبنفس الألوان الموجودة في النسخة الأصلية للكتاب مع وضوح الصورة أكثر من رؤية العين المجردة للأصل، وذلك بواسطة "كاميرة تصوير رقمية" (ديجيتال) أو بواسطة جهاز منفصل عن الحاسب متصل به يسمى "اسكنر" أو بأي طريقة أخرى مثل "الميكروفيلم" ثم تدخل هذه الصورة إلى الحاسب وتخزن فيه إلى وقت الحاجة إليها، ويتسع الحاسب الواحد لتخزين آلاف المجلدات من هذه المخطوطات، ويمكن استرجاع المطلوب منها لرؤيته على شاشة الحاسب أو لأخذ نسخة منه، إما بواسطة الطابعة التي تلحق بالحاسب الآلي، وإما بواسطة نقل صورة منه على القرص اللين (DISK) أو القرص المدمج المعروف ب (CD)، أو بغير ذلك، وقد نُفِّذت هذه الطريقة فعلًا حاليًا على مخطوطات المكتبة الأزهرية العريقة التي يبلغ فهرسها فقط سبع مجلدات، وبهذه الطريقة يحفظ المخطوط في مكانه في الحاسب وما تفرع منه، ويستغنى به عن استعمال الأصل إلا للضرورة، فيصان بذلك من التلف أو الضياع، تتسع دائرة استخدام المخطوط بواسطة الحاسب وما تفرع منه؛ حتى لا يستلزم الأمر حضور الباحث إلى حيث يوجد المخطوط الأصلي، ولو كان في دولة أخرى، فيحصل على ما يحتاجه بمجرد التنسيق مع المسئولين في المكتبة عبر "الإنترنت" أو غيره من وسائل الاتصال العاجل.

(ب‌) المساهمة في تحقيق النصوص الحديثية: حيث يمكن إدخال النص المطلوب تحقيقه، سواء من نسخة خطية كما هي أو من نسخة مطبوعة، وذلك إما بكتابة النص بواسطة لوحة مفاتيح التشغيل، أو بإدخاله صفحة صفحة، كما قدمت، وتخزينه في الحاسب، وبعد ذلك تبدأ مراحل التحقيق فيسترجع النص على شاشة العرض شيئًا فشيئًا، ويقابل ما يظهر على الشاشة بما يكون لدى الباحث من نسخ أخرى للكتاب، أو مصادره، ويتم إثبات الفروق والتصويبات وتكملة النقص في موضعه، كل ذلك بسهولة، وسرعة مناسبة وبواسطة مفاتيح التشغيل للحاسب، حيث يمكن محو وإثبات ما هو مطلوب.

كما يمكن استيفاء بقية مطالب التحقيق من تخريج للأحاديث والنصوص أو تعليق عليها حسب حاجة الباحث وفي الحواشي أحصه لذلك، وبعد إتمام خطوات التحقيق والتعليق والتخريج يمكن إخراج صورة ورقية مطبوعة من النص المحقق أو تخزينه في ملفات خاصة بالحاسب، أو على قرص مدمج كما تقدم مع ملاحظة أن إنجاز تلك الخطوات بواسطة الحاسب يوفر كثيرًا من الوقت والجهد والتكاليف.

(جـ) الفهرسة الفنية المتنوعة: من أهم فوائد الحاسب التي لا ينازعه فيها غيره، صنع الفهارس المتنوعة لما يُدخَلُ فيه من معلومات، وحسب البرنامج المعطي له، بكل دقة وإتقان وسرعة فائقة، مهما كان الكم المطلوب فهرسته ونوع الفهرسة، فمتى تم إدخال ما يراد فهرسته إلى الحاسب بعناية كافية؛ ووضعت عند ذلك الرموز الدقيقة المميزة لكل نوع كالأعلام والرواة والبلدان والألفاظ والحروف وشجرات الأسانيد وغير ذلك مما يراد فهرسته من خلال برامج تنظيمية، متى روعي كل ذلك وأعطيت الأوامر للحاسب بالتنفيذ، فإن الحاسب يقوم تلقائيًّا بترتيب ما يراد ترتيبه وفهرسته حسب المطلوب وذلك خلال ثوان معدودة، مهما كان عدد مجلدات الكتاب المراد فهرسته، ومهما كان نوع الفهرس المطلوب صعبًا، مثل شجرات الأسانيد، وتمييز الرواة المشتركين في الاسم أو في غيره بواسطة الشيوخ والتلاميذ، ومواضع رواياتهم خلال الكتاب المفهرس كله، وغير ذلك مما لو أراد الباحث أن يعمله بنفسه أو بعدد من المساعدين لاستغرق منه أيامًا أو شهورًا حسب حجم الكتاب المطلوب فهرسته.

ولهذا يعتبر عمل الفهارس هذا وخاصة المعجمية، من أجل خدمات الحاسب الآلي في توفير الوقت والجهد والدقة المتناهية بقدر ما يكون البرنامج المصمم للفهرسة معتني به من كافة الجوانب، ولا يخفى مدى أهمية الفهرسة لمحتويات الكتب مهما كان حجمها في خدمة الباحثين وتمكينهم من الوصول السريع إلى مواضع كل صغيرة وكبيرة في الكتاب المفهرس مهما كان حجمه، وحصر مواضع المعلومة فيه مهما تعددت، وبالتالي استخلاص ما يحتاجه الباحثون من نتائج بسرعة وإتقان، ثم إن الفهارس المتنوعة لكتب الحديث ودراساته لا تخدم البحوث التخصصية في الحديث وعلومه فقط، وإنما تفيد كل من له اهتمام بالتراث والتشريع والحضارة الإسلامية.

ففهارس المواضع والبلدان والقبائل والأعلام والرواة والفرق والأديان والمذاهب، كما يستفيد منها المحدثون يستفيد منها الدارسون لعلوم التاريخ والحضارة، والعقائد والاتجاهات الفكرية، والنظم الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية وغيرها. وفهارس ألفاظ متون الأحاديث والمصطلحات يفيد منها المحدثون والفقهاء والأصوليون وعلماء اللغة واللهجات والأصوات.

ومما يؤيد هذا ما أشار إليه المستشرق "أ. ج – ونْسِنْك" في مقدمة الجزء الأول للمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وهو نوع من الفهرسة المختصرة لتسعة كتب حديثية كما هو معروف، فقد أشار في مقدمته هذه أن من ضمن إفادتهم الكبيرة صناعة هذا المعجم بمعاونة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، هو جانب فقه اللغة العربية الذي يعني - ضمن ما يعني به - بالمفردات اللغوية ومدى تعبيرها عن المجتمعات والبلدان التي استعملتها. [ترجمة خاصة لتلك المقدمة ص ٤ بواسطة الأستاذ/ ومسكين، التونسي وكان من طلابي بالدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومن الدارسين بجامعة "السوربون" بعد ذلك]

ويلاحظ أن ما تقدمه فهارس ألفاظ الأحاديث الآن بواسطة الحاسب، تعتبر أضعاف ما اشتمل عليه المعجم المفهرس الذي عمله المستشرقون لألفاظ تلك الكتب التسعة، وبالتالي تكون فائدة فهارس الحاسب أضعاف فائدة ما في المعجم المفهرس المذكور.

أما فهارس الرواة وتمييزهم فيمكننا من الوصول لمصادر تراجمهم وجمع المادة العلمية عن كل منهم، ويمكننا أيضًا من إحصاء مرويات كل منهم ومواضعها في الكتب المعمول لها الفهارس، وبذلك نعرف المقل والمكثر بطريقة حاصره، كما نعرف كيفية الرواية عن هذا الراوي في المصادر الأصلية التي اشترطت الصحة وغيرها، هل هي رواية على جهة الاحتجاج بها بمفردها من طريق هذا الراوي أو على طريق المتابعة أو الاستشهاد؟

وهذه القضايا - أعني عدد مرويات الراوي، وكون روايته احتجاجًا أو متابعةً أو استشهادًا - ما تزال كتب الرجال، إما مختلفة فيها، وإما ساكتة عن التعرض لها، رغم ما يعرفه المشتغلون بعلوم التخريج ودراسة الأسانيد، وبيان صحيح الأحاديث وغيرها، والجرح أو التعديل للرواة بواسطة مروياتهم الصحيحة أو المعلولة.

فعندما تتيح لنا تلك الفهارس الدقيقة الوصول إلى مواضع روايات الراوي بطريقة حاصره في مصادرها بواسطة الحاسب في أقصر وقت وبأقل جهد فإن ذلك يساعدنا على حسم الخلاف بين المصادر، أو بيان ما سكتت عنه مع الحاجة إليه.

(د) الحفظ والتخزين لأكبر قدر ممكن من كتب السنة وعلومها المطبوعة في مساحة أصغر وبطريقة أيسر جدا بالمقارنة بحفظ واستعمال تلك الكتب في نسخها الورقية، فيمكن الآن إدخال وتخزين عدة مكتبات بأكملها تكون شاغلة لعدة مباني، ومشتملة آلاف المجلدات من مصنفات علوم السنة، وذلك في جهاز الحاسب، أو الأقراص المدمجة (CD)، والتنقل بها في أي مكان بما يغني الباحث عن التردد الكثير على تلك المكتبات، أو السفر إليها من بلد إلى آخر أو من دولة إلى أخرى، وفي ذلك توفير هائل للجهد والوقت والمال، سواء على الباحث أو على الجهات العلمية ومكتباتها.

ولعل مما يوضح ذلك أن نذكر هنا أنه يوجد الآن قرص (مستدير نصف قطره (٦) سم تقريبًا، وسمكه ١مم فقط، ومخزن عليه عدد (١٣٠٠) مجلد مطبوع من كتب الحديث والرجال، وذلك على وجه واحد فقط منه، ويعرف هذا القرص باسم "المكتبة الألفية" ويمكن للباحث بواسطة جهاز الحاسب أن يسترجع ويطالع ما يحتاجه من آلاف المجلدات المخزونة في الحاسب أو على القرص، في لحظات قليلة، وذلك بواسطة مفاتيح تشغيل الحاسب و"الفارة" السابق التعريف بها، فيظهر المطلوب على الشاشة، كما يمكن أن يطلب الباحث بواسطة المفاتيح والفارة من الجهاز أن ينقل له بعض النصوص من موضع إلى آخر في بحث مطلوب بدلًا من الكتابة باليد، كما يمكن استرجاع نصين من كتابين مختلفين، أو من موضعين في كتاب واحد لعمل مقارنات بين النصوص أو توفيق بينها أو غير ذلك، وأيضًا يمكن استرجاع نسخة كاملة من أي كتاب أو أكثر مما يكون مخزون في الحاسب، ووضعها على قرص مدمج بحيث يستفاد بها في جهاز آخر.

هـ- تخريج الأحاديث والآثار وتراجم الرواة وغيرها من مصادرها: هذا الجانب البالغ الأهمية من فوائد الحاسب الآلي (الكمبيوتر) مترتب على ما قبله من وظائف الحاسب السابق ذكرها، وهي تخزين وحفظ المخطوطات، والفهارس للأحاديث والآثار وتراجم الرواة، وحفظ وتخزين المطبوعات الحديثية، حيث إن المراد بالتخريج هنا دلالة الباحث على مواضع ما يراد تخريجه من الأحاديث والآثار بألفاظها أو برواتها من الصحابة فمن دونهم، أو تخريج الرواة وبيان مصادر تراجمهم، أو تخريج المصطلحات الحديثية أو الأماكن أو البلدان أو المفردات اللغوية أو الأبيات الشعرية وغير ذلك من كل ما تضمنه المصادر الحديثية، مهما كثرت أعدادها وتنوعت مناهج تأليفها وأزمنتها، فإن الحاسب الآن بما له من برامج تشغيل متنوعة يمكن الباحث من تخريج كل مطالبه السابقة وغيرها من مصادرها بأيسر طريقة وأسرعها وأتقنها.

في حين كانت الفهارس التي تستعمل في أغراض التخريج التي أشرت إليها آنفًا، لا تفي إلا بشيء قليل، بحيث تستعصي إن لم تستحل الإفادة المطلوبة من تلك الفهارس خاصة إذا كان الكتاب كبيرًا مثل تاريخ بغداد، أو حلية الأولياء، أو المحلى لابن حزم، أو تهذيب التهذيب، أو لسان الميزان، أو كتب الصحيح، أو المسانيد، أو السنن وغير ذلك، فمثلًا ليس لدين حتى الآن فهرس للتراجم الثنائية في كتاب الكامل لابن عدي أو في تاريخ بغداد أو في ثقات ابن حبان، وهي كثيرة في كل منها، وهي عبارة عن رواة يذكرون في أثناء تراجم غيرهم ويبين حالهم جرحًا أو تعديلًا، أو تبين كنية أحدهم أو اسمه إذا ذكر بكنيته وهكذا، وليس لدينا حتى الآن فهرس مطبوع لأي كتاب يشتمل على جميع أو أكثر ألفاظ الأحاديث والآثار الواردة فيه، مع حاجة الباحثين الماسة إلى ذلك. [أما الفهارس المطبوعة لأوائل ألفاظ الأحاديث في كتاب أو أكثر، وكذلك موسوعة أطراف الأحاديث النبوية وذيلها للأخ الشيخ محمد بسيوني زغلول، فإن جميع ذلك لا يدلنا إلا على أوائل لفظ الحديث فقط، دون بقيته بما فيها من أحكام وألفاظ كثيرا ما تكون أكبر من طرف الحديث الذي ذكر منه، كما أنه ما من فهرس من هذا النوع استعملته إلا وجدت أنه قد فاته عدد غير قليل من أوائل بعض أحاديث الكتاب المفهرس، أو بعض أحاديث كتب موسوعة الأطراف المذكورة وذيلها]

وهذا كان يجعل التخريج لما نحتاجه من التراجم أو الأحاديث أو غيرها من مشتملات هذه المصادر الحديثية أمرًا لا تخفى صعوبته، واحتياج الكثير منه إلى تقليب صفحات الكتاب مهما كان حجمه، وبذلك تضيع أوقات طويلة من عمر الباحث ويستفرغ الأكثر من جهده، ومما يصور ذلك قبل ظهور الحاسب ما ذكره الشيخ رشيد رضا - رحمه الله - في تقديمه لكتاب "مفتاح كنوز السنة" الذي يعتبر فهرسًا هجائيًّا وموضوعيًّا لعدد من الموضوعات الموجودة في (١٤) كتابًا من كتب الحديث كما هو معروف، فيذكر الشيخ رشيد رضا في تقديمه: أنه عند هجرته من الشام إلى مصر سنة (١٣١٥هـ) وجد أن جمهور المشتغلين بعلوم الشرع معرضين عن علم الحديث، وأنه يصعب عليهم كثيرًا مراجعة الكتب الحديثية للعثور على تخريج ما ينقلونه من مصادركم تخرج فيها الأحاديث بتحديد مواضعها في مصادرها الأصلية بالجزء والصفحة ونحوها، وإن أول ما يحتاجون إليه في ذلك، هو سهولة المراجعة في تلك المصادر للوقوف على ما يحتج به وما لا يحتج به، ثم ذكر أن كتاب مفتاح كنوز السنة، مما يقرب الشقة عليهم في ذلك، كما ذكر أن الحاجة شديدة إلى مفتاح لكتب السنة الأخرى الجامعة لكل من يريد الدخول عليها من أبوابها [ينظر تقديم الشيخ رشيد رضا لمفتاح كنوز السنة/ ص ق ر مع بعض تصرف مني غير مخل]، في حين أن كتاب المفتاح هذ كما قدمت اشتمل على فهرسة موضوعات محصورة من مئات الموضوعات التي اشتمل عليها (١٤) كتابًا فقط من كتب السنة وعلومها التي تعد بمئات الآلاف.

أما الشيخ أحمد شاكر- رحمه الله - وهو معاصر أيضًا للشيخ رشيد رضا مع تأخر وفاته عنه، ويعتبر الشيخ أحمد شاكر رائد نهضة علم الحديث في عصره، بعد ركود طويل. [ينظر تقديم مفتاح كنوز السنة/ ص ق لمعرفة الضعف والركود حينذاك من شاهد معاصر وهو الشيخ رشيد رضا – رحمه الله]

يقول الشيخ شاكر بعد النظر في مفتاح كنوز السنة هذا: لو وجد بين يدي مثل هذا المفتاح لسائر كتب الحديث لوفر عليَّ أكثر من نصف عمري الذي أنفقته في المراجعة، ثم يقول مرة ثانية: فلو كان بيدي هو يعني المفتاح - أو مثله من أول عهدي بالاشتغال بكتب السنة لوفر عليّ ثلاثة أرباع عمري الذي صرفته فيها، ولمكنِّي من الاستجابة لمن اقترحوا عليَّ أن أضع كتابًا جامعًا للمعتمد منها، وكتابًا آخر للمشكل منها في نظر علوم هذا العصر وفلسفته، والجواب المقنع عنه. [ينظر مقدمة الدكتور الأعظمي لتحقيق سنن ابن ماجه١/١٢]

فإذا كان هذا تقدير الشيخ أحمد شاكر- رحمه الله - لما ضاع من عمره لعدم توفر فهرس محدود مثل المفتاح لديه، فماذا كان سيقول لو أتيح له هذا الحاسب بإمكاناته الحالية في التمكين من تخريج كل ما يحتاجه من آلاف المجلدات المخزونة أو التي يمكن تخزينها فيه؟ وذلك في لحظات معدودة.

ثم إن خدمة التخريج الدقيق والشامل لكل ما قدمته من أحاديث وآثار وتراجم ومصطلحات وغيرها لا تقتصر خدمته على الباحثين المختصين في الحديث وعلومه، بل تمتد خدماته لغيرهم من الباحثين في العلوم الشرعية والتاريخية والاجتماعية والحضارية وغيرها كما قدمت بيانه في صناعة الفهارس المنوعة بواسطة الحاسب.

تنبيهات وبعض المقترحات

لا بد لنا في خاتمة هذا البحث من التأكيد على أمور ومقترحات لا تتحقق الثمار المرجوة من استخدام هذا الجهاز في المجالات السابق ذكرها من الدراسات الحديثية ولوازمها وتوابعها، إلا بمراعاتها بأقصى ما يمكن:

١- إن ما قدمته عن مجالات الاستفادة العديدة من استخدام الحاسب الآلي في علوم السنة، متوقف توقفًا كبيرًا على العناية الشديدة بسلامة النصوص المدخلة والمخزنة فيه من أي تحريف أو سقط أو أخطاء لغوية أو إملائية، وذلك لأن الخطأ في النصوص المدخلة ولو كان يسيرًا فإنه باستعمالات الحاسب المتنوعة له يتحول إلى أخطاء مضاعفة [ينظر مقدمة الدكتور الأعظمي لتحقيق سنن ابن ماجه ١/١٢] حيث سيتكرر الخطأ في كل استعمال لموضعه في الفهرسة بأنواعها، وفي الإحصاءات وفي الاستدلال وغير ذلك.

كما أنه عندما تكون اللفظة أو العبارة معنا على الصواب، ونحاول البحث عنها في مخزون الحاسب على الخطأ، لا تظهر، مع كونها موجودة فيه، ولكن بصورة خاطئة، ويزداد تأثير الخطأ في حالة أسماء بعض رجال الأسانيد، فلا يمكن الحصول على ترجمة للراوي مثلًا باسمه المحرف مثل "حبان بن هلال" تحرف في طبعة كتاب التعديل والتجريح للباجي ٣/١٠٧٨ ترجمة (١٢٦٨) إلى "حسان بن هلال"، وأدخل هكذا في بعض الموسوعات المخزنة على القرص المدمج وفي الحاسب، فلم يمكنا الحصول على ترجمة لهذا الراوي باسمه المحرف "حسَّان بن هلال" إلا في موضع التحريف فقط، وهو خلاف الصحيح، وكذلك تحريف "محمد بن إسحاق" إلى "محمد عن إسحاق" وهكذا، وأيضًا سقط بعض ألفاظ الحديث له خطره مثل "ترك الوضوء مما مست النار" مع سقط كلمة "ترك" منه أو "لا أصافح النساء" إذا سقط لفظ "لا" منه، وهكذا.

٢- بقدر ما يعتني ببرمجة النصوص ووضع الرموز الدقيقة والتفصيلية لها في حالة الإدخال والتخزين، بقدر ما تكون النتائج التي نحصل عليها من الحاسب دقيقة وموثوقًا بها، ومحققة لاحتياجات الباحثين المتنوعة، والعكس بالعكس، فمثلًا النصوص التي أدخلت في الحاسب وبرمجت بحسب اللفظة فقط، تكون الإفادة منها أقل من التي برمجت بحسب اللفظة وما يرادفها أو ما في معناها، وغير ذلك.

٣- ينبغي للباحث إذا لم يكن لديه الطبعة التي استعملت في الإدخال والتخزين أن يراجع الإحالات في طبعته للتأكد من المطابقة.

الخلاصة

الحاسب الآلي هو أداة تقنية حديثة سميت بهذا الاسم لقدرتها على الحساب بدقة وسرعة تفوق الإنسان، ثم توسعت استخداماته لتشمل كافة المجالات العلمية ليتكون من وحدات إدخال وإخراج ومعالجة وتخزين، مثل الشاشة، لوحة المفاتيح، المعالج، والقرص الصلب، وقد أسهم بشكل كبير في تسهيل تخزين واسترجاع وتصنيف المعلومات، مما يوفر الوقت والجهد في مجال علوم الحديث، بدأ استخدامه منذ أكثر من ٤٠ سنة، وكان الدكتور محمد مصطفى الأعظمي رائد هذا الاتجاه، حيث استخدم الحاسب في فهرسة وتحقيق كتب السنة، مثل سنن ابن ماجه، وساهم في مواجهة الطعون الاستشراقية بالسنة عبر أدوات علمية دقيقة؛ هذا الاستخدام المبتكر عزز حضور التقنية في خدمة التراث الإسلامي، وجعل من الحاسب شريكًا أساسيًا في الدراسات الشرعية الحديثة.

موضوعات ذات صلة

يُقصد بالتخريج الدلالة على موضع الحديث في مصادره الأصلية مع بيان درجة صحته أو ضعفه، ويُعتبر التخريج من أهم العلوم الشرعية.

فهارس الحديث أداة مهمة للباحثين في علم الحديث؛ إذ تساعدهم على الوصول إلى الأحاديث بسهولة وفق ترتيب معين.

الكتب الستة من أهم مصادر الحديث النبوي الشريف.

موضوعات مختارة