وهي طريقة يجمع فيها مؤلفوها الأحاديث مرتبة على الكتب
والأبواب الفقهية، فيضع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد، فمثلًا: يجمع
الأحاديث المتعلقة بالصلاة تحت كتاب الصلاة ثم يقسمها إلى أبواب - مثل باب مواقيت
الصلاة، وباب فضل صلاة الجماعة، وهكذا - وخير مثال لهذه الطريقة ما عرف عند
المحدثين بالكتب الستة، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داوود، وسنن الترمذي،
وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه.
وهناك كتب كثيرة غيرها مرتبة على هذه الطريقة، مثل: موطأ
الإمام مالك، وصحيح ابن خزيمة، وسنن البيهقي وغيرها، ومن أصحاب هذه الكتب من التزم
بألا يضع في كتابه حديثًا إلا إذا كان صحيحًا، مثل: البخاري ومسلم - رحمهما الله
تعالى.
وقد أجمعت الأمة على تلقي هذين الكتابين
بالقبول، وأن كل ما فيهما صحيح مما هو من أصول الكتاب، وهناك من
لم يلتزم بهذا الأمر، بل كان كل همه أن يجمع حديث رسول الله - صلى الله
عليه وسلم ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التمحيص والتمييز، والسنن لأربعة قد جمعها
أصحابها على ذلك الوجه.
وهناك من التزم - أيضًا - بألا يضع حديثًا إلا إذا كان
صحيحًا، لكن لم يسلم له العلماء بذلك، ويعتبر صحيحًا من وجهة نظر مؤلفه، وفقًا
للشروط التي وضعها في كتابه، ومثال ذلك: صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، وسنحاول أن
نقدم دراسة موجزة عن بعض هذه الكتب أنموذجًا لذلك.
الإمام البخاري وكتابه الصحيح:
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبة
أبو عبد الله الجعفي البخاري، من بُخاري، ولد سنة (١٩٤هـ)، رحل في طلب العلم إلى
سائر الأمصار ومنها خراسان، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر وكثير غيرها.
مات - رحمه الله - سنة (٢٥٦هـ).
صحيح البخاري ومنهجه فيه:
سبب تأليف البخاري لصحيحه: قال السيوطي: "السبب في
ذلك ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النسفي قال: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: "لو
جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النبي - صلى الله عليه وسلم، قال: فوقع ذلك
في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح"، وعنه – أيضًا - قال: "رأيت رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب عنه، فسألت
بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع
الصحيح، قال: وألفته في بضع عشرة سنة".
[تدريب الراوي ١/٨٨، وهدي الساري ص٧]
اسم الكتاب:
سمى الإمام البخاري كتابه بـ(الجامع الصحيح المسند من
حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسننه
وأيامه)، وقد اشتهر عند أهل العلم والناس جميعًا باسم (صحيح البخاري).
كيف جمع البخاري صحيحه؟
اتبع البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه المنهج العلمي
الدقيق، فقد طبق مقاييس الصحة على أحاديث كتابه، ولم يضع فيه إلا ما صح عنده،
وبالإضافة إلى ذلك فإنه كان يطبق منهجًا إيمانيًّا رائعًا، يتجلى فيه إيمان البخاري
القوي، وقوة صلته بالله - عز وجل - وكان يستلهم منه الهداية والتوفيق
والعون.
فقد صحت الروايات عنه أنه كان لا يضع حديثًا إلا بعد أن
يغتسل ويصلي.
قال الفِرَبْرِي: "سمعت البخاري يقول: ما وضعت في
كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين".
وكان يقول: "صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام،
وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته".
وفي بعض الروايات أن البخاري كتب تراجم كتابه بين قبر النبي
-صلى الله عليه وسلم- ومنبره، ولا تعارض بين هذه الروايات جميعها، فالمقصود
أنه بدأ تصنيفه في المسجد الحرام، ووضع تراجم أبوابه بين قبر النبي -صلى
الله عليه وسلم- ومنبره ثم مكث بعد ذلك ستة عشر عامًا يجمع فيه الأحاديث أثناء
طوافه بين بلدان العالم المختلفة وسماعه من شيوخها.
طريقة تأليف الكتاب:
١- رتب البخاري
كتابه على الكتب والأبواب الفقهية، فكانت عدة كتبه سبعة وتسعين كتابًا تقريبًا،
بدأها بكتاب كيف كان بدء الوحي ثم كتاب الإيمان ثم كتاب العلم، وهكذا، وختمه بكتاب
التوحيد.
واشتمل صحيحه على كتب في الصلاة، والصيام، والزكاة،
وسائر المعاملات، والجهاد والمغازي، والسير، والطب، والأطعمة، والأشربة، والأدب،
والرقاق، وغيرها.
٢- قسم كل كتاب إلى
عدة أبواب، فكان مجموع أبوابه اثنين وثمانين وثمانمائة وثلاثة آلاف (٣٨٨٢) بابًا. [غنية
القاري]
٣- جعل
لكل باب - غالبًا - ترجمة تتلاقى - في الغالب - مع مضمون ما في الباب من أحاديث،
وهذه التراجم تدل على فقه البخاري، ودقة فهمه، وحسن استنباطه؛ ولذلك قال العلماء: "فقه
البخاري في تراجمه" والمقصود بالتراجم عناوين الأبواب.
٤- تقرر أنه التزم
الصحة فيه، وأنه لا يورد فيه حديثًا إلا إذا كان صحيحًا، هذا أصل موضوعه.
٥- لم يستوعب كل
الأحاديث الصحيحة ولم يلتزم بذلك.
٦- لا بد عند البخاري
من ثبوت اللقاء بين الراوي والمروي عنه.
٧- رأى ألا يخليه
من الفوائد الفقهية، والنكات البديعة، فاستخرج بفهمه من المتون معلومات كثيرة،
فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات
البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة [هدي الساري ص٨
بتصرف يسير]
ولقد كانت لهذه التراجم دلالتها على حسن الاستنباط من
أحاديث رسول الله - صلى الله عليه
وسلم، وهذا أمر لم يسبق إليه أحد قبل البخاري - رحمه الله تعالى - قال القسطلاني: "وبالجملة
فتراجمه حيرت الأفكار والعقول والأبصار، ولقد أجاد القائل: "أعز فحول العلماء
حل رموزها، ما أبداه في الأبواب من أسرار".
ولدقة هذه التراجم واحتوائها على المعاني الدقيقة
الرائعة عني العلماء بها قديمًا وحديثًا، وأفردوا لها التأليف خاصة مستقلة عن شرح
أحاديث الكتاب، واجتهدوا في بيان مناسباتها للأحاديث واستنباط ما فيها من فوائد،
ومن هذه المؤلفات على تراجم الأبواب:
(المتواري على تراجم البخاري)، للإمام
ناصر الدين علي بن محمد، المعروف بابن المنير الإسكندراني (ت ٦٨٣ هـ).
٨- يكرر الحديث في
الصحيح عدة مرات – أحيانًا - لمناسبات تقتضي ذلك.
٩- يورد الحديث -
أحيانًا - مختصرًا، وأحيانًا يقتصر على جزء منه وذلك لفوائد.
١٠- المعلَّقات فيه
كثيرة، وكثير منها جاء موصولًا في كتابه، وما بقي فيه بعد ذلك مما لم يصله في
كتابه وصله العلامة ابن حجر في كتاب له سماه (تغليق التعليق) وهو مطبوع في خمسة أجزاء.
هذه أهم ملامح منهج البخاري في صحيحه.
عدد أحاديث صحيح البخاري:
الذي ذكره ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن عدة ما في البخاري
من المتون الموصولة بلا تكرار اثنان وستمائة وألفان (٢٦٠٢).
وجملة ما فيه من التعاليق ألف وثلاثمائة وواحد وأربعون
حديثًا (١٣٤١)، وأكثرها مُخَرَّج في الكتاب في أصول متونه.
ومن المتون المعلقة غير الموصولة في كتابه تسع وخمسون
ومائة (١٥٩)، وقد وصلها ابن حجر في كتاب مستقل كما سبق ذكره.
وأن عدد أحاديثه بالمكرر وبما فيه من التعليقات
والمتابعات واختلاف الروايات اثنان وثمانون وتسعة آلاف (٩٠٨٢).
وعدد أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات تسعة
وتسعون وثلاثمائة وسبعة آلاف (٧٣٩٧).
ولا شك أن إحصاء ابن حجر يتميز بالدقة؛ لأنه عايش الكتاب
معايشةً تامةً، وشرحه شرحًا نفيسًا، فجاء شرحه للبخاري سيد شروحه جميعًا.
وسيأتي ذكر الشروح في مواضعها.
أهم شروح البخاري:
قد حظي صحيح البخاري بعناية فائقة من العلماء الأجلاء،
فشرعوا يدرسونه، ويشرحونه، ويلخصونه، ويتكلمون عن رجاله، وتراجمه وفقهه وغير ذلك
مما يتعلق به.
ولم يحظ كتاب في الدنيا بمثل ما حظي به ذلك الصحيح وهو
جدير بكل هذا، بل وبأكثر، وسيأتي ذكر عدد منها بحسب موقعه التاريخي.
نماذج من صحيح البخاري:
قال الإمام البخاري - رحمه الله - في كتاب الإيمان باب
قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "الدين النصيحة":
حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: حدثني قيس بن أبي حازم، عن جرير عن عبد
الله - رضي الله عنه - قال: «بَايَعْتُ رَسولَ اللَّهِ -صلى
الله عليه وسلم- على إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصْحِ
لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، وقال في
كتاب المناقب، باب "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- تنام عينه ولا ينام قلبه ..."
إلخ.
حدثنا عبد الله بن مَسلمة عن مالك عن سعيد المقبُري عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - كيف كانت صلاة رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- في رمضان؟ قالت: «ما كانَ يَزِيدُ
في رَمَضانَ ولا في غيرِهِ على إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا
تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ ثم يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأَلْ عن
حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ ثم يُصَلِّي ثَلاثًا، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ،
أتَنامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ قالَ: يا عائِشَةُ، «إنَّ عَيْنَيَّ تَنامانِ ولا
يَنامُ قَلْبِي».
آخر حديث عند البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، باب قول
الله تعالى {وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ
ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} بسنده إلى أبي
هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ النَّبي - صَلى الله عَليه وَسَلّم: «كَلِمَتانِ حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ،
خَفِيفَتانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ: سُبْحانَ اللَّهِ
وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ».
الإمام مسلم وكتابه الصحيح
ترجمة الإمام مسلم:
مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري أبو الحسين النيسابوري، ولد سنة
(٢٠٤هـ)، رحل في طلب العلم إلى كثير من البلاد، منها العراق، ومكة، والمدينة،
وخراسان وغيرها.
صحيح مسلم ومنهجه فيه:
قال النووي في مقدمة شرح مسلم: "صحيح مسلم - رحمه
الله - في نهاية الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه
تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجاج".
قال الإمام مسلم فيما رواه الخطيب البغدادي بإسناده إليه:
"صنفت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة".
وقال الإمام النووي: بلغنا عن مكي بن عبدان أحد حفاظ
نيسابور قال: سمعت مسلم بن الحجاج – رحمه الله -يقول: "لو أن أهل الحديث
يكتبون الحديث مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند يعني الصحيح".
قال: وسمعت مسلمًا يقول: "عرضت كتابي هذا على أبي
زرعة، فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس به علة خرجته" [شرح
مسلم، للنووي ١/١٥]
منهجه في صحيحه:
١- رتب مسلم
كتابه على الكتب الفقهية ثم قسمها إلى أبواب، ولكنه لم يضع تراجم كما فعل البخاري
وإنما الذي فعل ذلك هم شرّاحه في الغالب، يقول النووي أثناء شرحه له: "ثم إن
مسلمًا - رحمه الله - رتب كتابه على أبواب، فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر
تراجم للأبواب فيه لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو غير ذلك، وقد ترجم جماعة أبوابه
بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة
لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا - إن شاء الله - أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق
بها في مواطنها، والله أعلم. [شرح مسلم، للنووي ١/١٥]
٢- وضع لصحيحه
مقدمة - ولم يفعل ذلك البخاري - تحدث فيها مسلم عن مجموعة من المعارف، منها:
تقسيمه للرجال، وكيفية روايته عنهم، وحكم رواية الحديث بالمعنى، وحال بعض الرواة،
وحجية خبر الواحد ووجوب العمل به، وبيان تغليظ الكذب على رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- والنهي عن الرواية عن الضعفاء، وغير ذلك من المباحث
القيمة.
٣- يضع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد
فلا يقطعها، ولا يكررها في أماكن متعددة من صحيحه، كما أنه يكاد يخلو من الأحاديث
المعلقة، وقد أشار العراقي إلى تلك المعلقات في صحيح مسلم في كتابه المسمى بـ(التقييد
والإيضاح) وذكر مواطنها. [التقييد والإيضاح، ص ٣٢، ٣٣]
٤- صنف صحيحه في
بلده، ومعه أصوله، وفي حياة كثير من مشايخه الذين تلقى عنهم.
٥- يمتاز بالتحري في الألفاظ، ويفرق بين حدثنا
وأخبرنا، فالتحديث ما أخذ من لفظ الشيخ، والإخبار مختص بالقراءة على الشيخ.
٦- كما يمتاز صحيحه بسهولة تناوله؛ لأنه كما قلنا
قد وضع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد ذاكرًا اختلاف ألفاظها، وتعدد
أسانيدها.
٧- عدد كتبه
أربعة وخمسون كتابًا بعد المقدمة - بدأها بكتاب الإيمان، وأنهاها بكتاب التفسير،
وعدد أبواب كتابه تسعة وعشرون وثلاثمائة وألف (١٣٢٩) بحسب ترقيم الشيخ محمد فؤاد
عبد الباقي - رحمه الله.
٨- اشترط مسلم
المعاصرة بين الرواة مع إمكانية اللقاء.
٩- يضع الأحاديث الصحيحة في أصل الباب ثم يأتي بعد
ذلك بالمتابعات والشواهد.
عدد أحاديث
صحيح مسلم: قال العراقي في (التقييد والإيضاح) عن عدد أحاديث صحيح مسلم: (وقد
ذكر النووي من زياداته في التقريب والتيسير، فقال: إن عدد أحاديثه نحو أربعة آلاف
بإسقاط المكرر، ولم يذكر عدته بالمكرر، وهو يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه،
وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه اثنا عشر ألف حديث). [التقييد
والإيضاح، ص ٣٧].
وقد أحصى
العلامة محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله - عدد أحاديث صحيح مسلم، فبلغ بها ثلاثة
وثلاثين وثلاثة آلاف بغير المكرر (٣٠٣٣). [انظر:
صحيح مسلم بترتيب الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي]، ولكنه لم
يجر فيها على اصطلاح المحدثين.
أهم شروح صحيح مسلم:
١- المعلم
بفوائد كتاب مسلم، لأبي عبد الله محمد بن علي المازري (ت ٥٣٦ هـ)، طبع في ثلاثة
أجزاء.
٢- إكمال
المعلم بفوائد مسلم، للإمام القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ)، طبع في
تسعة أجزاء بتحقيق الأستاذ الدكتور يحيى إسماعيل.
٣- المفهم لما
أُشكل من تلخيص كتاب مسلم، للإمام الحافظ أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي
(ت ٦٥٦ هـ)، وقد لخص صحيح مسلم أولًا ثم شرح ذلك التلخيص، وقد طبع في ثمانية
مجلدات.
٤- المنهاج
شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للإمام الورع الصالح شيخ الإسلام محيي الدين بن شرف النووي
المتوفى سنة ٦٧٦هـ، وهو شرح مشهور، وقد طبع في ثمانية عشر جزءًا.
٥- إكمال
المعلم، لأبي عبد الله محمد بن خليفة الوسناني المالكي الشهير بالأبي (ت٨٣٧هـ).
٦- فتح المنعم
شرح صحيح مسلم، لشيخنا فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين، وقد صدر الكتاب
كاملًا في عشرة أجزاء، طبعته دار الشروق.
نماذج للأحاديث من صحيح مسلم:
قال في كتاب الإيمان، باب (بيان خصال من اتصف بهن وجد
حلاوة الإيمان): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن بشار
جميعًا عن الثقفي، قال ابن أبي عمر: حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس
- رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوَةَ
الإيمانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممّا سِواهُما، وأَنْ
يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في
الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النّارِ».
- وقال في كتاب الصلاة، باب (الأمر بشفع الأذان وإيتار
الإقامة):
حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا يحيى بن
يحيى، أخبرنا إسماعيل بن علية جميعًا عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس – رضي
الله عنه - قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".
زاد يحيى في حديثه عن ابن عليه: فحدثت به أيوب، فقال: (إلا
الإقامة).
والمقصود بقول أيوب (إلا الإقامة)؛ أي إلا قوله: (قد
قامت الصلاة)، فإنه يثنيها؛ أي يذكرها مرتين.
- وقال في كتاب الحج، باب (ما بين القبر والمنبر روضة من
رياض الجنة):
حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن
عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن يزيد المازني – رضي الله عنه
- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما بيْنَ بَيْتي ومِنْبَرِي رَوْضَةٌ
مِن رِياضِ الجَنَّةِ».
أصحاب السنن
الإمام أبو داوود وكتابه السنن
ترجمة الإمام أبي داود:
سليمان بن الأشعث بن شداد الأزدي السجستاني، وكنيته أبو
داوود واشتهر بها، ولد سنة اثنتين ومائتين (٢٠٢هـ)، مات سنة (٢٧٥ هـ) بالبصرة. [الجرح والتعديل ٤/١٠١، وتاريخ بغداد ٩/٥٥، وتذكرة الحفاظ ٢/٥٩١، وتهذيب
التهذيب ٤/١٦٩، وشذرات الذهب ٢/١٦٧، وتهذيب الكمال ١١/٣٦٤]
منهج الإمام أبي داوود في سننه:
وضح الإمام أبو داوود منهجه في سننه من خلال رسالته لأهل
مكة، ومن خلال ما نقله العلماء عنه في كتبهم، ومن ملامح هذا المنهج:
١- أنه انتخب هذه السنن من حوالي خمسمائة ألف حديث: يقول
في ذلك: كتبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا
الكتاب - يعني (كتاب السنن) - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح
وما يشبهه ويقاربه.
٢- اقتصر على أحاديث الأحكام: قال أبو داوود في رسالته
لأهل مكة: "وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد،
وفضائل الأعمال، وغيرها" [رسالة
أبي داوود لأهل مكة، ص٣٣، ٣٤]، فقد اقتصر على الأحكام فقط، وهو من أجمع
الكتب في ذلك.
٣- أنه قد رتبه على الكتب والأبواب الفقهية.
٤- أبو داوود - رحمه الله تعالى - يروي الأحاديث بإسناده
إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد حدث في كتابه هذا عن شيوخ كثيرين.
٥- لم يلتزم أبو داوود - رحمه الله - بإيراد الصحيح فقط،
بل ذكر فيه الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه كما ذكر سابقًا.
٦- ما كان فيه ضعف شديد بينه؛ ولذلك نجد له - أحيانًا - كلام
على بعض الرجال، وبعض الأحاديث.
٧- للعلماء تعقيبات على هذا المنهج لأبي داوود في سننه،
ومن أجمع ما ذكر في ذلك قول الذهبي - رحمه الله: "فقد وفى - رحمه الله - بذلك
بحسب اجتهاده، وتبين ما ضعفه شديد، ووهنه غير محتمل، وكاسر - أي غض - عما ضعفه
خفيف محتمل فلا يلزم من سكوته - والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنًا عنده"
... إلى أن قال: "فكتاب أبي داوود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان،
وذلك نحو من شطر الكتاب ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر ثم يليه ما
رغبا عنه، وكان إسناده جيدًا ...". [سير
أعلام النبلاء ١٣/٢١٤]
نماذج من سنن أبي داود:
قال في كتاب الصلاة، باب (السعي إلى الصلاة): حدثنا
أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد ابن المسيب، وأبو
سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِذَا
أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فلا تَأْتُوها تَسْعَوْنَ، وأْتُوها تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ
السَّكِينَةُ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فاتَكُمْ فأتِمُّوا ... إلخ».
وقال في كتاب الزكاة، باب (ما تجب فيه الزكاة): حدثنا
أيوب بن محمد الرقي، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إدريس بن يزيد الأودي، عن عمرو بن
مرة، عن أبي البَخْتَري الطائي، عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - يرفعه إلى النبي
-صلى الله عليه
وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ زَكَاةٌ».
قال أبو داود: أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد -رضي الله عنه-، فهو - هنا - قد
بين علة الحديث، وأن فيه انقطاعًا.
أهم شروح سنن أبي داوود:
- عون المعبود شرح سنن أبي داوود، للعلامة أبي الطيب محمد
شمس الحق العظيم آبادي، طبعته دار الفكر ومعه شرح الحافظ ابن قيم الجوزية، بتحقيق
عبد الرحمن محمد عثمان الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.
- بذل المجهود في حل أبي داوود، للعلامة الشيخ خليل أحمد السهارنفوري
(ت ١٣٤٦هـ)، طبعته دار الكتب العلمية.
الإمام الترمذي وكتابه السنن
ترجمة الإمام الترمذي:
محمد بن عيسى بن يزيد بن سورة بن موسى بن الضحاك بن
السكن السلمي الترمذي الضرير الحافظ، ينسب إلى مدينة ترمذ - بفتح التاء والميم
وكسرهما وضمهما - وهي مدينة مشهورة في ناحية ما وراء النهر، ولد سنة (٢٠٩ هـ)،
وارتحل فسمع بخراسان، والعراق، والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام.
توفي رحمه الله سنة (٢٧٩ هـ). [وفيات الأعيان ٤/٢٧٨،
وتذكرة الحفاظ ٢/٦٣٣، وميزان الاعتدال ٣/٦٧٨، والعبر ٢/٦٢، وتهذيب التهذيب ٩/٣٨٧، وطبقات الحفاظ ٢٧٨]
منهج الترمذي في جامعه:
قال الشيخ أحمد شاكر: كتاب الترمذي يمتاز بأمور ثلاثة:
أولًا: أنه بعد أن
يروي حديث الباب يذكر أسماء الصحابة الذين رويت عنهم أحاديث فيه، سواءً كانت بمعنى
الحديث الذي رواه أم بمعنى آخر أم بما يخالفه أم بإشارة إليه ولو من بعيد.
ثانيًا: أنه في أغلب
أحيانه يذكر اختلاف الفقهاء، وأقوالهم في المسائل الفقهية، وكثيرًا ما يشير إلى
دلائلهم مع ذكر الأحاديث المتعارضة في المسألة.
ثالثًا: أنه عني كل
العناية في كتابه بتعليل الحديث، فيذكر درجة الكثير من الأحاديث من الصحة أو الحسن
أو الضعف، ويفصل القول في التعليل والرجال تفصيلًا جيدًا.
رابعًا: رتب كتابه على
الكتب والأبواب الفقهية، فيذكر تحت كل كتاب ما يتعلق به من أبواب، فمثلًا تحت كتاب:
أبواب الطهارة يذكر ما يتعلق به من أبواب الوضوء، والغسل، والتيمم، ونحو ذلك، وتحت
كتاب الصلاة يذكر ما يتعلق به من أبواب مثل مواقيت الصلاة، والأذان، والإقامة
وغيرها.
خامسًا: لم يلتزم بذكر
الصحيح فقط، بل اعتنى بالأحاديث الحسنة لذاتها ولغيرها حتى اعتبره العلماء مظنة
أساسية للحسن واعتبروه أول من شهر نوع الحديث الحسن بنوعيه، وعرّف الحسن لغيره
وتابعه على ذلك عامة من جاء بعده؛ ولذلك نجد في سننه الصحيح وغيره.
نماذج من سنن الترمذي:
قال في كتاب الطهارة، باب (في الوضوء بالمد): حدثنا أحمد
بن منيع وعلي بن حجر قالا: حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي ريحانة عن سفينة «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-
كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ». قال: وفي
الباب عن عائشة، وجابر وأنس بن مالك - رضي الله عنهم.
قال أبو عيسى: حديث سفينة حديث حسن صحيح، وأبو ريحانة
اسمه (عبد الله بن مطر)، وهكذا رأى بعض أهل العلم الوضوء بالمد، والغسل بالصاع.
وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: ليس معنى هذا الحديث على التوقيت، أنه لا يجوز أكثر
منه ولا أقل منه وهو قدر ما يكفي.
وقال في كتاب الصلاة، باب (ما جاء في الرجل يصلى ومعه
رجل):
حدثنا قتيبة، حدثنا داوود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو
بن دينار، عن كُريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: "صليتُ مع النبيِّ -صلى
الله عليه وسلم- ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عن يَسارِهِ، فأخَذَ رَسولُ اللَّهِ -صلى
الله عليه وسلم- برَأْسِي مِن ورائِي، فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ".
قال أبو عيسى: وفي الباب عن أنس قال أبو عيسى: وحديث ابن
عباس - رضي الله عنهما - حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي
-صلى
الله عليه وسلم- ومن بعدهم قالوا: إذا كان الرجل مع الأيام يقوم عن يمين
الإمام.
وقال في كتاب الجنائز، (باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة):
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو
عامر العَقَدي قالا: حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن
عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما – قال: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عَليه
وسلّمَ: «مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا وَقَاه الله فتْنَة
الْقَبْر» قال أبو عيسى: هدا حديث حسن غريب.
قال: وهذا حديث ليس إسناده بمتصل، ربيعة بن سيف، إنما
يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيّ، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما، ولا
نعرف لربيعة بن سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما.
أهم شروح سنن الترمذي:
- عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، للعلامة الحافظ أبي
بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣هـ) طبعته دار الوحي المحمدي.
- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للعلامة أبي المعالي
محمد بن عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ)، طبعته دار الفكر، بتحقيق عبد الوهاب
عبد اللطيف.
الإمام النسائي وكتابه السنن
ترجمة الإمام النسائي:
الإمام الحافظ الثبت أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي
بن سِنان بن بحر الخراساني النسائي.
ولد بنسا سنة (٢١٥هـ) وطلب العلم في صغره، وارتحل إلى
قتيبة بن سعيد سنة (٢٣٠هـ)، وجال في طلب العلم بخراسان والحجاز ومصر والعراق
والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر.
توفي - رحمه الله - سنة (٣٠٣هـ) بالرملة من فلسطين. [المنتظم ٦/١٣١، ووفيات الأعيان ١/٧٧، وتهذيب الكمال ١/٢٣، وسير أعلام
النبلاء ١/٤ ١٢٥، وطبقات الشافعية، للسبكي ٣/١٤، وتهذيب التهذيب
١/٣٦، وخلاصة تذهيب التهذيب ٧، وشذرات الذهب ٢/ ٢٣٩]
منهج الإمام النسائي في كتابه السنن الكبرى:
يعتبر كتاب السنن الكبرى للإمام النسائي منهجًا شاملًا
للأحاديث التي جمعها؛ لكونها تحتوي على أسانيد متعددة للحديث الواحد، وهو بحق كتاب
من كتب الجوامع التي اشتملت على ثمانية أنواع للحديث النبوي.
وقد كان منهج الإمام النسائي في كتابه على
النحو التالي:
١- رتب الكتاب على الكتب والأبواب الفقهية وغيرها.
٢- حرص النسائي - رحمه الله تعالى - على إيراد الأحاديث
كلها في المسألة، وأطراف أسانيدها مع التنبيه على فقه الحديث، وبيان مواضع
الاختلاف، وعللها.
٣- أنه يذكر المتابعات تفصيلًا كطرق مستقلة بأسانيدها،
ومتونها، فلا يذكرها إجمالًا كما يفعل الإمام البخاري مثلًا، وهذه المتابعات التي
يذكرها تفصيلًا تدل على كثرة الطرق للحديث الواحد.
٤- ضمن كتابه بعض المسائل الفقهية والأصولية، مثل
التنبيه على النسخ؛ ولذلك نجده يورد أحيانًا بابًا فقهيًّا معينًا ثم يتبعه بباب
يقول فيه: نسخ ذلك.
٥- يزيد في أصل تراجم الأبواب في الكبرى عن الصغرى.
٦- تعليقاته على الأحاديث في الكبرى أكثر من الصغرى.
نماذج من سنن النسائي الكبرى:
روى في كتاب آداب الشرب، باب (متى يشرب ساقي القوم) قال:
أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حماد عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة –
رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «سَاقِي
الْقَوْمِ آخِرُهُمْ».
- في كتاب البيعة، باب (وزير الإمام): أخبرنا
عمرو بن عثمان قال: حدثنا بقية قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن أبي حسين عن القاسم
بن محمد قال: سمعت عمتي تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَلِيَ مِنكُمْ
عَمَلًا فَأَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِن نَسِيَ ذَكَّرَهُ
وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ».
- في كتاب العلم، باب ذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ مُبلَّغٍ أوعى مِن
سامِعٍ» قال: أنبأنا عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو عامر
قال: حدثنا قرة بن خالد عن محمد بن سيرين قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل في
نفسي أفضل من ابن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر: «إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم وَأَعْرَاضَكُم بَينَكُم حَرَامٌ،
كَحُرْمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي شَهْرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا إِلَى يَومِ
تَلقَوْنَ رَبَّكُم، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم، قال:
«اللَّهُمَّ اشْهَد، يُبَلِّغُ الشّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى مِن سَامِعٍ».
الإمام ابن ماجه
ترجمة الإمام ابن ماجه:
الحافظ الكبير المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني
ابن ماجه الربعي، صاحب السنن، والتفسير، والتاريخ، ولد سنة (٢٠٧هـ)، وقيل سنة (٢٠٩هـ).
مات - رحمه الله - سنة (٢٧٣هـ) على الراجح. [وفيات الأعيان ٤/٢٧٩، تذكرة
الحفاظ ١/٦٣٦، العبر٢ /٥١، الوافي بالوفيات ٥/٢٢٠، البداية والنهاية ١١/٥٢، تهذيب
التهذيب ٩/٥٣٠]
منهج ابن ماجه في كتابه السنن:
١- رتبه على الكتب والأبواب الفقهية.
٢- لم يحكم أو يعلق على أحاديث الكتاب إلا في القليل
النادر.
٣- لا يذكر الآراء من الأقوال الفقهية عقب الأحاديث.
٤- لم يكرر الحديث في كتابه إلا نادرًا جدًّا لحاجة.
٥- اشتمل الكتاب على اثنين وثلاثين كتابًا، وألف
وخمسمائة باب، وعلى أربعة آلاف حديث.
درجة أحاديث الكتاب:
قال الذهبي في السير: "قلت: قد كان ابن ماجه حافظ
ناقدًا صادقًا، واسع العلم، وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير،
وقليل من الموضوعات".
وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة ابن ماجه من تهذيب التهذيب:
"كتابه في السنن جامع جيد، كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا،
حتى بلغني أن السَّرِيُّ كان يقول: مهما انفرد بخبر فهو فيه ضعيف غالبًا، وليس
الأمر في ذلك على إطلاق باستقرائي في الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة".
وقد أجرى العلامة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه
الله - دراسة حول السنن، وبيَّن أن عددها واحد وأربعون وثلاثمائة وأربعة آلاف
(٤٣٤١)، وأن بها اثنين وثلاثة آلاف حديث (٣٠٠٢) أخرجها أصحاب الكتب الخمسة أو
بعضهم، وانفرد ابن ماجه بتسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف (١٢٣٩) هي زوائد على الكتب
الخمسة.
وتفصيل هذه الزوائد حسب دراسة الإسناد لمحمد فؤاد عبد الباقي
كما يلي:
(٤٣٨) ثمانية وثلاثون وأربعمائة حديثًا رجالها ثقات،
وصحيحة الإسناد.
(١٩٩) تسعة وتسعون ومائة حديثًا حسنة الإسناد.
(٦١٣) ثلاثة عشر وستمائة حديثًا ضعيفة الإسناد.
(٩٩) تسعه وتسعون حديثًا واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة.
وهكذا نرى أن ابن ماجه قد التقى في معظم أحاديث سننه مع
الأصول الخمسة وغيرها، والذي انفرد به معظمه صحيح الإسناد أو حسن الإسناد، والضعيف
والواهي عنده يزيد على سبعمائة حديث إلا قليلًا، والله أعلم.