Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الدور الثالث في القرن الثالث الهجري والنصف الأول من القرن الرابع الهجري

الكاتب

أ. د/ مروان محمد مصطفى شاهين

الدور الثالث في القرن الثالث الهجري والنصف الأول من القرن الرابع الهجري

شهدت السنة النبوية منذ فجرها صيانة دقيقة وعناية متتابعة، حتى بلغت ذروتها في القرن الثالث الهجري الذي اعتُبر العصر الذهبي للتدوين والتأليف في الحديث الشريف، وفيه تجلت صور خدمة السنة من ضبطها، وتصنيفها، وشرحها، بما يعكس جهدًا علميًا فريدًا حفظ لها مكانتها وثراءها.

مظاهر عناية السلف بالسنة النبوية

قد اتضح من خلال الدورين السابقين أن السنة - بفضل الله - قد سارت في رحلة من الصيانة والحفظ من لدن قالها وفعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى حطت رحالها في بطون كتب السنة الموجودة بين أيدينا الآن.

لقد بدأت العناية بالسنة المطهرة من عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وبأمر منه، فتعاهدها الصحابة بجهودهم المتتابعة، وأسلموها إلى الجيل الذي بعدهم نقيةً واضحةً لا شبهة فيها، وتتابعت الأجيال على ذلك، حفظوها في الصدور، ودونوها في السطور، ووضعوا القواعد الضابطة لدراسة أسانيدها ومتونها، وأسسوا المدارس العلمية للحفاظ عليها، وقاموا بالرحلات العلمية لصيانتها، وبذلوا من الجهود ما هو فوق قدرة البشر، ولعل هذا من باب حفظ الله - تبارك وتعالى - للسنة المطهرة أن هيأ لها تلك الجهود المخلصة من هؤلاء العلماء الأفذاذ الذين قاموا بصيانتها ورعايتها، حتى أطل علينا القرن الثالث الهجري، الذي نعتبره - كما اعتبره كل العلماء - أنه العصر الذهبي للسنة المباركة، فيه استقرت السنة في بطون الكتب المعروفة لدينا الآن، وفيه تم وضع المناهج بشكل متكامل لدراسة الإسناد والمتن، وفيه تعددت وجوه خدمة السنة من جمع للأحاديث على سبل متعددة من مسانيد ومصنفات رتبت على الكتب والأبواب الفقهية، ومعاجم، ومستخرجات، وأجزاء حديثية، وغير ذلك.

وفيه وجدت الشروح الحديثية التي تُعنى بشرح الأحاديث، واستنباط ما فيها من أحكام وفوائد، وفيه أُلفت المستخرجات على كتب السنة، وفيه ظهرت كتب غريب الحديث، وفيه ظهرت كتب الرجال التي ألفت على طرق متعددة ما بين كتب تعنى بالصحابة، وكتب تختص بالثقات، وأخرى تختص بالضعفاء، وثالثة تتكلم عن الرواة جميعًا، وهكذا تكاملت جهود العلماء في صيانة السنة الشريفة على الوجه الذي سنحاول إيضاحه في الصفحات القادمة.

فنقول وبالله التوفيق: إن التأليف في هذا الفن قد أخذ صورًا متعددة:

أولًا: المسانيد

كلمة (المُسند) لها دلالات معينة عند المحدثين، ومن بين ما تعنيه فيما يتعلق بالتصنيف في السنة:

أنه الكتاب الذي جمع أحاديث كل صحابي على حدة بصرف النظر عن موضوع الحديث، فالوحدة التي تجمع بين الأحاديث أنها من رواية ذلك الصحابي.

فيعمد صاحب المسند إلى جمع أحاديث أبي بكر - رضي الله عنه - مثلًا، فإذا فرغ منها انتقل إلى أحاديث عمر - رضي الله عنه - وهكذا حتى يفرغ من جميع الصحابة الذين يخرج لهم في مسنده.

وفي المسند تجد حديثًا في الصلاة بجوار حديث في الحج يليه في الجهاد أو الإيمان أو الحدود، والرابط بينها - كما ذكرنا - أنها من رواية صحابي واحد بعكس الترتيب على الكتب الفقيهة، مثل الكتب الستة فإنها تضع أحاديث الصلاة مع بعضها البعض، وكذلك الإيمان والجهاد والحدود؛ لأن الرابط بينها هو الترتيب الفقهي.

ومع نهاية القرن الثاني الهجري وطوال القرن الثالث أُلِّف كثير من المسانيد، جَمَع فيها أصحابُها أحاديث كل صحابي على حدة في مكان واحد.

وقد ألف على هذه الطريقة مجموعة من العلماء، منهم:

- أبو داوود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ).

- أسد السنة أسد بن موسى بن إبراهيم (ت ٢١٢ هـ).

- عبيد الله بن موسى (ت ٢١٣ هـ).

- مُسَدَّد (ت ٢٢٨ هـ).

- يحيى الحِمَّاني (ت ٢٢٨ هـ).

وأعظم هذه المصنفات المؤلفة على المسانيد (مسند الإمام أحمد) - رحمه الله.

الإمام أحمد بن حنبل ومسنده

ترجمة الإمام أحمد - رحمه الله تعالى:

شيخ الإسلام، وإمام أهل السنة، وأحد أصحاب المذاهب الفقهية المتبوعة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي الشيباني المَرْوَزي ثم البغدادي.

توفي - رحمه الله تعالى - ضحى يوم ١٢ ربيع الأول سنة (٢٤١هـ) [طبقات ابن سعد٧ /٣٥٤، والتاريخ الكبير ٢/٣٧٥، والجرح والتعديل ١/٢٩٢، وحلية الأولياء ٩/١٦١، وتاريخ بغداد ٤/٤١٢، وسير أعلام النبلاء ١١ /١٧٧] فجزاه الله عن الإسلام وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء.

منهج الإمام أحمد في المسند:

١- جمع الإمام أحمد مسنده على الصحابة، فهو من كتب المسانيد كما ذكرنا.

٢- رتب الصحابة في مسنده على اعتبارات عديدة، منها: أفضلية الصحابة، ومنها السبق إلى الإسلام، وشرف النسب، وكثرة الرواية.

فبدأ مسنده بالخلفاء الأربعة ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة ثم مسانيد أهل البيت ثم مسانيد المكثرين من الصحابة ثم مسند المكيين ثم المدنيين ثم الشاميين ثم الكوفيين ثم البصريين ثم مسند الأنصار ثم مسند النساء.

وقد وضع الحافظ ابن عساكر فهرسًا هجائيًّا رتب فيه الصحابة الذين أخرج لهم الإمام أحمد في المسند على حروف الهجاء، فبلغ عددهم (١٠٥٦) صحابيًّا من الرجال والنساء، وهو مطبوع متداول، ويعد أدق فهرس لمسانيد الصحابة في هذا المسند.

٣- بلغ عدد شيوخه في المسند - كما ذكرنا قبل - ثلاثة وثمانين ومائتي شيخ.

٤- كان هدفه جمع الأحاديث المتصلة بسندها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم؛ أي أن غايته هي الاستيعاب - بقدر الطاقة - حفاظًا على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

٥- لم يكن هدفه في مرحلة الجمع تمحيص الأحاديث ودراستها وبيان الصحيح من الضعيف منها، فإن تلك مرحلة تلي مرحلة الجمع؛ ولذلك وجد في المسند بعض الأحاديث الضعيفة لهذا السبب.

٦- وجود بعض الأحاديث الضعيفة في هذا السفر العظيم الذي يعتبر أكبر دواوين الإسلام التي عنيت بجمع سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وحفظها، لا يغض أبدًا من قيمة هذا العمل العظيم، فإن الإمام أحمد بنفسه قد ضرب على بعض أحاديثه، كما أن جهود العلماء ما زالت متواصلة في هذا الميدان.

وقد قام بعض من اعتنوا بدراسة المسند بتقديم دراسة إحصائية تُبين نسبة الصحيح إلى الضعيف، وأنها قليلة بالنسبة للصحيح.

وقالَ العلَّامةُ الشيخُ أحمدُ شاكر - رحمه الله - بعد أن حقق تسعة أجزاء من دراسته لأحاديث المسند وبيان درجتها: "وهذه الأجزاء التسعة، وكان مجموع ما فيها من الأحاديث بالإحصاء الدقيق (٦٥١١)، الصحيح منها: (٥٧٣٣) حديثًا، والضعيف (٧٧٨) حديثًا؛ أي نسبة الضعيف إلى مجموع الأحاديث أقل من (١٢٪) وهي نسبة ضئيلة محتملة، خصوصًا إذا لاحظنا أن أكثر الضعيف منها ضعف محتمل غير بالغ الدرجة القصوى إلا في القليل النادر الذي لا يكاد يذكر" [الباعث الحثيث ٢٤] أهـ.

٧- يقترب مسند الإمام أحمد من ثلاثين ألف حديث، منها ما هو في أعلى درجات الصحة، ومنها الصحيح لغيره، ومنها الحسن بقسميه لذاته ولغيره، ومنها الضعيف كما أشرنا.

٨- كان الإمام أحمد شديد الحرص على ذكر ألفاظ التحمل كما سمعها من شيوخه، مثل: سمعت، وحدثنا، وحدثني، وأخبرنا ونحوها، وخصوصًا إذا كان قد سمع الحديث من أكثر من شيخ، فيؤدي عن كل شيخ باللفظ الذي سمع منه، وهذا في غاية الدقة.

٩- الذي روى المسند عن الإمام أحمد ابنه عبد الله، ومع أنه قد سمع المسند من الإمام أحمد كثيرون إلا أن ابنه عبد الله قد انفرد بروايته عنه سماعًا لمعظمه، وقد أدى للمسلمين المسند كما سمعه من أبيه، وزاد عليه أحاديث من عوالي شيوخه، وبلغ عددهم ثلاثة وسبعين ومائة شيخ، والمطبوع من المسند بين أيدي الناس يتميز فيه زيادة عبد الله عن أبيه، وهي التي يرويها عبد الله عن غير أبيه.

وعبد الله بن الإمام أحمد هذا ولد سنة (٢١٣هـ) وتوفي سنة (٢٩٠هـ)، وكان ثقة.

وقد روى المسند عن عبد الله: أبو بكر القَطِيعِيُّ المولود سنة (٢٧٤هـ) والمتوفى سنة (٣٦٨هـ)، ورواه عن القطيعي أبو علي الحسن بن علي بن المُذْهِب (ت ٤٤٤هـ)، ورواه عن ابن المُذهِب أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد الشيباني البغدادي (ت٥٢٥هـ)، وتلك النسخة بهذا الإسناد هي التي انتشرت بين الناس.

وقد قام العلماء بجهود كثيرة في خدمة المسند ما بين مختصر له، وما بين شارح له، وهناك من اعتنى بدراسة رجاله، ومن اهتم بترتيبه على الكتب والأبواب الفقهية، ويوجد تتبع لبعض هذه الجهود في الدراسة التي أعدها محققو مسند الإمام أحمد، فضيلة الشيخ شعيب الأرناؤوط وآخرون، (١/٨٦ وما بعدها)، ط مؤسسة الرسالة.

رحم الله الإمام أحمد، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء.

ومن هذه المسانيد أيضًا:

مسند الإمام أبي يعلى الموصلي

ترجمة الإمام أبي يعلى

الإمام الكبير أبو يعْلَى أحمد بن علي بن المُثَنَّى بن يحيى التميمي الموصلي، محدث الموصل، ولد سنة (٢١٠ هـ) في أسرة تحب العلم وتعنى به؛ ولذلك نشأ محبًا للعلم، شغوفًا به، مجتهدًا في طلبه.

وقد مات - رحمه الله - سنة (٣٠٧ هـ)، وعاش ٩٧ سنة [تذكرة الحفاظ ٢/٧٠٧، وسير أعلام النبلاء ١٤ /١٧٤، والبداية والنهاية ١١ /١٣٠، والوافي بالوفيات ٢٤١/٧] رحمه الله وغفر له، وجزاه عن الإسلام وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء، وقد طبع مسنده أكثر من طبعة.

منهج الإمام أبي يعلى في مسنده

صنف الإمام أبو يعلى مسنده على طريقة المسانيد المعروفة عند المحدثين، والتي أشرنا إليها، وهي جمع أحاديث كل صحابي على حده، وكان منهجه فيه على الوجه التالي:

١- يروي الحديث بإسناده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

٢- بدأ بأحاديث العشرة المبشرين بالجنة عدا سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فلم يذكر له فيه مسندًا.

٣- بعد ذلك ذكر بقية الصحابة بغير ترتيب مقصود.

٤- له أسانيد عالية كثيرة؛ نظرًا لأنه سمع من الكبار من أمثال أحمد بن حاتم الطويل (ت ٢٢٥هـ)؛ ولذلك كان بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض روايات الأحاديث ثلاثة أنفس - كما ذكر ذلك تلميذه ابن حبان - رحمه الله تعالى - في (الثقات) من ترجمته [٨/٥٥].

ولذلك قال عنه الذهبي - رحمه الله: وانتهى إليه علو الإسناد، وازدحم عليه أصحاب الحديث، وعاش سبعًا وتسعين سنة. [السير ١٤/١٧٠]

ومن ثلاثياته: ما رواه بسنده - رحمه الله؛ حيث قال: حدثنا عبد الله بن بكار حدثنا عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد - رضي الله عنه - قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم الأضحى يخطبُ على بَعِير"، وهذا الحديث رواه الذهبي في السير بإسناده هو، وذكره ابن حبان، ورواه أبو يعلى في مسنده.

٥- يحافظ على ألفاظ الأداء بدقة، فمثلًا يقول: حدثنا شَيْبان حدثنا جَرِير بن حازم قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث، عن جابر بن سمرة السُّوَائي فقال: "خَطَبَنا عمرُ بنُ الخَطاب - رضي الله عنه - بالجابِيَة، فقال ..." الحديث [المسند ١/١٣٢].

فنلاحظ أنه حافظ على لفظ الأداء الذي استعمله كل راوٍ من الرواة، وهكذا في مسنده كله.

٦- روى عن نحو أحد عشر ومائتي صحابي تقريبًا.

٧- بلغ عدد أحاديث المسند وفق ترقيم المحقق (٧٥٥٥) حديثًا.

٨- أجرى المحقق - جزاه الله خيرًا - دراسة للألف حديث الأولى من مسنده، فوجد فيها ثلاثة وخمسين ومائة حديث ضعيفة لا تصلح للاحتجاج، وهي نسبة تساوي ١٥٪ تقريبًا، والباقي يدور بين الصحيح والحسن بقسميهما، وكلها - من وجهة نظر المحقق - صالحة للاحتجاج؛ مما يقطع بسلامة هذا المسند العظيم في الأعم الأغلب.

جزى الله الإمام أبا يعلى عن الإسلام وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيرًا.

ثانيًا: جمع الأحاديث على الكتب الفقهية

وهي طريقة يجمع فيها مؤلفوها الأحاديث مرتبة على الكتب والأبواب الفقهية، فيضع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد، فمثلًا: يجمع الأحاديث المتعلقة بالصلاة تحت كتاب الصلاة ثم يقسمها إلى أبواب - مثل باب مواقيت الصلاة، وباب فضل صلاة الجماعة، وهكذا - وخير مثال لهذه الطريقة ما عرف عند المحدثين بالكتب الستة، وهي: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن أبي داوود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه.

وهناك كتب كثيرة غيرها مرتبة على هذه الطريقة، مثل: موطأ الإمام مالك، وصحيح ابن خزيمة، وسنن البيهقي وغيرها، ومن أصحاب هذه الكتب من التزم بألا يضع في كتابه حديثًا إلا إذا كان صحيحًا، مثل: البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى.

وقد أجمعت الأمة على تلقي هذين الكتابين بالقبول، وأن كل ما فيهما صحيح مما هو من أصول الكتاب، وهناك من لم يلتزم بهذا الأمر، بل كان كل همه أن يجمع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التمحيص والتمييز، والسنن لأربعة قد جمعها أصحابها على ذلك الوجه.

وهناك من التزم - أيضًا - بألا يضع حديثًا إلا إذا كان صحيحًا، لكن لم يسلم له العلماء بذلك، ويعتبر صحيحًا من وجهة نظر مؤلفه، وفقًا للشروط التي وضعها في كتابه، ومثال ذلك: صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، وسنحاول أن نقدم دراسة موجزة عن بعض هذه الكتب أنموذجًا لذلك.

 الإمام البخاري وكتابه الصحيح:

هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة ابن بردزبة أبو عبد الله الجعفي البخاري، من بُخاري، ولد سنة (١٩٤هـ)، رحل في طلب العلم إلى سائر الأمصار ومنها خراسان، والعراق، والحجاز، والشام، ومصر وكثير غيرها.

مات - رحمه الله - سنة (٢٥٦هـ).

صحيح البخاري ومنهجه فيه:

سبب تأليف البخاري لصحيحه: قال السيوطي: "السبب في ذلك ما رواه عنه إبراهيم بن معقل النسفي قال: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: "لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة النبي - صلى الله عليه وسلم، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح"، وعنه – أيضًا - قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أذب عنه، فسألت بعض المعبرين فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح، قال: وألفته في بضع عشرة سنة". [تدريب الراوي ١/٨٨، وهدي الساري ص٧]

اسم الكتاب:

سمى الإمام البخاري كتابه بـ(الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسننه وأيامه)، وقد اشتهر عند أهل العلم والناس جميعًا باسم (صحيح البخاري).

كيف جمع البخاري صحيحه؟

اتبع البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه المنهج العلمي الدقيق، فقد طبق مقاييس الصحة على أحاديث كتابه، ولم يضع فيه إلا ما صح عنده، وبالإضافة إلى ذلك فإنه كان يطبق منهجًا إيمانيًّا رائعًا، يتجلى فيه إيمان البخاري القوي، وقوة صلته بالله - عز وجل - وكان يستلهم منه الهداية والتوفيق والعون.

فقد صحت الروايات عنه أنه كان لا يضع حديثًا إلا بعد أن يغتسل ويصلي.

قال الفِرَبْرِي: "سمعت البخاري يقول: ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين".

وكان يقول: "صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلت فيه حديثًا حتى استخرت الله تعالى، وصليت ركعتين، وتيقنت صحته".

وفي بعض الروايات أن البخاري كتب تراجم كتابه بين قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنبره، ولا تعارض بين هذه الروايات جميعها، فالمقصود أنه بدأ تصنيفه في المسجد الحرام، ووضع تراجم أبوابه بين قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنبره ثم مكث بعد ذلك ستة عشر عامًا يجمع فيه الأحاديث أثناء طوافه بين بلدان العالم المختلفة وسماعه من شيوخها.

طريقة تأليف الكتاب:

١- رتب البخاري كتابه على الكتب والأبواب الفقهية، فكانت عدة كتبه سبعة وتسعين كتابًا تقريبًا، بدأها بكتاب كيف كان بدء الوحي ثم كتاب الإيمان ثم كتاب العلم، وهكذا، وختمه بكتاب التوحيد.

واشتمل صحيحه على كتب في الصلاة، والصيام، والزكاة، وسائر المعاملات، والجهاد والمغازي، والسير، والطب، والأطعمة، والأشربة، والأدب، والرقاق، وغيرها.

٢- قسم كل كتاب إلى عدة أبواب، فكان مجموع أبوابه اثنين وثمانين وثمانمائة وثلاثة آلاف (٣٨٨٢) بابًا. [غنية القاري]

٣- جعل لكل باب - غالبًا - ترجمة تتلاقى - في الغالب - مع مضمون ما في الباب من أحاديث، وهذه التراجم تدل على فقه البخاري، ودقة فهمه، وحسن استنباطه؛ ولذلك قال العلماء: "فقه البخاري في تراجمه" والمقصود بالتراجم عناوين الأبواب.

٤- تقرر أنه التزم الصحة فيه، وأنه لا يورد فيه حديثًا إلا إذا كان صحيحًا، هذا أصل موضوعه.

٥- لم يستوعب كل الأحاديث الصحيحة ولم يلتزم بذلك.

٦- لا بد عند البخاري من ثبوت اللقاء بين الراوي والمروي عنه.

٧- رأى ألا يخليه من الفوائد الفقهية، والنكات البديعة، فاستخرج بفهمه من المتون معلومات كثيرة، فرقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة [هدي الساري ص٨ بتصرف يسير]

ولقد كانت لهذه التراجم دلالتها على حسن الاستنباط من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر لم يسبق إليه أحد قبل البخاري - رحمه الله تعالى - قال القسطلاني: "وبالجملة فتراجمه حيرت الأفكار والعقول والأبصار، ولقد أجاد القائل: "أعز فحول العلماء حل رموزها، ما أبداه في الأبواب من أسرار".

ولدقة هذه التراجم واحتوائها على المعاني الدقيقة الرائعة عني العلماء بها قديمًا وحديثًا، وأفردوا لها التأليف خاصة مستقلة عن شرح أحاديث الكتاب، واجتهدوا في بيان مناسباتها للأحاديث واستنباط ما فيها من فوائد، ومن هذه المؤلفات على تراجم الأبواب:

(المتواري على تراجم البخاري)، للإمام ناصر الدين علي بن محمد، المعروف بابن المنير الإسكندراني (ت ٦٨٣ هـ).

٨- يكرر الحديث في الصحيح عدة مرات – أحيانًا - لمناسبات تقتضي ذلك.

٩- يورد الحديث - أحيانًا - مختصرًا، وأحيانًا يقتصر على جزء منه وذلك لفوائد.

١٠- المعلَّقات فيه كثيرة، وكثير منها جاء موصولًا في كتابه، وما بقي فيه بعد ذلك مما لم يصله في كتابه وصله العلامة ابن حجر في كتاب له سماه (تغليق التعليق) وهو مطبوع في خمسة أجزاء.

هذه أهم ملامح منهج البخاري في صحيحه.

عدد أحاديث صحيح البخاري:

الذي ذكره ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن عدة ما في البخاري من المتون الموصولة بلا تكرار اثنان وستمائة وألفان (٢٦٠٢).

وجملة ما فيه من التعاليق ألف وثلاثمائة وواحد وأربعون حديثًا (١٣٤١)، وأكثرها مُخَرَّج في الكتاب في أصول متونه.

ومن المتون المعلقة غير الموصولة في كتابه تسع وخمسون ومائة (١٥٩)، وقد وصلها ابن حجر في كتاب مستقل كما سبق ذكره.

وأن عدد أحاديثه بالمكرر وبما فيه من التعليقات والمتابعات واختلاف الروايات اثنان وثمانون وتسعة آلاف (٩٠٨٢).

وعدد أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات تسعة وتسعون وثلاثمائة وسبعة آلاف (٧٣٩٧).

ولا شك أن إحصاء ابن حجر يتميز بالدقة؛ لأنه عايش الكتاب معايشةً تامةً، وشرحه شرحًا نفيسًا، فجاء شرحه للبخاري سيد شروحه جميعًا.

وسيأتي ذكر الشروح في مواضعها.

أهم شروح البخاري:

قد حظي صحيح البخاري بعناية فائقة من العلماء الأجلاء، فشرعوا يدرسونه، ويشرحونه، ويلخصونه، ويتكلمون عن رجاله، وتراجمه وفقهه وغير ذلك مما يتعلق به.

ولم يحظ كتاب في الدنيا بمثل ما حظي به ذلك الصحيح وهو جدير بكل هذا، بل وبأكثر، وسيأتي ذكر عدد منها بحسب موقعه التاريخي.

نماذج من صحيح البخاري:

قال الإمام البخاري - رحمه الله - في كتاب الإيمان باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "الدين النصيحة": حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى، عن إسماعيل، قال: حدثني قيس بن أبي حازم، عن جرير عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: «بَايَعْتُ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- على إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ»، وقال في كتاب المناقب، باب "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- تنام عينه ولا ينام قلبه ..." إلخ.

حدثنا عبد الله بن مَسلمة عن مالك عن سعيد المقبُري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة - رضي الله عنها - كيف كانت صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رمضان؟ قالت: «ما كانَ يَزِيدُ في رَمَضانَ ولا في غيرِهِ على إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ ثم يُصَلِّي أرْبَعًا، فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ ثم يُصَلِّي ثَلاثًا، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أتَنامُ قَبْلَ أنْ تُوتِرَ؟ قالَ: يا عائِشَةُ، «إنَّ عَيْنَيَّ تَنامانِ ولا يَنامُ قَلْبِي».

آخر حديث عند البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى {وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ} بسنده إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قَالَ النَّبي - صَلى الله عَليه وَسَلّم: «كَلِمَتانِ حَبِيبَتانِ إلى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ».

الإمام مسلم وكتابه الصحيح

ترجمة الإمام مسلم:

مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري أبو الحسين النيسابوري، ولد سنة (٢٠٤هـ)، رحل في طلب العلم إلى كثير من البلاد، منها العراق، ومكة، والمدينة، وخراسان وغيرها.

صحيح مسلم ومنهجه فيه:

قال النووي في مقدمة شرح مسلم: "صحيح مسلم - رحمه الله - في نهاية الشهرة، وهو متواتر عنه من حيث الجملة، فالعلم القطعي حاصل بأنه تصنيف أبي الحسين مسلم بن الحجاج".

قال الإمام مسلم فيما رواه الخطيب البغدادي بإسناده إليه: "صنفت المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة".

وقال الإمام النووي: بلغنا عن مكي بن عبدان أحد حفاظ نيسابور قال: سمعت مسلم بن الحجاج – رحمه الله -يقول: "لو أن أهل الحديث يكتبون الحديث مائتي سنة فمدارهم على هذا المسند يعني الصحيح".

قال: وسمعت مسلمًا يقول: "عرضت كتابي هذا على أبي زرعة، فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال إنه صحيح وليس به علة خرجته" [شرح مسلم، للنووي ١/١٥]

منهجه في صحيحه:

١- رتب مسلم كتابه على الكتب الفقهية ثم قسمها إلى أبواب، ولكنه لم يضع تراجم كما فعل البخاري وإنما الذي فعل ذلك هم شرّاحه في الغالب، يقول النووي أثناء شرحه له: "ثم إن مسلمًا - رحمه الله - رتب كتابه على أبواب، فهو مبوب في الحقيقة، ولكنه لم يذكر تراجم للأبواب فيه لئلا يزداد بها حجم الكتاب أو غير ذلك، وقد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد، وبعضها ليس بجيد، إما لقصور في عبارة الترجمة، وإما لركاكة لفظها، وإما لغير ذلك، وأنا - إن شاء الله - أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها، والله أعلم. [شرح مسلم، للنووي ١/١٥]

٢- وضع لصحيحه مقدمة - ولم يفعل ذلك البخاري - تحدث فيها مسلم عن مجموعة من المعارف، منها: تقسيمه للرجال، وكيفية روايته عنهم، وحكم رواية الحديث بالمعنى، وحال بعض الرواة، وحجية خبر الواحد ووجوب العمل به، وبيان تغليظ الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والنهي عن الرواية عن الضعفاء، وغير ذلك من المباحث القيمة.

٣- يضع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد فلا يقطعها، ولا يكررها في أماكن متعددة من صحيحه، كما أنه يكاد يخلو من الأحاديث المعلقة، وقد أشار العراقي إلى تلك المعلقات في صحيح مسلم في كتابه المسمى بـ(التقييد والإيضاح) وذكر مواطنها. [التقييد والإيضاح، ص ٣٢، ٣٣]  

٤- صنف صحيحه في بلده، ومعه أصوله، وفي حياة كثير من مشايخه الذين تلقى عنهم.

٥- يمتاز بالتحري في الألفاظ، ويفرق بين حدثنا وأخبرنا، فالتحديث ما أخذ من لفظ الشيخ، والإخبار مختص بالقراءة على الشيخ.

٦- كما يمتاز صحيحه بسهولة تناوله؛ لأنه كما قلنا قد وضع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد ذاكرًا اختلاف ألفاظها، وتعدد أسانيدها.

٧- عدد كتبه أربعة وخمسون كتابًا بعد المقدمة - بدأها بكتاب الإيمان، وأنهاها بكتاب التفسير، وعدد أبواب كتابه تسعة وعشرون وثلاثمائة وألف (١٣٢٩) بحسب ترقيم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله.

٨- اشترط مسلم المعاصرة بين الرواة مع إمكانية اللقاء.

٩- يضع الأحاديث الصحيحة في أصل الباب ثم يأتي بعد ذلك بالمتابعات والشواهد.

عدد أحاديث صحيح مسلم: قال العراقي في (التقييد والإيضاح) عن عدد أحاديث صحيح مسلم: (وقد ذكر النووي من زياداته في التقريب والتيسير، فقال: إن عدد أحاديثه نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر، ولم يذكر عدته بالمكرر، وهو يزيد على عدة كتاب البخاري لكثرة طرقه، وقد رأيت عن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه اثنا عشر ألف حديث). [التقييد والإيضاح، ص ٣٧].

وقد أحصى العلامة محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله - عدد أحاديث صحيح مسلم، فبلغ بها ثلاثة وثلاثين وثلاثة آلاف بغير المكرر (٣٠٣٣). [انظر: صحيح مسلم بترتيب الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي]، ولكنه لم يجر فيها على اصطلاح المحدثين.

أهم شروح صحيح مسلم:

١- المعلم بفوائد كتاب مسلم، لأبي عبد الله محمد بن علي المازري (ت ٥٣٦ هـ)، طبع في ثلاثة أجزاء.

٢- إكمال المعلم بفوائد مسلم، للإمام القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ)، طبع في تسعة أجزاء بتحقيق الأستاذ الدكتور يحيى إسماعيل.

٣- المفهم لما أُشكل من تلخيص كتاب مسلم، للإمام الحافظ أبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي (ت ٦٥٦ هـ)، وقد لخص صحيح مسلم أولًا ثم شرح ذلك التلخيص، وقد طبع في ثمانية مجلدات.

٤- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للإمام الورع الصالح شيخ الإسلام محيي الدين بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦هـ، وهو شرح مشهور، وقد طبع في ثمانية عشر جزءًا.

٥- إكمال المعلم، لأبي عبد الله محمد بن خليفة الوسناني المالكي الشهير بالأبي (ت٨٣٧هـ).

٦- فتح المنعم شرح صحيح مسلم، لشيخنا فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين، وقد صدر الكتاب كاملًا في عشرة أجزاء، طبعته دار الشروق.

نماذج للأحاديث من صحيح مسلم:

قال في كتاب الإيمان، باب (بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن بشار جميعًا عن الثقفي، قال ابن أبي عمر: حدثنا عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثَلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلاوَةَ الإيمانِ: أنْ يَكونَ اللَّهُ ورَسولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ ممّا سِواهُما، وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلّا لِلَّهِ، وأَنْ يَكْرَهَ أنْ يَعُودَ في الكُفْرِ كما يَكْرَهُ أنْ يُقْذَفَ في النّارِ».

- وقال في كتاب الصلاة، باب (الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة):

حدثنا خلف بن هشام حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا إسماعيل بن علية جميعًا عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس – رضي الله عنه - قال: "أُمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الإقامة".

زاد يحيى في حديثه عن ابن عليه: فحدثت به أيوب، فقال: (إلا الإقامة).

والمقصود بقول أيوب (إلا الإقامة)؛ أي إلا قوله: (قد قامت الصلاة)، فإنه يثنيها؛ أي يذكرها مرتين.

- وقال في كتاب الحج، باب (ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة):

حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس فيما قرئ عليه عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم عن عبد الله بن يزيد المازني – رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما بيْنَ بَيْتي ومِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ».

أصحاب السنن

الإمام أبو داوود وكتابه السنن

ترجمة الإمام أبي داود:

سليمان بن الأشعث بن شداد الأزدي السجستاني، وكنيته أبو داوود واشتهر بها، ولد سنة اثنتين ومائتين (٢٠٢هـ)، مات سنة (٢٧٥ هـ) بالبصرة. [الجرح والتعديل ٤/١٠١، وتاريخ بغداد ٩/٥٥، وتذكرة الحفاظ ٢/٥٩١، وتهذيب التهذيب ٤/١٦٩، وشذرات الذهب ٢/١٦٧، وتهذيب الكمال ١١/٣٦٤]

منهج الإمام أبي داوود في سننه:

وضح الإمام أبو داوود منهجه في سننه من خلال رسالته لأهل مكة، ومن خلال ما نقله العلماء عنه في كتبهم، ومن ملامح هذا المنهج:

١- أنه انتخب هذه السنن من حوالي خمسمائة ألف حديث: يقول في ذلك: كتبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب - يعني (كتاب السنن) - جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه.

٢- اقتصر على أحاديث الأحكام: قال أبو داوود في رسالته لأهل مكة: "وإنما لم أصنف في كتاب السنن إلا الأحكام، ولم أصنف كتب الزهد، وفضائل الأعمال، وغيرها" [رسالة أبي داوود لأهل مكة، ص٣٣، ٣٤]، فقد اقتصر على الأحكام فقط، وهو من أجمع الكتب في ذلك.

٣- أنه قد رتبه على الكتب والأبواب الفقهية.

٤- أبو داوود - رحمه الله تعالى - يروي الأحاديث بإسناده إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد حدث في كتابه هذا عن شيوخ كثيرين.

٥- لم يلتزم أبو داوود - رحمه الله - بإيراد الصحيح فقط، بل ذكر فيه الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه كما ذكر سابقًا.

٦- ما كان فيه ضعف شديد بينه؛ ولذلك نجد له - أحيانًا - كلام على بعض الرجال، وبعض الأحاديث.

٧- للعلماء تعقيبات على هذا المنهج لأبي داوود في سننه، ومن أجمع ما ذكر في ذلك قول الذهبي - رحمه الله: "فقد وفى - رحمه الله - بذلك بحسب اجتهاده، وتبين ما ضعفه شديد، ووهنه غير محتمل، وكاسر - أي غض - عما ضعفه خفيف محتمل فلا يلزم من سكوته - والحالة هذه - عن الحديث أن يكون حسنًا عنده" ... إلى أن قال: "فكتاب أبي داوود أعلى ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر ثم يليه ما رغبا عنه، وكان إسناده جيدًا ...". [سير أعلام النبلاء ١٣/٢١٤]

نماذج من سنن أبي داود:

قال في كتاب الصلاة، باب (السعي إلى الصلاة): حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني سعيد ابن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فلا تَأْتُوها تَسْعَوْنَ، وأْتُوها تَمْشُونَ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فاتَكُمْ فأتِمُّوا ... إلخ».

وقال في كتاب الزكاة، باب (ما تجب فيه الزكاة): حدثنا أيوب بن محمد الرقي، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إدريس بن يزيد الأودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري الطائي، عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه - يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ زَكَاةٌ».

قال أبو داود: أبو البختري لم يسمع من أبي سعيد -رضي الله عنه-، فهو - هنا - قد بين علة الحديث، وأن فيه انقطاعًا.

أهم شروح سنن أبي داوود:

- عون المعبود شرح سنن أبي داوود، للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، طبعته دار الفكر ومعه شرح الحافظ ابن قيم الجوزية، بتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ - ١٩٧٩م.

- بذل المجهود في حل أبي داوود، للعلامة الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (ت ١٣٤٦هـ)، طبعته دار الكتب العلمية.

الإمام الترمذي وكتابه السنن

ترجمة الإمام الترمذي:

محمد بن عيسى بن يزيد بن سورة بن موسى بن الضحاك بن السكن السلمي الترمذي الضرير الحافظ، ينسب إلى مدينة ترمذ - بفتح التاء والميم وكسرهما وضمهما - وهي مدينة مشهورة في ناحية ما وراء النهر، ولد سنة (٢٠٩ هـ)، وارتحل فسمع بخراسان، والعراق، والحرمين، ولم يرحل إلى مصر والشام.

توفي رحمه الله سنة (٢٧٩ هـ). [وفيات الأعيان ٤/٢٧٨، وتذكرة الحفاظ ٢/٦٣٣، وميزان الاعتدال ٣/٦٧٨، والعبر ٢/٦٢، وتهذيب التهذيب ٩/٣٨٧، وطبقات الحفاظ ٢٧٨]

منهج الترمذي في جامعه:

قال الشيخ أحمد شاكر: كتاب الترمذي يمتاز بأمور ثلاثة:

أولًا: أنه بعد أن يروي حديث الباب يذكر أسماء الصحابة الذين رويت عنهم أحاديث فيه، سواءً كانت بمعنى الحديث الذي رواه أم بمعنى آخر أم بما يخالفه أم بإشارة إليه ولو من بعيد.

ثانيًا: أنه في أغلب أحيانه يذكر اختلاف الفقهاء، وأقوالهم في المسائل الفقهية، وكثيرًا ما يشير إلى دلائلهم مع ذكر الأحاديث المتعارضة في المسألة.

ثالثًا: أنه عني كل العناية في كتابه بتعليل الحديث، فيذكر درجة الكثير من الأحاديث من الصحة أو الحسن أو الضعف، ويفصل القول في التعليل والرجال تفصيلًا جيدًا.

رابعًا: رتب كتابه على الكتب والأبواب الفقهية، فيذكر تحت كل كتاب ما يتعلق به من أبواب، فمثلًا تحت كتاب: أبواب الطهارة يذكر ما يتعلق به من أبواب الوضوء، والغسل، والتيمم، ونحو ذلك، وتحت كتاب الصلاة يذكر ما يتعلق به من أبواب مثل مواقيت الصلاة، والأذان، والإقامة وغيرها.

خامسًا: لم يلتزم بذكر الصحيح فقط، بل اعتنى بالأحاديث الحسنة لذاتها ولغيرها حتى اعتبره العلماء مظنة أساسية للحسن واعتبروه أول من شهر نوع الحديث الحسن بنوعيه، وعرّف الحسن لغيره وتابعه على ذلك عامة من جاء بعده؛ ولذلك نجد في سننه الصحيح وغيره.

نماذج من سنن الترمذي:

قال في كتاب الطهارة، باب (في الوضوء بالمد): حدثنا أحمد بن منيع وعلي بن حجر قالا: حدثنا إسماعيل بن علية عن أبي ريحانة عن سفينة «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ». قال: وفي الباب عن عائشة، وجابر وأنس بن مالك - رضي الله عنهم.

قال أبو عيسى: حديث سفينة حديث حسن صحيح، وأبو ريحانة اسمه (عبد الله بن مطر)، وهكذا رأى بعض أهل العلم الوضوء بالمد، والغسل بالصاع. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: ليس معنى هذا الحديث على التوقيت، أنه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه وهو قدر ما يكفي.

وقال في كتاب الصلاة، باب (ما جاء في الرجل يصلى ومعه رجل):  

حدثنا قتيبة، حدثنا داوود بن عبد الرحمن العطار، عن عمرو بن دينار، عن كُريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس - رضي الله عنهم - قال: "صليتُ مع النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عن يَسارِهِ، فأخَذَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- برَأْسِي مِن ورائِي، فَجَعَلَنِي عن يَمِينِهِ".

قال أبو عيسى: وفي الباب عن أنس قال أبو عيسى: وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم قالوا: إذا كان الرجل مع الأيام يقوم عن يمين الإمام.

وقال في كتاب الجنائز، (باب ما جاء فيمن مات يوم الجمعة):

حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو عامر العَقَدي قالا: حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، عن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنهما – قال: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عَليه وسلّمَ: «مَا من مُسلم يَمُوت يَوْم الْجُمُعَة إِلَّا وَقَاه الله فتْنَة الْقَبْر» قال أبو عيسى: هدا حديث حسن غريب.

قال: وهذا حديث ليس إسناده بمتصل، ربيعة بن سيف، إنما يروي عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيّ، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما، ولا نعرف لربيعة بن سيف سماعًا من عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما.

أهم شروح سنن الترمذي:

- عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، للعلامة الحافظ أبي بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣هـ) طبعته دار الوحي المحمدي.

- تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للعلامة أبي المعالي محمد بن عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ)، طبعته دار الفكر، بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف.

الإمام النسائي وكتابه السنن

ترجمة الإمام النسائي:

الإمام الحافظ الثبت أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سِنان بن بحر الخراساني النسائي.

ولد بنسا سنة (٢١٥هـ) وطلب العلم في صغره، وارتحل إلى قتيبة بن سعيد سنة (٢٣٠هـ)، وجال في طلب العلم بخراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور ثم استوطن مصر.

توفي - رحمه الله - سنة (٣٠٣هـ) بالرملة من فلسطين. [المنتظم ٦/١٣١، ووفيات الأعيان ١/٧٧، وتهذيب الكمال ١/٢٣، وسير أعلام النبلاء ١/٤ ١٢٥، وطبقات الشافعية، للسبكي ٣/١٤، وتهذيب التهذيب ١/٣٦، وخلاصة تذهيب التهذيب ٧، وشذرات الذهب ٢/ ٢٣٩]

منهج الإمام النسائي في كتابه السنن الكبرى:

يعتبر كتاب السنن الكبرى للإمام النسائي منهجًا شاملًا للأحاديث التي جمعها؛ لكونها تحتوي على أسانيد متعددة للحديث الواحد، وهو بحق كتاب من كتب الجوامع التي اشتملت على ثمانية أنواع للحديث النبوي.

وقد كان منهج الإمام النسائي في كتابه على النحو التالي:

١- رتب الكتاب على الكتب والأبواب الفقهية وغيرها.

٢- حرص النسائي - رحمه الله تعالى - على إيراد الأحاديث كلها في المسألة، وأطراف أسانيدها مع التنبيه على فقه الحديث، وبيان مواضع الاختلاف، وعللها.

٣- أنه يذكر المتابعات تفصيلًا كطرق مستقلة بأسانيدها، ومتونها، فلا يذكرها إجمالًا كما يفعل الإمام البخاري مثلًا، وهذه المتابعات التي يذكرها تفصيلًا تدل على كثرة الطرق للحديث الواحد.

٤- ضمن كتابه بعض المسائل الفقهية والأصولية، مثل التنبيه على النسخ؛ ولذلك نجده يورد أحيانًا بابًا فقهيًّا معينًا ثم يتبعه بباب يقول فيه: نسخ ذلك.

٥- يزيد في أصل تراجم الأبواب في الكبرى عن الصغرى.

٦- تعليقاته على الأحاديث في الكبرى أكثر من الصغرى.

نماذج من سنن النسائي الكبرى:

روى في كتاب آداب الشرب، باب (متى يشرب ساقي القوم) قال: أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا حماد عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ».

- في كتاب البيعة، باب (وزير الإمام): أخبرنا عمرو بن عثمان قال: حدثنا بقية قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن أبي حسين عن القاسم بن محمد قال: سمعت عمتي تقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَلِيَ مِنكُمْ عَمَلًا فَأَرَادَ اللهُ بِهِ خَيرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِن نَسِيَ ذَكَّرَهُ وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ».

- في كتاب العلم، باب ذكر قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ مُبلَّغٍ أوعى مِن سامِعٍ» قال: أنبأنا عبيد الله بن سعيد قال: حدثنا أبو عامر قال: حدثنا قرة بن خالد عن محمد بن سيرين قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة ورجل في نفسي أفضل من ابن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر: «إِنَّ دِمَاءَكُم وَأَمْوَالَكُم وَأَعْرَاضَكُم بَينَكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُم هَذَا، فِي شَهْرِكُم هَذَا، فِي بَلَدِكُم هَذَا إِلَى يَومِ تَلقَوْنَ رَبَّكُم، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم، قال: «اللَّهُمَّ اشْهَد، يُبَلِّغُ الشّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبلَّغٍ أوعى مِن سَامِعٍ».

الإمام ابن ماجه

ترجمة الإمام ابن ماجه:

الحافظ الكبير المفسر أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه الربعي، صاحب السنن، والتفسير، والتاريخ، ولد سنة (٢٠٧هـ)، وقيل سنة (٢٠٩هـ).

مات - رحمه الله - سنة (٢٧٣هـ) على الراجح. [وفيات الأعيان ٤/٢٧٩، تذكرة الحفاظ ١/٦٣٦، العبر٢ /٥١، الوافي بالوفيات ٥/٢٢٠، البداية والنهاية ١١/٥٢، تهذيب التهذيب ٩/٥٣٠]

منهج ابن ماجه في كتابه السنن:

١- رتبه على الكتب والأبواب الفقهية.

٢- لم يحكم أو يعلق على أحاديث الكتاب إلا في القليل النادر.

٣- لا يذكر الآراء من الأقوال الفقهية عقب الأحاديث.

٤- لم يكرر الحديث في كتابه إلا نادرًا جدًّا لحاجة.

٥- اشتمل الكتاب على اثنين وثلاثين كتابًا، وألف وخمسمائة باب، وعلى أربعة آلاف حديث.

درجة أحاديث الكتاب:

قال الذهبي في السير: "قلت: قد كان ابن ماجه حافظ ناقدًا صادقًا، واسع العلم، وإنما غض من رتبة سننه ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات".

وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة ابن ماجه من تهذيب التهذيب: "كتابه في السنن جامع جيد، كثير الأبواب والغرائب، وفيه أحاديث ضعيفة جدًّا، حتى بلغني أن السَّرِيُّ كان يقول: مهما انفرد بخبر فهو فيه ضعيف غالبًا، وليس الأمر في ذلك على إطلاق باستقرائي في الجملة ففيه أحاديث كثيرة منكرة".

وقد أجرى العلامة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي - رحمه الله - دراسة حول السنن، وبيَّن أن عددها واحد وأربعون وثلاثمائة وأربعة آلاف (٤٣٤١)، وأن بها اثنين وثلاثة آلاف حديث (٣٠٠٢) أخرجها أصحاب الكتب الخمسة أو بعضهم، وانفرد ابن ماجه بتسعة وثلاثين وثلاثمائة وألف (١٢٣٩) هي زوائد على الكتب الخمسة.

وتفصيل هذه الزوائد حسب دراسة الإسناد لمحمد فؤاد عبد الباقي كما يلي:

(٤٣٨) ثمانية وثلاثون وأربعمائة حديثًا رجالها ثقات، وصحيحة الإسناد.

(١٩٩) تسعة وتسعون ومائة حديثًا حسنة الإسناد.

(٦١٣) ثلاثة عشر وستمائة حديثًا ضعيفة الإسناد.

(٩٩) تسعه وتسعون حديثًا واهية الإسناد أو منكرة أو مكذوبة.

وهكذا نرى أن ابن ماجه قد التقى في معظم أحاديث سننه مع الأصول الخمسة وغيرها، والذي انفرد به معظمه صحيح الإسناد أو حسن الإسناد، والضعيف والواهي عنده يزيد على سبعمائة حديث إلا قليلًا، والله أعلم.

ثالثًا: كتب اشترط أصحابها الصحة

هناك كتب اشترط أصحابها الصحة؛ أي أنهم لم يضعوا فيها حديثًا إلا إذا كان صحيحًا، كما التزم البخاري ومسلم إلا أن العلماء لم يسلموا لهم بذلك كما سلموا للبخاري ومسلم، ومن الممكن أن يقال: إن ما فيه صحيح على شرط أصحابها، لكن لم يلق الإجماع على ذلك كما وقع لصحيح البخاري ومسلم، ومن هذه الكتب: صحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان - رحمهما الله تعالى.

وسنكتفي بتقديم دراسة موجزة عن ابن خزيمة وصحيحه.

صحيح ابن خزيمة - رحمه الله تعالى:

ترجمة ابن خزيمة:

محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة بن المغيرة بن صالح بن بكر، أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي، ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين (٢٢٣هـ)، طاف البلاد ورحل إلى الآفاق في الحديث فرحل إلى الري، وبغداد، والبصرة، مات سنة (٣١١ هـ). [الجرح والتعديل ٧/١٩٦، وطبقات الشيرازي ١٠٥، وتهذيب الأسماء واللغات ١/٧٨، وسير أعلام النبلاء ١٤/٣٦٥، وطبقات السبكي ٣/١٠٩، والبداية والنهاية ١١/١٤٩] رحمه الله تعالى، وجزاه الله خيرًا عن الإسلام وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء.

صحيح ابن خزيمة

اسم الكتاب:

أسماه ابن خزيمة (مختصر المختصر من المسند الصحيح)، وقد أشار ابن خزيمة في كثير من كتبه إلى أن له كتاب المسند الكبير، وله كتاب المختصر، فيقول في كتاب التوحيد - ص٢٠ مثلًا: "وسأبين هذه المسألة بتمامها في كتاب الصلاة من المسند الكبير لا المختصر".

فابن خزيمة له المسند الكبير وله المختصر الذي نتحدث عنه، وقد تحدث عن هذا المختصر في كتاب الصحيح المطبوع بين أيدي الناس، فمثلًا يقول في بداية كل كتاب من صحيحه (المختصر من المختصر المسند): مثال ذلك قال في أول كتاب الوضوء: (مختصر المختصر من المسند الصحيح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وعلى هذه التسمية (مختصر المختصر) جرى صنيع كثير من العلماء منهم الخليلي في الإرشاد، والبيهقي في سننه الكبرى ١/٣٣٤، والذهبي في السير ١١/٢٣٩.

وفي العصور المتأخرة أطلق عليه اسم الصحيح حتى غلب عليه، وممن استعمل ذلك المنذري المتوفى سنة (٦٥٦ هـ)؛ حيث قال: رواه ابن خزيمة في صحيحه نحو هذا ١/٤٣، وأطلق عليه اسم الصحيح الزيلعي، وابن حجر، والسيوطي في تآلفيهم، وعلى ذلك فاسم الكتاب (مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم)، واشتهر أخيرًا - واستقر على هذه الشهرة - باسم (صحيح ابن خزيمة). والله أعلم بالصواب.

منهج ابن خزيمة في الكتاب:

١- يروي الأحاديث بأسانيدها إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم.

٢- رتبه على الكتب والأبواب الفقهية، فبدأ بكتاب الوضوء، ووضع تحته أبوابًا ثم كتاب الصلاة ثم كتاب الإمامة؛ ليبين فضل صلاة الجماعة ثم كتاب الجمعة ثم الصيام ثم الزكاة ثم المناسك.

٣- اشترط الاقتصار على الصحيح، وعلى ذلك فكل ما أورده صحيح عنده، وفقًا لهذا الشرط، ولا يشترط أن ينص على صحة كل حديث ما دام قد التزم بذلك، وكل كتب المصطلح اعتبرت أن من مصادر الصحيح بعد الصحيحين، صحيح ابن خزيمة، وابن حبان، وفقًا لشرطهما. [انظر: تدريب الراوي ١/١٠٤، ١٠٥، وتوضيح الأفكار للصنعاني ١/٦٤، ٦٥]

٤- من منهج ابن خزيمة - رحمه الله - في صحيحه أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وقد ذكر ذلك ابن حجر - رحمه الله - حيث قال بعد أن ذكر مذهب ابن حبان في تلك المسألة: "وكان عند ابن حبان جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". [لسان الميزان ١/٢٥، ط دار الفكر]

٥- اشترط ابن خزيمة - رحمه الله - ألا يروى إلا عن الثقات العدول عن مثلهم، من غير جرح في ناقلي الأخبار من أول السند إلى منتهاه وبدون انقطاع في الإسناد، فيقول - رحمه الله - في ص ٣ من ج١: "كتاب الوضوء مختصر المختصر من المسند الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه -صلى الله عليه وسلم- من غير قطع في أثناء الإسناد، ولا جرح في ناقلي الأخبار التي نذكرها بمشيئة الله تعالى).

٦- يعلق كثيرًا على المتون بتوضيح، وكذلك على الأسانيد.

نماذج من صحيح ابن خزيمة:

قال في صحيحه: جماع أبواب التيمم، باب ذكر ما كان من إباحة الصلاة بلا تيمم ثم عدم الماء قبل نزول آية التيمم، أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا محمد بن العلاء بن كريب نا أبو أسامة عن هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - "أنَّها اسْتَعارَتْ مِن أسْماءَ قِلادَةً فَهَلَكَتْ، فأرْسَلَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ناسًا مِن أصْحابِهِ في طَلَبِها، فأدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ فَصَلَّوْا بغيرِ وُضُوءٍ، فَلَمّا أتَوُا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- شَكَوْا ذلكَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فقالَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: جَزاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَواللَّهِ ما نَزَلَ بكِ أمْرٌ قَطُّ إلّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ منه مَخْرَجًا، وجُعِلَ لِلْمُسْلِمِينَ فيه بَرَكَةٌ".

- وقال في صحيحه جماع أبواب الأذان والإقامة، باب في بدء الأذان والإقامة: أخبرنا أبو طاهر نا أبو بكر نا الحسن بن محمد وأحمد بن منصور الرمادي قالا: حدثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج ح وحدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري نا أبو عاصم عن ابن جريج ح وحدثنا محمد بن الحسن بن تسنيم نا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج أخبرني نافع عن ابن عمر- رضي الله عنهما - قال: كانَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلاةَ ليسَ يُنادَى لَها، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا في ذلكَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: اتَّخِذُوا ناقُوسًا مِثْلَ ناقُوسِ النَّصارى، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ اليَهُودِ، فَقالَ عُمَرُ: أوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنادِي بالصَّلاةِ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ - صَلَى الله عَليه وَسَلّم: «يا بلالُ قُمْ فَنادِ بالصَّلاةِ».

وقال في صحيحه: جماع أبواب صلاة التطوع في السفر على الدواب، باب إباحة الوتر على الراحلة في السفر؛ حيث توجهت بالمصلى الراحلة ضد قول من زعم أن حكم الوتر حكم الفريضة، وأن الوتر جائز كصلاة الفريضة: حدثنا يونس بن عبد الأعلى نا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن سالم ابن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُسَبِّحُ عَلَى الرَّاحِلَةِ قِبَلَ أَيّ وَجْهٍ تَوَجَّهَ، وَيُوتِرُ وَأَنَّهُ لَا يُصلي عَلَيْهَا المَكْتُوبَةَ».

رابعًا: المصنفات

المُصَنَّف: كتاب يجمع فيه صاحبه بأسانيده أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين ومن بعدهم، ويكون مرتبًا على الكتب والأبواب الفقهية.

فالكتاب المصنف يهتم بالإضافة إلى الأحاديث الشريفة بالآثار والأقوال الواردة عن الصحابة ومن بعدهم؛ ولذلك فإن هذه المصنفات هي أهم المصادر التي نستمد منها تلك الأقوال.

وقد بدأ التأليف على هذا النحو منذ مرحلة مبكرة جدًّا، ويوجد بين أيدينا الآن مصنفان على درجة كبيرة من الأهمية جمعا طائفة كبيرة من الأحاديث والآثار، وهما: مصنف عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١هـ)، ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ)، قال صاحب كشف الظنون عن مصنف ابن أبي شيبة، مبينًا طبيعة المصنف: "المصنف كتاب كبير جمع فيه أبو بكر بن أبي شيبة أحاديث الرسول وآثار الصحابة وأقوالهم، وفتاوى التابعين، وأتباع التابعين الأئمة الأجلة المشهودين لهم بالخير على طريقة المحدثين بالأسانيد، مرتبًا على الكتب والأبواب الفقهية".

ونتحدث الآن عن أحدهما.

الإمام عبد الرزاق وكتابه المصنف:

ترجمة الإمام عبد الرزاق:

عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري، مولاهم، أبو بكر الصنعاني، صاحب المصنف، ولد سنة (١٢٦هـ)، رحل إلى الحجاز، والشام، والعراق. مات سنة (٢١١ هـ). [تاريخ ابن معين ٣٦٢، وطبقات ابن سعد ٥/٥٤٨، والتاريخ الكبير ٦/١٣٠، والجرح والتعديل ٦/٣٨، والكامل، لابن عدي ٤/٦٤٠، وسير أعلام النبلاء ٥٦٣، وميزان الاعتدال ٢/٦٠٩، وتذكرة الحفاظ ١/٣٦٤، وتهذيب التهذيب ٦/٣١٠]

منهج الإمام عبد الرزاق في مصنفه:

١- رتبه على الكتب والأبواب الفقهية، فبدأ بكتاب الطهارة ثم الحيض ثم الصلاة، وهكذا.

٢- يروى الأحاديث والآثار بأسانيدها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو إلى قائليها من الصحابة فمن بعدهم.

٣- فيه الصحيح وغيره، بمعنى أننا بحاجة إلى دراسة كل رواية فيه، والحكم عليها بعد تلك الدراسة.

٤- إسناد عبد الرزاق - رحمه الله - من الأسانيد العالية؛ لأنه من المتقدمين فيكون بينه وبين الصحابي اثنان - أحيانًا - كما في هذه الرواية، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن محمد بن زياد قال: رأيت أبا هريرة – رضي الله عنه – مرَّ بِقَوم يَتَوَضَّئُونَ مِنَ المِطْهَرَةِ، قالَ: أَحْسِنُوا الْوُضُوءَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم - قالَ: «ويْلٌ لِلْأَعْقابِ مِنَ النّارِ».

٥- أحصى محقق المصنف عدد الروايات الواردة فيه من أحاديث وآثار فبلغ عددها (٢١٠٣٣) حديثًا.

٦- طبع المصنف بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في أحد عشر مجلدًا ما عدا الفهارس سنة ١٣٩٢هـ مع نقص في أوله.

خامسًا: المستخرجات

وأهم المصنفات فيها:

المستخرَج: هو أن يأتي المُصنَف (صاحب المستخرَج) إلى كتاب - من كتب الحديث - فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو في من فوقه - ولو في الصحابي - مع رعاية ترتيبه، ومتونه، وطرق أسانيده.

فإذا اجتمع مع شيخ المصنف للكتاب سمى هذا النوع موافقة؛ لأنه وافق المستخرج عليه في شيخه.

وإذ اجتمع مع شيخ شيخه فما فوق سمى هذا النوع موافقة عالية بدرجة أو أكثر حسب العلو.

ولا تقتصر المستخرَجات - على الأرجح بين العلماء - على الصحيحين فقط أو أحدهما، بل يمكن الاستخراج على أي كتاب آخر من كتب الأحاديث، وقد صنع أبو على الطوسي مستخرجًا على سنن الترمذي.

شرطه:

١- ألا يصل إلى شيخ أبعد مع وجود سند يوصله إلى الأقرب إلا لغرض من علو أو زيادة حكم أو نحوه، وإلا فلا يسمى مستخرجًا، قاله الحافظ ابن حجر.

٢- كما يشترط في المستخرج ألا يروي حديث البخاري ومسلم - إذا كان مستخرجًا عليهما - عنهما بل يروي حديثهما عن غيرهما سواءً عن شيوخهما أو شيوخ شيوخهم أو أرفع من ذلك. قاله ابن الصلاح في علوم الحديث ص ١٩.

٣- كما يشترط – أيضًا - في المستخرج أن يروي تلك الأحاديث المستخرجة عليهما - أي الصحيحين - بالأسانيد الصحيحة؛ لأن ذلك شرط البخاري ومسلم في صحيحيهما.

٤- طالب الحافظ ابن حجر بدراسة أحوال الرواة بين صاحب المستخرج، وبين الرجل الذي التقى به في سند الشيخين حتى نتأكد من صحة السند كله. [تدريب الراوي ١/١١٥]

فوائد المستخرجات:

للمستخرجات فوائد جليلة، وعظيمة ذكرها مجموعة من العلماء، منهم ابن الصلاح في المقدمة، والنووي في شرح مسلم، وهي:

١- علو الإسناد.

٢- زيادة قوة الحديث بكثرة طرقه.

٣ - زيادة ألفاظ صحيحه زيادة مفيدة يستنبط منها فوائد فقهية وغيرها. [علوم الحديث ١٩-٢٠]

وقد ذكر الحافظ ابن حجر فوائد أخرى نقلها عنه السيوطي في التدريب، والصنعاني في توضيح الأفكار، منها:

١- عدالة من أخرج له فيه؛ لأن المخرج على شرط الصحيح يلزمه أن لا يخرج إلا عن ثقة عنده.

٢- ما يقع فيها من حديث المدلسين بتصريح السماع، وهو في الصحيح بالعنعنة.

٣- ما يقع فيها من حديث المختلطين، وهو في الصحيح لم يبين هل كان ذلك السماع قبل ذلك الاختلاط أو بعده، فيأتي صاحب المستخرج فيبين ذلك.

٤- ما يقع فيها من التصريح بالأسماء المبهمة، والمهملة في الصحيح، في الإسناد أو في المتن.

٥- ما يقع فيه من التميز للمتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك في كتاب مسلم كثير جدًّا فإنه يخرج الحديث على لفظ بعض الرواة، ويحيل باقي ألفاظ الرواة على ذلك اللفظ الذي يورده فتارة يقول "مثله" فيحمل على أنه نظيره، وتارة يقول "نحوه" أو معناه فيحمل على أن فيهما مخالفة بالزيادة والنقص، وفي ذلك من الفوائد ما لا يخفى.

٦- ما يقع فيها من الفصل للكلام المدرج في الحديث مما ليس من الحديث، ويكون في الصحيح غير مفصول.

٧- ما يقع فيها من الأحاديث المصرح برفعها، وتكون في أصل الصحيح موقوفة أو كصورة الموقوفة.

أهم المستخرجات:

ألف عدد من الحفاظ مستخرجات على الصحيحين، فمنهم من استخرج على البخاري وحده، ومنهم من استخرج على مسلم وحده، ومنهم من استخرج عليهما، كما استخرج بعض العلماء على غيرهما ذكر ذلك السيوطي في تدريب الراوي؛ حيث قال: "فائدة: لا يختص المستخرج بالصحيحين، وقد استخرج محمد بن عبد الملك بن أيمن على سنن أبي داوود، وأبو علي الطوسي على الترمذي، وأبو نعيم على التوحيد لابن خزيمة" [تدريب الراوي ١/١١٥]

أولًا: المستخرجات على صحيح البخاري: ومنها مستخرج أبي حفص عمرو بن محمد البجيري المتوفى سنة ٣١١هـ.

ثانيًا: المستخرجات على صحيح مسلم فقط:

ومنها:

١- مستخرج الحافظ أبي عوانة: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد الإسفراييني.

٢- مستخرج الحافظ أبي جعفر: أحمد بن حمدان بن علي بن عبد الله بن سنان الحيري.

ثالثًا: المستخرجات على الصحيحين في كتابين منفصلين لإمام واحد:

١- مستخرجا الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصفهاني الشافعي.

٢- مستخرجا الحافظ أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني المعروف بابن الأخرم.

٣- مستخرجا الحافظ أبي ذر عبد الله ابن أحمد بن محمد بن عبد الله بن عفير الأنصاري الهروي.

٤- مستخرج الحافظ أبي محمد الحسن بن أبي طالب محمد بن الحسن بن علي البغدادي المعروف بالخلال. ويوجد غير ذلك كثير.

رابعًا: المستخرجات على الصحيحين معًا في كتاب واحد لإمام واحد:

١- مستخرج الحافظ أبي بكر أحمد بن عبدان بن محمد الشيرازي [الرسالة المستطرفة ٢٤-٢٧، وتدريب الراوي ١/١١١]

مثال للمستخرجات ومنهجها:

أبو عوانة الإسفراييني وكتابه المستخرج:

ترجمة أبي عوانة:

يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن يزيد، أبو عوانة الإسفراييني النيسابوري، صاحب المسند، ولد بعد سنة (٢٣٠هـ)، رحل في طلب العلم إلى الحرمين والشام ومصر واليمن، والعراق والجزيرة وخراسان، وفارس، وأصبهان وأكثر الترحال، مات سنة ٣١٦ هـ.

مستخرج أبي عوانة:

اسم الكتاب:

مختصر المسند الصحيح، هكذا سماه النووي في مقدمته لشرح صحيح مسلم [ص ٢٦].

نسبة الكتاب على مؤلفه:

صحت نسبة الكتاب إلى صاحبه الإمام أبي عوانة، فقد أثبته له الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ [٣/٧٧٩ م]، وسير أعلام النبلاء [١٤/٤١٧]، وياقوت الحموي في معجم البلدان [١/٢٢٨]، وحاجي خليفة في كشف الظنون [٢/٤٣١].

موضوع الكتاب:

هو مستخرج على صحيح الإمام مسلم؛ أي أنه خرج أحاديث صحيح مسلم بأسانيد لنفسه.

ترتيب الكتاب:

رتب الإمام أبو عوانة كتابه المستخرج على الكتب والأبواب الفقهية.

منهج المؤلف في كتابه:

١- مهَّد للكتاب بمقدمة ذكر فيها أحاديث عن الإيمان والجنة والنار، والكبائر، وصفة النبي – صلى الله عليه وسلم - من المبعث حتى الوفاة.

٢- رتّب الكتاب على الكتب الفقهية؛ حيث بدأها بكتاب الطهارة ثم الصلاة وهكذا، ويذكر تحت الكتاب أبوابًا متعلقة بالكتاب وتحت الأبواب فصولًا.

٣- زاد في كتابه على صحيح مسلم عدة زيادات في متون الأحاديث.

ومن أمثلته في ص ٢٣٥ في (باب الدليل على إيجاب الوضوء لكل صلاة) قال: حدثنا السلمي قال: ثنا عبد الرزاق قال: أنبا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة - رضي الله عنه - عن محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقْبَلُ صَلاةُ أحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتّى يَتَوَضَّأَ».

قال أبو عوانة: "من هنا لم يخرجه أصحابنا".

وقال في ص ٢٣٦ بعد سبعة أحاديث: حدثنا محمد بن الهيثم بسامراء قال: ثنا عبد الله بن عمرو الواقعي قال: ثنا زهير بن معاوية عن جابر عن الشعبي عن مسروق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعت أبا بكر الصديق - رضى الله عنه - يقول: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلا صَلاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، قال أبو عوانة: "إلى هنا زدت من عندي" يقصد (وابدأ بمن تعول).

٤- بوَّب كتابه على أبواب متنوعة وسلك فيها مسلك الإمام البخاري - رحمه الله.

ومن أمثلة ذلك ص ٣٠، (باب بيان إباحة تأخير قيام الإمام في مقامه بعدما تقام الصلاة وتأخير المؤذن الإقامة بعد ما يؤذن لانتظار الإمام).

٥- بعد أن يسوق سند الحديث المستخرج يسوق أسانيد أخرى غير سند مسلم؛ مما يعطي للحديث قوة بكثرة تلك الطرق.

ومن أمثلته: ١/١٩١ باب بيان الترغيب في السواك من كتاب الطهارات، قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: أنبا الشافعي قال: أنبا سفيان (ح وحدثنا) محمد بن شاذان الجوهري قال: ثنا المعلى بن منصور قال: سفيان بن عيينة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- قال: «لَولَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُم بِالسِّواكِ عِندَ كلِّ صَلاةٍ وَلَأَمَرْتُهُم بتَأخِيرِ العِشَاءِ».

حدثنا إبراهيم السرَّاج أخو أبي العباسي قال: ثنا يحيى بن يحيى، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد - بمثله – وقال: «على النّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بالسِّواكِ».

مميزات الكتاب:

يمتاز مستخرج أبي عوانة بعدة مميزات، منها:

١- أن المصنف - رحمه الله - قد أتى فيه بأسانيد متعددة، وروايات كثيرة، منها: تحويلات لشواهده الدالة، كما أنه قارن بين المتون أيضًا.

٢- أتى في ذيل الأبواب بمسائل مهمة.

ومن أمثلة ذلك، ص١٠٥، (باب بيان الائتمام بالإمام في الصلاة، وحظر مبادرته، وحظر صلاة المأموم قائمًا إذا صلى الإمام قاعدًا، وإباحة الإيماء والإشارة في الصلاة، وتكبير المأموم بالجهر ليسمع الناس تكبير الإمام).

٣- استشهد بالمتون على المسائل الجليلة والدقيقة.

ومن أمثلة ذلك ٢/١٦٠: سألت جابر بن سمرة - رضي الله عنه - عن صلاة النبي – صلى الله عليه وسلم - فقال: "كانَ يُخَفِّفُ الصَّلاةَ ولا يُصلي صَلاةَ هَؤُلاءِ".

رحم الله الإمام أبا عوانة وجزاه خيرًا.

سادسًا: المعاجم

المعاجم في اصطلاح المحدثين: ما تذكر فيها الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان، سواء باعتبار تقدم وفاتهم أو حسب الترتيب الأبجدي أو الفضيلة أو التقدم في العلم والتقوى، والغالب عند العلماء هو الترتيب على حروف الهجاء.

يقول الكتاني - رحمه الله: "والمعجم ما تذكر فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكونوا مرتبين على حروف الهجاء ..."، ومن هذه المعاجم: معاجم الطبراني الثلاثة الكبير، والأوسط، والصغير.

المعجم الكبير للطبراني:                

ترجمة الإمام الطبراني:

الإمام الحافظ الثقة محدث الإسلام أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي، الشامي الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة، ولد بمدينة عكا سنة (٢٦٠هـ)، ومات سنة ٣٦٠هـ [ذكر أخبار أصبهان ١/٣٣٥، وطبقات الحنابلة ٢/٤٩، وتذكرة الحفاظ ٣/٩٢٠، وميزان الاعتدال ٢/١٩٥، والبداية والنهاية ١١/٢٧٠، ولسان الميزان ٣ /٧٣]

منهج الطبراني في المعجم الكبير:

١- بدأ الطبراني معجمه الكبير بالعشرة المبشرين بالجنة؛ وبدأ بهم لمنزلتهم، ولأنه لا يقدم عليهم غيرهم.

٢- يبدأ بذكر ترجمة للصحابي؛ حيث يذكر اسمه، واسم أبيه، وجده، ونسبه، وقبيلته، وصفاته، ووفاته من خلال الروايات الواردة في كل ذلك ثم يسوق ما رواه لذلك الصحابي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وأحيانًا يذكر اسمه فقط، كما فعل مع عمرو بن سهيل الأنصاري.

٣- بعد أن ذكر العشرة المبشرين بالجنة ذكر بقية الصحابة مرتبين على حروف المعجم كما هي طريقة المعاجم.

٤- إذا كان من المكثرين أخرج بعض حديثه، وإن كان من المقلين أخرج كل حديثه.

٥- يذكر بعض الصحابة الذين لم يذكر لهم رواية؛ لتقدم وفاته أو لاستشهاده في زمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - مثل عمرو بن غزية الأنصاري - رضي الله عنه.

٦- أحيانًا إذا اجتمعت عدة أحاديث في موضع واحد يجعل لها عنوانًا، أو بابًا مناسبًا، ومن ذلك ما جاء في مسند أسامة بن زيد - رضي الله عنه - حيث قال: باب ما جاء في المرأة السوء، وأنها فتنة ومضرة على زوجها، لكن معجمه ليس على الترتيب الفقهي، وإنما على معاجم الصحابة كما ذكرنا، وما يصنعه من ذلك فهو نادر.

٧- إذا اشترك مجموعة من الصحابة في اسم واحد، أفرد لهم الطبراني بابًا خاصًا يجمع فيه أفراد هذا الاسم، فيقول: باب من اسمه عدي، أو عمير ونحو ذلك.

٨- إذا روى عن الصحابي مجموعة من التابعين أتى الطبراني بأحاديث كل واحد منهم عن هذا الصحابي على حدة كما فعل مع عدي بن حاتم.

٩- لم يلتزم الطبراني بإخراج الصحيح فقط من الحديث، بل يوجد فيه الصحيح، والحسن، والضعيف؛ لأن همه كان متوجهًا إلى جمع سُنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في المقام الأول ثم يأتي التمحيص بعد ذلك على يده أو على يد غيره.

١٠- لم يحكم الطبراني على الأحاديث ولا على الرجال، ولم يقارن بين المتون، وأحيانًا - على قلة - يعرف بالراوي إذا لم يكن من المشهورين، كما فعل في حديث من أحاديث الضحاك بن مزاحم عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه - فقد جاء في إسناده خالد بن قسيط، قال عنه الطبراني: خالد بن قسيط هو خالد بن أبي نوف.

١١- لم يذكر فيه أحاديث أنس، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وعائشة - رضي الله عنهم أجمعين - وهم من السبعة المكثرين بالإضافة إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - كما سبق، ومن ثم فإنه لم يخرج من أحاديث السبعة المكثرين إلا أحاديث ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عن الجميع.

هذا، وقد طبع قدر كبير من المعجم الكبير، بتحقيق الشيخ حمدي السلفي، فأخرج نحو عشرين مجلدًا فجزاه الله عن الإسلام وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيرًا.

نماذج من المعجم الكبير للطبراني:

من أحاديث عمرو بن الحارث الخزاعي – رضي الله عنه - روى الطبراني - رحمه الله - فقال:  حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الْحَرَّانِيُّ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا رُهَيْمٌ، ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ خَتَنُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَخُو امْرَأَتِهِ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَ : "والله ما تَرَكَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَ مَوْتِهِ دِرْهَمًا ولا دِينارًا ولا عَبْدًا ولا أمَةً ولا شيئًا إلّا بَغْلَتَهُ البَيْضاءَ، وسِلاحَهُ وأَرْضًا تَركَها صَدَقَةً".

- أحاديث عمير بن سلمة الضمري - رضي الله عنه - عرف به الطبراني فقال: وهو عمير بن سلمة بن منتاب بن طلحة بن جدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، حدثنا بهذه النسبة أحمد بن عبد الرحيم البرقي ثنا عبد الملك بن هشام عن زياد البكائي عن محمد بن إسحاق بن يسار.

- من حديث عباد بن عبد الله بن الزبير عن معاوية - رضي الله عنه:

قال الطبراني رحمه الله: حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا علي بن المديني، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد بن عبد الله قال: "حَجَجْنَا مَعَ مُعَاوِيَةَ عَامَ حَجَّ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثم دَخَلَ عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ فَقَالَا: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟، فَقَالَ: هَذِهِ سُنَّةٌ صليتُهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رضي الله عنهما، فَقَالَا: كَانَ ابْنُ عَمِّكَ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا، فَقَالَ: مَا ذَكَرْتُ إِلَّا هَذَا".

ثانيًا: المعجم الأوسط:

يقوم منهج الطبراني في الأوسط على جملة من الأسس نجملها فيما يلي:

١- رتب الكتاب على أسماء الشيوخ ترتيب معجميًّا.

٢- يروي عن طريق كل شيخ عددًا من الأحاديث يزيد أو ينقص حسب كثرة روايته عن هذا الشيخ أو قلتها ولأجل بيان التفرد الذي يقع من بعض الرواة عن بعض.

٣- يعقب على كل حديث بقوله: (لم يروه عن فلان إلا فلان) أو قوله: (تفرد به فلان).

٤- اقتصر في جمع أحاديثه على (الغرائب)؛ أي: التي تفرد بها بعض الرواة عن بعض.

وقال الحافظ الذهبي في وصف الكتاب ومنهج الطبراني فيه: "والمعجم الأوسط في ستة مجلدات كبار على معجم شيوخه، يأتي فيه عن كل شيخ بما له من الغرائب والعجائب، فهو نظير كتاب الأفراد للدارقطني، بيّن فيه فضيلته، وسعة روايته، وكان يقول: "هذا الكتاب روحي"، فإنه تعب عليه، وفيه كل نفيس وعزيز ومنكر. [تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢]

ويبلغ عدد الأحاديث التي اشتمل عليها هذا المعجم (١٢٠٠٠) حديث تقريبًا.

ثالثًا: المعجم الصغير ومنهج الطبراني فيه:

١- خرَّج فيه عن كل شيخ من شيوخه حديثًا أو حديثين.

٢- رتب أسماء الشيوخ على حروف المعجم.

٣- يعقب على بعض الأحاديث كقوله في الحديث الأول: (لم يروه عن مبارك بن فضالة إلا جنادة).

٤- يتكلم في الرواة جرحًا وتعديلًا، كان يقول في الحديث الثاني: (تفرد به ابن ذي حماية، وكان من ثقات المسلمين). ويقول في إسماعيل بن عياش: (ثقة فيما يروى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم)، ويحكم على بعض الأحاديث من حيث السند مع بيان السبب كحكمه على حديث: «صَلاةُ اللَّيلِ والنَّهارِ مَثنى مَثنى» بأنه غريب ثم قوله: لم يرو هذه اللفظة، (والنهار) عن العمري إلا الحنيني [تذكرة الحفاظ ١/٢٥. فمن أنواع الغريب: الحديث الذي ينفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره إما في متنه وإما في إسناده. مقدمة ابن الصلاح، ص ١٣٦]

ويصحح الإسناد كما في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «صلاةُ اللَّيلِ مَثْنى مَثْنى فإذا خشِيتَ الصُّبحَ فأوتِرْ بواحدةٍ». قال الطبراني: لم يروه عن محمد بن عمرو عن نافع إلا عباد بن عباد تفرد به الفضل بن زياد، وقد رواه جماعة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة - رضي الله عنه - وهما صحيحان. [تذكرة الحفاظ ١/١٣]

٥- يزيل اللبس في معرفة بعض الرواة مثل قوله: تفرد به المعافي بن عمران وليس بالموصلي [المعجم الصغير ١/١١، ١٢]، وقد يزيد بعض الرواة تعريفًا وتحديدًا بذكر عمله أو وظيفته كقوله: حدثنا يحيى بن إبراهيم بن إسماعيل الحمصي إمام مسجد حمص [المعجم الصغير ٢/١٤١ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه].

٦- يشرح غريب الحديث أحيانًا، كقوله في حديث عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «قَالَ لِي جِبريلُ بشِّرْ خَديجةَ ببَيتٍ في الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصبَ»؛ يَعني: قَصَبَ اللُّؤلُؤِ. [المعجم الصغير ١/١٥]، وكقوله في حديث: «صَلاةُ الأوّابِينَ إذا رَمِضَتِ الفِصالُ»، ففسر جملة: (إذ رمضت الفصال) يعني: تأخير صلاة الضحى إلى أن يتعالى النهار وتحمى الأرض على فصلان الإبل وهي صغارها [المعجم الصغير ١/٥٨]، وفُصلان - بضم الفاء - جمع فصيل.

٧- يبين نسبة بعض الرواة كأن يقول في القردوسي: والقراديس: فخذ من الأزد [المعجم الصغير ١/٥٨] ويذكر اسم من ذكر بكنيته في الحديث كأن يقول: واسم أبي المليح عامر [المعجم الصغير ١/٣٩]، ويذكر تاريخ وفاة بعض الرواة؛ حيث يقول مثلًا: "وبشر الذي روى هذا الحديث هو بشر بن آدم الأكبر، مات قبل العشرين ومائتين". [المعجم الصغير ١/٧٥ : ٧٨]

٨- قد يذكر الزمان الذي وقعت فيه قصة الحديث، ففي حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مَسيرٍ، فأتَينا على مَكانٍ فيه ثومٌ، فأصابَ ناسٌ مِنَ المُسلِمينَ مِنه، وجاؤوا إلى المُصَلّى، فقال: «من أكَل من هَذِه الشَّجَرةِ فلا يَقرَبَنَّ مُصَلّانا». قال: وكانت هذه القصة يوم خيبر [المعجم الصغير ٢/٣٥].

٩- يذكر أحيانًا الزمان والمكان الذي تحمل فيه الحديث كما في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلا هذه الآية الكريمة: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} [آل عمران آية (١٠٢)] ... الحديث حيث قال الطبراني: حدثنا محمد بن أسد بن يزيد الأصبهاني بمدينة أصبهان سنة (٢٩٥هـ) [المعجم الصغير٢ /٥١] .

١٠- يذكر بعض الآراء الفقهية لبعض الأئمة كان يقول: "قال أحمد بن حنبل: لا يجوز صيد الكلب الأسود، وقاله أشعث عن الحسن" [المعجم الصغير ١/١٨٢].

١ ١ - يشير إلى وهم بعض الرواة في بعض الكنى مثل قوله: "ووهم أبو إسحاق السبيعي في كنية الأغر". [المعجم الصغير ١/٧٩]

١٢ - ينص على صحبة بعض الرواة مثل قوله: لا يروي عن يزيد بن الأخنس، وهو أبو معن بن يزيد - رضي الله عنهما - وهو وابنه قد صحبا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بهذا الإسناد. [المعجم الصغير ٤٩/١]

١٣ - يذكر الاختلاف في بعض الرواة ثم يرجح ما يراه صوابًا، مثل قوله في عبد الرحمن بن إسحاق المدني: وأهل المدينة يسمونه عباد بن إسحاق، وقوم يسمونه عبد الرحمن، والصواب من سماه عبد الرحمن. [المعجم الصغير ١/١١٧]

١٤ - ينسب بعض الرواة، مثل قوله: "تفرد به موسى بن أيمن الجزري الحراني" [المعجم الصغير ١/١٧]

المقارنة:

وبعد أن استعرضنا منهج الطبراني في معاجمه الثلاثة نستطيع أن نعقد المقارنة بينها على النحو الآتي:

١- تشترك المعاجم الثلاثة في كونها مرتبة على حروف المعجم.

٢- كل منها يقوم على جمع الأحاديث بترتيب أسماء الرجال صحابة أو شيوخًا.

٣- يشتمل كل منها على الحديث الصحيح، والحسن، والضعيف، والواهي.

٤- المعجم الكبير يندرج ضمن دائرة (معاجم الصحابة) أما المعجم الأوسط، والصغير، فهما يندرجان ضمن (معاجم الشيوخ).

٥- المعجم الكبير للطبراني يجمع بين من له رواية من الصحابة، ومن ليس له رواية، أما في المعجمين الأوسط والصغير، فإنه يقتصر على من له رواية من الشيوخ.

٦- يلاحظ كثرة الأبواب، وتنوعها في المعجم الكبير، رغم أن الترتيب فيه ليس على الكتب الفقهية، عنها في المعجمين الآخرين، بل تكاد تكون معدومة فيهما.

سابعًا: الأجزاء الحديثية

من فنون التأليف في الحديث التأليف على الأجزاء الحديثية، والمقصود بها: الكتب التي جُمع فيها أحاديث شخص واحد من الصحابة أو من بعدهم إلى زمن المؤلف، مثل جمع أحاديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في كتاب واحد أو من بعده، وهذا النوع له أمثلة كثيرة، منها جزء سفيان بن عيينة (ت ١٩٨هـ) برواية أبي يحيى زكريا بن يحيى بن أسد المروزي، جمع فيه خمسين حديثًا من روايته عن سفيان بن عيينة، وكجزء حديث محمد بن عاصم الثقفي الأصبهاني (ت ٢٦٢هـ) الذي رواه عنه محمد بن عبد الله بن جعفر بن فارس، والأمثلة على ذلك كثيرة أو جمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في جزء واحد، مثل كتاب الزهد لابن المبارك، وابن حنبل، وكتاب الجهاد لكل منهما، والقراءة خلف الإمام للإمام البخاري، وكلها موجودة، مطبوعة طبعات متعددة [مفتاح السنة ٣٤، والرسالة المستطرفة ١٤ - ٥٤]

طريقة التأليف في الأجزاء الحديثية:

١- يروي صاحب الجزء الأحاديث الواردة في كتابه بإسناده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

٢- في الأعم الأغلب يكون هدفها الجمع، وليس تمييز الصحيح من غيره؛ ولذلك نجد في معظم الأجزاء الحديثية، الصحيح، والحسن، والضعيف.

٣- قد لا يتكلمون عن إسناد الأحاديث إلا في القليل النادر، كما يفعل الإمام البخاري - رحمه الله – أحيانًا؛ إذ تحدث عن بعض الرواة في جزء القراءة خلف الإمام، مثل حديثه عن محمد بن إسحاق.

٤- لا يتكلمون عن الفوائد المستنبطة من الأحاديث.

- من فوائد الأجزاء الحديثية:

١- أننا قد لا نجد بعض الأحاديث إلا فيها.

٢- قد نجد الأحاديث فيها بطرق أخرى غير الموجودة في الكتب الأصول، فيكون ذلك تقوية للحديث بتكثير طرقه.

٣- قد نجد فيها ألفاظًا في المتون غير موجودة في الكتب الأخرى، تفيد أحكامًا فقهية وغير ذلك.

ثامنًا: الشروح الحديثية

الشروح الحديثة: كتب تعنى بشرح أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيتكلمون عن جملة من الفوائد، والمعاني المتعلقة بها، كالمعاني اللغوية، والوجوه البلاغية، والأحكام الفقهية، والعقائد وغيرها مما يؤخذ من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما يتعرضون لذكر الفوائد الحديثية، ودراسة الإسناد وبيان درجة الحديث، وبالجملة فهم يدرسون كل ما يتعلق بالحديث سندًا ومتنًا.

وقد بدأ التأليف في هذا الفن منذ مرحلة مبكرة، وكان لأصحاب الكتب الستة المشهورة في السنة تعليقات على أحاديثهم كصنيع الإمام البخاري في صحيحه، وخصوصًا في تراجمه، والترمذي الذي أكثر من ذكر الفوائد الإسنادية والمتنية، وكذلك فعل أبو داوود، والنسائي في سننهما.

وكانت تلك الجهود هي البواكير الأولى لشرح الحديث، واستنباط الأحكام منها.

ثم استقل التصنيف في هذا الفن بمؤلفات خاصة، ومن أولها شرح مشكل الآثار، ومعاني الآثار للإمام الطحاوي.

كتاب شرح مشكل الآثار:

ترجمة الإمام الطحاوي: الإمام العلامة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأزدي، المصري، الطحاوي، محدث الديار المصرية وفقيهها، من طحا قرية من قرى مصر، ولد سنة (٢٣٨هـ)، وقيل (٢٣٩هـ)، وذكر ابن كثير عن أبي سعيد السمعاني أنه ولد (٢٢٩هـ)، ومات سنة (٣٢١هـ) رحمه الله تعالى. [تاريخ ابن عساكر ٧/٣٦٨، وسير أعلام النبلاء ١٥/٢٧، والبداية والنهاية ١١/١٨٦، والوافي بالوفيات ٨/٩، والمنتظم ٦/٢٥٠، ولسان الميزان ١/٢٧٦، وطبقات الحفاظ ٣٣٧]

منهج الطحاوي في شرح مشكل الآثار:

الداعي لتأليف الطحاوي كتابه:

دعاه إلى تأليف هذا الكتاب "أنه نظر في الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبيت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجد فيها أشياء مما يصعب معرفتها، والعلم بها عند أكثر الناس، فمال قلبه إلى تأملها، وتبيان ما قدر عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها". [كلام المحقق الشيخ شعيب الأرنؤوط - جزاه الله خيرًا - في مقدمة تحقيق الكتاب ١/٦]

١- رتبه على أبواب فقط، ولم يقسمه إلى كتب، ولو قسمه إلى كتب وأبواب لكان أيسر في التناول، كما فعل في كتابه شرح معاني الآثار.

٢- ذكر تحت كل باب حديث أو حديثين من الأحاديث المشكلة التي ظاهرها التعارض.

٣- لم يضم الأبواب المتفرقة تحت عنوان واحد، بل أودعه الأحاديث التي رآها خفية المعنى، سواءً كانت متعلقة بالعقائد أو التفسير أو الفقه أو الفضائل وغيرها من غير ترتيب؛ ولذلك نجد - مثلًا - أحاديث عن الوضوء متفرقة في مواضع متعددة من كتابه، وهذا يجعله صعب التناول.

٤- يورد الحديث أو الأحاديث في الباب بكل طرقها وأسانيدها، وألفاظها، ومتونها، وذلك جهد عظيم جدًّا، حتى تكون كل الأحاديث أمامه، فربما كان بعضها مطلقًا والآخر مقيدًا وهكذا.

٥- اشترط في التوفيق بين الحديثين المتعارضين أن يكون كل منهما في درجة واحدة من الصحة، فإذا كان أحدهما ضعيفًا تركه وأخذ بالأقوى؛ لأن الحديث الصحيح أو الحسن لا تؤثر فيه معارضة الضعيف له، وذلك منهج علمي رصين.

٦- بعد ذلك يبسط القول، ويطيل النفس في شرح الأحاديث وبيان معانيها والتوفيق بينها حتى يزول التعارض، وينتفي الخلاف سواء بالقول بالنسخ أو بأي شيء.

٧- لم ينتصر فيه لمذهب فقهي معين، وهذا شأن الجهابذة من العلماء يكون انتصارهم لما ترجح لديهم من أدلة.

 أمثلة من الكتاب:

قال الطحاوي: باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المراد بقول الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ} [الآية رقم (٣١) سورة الزمر].

حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {إنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} إلَى قَوْلِهِ: {تَخْتَصِمُونَ} قَالَ الزُّبَيْرُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُكَرَّرُ عَلَيْنَا مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مَعَ خَوَاصِّ الذُّنُوبِ قَالَ: «نَعَمْ، حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ».

حدثنا أبو أمية، حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي، حدثنا يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت {ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ ربكم تَخۡتَصِمُونَ} قال قائل: من نخاصم؟! وليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟! حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر - رضي الله عنهما: هذا ما وعدنا ربنا نختصم فيه.

قال أبو جعفر: فتوهم متوهم أن ما في هذين الحديثين قد أوجب تضادا؛ لما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السبب الذي كان فيه نزول هذه الآية، فتأملنا ذلك، فوجدناه، بحمد الله ونعمته خاليًا من ذلك؛ لأن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما – منهما إنما فيه ما كان من قولهم عند نزول الآية، وما تبين به عند حدوث الفتنة أنه المراد فيها، وكان ذلك تأويلًا منه لا حكاية منه إياه سماعًا من رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وكان ما في حديث الزبير – رضي الله عنه - جوابًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياه لما سأله عما ذكر من سؤاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عما يسأله إياه عنه في حديثه، وجواب رسول  الله -صلى الله عليه وسلم- عنه مما أجابه به، ولم يضاده غيره مما في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -ولا مما سواه فيما علمناه، والله نسأله التوفيق. [شرح مشكل الآثار ١/١٢٣]

تاسعًا: فن غريب الحديث

الغريب في اللغة:

يقال في اللغة: غَرُبَت الكلمة غرابة، إذا غمضت، وخفي معناها، وعلى ذلك فإن الغريب من الكلام: هو الغامض البعيد عن الفهم.

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو سيد البلغاء، وأستاذ الفصحاء، وهو الذي فضّله الله تعالى من بين ما فضله به حتى على الأنبياء أنه أوتي جوامع الكلم، وجوامع الكلم: هو الكلام القليل الذي يجمع في طياته معاني كثيرة.

كما أن أسلوبه ومعانيه بالإضافة إلى ألفاظه، كل ذلك كان واضحًا جليًّا، يخاطب به الصحابة - رضي الله عنهم - فيفهمون عنه، ويستوعبون مراميه، غير أنه قد جدّت أحوال احتاج الناس - من أجلها - إلى توضيح بعض الكلمات التي وردت في أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لما بعد العهد برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودخل كثير من الأعاجم في الإسلام، وفي ذلك يقول الإمام أبو سليمان الخطابي المتوفى سنه (٣٨٨ هـ): "ثم إن الحديث لما ذهب أعلامه بانقراض القرون الثلاثة، واستأخر به الزمان، فتناقلته أيدي العجم وكثرت الرواة، وقل منهم الرعاة، وفشا اللحن، ومرّنت عليه الألسن اللُكنُ رأى أولو البصائر والعقول، والذَّابُّون عن حريم الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن من الوثيقة في أمر الدين، والنصيحة لجماعة المسلمين أن يعنوا بجمع الغريب من ألفاظه، وكشف المغدف - أي المستور - من قناعه، وتفسير المشكل من معانيه، وتقويم الأود من زيغ ناقليه، وأن يدونوه في كتب تبقى على الأبد، وتخلد على وجه المسند؛ لتكون لمن بعدهم قدوة وإمامًا ومن الضلال عصمة، وأمانًا" [غريب الحديث، للخطابي ١/٤٧، جامعة أم القرى]

فبدأ العلماء في التأليف في هذا الفن منذ مرحلة مبكرة جدًّا، ومنهم:

- النضر بن شُمَيل المتوفى سنة (٢٠٣هـ).

- قُطرُب واسمه محمد بن المستنير المتوفى سنة (٢٠٦هـ).

- أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة (٢٢٩هـ).

ثم جاء كتاب أبي عُبيد القاسم بن سلَّام المتوفى سنة (٢٢٤ هـ)، وابن قُتيبة أبو محمد عبد الله بن مسلم المتوفى سنة (٢٧٦هـ)، وأبو إسحاق إبراهيم الحربي المتوفى سنة (٢٨٥هـ)، والكتب الأربعة الأخيرة كلها مطبوعة، وتتابع التأليف في هذا الفن.

- أبو عبيد القاسم وكتابه (غريب الحديث)

ترجمة أبي عبيد - رحمه الله:

الإمام الحافظ أبو عبد الله القاسم بن سلام بن عبد الله. ولد سنة (١٥٧ هـ) بهراة، مات - رحمه الله - سنة (٢٢٤هـ) بمكة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خيرًا. [السير ١٠ /٤٩ وما بعده]

كتاب غريب الحديث لأبي عبيد:

منهج المؤلف في الكتاب:

لم أجد ترتيبًا معينًا للكتاب، وإنما يأتي مؤلفه بالحديث بدون إسناد أو بدون أن يتكلم عن صحة الحديث أو ضعفه، فيتكلم عما فيه من غريب ويوضحه.

مثال ذلك:

كلمة (زوى) في قوله صلى الله عليه وسلم: «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا».

قال أبو عبيد: سمعت أبا عبيدة، ومعمر بن المثنى التيمي - من تيم قريش مولى لهم - يقول: زويت: جمعت، ويقال: انزوى القوم بعضهم إلى بعض: إذا تدانوا وتضاموا، وانزوت الجلدة من النار؛ أي اجتمعت وانقبضت ... إلخ.

مثال آخر:

كلمة (عسف) قال أبو عبيد: العسفاء: الأجراء، والواحد منها عسيف.

ومنه الحديث الآخر: "أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا؛ يَعْنِي أَنه كَانَ أَجِيرًا". [غريب الحديث ١/٣]

مثال ثالث:

كلمة: (دجج) قال أبو عبيد: "الداج الذين يكونون مع الحجاج، مثل الأجراء، والحمالين، والخدم، وأشباههم ... إلخ". [غريب الحديث ٤/٢٠٤]

وقد طبع كتاب غريب الحديث لأبي عبيد طبعته دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد بالدكن بالهند سنة ١٣٨٤هـ = ١٩٦٤م في أربعة مجلدات تحت مراقبة الدكتور محمد عبد المعيد خان.

عاشرًا: علم الرجال

انتقل لنا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بواسطة حملته من الرجال الذين هم إسناد الحديث، من أول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى أن يبلغ هذا الحديث مستقرة في صدور الرجال أو في بطون الكتب التي جمعت الأحاديث، كصحيح البخاري ومسلم وغيرهما.

ومن المهم جدًّا أن نبحث عن أحوال هؤلاء الرجال الذين ينقلون لنا حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن هذا النقل يتعلق بأمر الدين، ومن هنا نشأ (علم الرجال) الذي يدرسون فيه أحوال رواة حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا توافرت فيهم العدالة والثقة قبلوا روايتهم، وإذا اختل ذلك عندهم ردوا هذه الرواية.

والصحابة كلهم عدول ثقات، وذلك بتعديل الله لهم ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لم يعرفوا غير الصدق والأمانة، فلم يتطرق إلى أحاديثهم الكذب في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحاشاهم أن يفعلوا ذلك وهم الذين امتدحهم الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وظل الأمر على ذلك حتى جاءت الفتنة التي وقعت بعد استشهاد ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وحاول بعض من اندسّ بين المسلمين أن يكيد ضد الإسلام وأهله - بالإضافة إلى بعض الفرق - وأن يضعوا الأحاديث؛ حينئذ نهض علماء السنة - جزاهم الله خيرًا - فوضعوا القواعد التي يحتكمون إليها في قبول الرواة ومروياتهم، ومن هنا نشأ علم الرجال.

ونستطيع أن نقرر أن الكلام في الرجال بدأ من عصر الصحابة - رضي الله عنهم - وتكلم في ذلك جماعة منهم عبد الله بن عباس، وأنس، وعبادة بن الصامت وغيرهم - رضي الله عنهم - ثم تتابعت حلقاته من بعدهم فتكلم من التابعين بعدهم شعبة، وابن سيرين، وابن المسيب، وابن المبارك إلى أن دخل عصر التصنيف، وكان من أوائل من جمع كلامه في ذلك كما يقول الذهبي - رحمه الله - في مقدمة ميزان الاعتدال: "وقد ألف الحفاظ مصنفات جمة في الجرح والتعديل ما بين اختصار وتطويل، فأول من جمع كلامه في ذلك الإمام الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ما رأيت بعيني مثل يحيى بن سعيد القطان، وتكلم في ذلك بعده تلامذته يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن علي الفلاس، وأبو خيثمة، وتلامذتهم كأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبي إسحاق الجوزجاني السعدي، وخلق من بعدهم، مثل: النسائي، وابن خزيمة، والترمذي، والدولابي، والعقيلي ... إلخ"[مقدمة ميزان الاعتدال] ا.هـ.

واتخذ التصنيف في علم الرجال أشكالًا متعددة:

فمنهم من عني بالصحابة خاصة، مثل كتاب: (معرفة الصحابة) لأبي بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم المعروف بابن البرقي، و(معجم الصحابة) لابن قانع.

ومنهم من كتب في الطبقات، فشملت طبقات الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، مثل: ابن سعد، والإمام مسلم. ومنهم من كتب في الرجال عمومًا بدأ من عصر الصحابة ومن بعدهم إلى زمن المؤلف، مثل: (التاريخ الكبير) للبخاري، و(الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم.

ومنهم من كتب في الثقات من الرواة خاصة، مثل: كتاب (الثقات) للعجلي، وكتاب (الثقات) لابن حبان.

ومنهم من كتب في الضعفاء فقطـ، مثل: الكامل لابن عدي، والضعفاء للعقيلي، والمجروحين لابن حبان والضعفاء للبخاري، ومسلم والنسائي.

ومنهم من كتب في رواة المراسيل خاصة، مثل المراسيل لأبي داوود، والمراسيل لابن أبي حاتم الرازي.

ومنهم من ألف في علل الحديث مثل الإمام أحمد، والإمام الترمذي، وابن أبي حاتم الرازي.

وفيما يلي دراسة موجزة عن كل نوع مما أُلف في علم الرجال:

أولًا: التصنيف في الصحابة:

معجم الصحابة لابن قانع

ترجمة ابن قانع:

الإمام القاضي أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق بن واثق الأموي، مولاهم، البغدادي، ولد سنة (٢٦٥هـ)، وتوفي في شوال سنة (٣٥١هـ) رحمه الله تعالى. [السير ١٥/٥٢٦، وميزان الاعتدال ٢/٥٣٢، وتذكرة الحفاظ ٣/٨٨٣، والبداية والنهاية ١١/٢٤٢]

منهجه في الكتاب:

موضوع الكتاب:

ألف ابن قانع كتابه ليكون في تراجم الصحابة - رضي الله عنهم - ورتبه على حروف المعجم.

١- الترجمة عنده مختصرة في الغالب، فأحيانًا يورد اسم الصحابي واسم أبيه، وأحيانًا يورد اسمه ونسبته، وأحيانًا يذكر اسمه ونسبه مطولًا، المهم أن الترجمة عنده لا تزيد عن سطر أو سطرين على الأكثر.

٢- يورد لصاحب الترجمة بعض الروايات مسندة من طريقه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

٣- ينص - أحيانًا - على الصحبة لصاحب الترجمة فيقول في أثنائها (وكانت له صحبة).

٤- يستعمل عبارة (مثله) أو (نحوه) في الروايات إذا كان للحديث أكثر من رواية.

٥- له كلام على الروايات كتصحيح خطأ في حديث أو تصويب شيء في إسناد.

٦- هذا الكتاب يحتوي على ست وعشرين ومئتين وألف ترجمة من تراجم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

 نماذج من كتاب (معجم الصحابة) لابن قانع:

١- أبي بن كعب بن قيس بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن الخزرج بن حارثة. أخبرنا عبد الباقي حدثنا علي بن محمد بن عبد الملك أنا أبو الوليد الطيالسي نا قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضى الله عنهما - عن أبي بن كعب – رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى هُودٍ وَعَلَى صَالِحٍ وَعَلَى مُوسَى».

٢- أبي بن عمارة الأنصاري – رضي الله عنه:

 حدثنا بشر بن موسى نا يحيى بن إسحاق السالحينى نا يحيى بن أيوب عن عبد الرحمن بن رزين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن أيوب بن أبي قطن سنان عن أبي بن عمارة الأنصاري – رضي الله عنه - وكان قد صَلَّى فِي بَيْتِهِ، فَقُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَيَوْمَيْنِ ومَا شِئْت».

٣- يحيى بن عبد الرحمن:

حدثنا على بن محمد نا مسدد نا يحيى بن سعيد نا شعبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن زُرارة – رضي الله عنه -، عن عمه يحيى بن عبد الرحمن، أَنَّ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- كَوَى أَبَا أُمَامَةَ؛ يَعْنِي أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ فَمَاتَ، فَقَالَتِ الْيَهُوَدُ: أَلَا دَفَعَ عَنْ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: «مَا أَمْلِكُ لَهُ وَلِنَفْسِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا».

طبعة الكتاب:

وقد طبع الكتاب، طبعته مكتبة الغرباء الأثرية، بتحقيق صلاح بن سالم المصراتي، الطبعة الأولى سنة ١٤١٨هـ.

ثانيًا: التصنيف في الطبقات:

الطبقة في اللغة: القوم المتشابهون في صفة من الصفات كالسن أو الإسناد، وغير ذلك.

وفي اصطلاح المحدثين: القوم المتعاصرون إذا تشابهوا في السن، وفي الإسناد أو في الإسناد فقط بأن يكونوا قد اشتركوا في الأخذ عن الشيوخ بأن يكون شيوخ هذا هم شيوخ الآخر أو يقاربوا شيخه [تدريب الراوي ٢/٣٨٠]

ومثال لذلك: طبقات ابن سعد.

ابن سعد وكتابه الطبقات:

المؤلف:

الإمام الحافظ محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري، ولد بعد الستين ومائة، وقيل: مولده في سنة ستين ومائة، رحل إلى المدينة، والكوفة، وبغداد، وغيرها من المدن.

مات رحمه الله سنة (ت ٢٣٠ هـ) [طبقات ابن سعد ٧/٣٦٤، والجرح والتعديل ٧/٢٦٢، وتاريخ بغداد ٥/٣٢١، ووفيات الأعيان ٤/٣٥١، والكاشف ٣/٤٦، وتذكرة الحفاظ ٢/٤٢٥، وسير أعلام النبلاء ١٠/٦٦٤، وميزان الاعتدال ٣/٥٦٠، وتهذيب التهذيب ٩/١٨٢]

منهج ابن سعد في طبقاته:

١- جمع ابن سعد - رحمه الله تعالى - في كتابه الطبقات تراجم الصحابة والتابعين فمن بعدهم إلى زمنه.

٢- جعل أكثر الجزءين الأولين في سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدأها بذكر من انتمى إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وختمها في الجزء الثاني بذكر غزواته ثم وفاته.

٣- بعد أن انتهى من سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخذ يترجم للصحابة والتابعين فمن بعدهم، فشغل بذلك جميع الأجزاء الباقية من كتابه.

٤- خصص الجزء الأخير من كتابه للنساء.

٥- راعى ابن سعد - رحمه الله تعالى - في تراجم الكتاب عنصرين: عنصر الزمان وعنصر المكان.

أما عنصر الزمان فقد تدخل في بناء الطبقات من أولها إلى آخرها، وكانت السابقة إلى الإسلام هي المحور الأكبر فيه، بدأ بالهجرة إلى الحبشة ثم بغزوة بدر، ومن ثم بدأ بالمهاجرين البدريين ثم بالأنصار البدريين ثم بمن أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا، وإنما هاجر إلى الحبشة أو شهد أحدًا ثم من أسلم قبل فتح مكة وهكذا.

بعد هذا تدخل العنصر المكاني فأخذ يترجم للصحابة، ومن بعدهم على حسب الأمصار التي نزلوها، فسمى من كان بالمدينة، ومكة، والطائف، واليمن، واليمامة ثم من نزل الكوفة ثم من نزل البصرة وهكذا.

وقد أظهر هذا التقسيم عيبًا واحدًا في كتاب ابن سعد؛ إذ قد يكون أحد الأشخاص داخلًا في غير موضع واحد، فقد يكون بدريًّا، وهو مع ذلك ممن كانوا يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هاجر إلى مصر من الأمصار، فيلزم على ذلك ترجمته في ثلاثة مواضع من الكتاب إلا أن ابن سعد تفادى ذلك وتنبه له؛ حيث إنه يطيل ترجمته في موطن واحد، ويوجزها في المواطن الأخرى.

٦- أغلب الروايات التي يوردها في طبقاته يذكرها بأسانيدها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أن له كلامًا كثيرًا في الرجال من حيث الجرح والتعديل، وقد اعتبر العلماء ذلك الكلام مقبولًا؛ وعدوا كتابه - الطبقات - مصدرًا معتمدًا من مصادر تراجم رجال الحديث.

جزى الله ابن سعد - رحمه الله تعالى - عن الإسلام وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير الجزاء.

ثالثًا: التصنيف في الرجال عمومًا:

كتاب التاريخ الكبير للإمام البخاري - رحمه الله:

اسم الكتاب: التاريخ الكبير.

منهج الإمام البخاري في تاريخه الكبير:

لعل كتاب الإمام البخاري هو أول مصنف جامع لأسماء الرواة، فيكاد يكون أعجوبة من أعاجيب التأليف، فهو من أكبر الخزائن لتراجم حملة الحديث: ثقاتهم، وضعفائهم، ومستورهم.

وكان منهجه فيه على النحو التالي:

١- أورد فيه كثيرًا من رجال الحديث، ودرس أحوالهم وصفاتهم حتى عصره - رحمه الله.

٢- رتب فيه الرجال على حسب حروف المعجم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - رضي الله عنهم - إلا أنه بدأ بمن اسمه محمد؛ وذلك لشرف الاسم، ولم يهتم في الترتيب الأبجدي إلا بالاسم الأول، والثاني للمترجم.

٣- أورد في كتابه قسمًا خاصًّا بالكنى للمترجم لهم ألحقه المحقق بالجزء الثامن من الكتاب.

٤- انفرد بذكر بعض الرجال الذين لم يذكرهم أحد غيره.

٥- ميّز بين من تشابهت أسماؤهم وأسماء أبنائهم في كثير من الأحيان، فأفرد ترجمة لكل واحد منهم تميزه عن الآخر.

٦- عباراته في الجرح والتعديل في غاية الدقة والورع، مثل (سكتوا عنه، تركوه، تكلم فيه، فيه نظر).

٧- أثناء ترجمته لبعض الرواة يورد أحاديث بأسانيده، وكثير من متون هذه الأحاديث لا نجدها في غير هذا الكتاب.

رابعًا: التصنيف في رجال كتب معينة:                       

ومن أمثلة ذلك: ابن عدي وكتابه (أسامي من روى عنهم محمد بن إسماعيل البخاري من مشايخه الذين ذكرهم في جامعه الصحيح).

ترجمة ابن عدي:

الإمام الحافظ الكبير، والناقد الخبير أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد الجرجاني، ولد سنة (٢٧٧هـ)، رحل إلى الشام ومصر رحلتين وغيرهما، ومات سنة (٣٦٥هـ). [تاريخ جرجان ٢٢٥، والأنساب ٣/٢٢١، وتذكرة الحفاظ ٣/٩٤٠، وسير أعلام النبلاء ١٦/١٥٤، وطبقات السبكي ٣١٥/٣، وشذرات الذهب ٥١/٣]

موضوع الكتاب:

ألف ابن عدي كتابه ليكون جامعًا لأسماء الشيوخ الذين روى عنهم البخاري في كتابه الصحيح.

ترتيب الكتاب:

رتب ابن عدي أسماء شيوخ البخاري ترتيبًا أبجديًّا على حروف المعجم، مفتتحًا بمن اسمه أحمد ليكون باسم النبي -صلى الله عليه وسلم- (تيمنًا به)، ولم يراع المؤلف في ترتيبه إلا الاسم الأول من صاحب الترجمة، دون النظر إلى اسم أبيه أو جده.

منهج ابن عدي في كتابه:

١- بدأ ابن عدي كتابه بترجمة البخاري، فذكر فيها اسمه، ونسبه، ومولده، وصفته، ومناقبه، وحفظه، وما امتحن به، ووفاته.

٢- ثم بدأ بسرد شيوخ البخاري على حروف المعجم يذكر اسم شيخ البخاري، وكنيته، ونسبته إلى قبيلته أو بلده، وقد يذكر ما اشتهر به الشيخ من لقب أو نسب أو غير ذلك، وقد يذكر سبب تلقيب الشيخ بهذا اللقب.

٣- يذكر - أحيانًا - مكان ولادة الشيخ، وسنة وفاته.

٤- قد يشير - أحيانًا - إلى بعض شيوخ المترجم لهم، وكذلك بعض التلاميذ.

٥- يتكلم - أحيانًا - على بعض الشيوخ جرحًا وتعديلًا من عنده.

٦- ينقل - أحيانًا - ألفاظ الجرح والتعديل عن بعض علماء النقد، كعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين وغيرهم.

٧- يتعرض لذكر طريقة البخاري في روايته عن الشيخ، فيقول مثلًا: ذكره البخاري للاستشهاد أو البخاري استشهد به.

٨- قد يشير - في بعض الأحيان - إلى حال الشيخ مثل: الإشارة إلى زهده أو أنه كان من أهل السنة أو أنه كان يعلم القرآن أو أنه كان قاضيًا أو كان مؤذنًا.

٩- قد يذكر – أحيانًا - مؤلفات بعض الشيوخ، مثل قوله في ترجمة الحلواني: (وله كتاب صنفه في السنة).

١٠- يذكر الحديث الذي رواه البخاري عن ذلك الشيخ، وربما اكتفى بذكر الإسناد دون ذكر المتن.

١١- قد يذكر مهنة الشيخ وصنعته.

خامسًا: التصنيف في الثقات خاصة:

ابن حبان وكتابه الثقات

ترجمة ابن حبان:

الإمام العلامة محمد بن حبان بن أحمد ابن حبان بن معاذ بن معبد، ولد سنة (٢٧١هـ).

توفي - رحمه الله - بسجستان في شوال سنة (٣٥٤هـ)، فرحمه الله وجزاه عن الإسلام وأهله خيرًا. [سير أعلام النبلاء ١٦/٩٢، وتذكرة الحفاظ ٣/٩٢٠، والبداية والنهاية ١١/٢٥٩، وطبقات الشافعية، للسبكي ٣/١٣١ وما بعدها]

منهج ابن حبان في الكتاب:

ترتيب الكتاب:

بدأ ابن حبان كتابه بسيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين ثم رتب كتابه على الطبقات، ورتب أسماء كل طبقة على حروف المعجم، قال ابن حبان: "فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- ومولده ومبعثه وهجرته إلى أن قبضه الله تعالى إلى جنته ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم إلى أن قتل علي - رحمة الله عليه - ثم نذكر صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واحدًا واحدًا على المعجم؛ إذ هم خير الناس قرنًا بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم نذكر بعدهم التابعين الذين شافهوا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الأقاليم كلها على المعجم؛ إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرنًا ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل من قبلهم، وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا". [الثقات ١٠/١]

١- لم يذكر في كتابه إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم.

٢- حدد صفات الذين يذكرهم في كتابه فقال: فكل من أذكره في هذا الكتاب الأول فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره، إذا تعرى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممن أذكره في كتابي هذا فإن ذلك الخبر لا ينفك من إحدى خمس خصال: إما أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرت اسمه في كتابي هذا في الإسناد رجل ضعيف لا يحتج بخبره.

أو يكون دونه رجل واهٍ لا يجوز الاحتجاج بروايته.

أو الخبر يكون مرسلًا لا يلزمنا به الحجة.

أو يكون منقطعًا لا يقوم بمثله الحجة أو يكون في الإسناد رجل مدلس لم يبين سماعه في الخبر من الذي سمعه منه، فإن المدلس ما لم يبين سماع خبره عمن كتب عنه لا يجوز الاحتجاج بذلك الخبر.

فكل من ذكرته في كتابي هذا إذا تعرى خبره عن الخصال الخمس التي ذكرتها فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره.

٣- أحيانًا يذكر التراجم مختصرة جدًّا، فلا يذكر معلومات تشفي الغلة عنهم، مثل: عمرو بن عثمان بن يعلى يقول: (يروى عن أبيه عن جده، روى عنه خلف بن مهران العدوي).

٤- وأحيانًا يطيل النفس كما حدث في رواية مسعر بن كدام، ومقاتل بن حيان.

٥- أحيانًا يذكر بعض الأحاديث التي هي من رواية الرواة المترجم لهم، كما فعل في رواية ميكائيل بن أبي الدهماء، ومكرك بن كرزمة الحنفي، ومتوكل بن الليث المحاربي وغيرهم.

سادسًا: التصنيف في الضعفاء خاصة:

كتاب (الكامل في ضعفاء الرجال لابن علي)

منهج ابن عدي في كتابه:

١- قدم ابن عدي لكتابه بمقدمات زاخرة بالعلم، والقواعد الحديثية، منها: كلامه عن عظم وهول وسوء عاقبة الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنها تحرى الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن بعدهم في حمل الحديث، وروايته، وأدائه، وردهم على من أخطأ أو كذب في الحديث، وجعل ذلك في ثلاثين بابًا.

٢- ترجم بعد ذلك لكبار أعلام الأئمة الذين استجازوا الكلام في الرجال ذبًّا عن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعلهم على طبقات بدأها بطبقة من تكلم من الصحابة في الرجال، فذكر عمر، وعلي، وابن عباس، وعبد الله بن سلام، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعائشة – رضي الله عنهم - ثم طبقة التابعين وذكر فيها سعيد المسيب، وابن جبير، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين - رحمهم الله تعالى - وهكذا ثم طبقة أتباع التابعين فذكر شعبة بن الحجاج ثم سفيان الثوري، وهكذا تتبع الطبقات حتى طبقة البخاري - رحمهم الله تعالى.

٣- كتابه فيمن تكلم فيه من الرجال؛ حيث وضح طريقته تلك فقال: وذاكر في كتابي هذا كل من ذكر بضرب من الضعف، ومن اختلف فيهم، وقال - أيضًا: ولولا أني شرطت في كتابي هذا أن أذكر فيه كل من تكلم فيه متكلم لكنت أُجِل أحمد بن صالح أن أذكره. قال الذهبي في السير: ذكر في الكامل كل من تكلم فيه بأدنى شيء ولو كان من رجال الصحيحين، ولكنه ينتصر له إذا أمكن. [سير أعلام النبلاء ١٦/١٥٥]

٤-يورد التراجم في كتابه مرتبة على حروف المعجم؛ حيث التزم الحرف الأول فقط، فبدأ بأحمد ثم إبراهيم ثم إسماعيل ثم أسامة وهكذا.

٥- يستوفي كثيرًا من عناصر الترجمة المطلوبة، فيبدأ باسم صاحب الترجمة، وكنيته ولقبه، ونسبه، ويذكر أقوال أئمة الجرح والتعديل، وأحيانًا يقدم حكمه على المترجم قبل ذكر الأقوال فيه.

٦- لا يعتمد ترتيبًا معينًا في ذكره للعلماء الذين يورد أقوالهم في الحكم على الرجال، فمرة يقدم ابن حنبل، ومرة ابن معين، ومرة البخاري وهكذا.

٧- يتميز بالإنصاف في الحكم على الرواة، وقد شهد له الذهبي بذلك؛ حيث قال في ترجمته: "وهو منصف في كل الرجال بحسب اجتهاده".

٨- يسبر أحاديث الراوي، ويحكم عليها في الجملة، وأحيانًا يورد بعض الأحاديث التي استنكرت عليه.

جزى الله الإمام ابن عدي عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

سابعًا: التصنيف في العلل:

علم العلل:

وضع العلماء شروطًا خمسة للحديث الصحيح، وهي: اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبط الرواة، وخلو الحديث من الشذوذ، وخلوه من العلة القادحة.

والعلة عند المحدثين هي: سبب خفي غامض يقدح في الحديث مع أن الظاهر السلامة منه.

والعلة قد تكون في الإسناد أو في المتن أو فيهما معًا، ومنها ما يكون قادحًا في صحة الحديث، ومنها ما لا يكون قادحًا، وهو علم عظيم لا يقدر عليه إلا جهابذة العلماء الذين يحفظون متون الأحاديث وأسانيدها من كل الطرق التي وردت منها، وهو يدل على عناية الأمة بصحة الحديث، وسلامته، وتمييز صحيحه من سقيمه. وقد ألف فيه مجموعة من العلماء منهم: علي بن المديني المتوفى سنة (٢٣٤هـ).

والإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة (٢٤١هـ).

والإمام ابن أبي حاتم المتوفى سنة (٣٢٧هـ) [طبقات الحنابلة ٢/٥٥، وتذكرة الحفاظ ٢/٨٢٩، وسير أعلام النبلاء ١٣/٢٦٣، وميزان الاعتدال ٢/٥٨٧، وطبقات السبكي ٣/ ٣٢٤، والبداية والنهاية ١١/١٩١، ولسان الميزان ٣/٤٣٢]

وكتابه في العلل من أجمع الكتب في فهم العلل، وأيسرها تناولًا.

أما عن منهجه في كتاب العلل:

١- فقد رتبه على الكتب والأبواب الفقهية، فبدأ بعلل الحديث الواردة في الطهارة ثم في الصلاة ثم في الوتر، وهكذا.

٢- عدد الكتب التي جمع أحاديثها في كتابه أربعة وخمسون بابًا، بدأت بالطهارة وانتهت بالنذر.

٣- يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها، وأحيانًا يأتي بها من أسانيد الذين يتكلم عنهم.

٤- يعتمد فيه في الغالب على أقوال أبيه وأبي زرعة الرازي، فكثير ما يبدأ بقوله: "سألت أبي عن حديث كذا، أو سئل أبو زرعة عن حديث كذا".

٥- يبين علة الحديث، مثل قوله: "قال أبي: لم يسمع عمر يعلى بن مرة، وإنما يحدث عن أبيه عن جده وعمر ضعيف الحديث" [علل ابن أبي حاتم ١/٣٣٢]، وقد طبع الكتاب عدة طبعات، منها طبعة في مجلدين، طبعته دار السلام بحلب، وصدر له فهرس من إعداد الدكتور يوسف المرعشلي، صدر عن دار المعرفة ببيروت سنة ١٤٠٦هـ.

ومن نماذجه:                                                             

ما جاء في علل أحاديث في الصلاة، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه محمد بن المصفى عن ابن حمزة عن محمد بن عمرو عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أمية عَنِ النّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ وملائكتَهُ يُصَلُّونَ على الَّذينَ يَصِلونَ الصُّفوفَ الأُوَلَ».

قال أبي: هذا خطأ بهذا الإسناد، الصحيح: ما رواه الدراوردي عن ابن عجلان عن إبراهيم بن عبد الله بن حسيب عن أمية عن النبي - صلى الله عليه وسلم.

ما جاء في علل أخبار المناسك: قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن حديث رواه يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن منصور عن مقسم عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: "سَاقَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مِائَةَ بَدَنَةٍ، فِيها جَمل لأبِي جَهل" فقال أبو زرعة: هذا خطأ إنما هو الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس - رضي الله عنهم - والخطأ من يعلى. [علل ابن أبي حاتم ٢/٢٩٥]

ثامنًا: التصنيف في المراسيل:

المراسيل: جمع مرسل، والمرسل عند المحدثين: هو الحديث الذي سقط من إسناده الصحابي بأن يرفع فيه التابعي الحديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مباشرة بدون ذكر الصحابي.

وأحيانًا يتوسعون في معنى المراسيل، فيقصدون بها كل انقطاع في الإسناد على أي وجه كان، ولا يقصرون ذلك على الإسناد الذي سقط منه الصحابي فقط.

وهذا هو الذي استقر عليه التأليف في المراسيل، كما فعل ابن أبي حاتم وغيره، فهم يجمعون فيها الروايات التي انقطع إسنادها، فرواها الرواة عمن لم يأخذوا عنهم مباشرة، وهذه الروايات معللة عند المحدثين، وهي من النوع الضعيف عندهم.

كتاب ابن أبي حاتم - رحمه الله:

هو كتاب ترجم فيه صاحبه للرواة المرسلين من مختلف الطبقات، وهو بهذا المعنى لم يقتصر على الذي سقط منه الصحابي فقط، وقد بلغ عدد التراجم فيه اثنين وتسعين وأربعمائة، ميّز فيها بين ما سمعه الرواة من شيوخهم، وبين ما لم يسمعوه منهم، وقد رتب الرواة فيه على حروف المعجم.

وقد طبع عدة مرات، ومنها طبعة في مجلد واحد صادرة عن مؤسسة الرسالة بعناية شكر الله بن نعمة الله سنة ١٤٠٢هـ ١٩٨٢م.

أنموذج من هذا الكتاب:

قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي - رحمه الله - يقول: الحسن - رحمه الله تعالى - لم يسمع من ابن عباس، وقوله: خطبنا ابن عباس - رضي الله عنهما - يعني خطب أهل البصرة. [مراسيل ابن أبي حاتم، ص٣٦]

مصطلح الحديث

علم مصطلح الحديث:

هو علم يعرف به أحوال سند الحديث ومتنه، من حيث القبول والرد أو هو علم يعرف به أحوال الراوي والمروي عنه من حيث القبول والرد، بمعنى أننا ندرس أحوال الرواة الذين ينقلون كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وندرس المتن - أيضًا - في ضوء القواعد التي وضعها العلماء لدراسة الإسناد والمتن؛ لنصل إلى قبول الحديث أو رده، ولقد بدأت البواكير الأولى لهذا العلم منذ عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وبأمر من القرآن الكريم الذي طلب منا التثبت من نقل الرواة، وذلك في قوله تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ} [الحجرات: ٦]

وتوالى التثبت في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين من بعدهم، وجاءت مرحلة أخرى دخل فيها هذا العلم طورًا جديدًا، وذلك بتدوين بعض مباحثه في ثنايا الكتب كما فعل الشافعي - رحمه الله - في الرسالة، وكما فعل البخاري - رحمه الله - في صحيحه، ومسلم - رحمه الله - في مقدمة صحيحه؛ حيث كانت لهم أقوال متعلقة بعلم المصطلح.

ثم دخل هذا العلم مرحلة هامة في تاريخه، وهو تدوين مباحثه في المصنفات المستقلة الخاصة به، وأول من صنف في ذلك هو القاضي أبو محمد الرامهرمزي - رحمه الله تعالى.

الرامهرمزي وكتابه المحدث الفاصل:

ترجمته:

الحسن بن عبد الرحمن أبو محمد الرَّامَهُرْمُزِيُّ القاضي، مصنف كتاب المحدث الفاصل بين الراوي والواعي في علوم الحديث.

مات سنة (٣٦٠هـ) - رحمه الله تعالى. [الأنساب ٦/٥٢، ومعجم الأدباء ٩/٥، وسير أعلام النبلاء ١٦/٧٣، وتذكرة الحفاظ ٣/٩٠٥، وطبقات الحفاظ ٣٦٩، وشذرات الذهب ٣/٣٠]

كتابه المحدث الفاصل ومنهجه فيه

اسم الكتاب:

المحدث الفاصل بين الراوي والواعي في علوم الحديث.

أقوال العلماء فيه:

قال الذهبي في السير: "ما أحسنه من كتاب".

منهجه في الكتاب:

١- مادة الكتاب: استوفي الرامهرمزي في كتابه البحث في آداب الراوي، والمحدث، وطرق التحمل والأداء، واجتهاد المحدثين في حمل العلم، كما تحدث عن الإملاء، والتلقين، والانتخاب وغيره من مسائل حمل الحديث وأدائه، كما تحدث عن صفة كتابة الحديث فتكلم عن النقط والشكل وهكذا.

٢- جعل الكتاب على هيئة أبواب: بدأه بباب النية فيه - أي في طلب الحديث - وباب القول في أوصاف الطالب، باب الكتاب، باب القراءة على المحدث وهكذا.

٣- تحت كل باب يذكر من الكلام المنقول ما يوضح مسألة الباب ذاكرًا أقوال العلماء فيها.

٤- يذكر أقوال العلماء بأسانيدها لنفسه.

٥- لم يستوف كل موضوعات علوم الحديث، ولا غرابة في ذلك، فهو من المؤلفات الأولى في هذا الفن، وقد مهد الطريق لمن بعده.

نماذج من الكتاب:

في باب القراءة على المحدث: ذكر من قال من العلماء بجواز القراءة على المحدث، وبعد أن انتهى من أقوال المجوزين أخذ في عرض أقوال المانعين، ومن كلامه في ذلك: حدثنا مهذب بن محمد بن يسار الموصلي وأصله من رامهرمز، حدثنا إسحاق بن سيار النصيبي قال: سمعت أبا عاصم قال: سمعت سفيان، وأبا حنيفة، ومالكًا، وابن جريج، كل هؤلاء سمعتهم يقولون: "لا بأس بها - يعني القراءة - وأنا لا أراه، وما حدثت بحديث عن أحد من الفقهاء قراءة".

حدثنا الحسن بن عثمان، ثنا بندار، ثنا عبد الرحمن قال: سمعت مالكًا يقول: "القراءة والسماع سواءً"، حدثنا مهذب بن محمد، ثنا إسحاق بن سيار، قال: سمعت أبا عاصم يقول: "زعم سفيان أن القراءة جائزة".

وبعد أن فرغ من أقوال هؤلاء المجوزين قال: من قال بخلاف ذلك: أخبرنا الساجي أن الربيع حدثهم قال: قال الشافعي - رحمه الله -: "إذا قرأ عليك فقل: حدثنا، وإذا قرأت: فقل أخبرنا".

حدثنا عبد الله بن أحمد الفراء، ثنا يوسف بن مسلم، ثنا محمد بن كثير قال: "سألت الأوزاعي عن الرجل يقرأ على المحدث أو العالم حديثه كيف يقول فيها؟ أيقول فيها حدثني؟ فقال: يقول كما كان".

حدثنا عبد الله ثنا يوسف ثنا شعيب بن سليمان بن النضير الشيرازي قال: سمعت أبا قتادة يقول: "كنت مع الوليد عند الأوزاعي قال: فاستقبلته يومًا وبيده درج فقال لي: يا أبا قتادة لو سبقت قليلًا كنت قد أدركت هذا، رفعت هذا إلى الأوزاعي فنظر فيه البارحة فأجازه لي اليوم فقلت: لو حضرت ذا ما قبلته".

الخلاصة

بلغت السنة النبوية أوج ازدهارها في القرن الثالث الهجري والنصف الأول من القرن الرابع؛ حيث نشطت حركة الحفظ والتدوين بدقة على أيدي الصحابة ومن تبعهم، فتم تصنيف الأحاديث في مؤلفات مرجعية، من أبرزها كتب المسانيد التي رتبت وفق روايات الصحابة، كـمسند الإمام أحمد بن حنبل إلى جانب كتب الحديث الفقهي، مثل: صحيح البخاري وصحيح مسلم، والتي أرست قواعد علمية صارمة لفحص الأسانيد والمتون، كما ظهرت مؤلفات متخصصة في شرح الأحاديث وبيان غريبها، وسِيَر الرواة في علم الرجال، وفي العصر الحديث واصل علماء بارزون جهود الحفاظ والتحقيق، من بينهم الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند، مع التزام أمثال الإمام أحمد وأبي يعلى بدقة النقل وأمانة التوثيق، وقد تضافرت هذه الجهود عبر القرون لصيانة السنة النبوية وحمايتها، فأثمرت حفظًا نقيًّا أمينًا يُعتدّ به في تراث الأمة.

موضوعات ذات صلة

صدرت السنة النبوية المطهرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأشكال متنوعة، شملت قوله وفعله وإقراره وصفاته الخِلقية والخُلقية.

نهض التابعون وأتباعهم، يحملون إرث النبوة بصدق وأمانة، فتبلورت في عصرهم  مناهج رصينة، أرست دعائم النقد والتصنيف في علوم الحديث الشريف.

شهدت علوم الحديث في العصر الحاضر تطورًا ملحوظًا في المناهج والأساليب، حيث تعددت جهود العلماء في خدمة الحديث النبوي والذب عنه.

موضوعات مختارة